روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الاثنين، 13 يونيو 2022

ج1 وج2.التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) لبرهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)

ج1. وج2.  التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) المؤلف سبط ابن العجمي

 ج1.

ج1. التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) -برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل
الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح)
المؤلف: برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل
الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)
تحقيق: المكتب العلمي بدار الكمال المتحدة
[تنبيه]
ترقيم الكتاب داخل الصفحات موافق لمخطوطة الكتاب
* * *

(1/1)


[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله الذي أيقظَ مِنْ خلْقِه مَنِ اصطفاه، وجَعَلَ هَمَّهُ فيما [1] يتعلَّقُ بآخرتِه لا دُنياه، وشغلَهُ بأمورِ مآلهِ واجتباه، وعظَّمَ قدرَهُ في الحالِ وفي المآل، وجعلَهُ من أبناءِ الآخرةِ ونِعْمَ الرجال، فهُمُ الأَعلونَ أَقدارًا، المشغولونَ بعبادتهِ ليلًا ونهارًا، أسْبغَ اللهُ عليهم في الدنيا نعمتَه، وبلَّغَهم في الآخرةِ جنَّتَه، أحمدُه أبلغَ الحمدِ وأكملَه، وأتمَّهُ وأزكاهُ وأشملَه، وأَشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ المتوحِّدُ في ملكوته، المتفرِّدُ [2] بعظمتهِ وجَبَروتِه.
وأَشهدُ أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُه المصطفى، ورسولُهُ ذُو الشرْعِ المقتفى صلَّى الله وسلَّم عليه، وزادَه فضْلًا وشرفًا لديه.
أمَّا بعدُ:

(1/2)


فلمَّا كان [3] «صحيحُ البخاريِّ» يُقرأُ ببلدتنا كثيرًا، ويتطاولُ إليه مَن كان صَغيرًا أو كبيرًا، من غيرِ أن يكون من أهلِه، ولا عارفٍ بفضلِه ونُبْلِه، ولا يَعرفُ العربيَّةَ إلَّا باللِّجام والسَّرْج، ولا المؤنَّثَ مِنَ المُذَكَّرِ إلَّا بالفَرْج، ولا الفاعِلَ مِنَ المفعول، ولا مِنَ الرجالِ الفاضلَ مِنَ المفضول، ولا يعرفُ اللُّغةَ ولا غَريبَ الحديث، ولا تصريفَ الفِعل ولا هو إليه بحثيث، ولا مراتبَ التعديلِ والتجريح، ولا يميِّزُ بين أهل التجريح والترجيح، ولا مَنْ تُرَدُّ روايتُه مِنَ المبتدعة، وإذا ذُكر له الفتوحُ؛ تُرى نفسُه إليه متطلِّعة، ولا المؤتلِف والمختلِف، والمتَّفِقَ والمفترِق، وما أشبههما من الأنواع، ولا معاني الحديث، ولكنَّه يمُدُّ عليه مِن قيلِه [4] أيَّ باع، ولا المعلَّقَ من الموصَّل، ولا العلَّةَ القادحة من غيرِ المعلَّل، ولا العاليَ والنازل إلَّا السماء والأرض، مع جهلِه بالفَرْق بين العَرَض والعَرْض، ولا يُفرِّق بين التدليس والإرسال الخفيِّ، ولا يَفهمُ استدلالَ البخاريِّ [5] إلَّا بالظاهر الجليِّ، ويجهلُ المشهورَ والعزيز والغريب، وليس لأحدٍ من أهل الحديث بقعيد [6] ولا شَرِّيب، ولا هو عارفٌ بالشاذِّ من المتواتر، وإذا ذاكرتَه فيه؛ رأيتَه أعظمَ مُكابر، ولا البَدَلَ من الموافقة والمساواة، ومَن سأله عن شيءٍ من ذلك ناواه، ولا الاعتبارَ والمتابعاتِ والشواهد، وليس لأحدٍ من أهل الفنِّ بمصاحبٍ ولا مقاعد، ولا هو عارفٌ بأنواع المدرج، ولا المخرِّجَ من الجهابذة ولا ما أَخرج، ولا يَفهم ما المسانيد، ولا بمَن هو متكلَّمٌ فيه في الأسانيد، ولا المستدرَك من المستخرَج من المعجَم، وإذا ذاكرتَه في ذلك؛ رأيتَه أبكم، ولا هو عارفٌ ببقيَّةِ الأنواع، ويودُّ أنَّ ذِكرَه بالعلم ظهر وشاع، وليس له بشيءٍ [7] من الكتب السِّتَّة ولا غيرِها سماع، ولا يَعرفُ يَكتبُ أسماءَ السامعين، ولا يَستخرجُ سندَ جزء حديثٍ بلا نِزاع، وليس عنده في هذا العلم ولا ورقة، والشاطرُ منهم مَن يأخذُ بعضَ ذلك سرِقة، ويتكبَّرُ أن يسألَ أهلَ العِلم وأربابَه، فرُبَّما سلَّط بعضَ الطلبةِ ليسألَ له عمَّا نزلَ به ونابَه، ولم يبقَ أحدٌ ببلدتنا ممَّن يقرؤه إلَّا ويتكلَّم عليه، وقد يزعُم أنَّ مرجعَ الناس في ذلك إليه، ويحكي الحكاياتِ؛ ليجمعَ بها النساءَ والعوامَّ، الذين هم في معنى البهائم السَّوامِّ؛ ليعظُمَ في نفوسهم بذلك،

(1/3)


واللهُ يعلمُ أنَّه ليس بعارفٍ ولا سالك، وغرضُه بذلك الفتوح، فشخصُه يغدو إليه ويَروح، وهو عارٍ مِنَ الفنِّ وأدواتِه، ولم يأخذْهُ عن أهله في جهْرِه ولا في خَلَواتِه، وهذا البلاءُ قد عَمَّ غالبَ البلاد، فيقرؤه، وغيره من ليس له فيه طارفٌ ولا تِلاد، ولا شدَّ [8] فيه إلى الأمصار رَحْلَه، ولا حصَّل فيه فوائدَ سهلةً ولا جَزْلَة، ولا مدَّ فيه باعَ الاستحضار، ولا دَأَبَ فيه بالليل ولا بالنهار، فرحم اللهُ الأئمَّةَ الأعلام، الذين هم حُفَّاظُ الدين وأركان الإسلام، فإنَّ رَبْعَهم قد عفا، لكن ذِكرُهم ما هفا، وحسبنا الله وكفى.
وقد كنتُ قديمًا سنة ثلاث وتسعين وسبع مئة كتبتُ عليه تعليقًا سمَّيته بـ «التلويح» لأهل ذلك الزمان، وما كنتُ وقفتُ من شرح شيخنا الآتي ذِكْرُه إلَّا مِن أوَّله إلى أوَّل (كتاب الجهاد)، ثمَّ وقفتُ على الباقي بعد سِنينَ متطاولة، وأعصارٍ متوالية.
والآنَ قد زِدْتُهُ تراجمَ، وفوائدَ، وإيضاحًا، وإعرابًا لقُرَّاء هذا الأوان، لا لأبناء ذلك الزمان، ولم أضعْه للحَبْرِ الكامل، ولا للعالِم الفاضل؛ وذلك لأنَّ كُتُبَ هذا العِلْم ببلدتنا قليلة، وأنفُسَ أهله عنِ التطويل كَلِيلة، ولا يُعانونَ الفَتْشَ عن مكان الوقفِ والإرسال، ولا عدمَ اللُّقِيِّ وذلك عندَهم في «البخاريِّ» و «مسلمٍ» كالمُحال، ولا يعرفونَ زياداتِ الثقات، وقد يظنُّونَ أنَّ زيادَتَها أو تركَها كالهفوات [9]، وإنَّما يُعانونَ كلامَ بعضِ الأعاجم، على «المصابيح» و «المشارق» ولا يعتنون بالتراجم، مع أنَّ بضاعتَنا في العِلم والكُتُبِ مُزجاة، والاعترافَ بالتقصيرِ لصاحبه نِعمةٌ [10] مُهداة، وفي المَثَل: (تسمع بالمعيديِّ خيرٌ من أنْ تَراه)، وإنَّما وضعتُه للمتوسِّط الناقِل، أو [11] لمَن لزمَه العِيُّ؛ كباقِل.
وقد سمَّيتُ هذا الثاني بـ:
«التَّلْقيح لِفَهْمِ قارِئِ الصحيح»
ليكونَ له عندَ قراءتِه عُمدة، ويَفزَعَ إليه عندَ الهَيْعَة كالعُدَّة.
واعلم أنِّي إذا قلت: (قال شيخنا الشَّارح)؛ فمرادي العلَّامةُ الحافظ سِراج [12] الدين أبو حفص عمر بن الإمام أبي الحسن عليٍّ الأنصاريُّ الوادي آشي الشهير بابن المُلَقِّن، برَّد الله ثراه، وجعل الجنَّةَ مرتَعَه ومثواه.

(1/4)


وقد قرأتُ عليه من أوَّل شرحه لهذا الكتاب إلى أوَّل (كتاب الجهاد)، ثمَّ ما في الكتاب قد كتبتُه، وإذا نقلتُ فيه شيئًا عن غيره من مشايخي [13]؛ ميَّزتُه وعيَّنتُه، وما نقلتُ فيه عنِ ابنِ المُنَيِّرِ؛ فمن «تراجمِه» على هذا الكتاب [14]، وفيها فوائدُ،
[ج 1 ص 3]
وقد دقَّقَ فيها تَبَعًا للبخاريِّ، ونحا فيها الصواب.
وما نقلتُه عنِ الدِّمياطيِّ؛ فمِن حواشيه على «البخاريِّ»؛ وهو الحافظ شرف الدين أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلفٍ، وهو [15] شيخُ بعضِ مَن أخذتُ عنه مِنَ الشيوخ، وكان في القراءات والمغازي والأنساب وفنونِ هذا العلم مِن أهل الرُّسوخ [16].
وما قلتُه في تراجم الرجال؛ فمِن «تذهيب الحافظ الذَّهَبِيِّ» المختصَرِ من «تهذيب الكمال» للحافظ المِزِّيِّ، ولم أذكر فيه مِنِ اعتراضات الحافظ مُغلطاي على المِزِّيِّ إلَّا نادرًا، وفيما ذكرتُه كفايةٌ لمن لم يكن على كتب هذا النوع قادرًا.
ومن قلتُ فيه: (له ترجمة في «الميزان»)؛ فإنَّه متكلَّم فيه فيما ذَكره مؤرِّخُ الزمان الحافظ الذَّهَبيُّ في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، اللَّهُمَّ إلَّا أن يكون ذَكَره تمييزًا، فأنِّي أنصُّ عليه، فإذا قلتُ: (وصحَّح عليه)؛ فإنَّه يكونُ العملُ على توثيقه؛ كما شرطه هو في حاشية «الميزان»، وهو كتابٌ مرقصٌ مُطرب، تجاهَ ترجمةِ الشيعيِّ الجَلْدِ أبان بنِ تَغْلِب.
ومَن قلتُ فيه: (قال بعضُهم)؛ فمُرادي [17] صاحبُنا الإمام بدر الدين القاهريُّ الزَّرْكشيُّ في كتابه «التنقيح»، وهو كتابٌ حسنٌ مَليح، غيرَ أنَّ فيه أشياءَ غيرَ صحيحةٍ، وقد وقفتُ منه على نسخةٍ سَقيمةٍ غيرِ مُريحة.
وما نقلتُه فيه عنِ ابن شيخنا البلقينيِّ؛ فمِن كتابه «المبهمات» [18]، وهو قاضي المسلمين الإمام جلال الدين عبد الرحمن بن شيخ الإسلام سِراج الدين أبي حفص عُمر بن رِسلان بن نُصير رحمهما [19] الله، فقد كان للخيراتِ داعيًا، ولعلوم الشريعة واعيًا.
ثمَّ اعلم أنَّ ما فيه عن حافظِ عصري، أو عن بعض حفَّاظ العصر، أو نحو هاتين العبارتين؛ فهو مِن [20] قولِ حافظ هذا العصر العلَّامةِ قاضي المسلمين حافظِ الإسلام شهابِ الدين ابنِ حَجَرٍ، من كتابه الذي هو كالمدخلِ إلى «شرح البخاريِّ» له، أعانَه الله على إكمال الشرح [21].

(1/5)


واعلم أنَّ شيخَنا الشَّارح عزا غالبَ الآثار والمتابعات [22] والتعاليق التي فيه [23]، ولم يَبْقَ في هذا العصر _ والله أعلم _ مَن يماثِلُه، بل ولا مَن يدانيه، ولم يقف عليه منها إلَّا [24] اليسير؛ كالفتيل والنقير والقطمير، ولم أتعرَّض أنا بالنسبة إلى ما ذَكره إلَّا قليلًا لذلك؛ لفائدةٍ قد تعرفُها فيما هنالك، فقد كفانا ذلك ومؤنتَه، جلَّله اللهُ رحمتَه ومغفرتَه، غيرَ أنِّي قد عزوتُ غالبَ ما فيه من المتابعات [25] إلى ما هي فيه من الكتب السِّتَّة المشهورات، ولم أذكرْ ما فيه [26] (من غيرها إلَّا نادرًا في بعض الأوقات، وقد عزا [27] جُلَّ ذلك شيخنا) [28] كما تقدَّم [29] إلى ما هي فيه من المُصنَّفات، ولم أذكر في هذا إلَّا نزرًا من الأحكام، وقد ذكر منها [30] شيخنا شيئًا، وجُملتَها مِن قبلِه الأئمَّةُ الأعلام.
ثمَّ اعلم أنَّ التراجم التي يترجمُ بها البخاريُّ رحمه الله معظمُها هو مذهبٌ يختارُه لنفْسِه يرُدُّ به على بعضِ العلماء، وإمَّا ردٌّ لحديثٍ ضعيفٍ قد ضعَّفه هو أو بعضُ الجهابذة النبلاء، أو ردٌّ لحديثٍ ليس على شرطه بحديثٍ يذكرُه في الترجمة على شرطه وضبطه، وتارةً يرُدُّ [31] فِعلًا شائعًا من الناس لا أصلَ له بترجمةٍ مع حديثٍ قد ساقه وأصلَه، وقد يكون لغير ذلك من المعاني التي يعرفُها مَن لكلامِه يُعاني، ولولا خوفُ الإطالة؛ لذكرتُ ما وقع لي من ذلك، وغالبُه يُستخرجُ من كلام شيخنا الشَّارح؛ فإنَّه سهَّلَ فيه المسالك.
ولم أقصد في هذا التعليق جمْعَ الأقوال والروايات، وما يُقال فيه من الإعراب؛ لأنَّ به يطولُ الكتاب، ويَخرجُ عنِ الاستحضار إذا لم يدأب فيه باللَّيل والنهار.
وهاأنا أذكر قريبًا تنبيهًا يتعلَّق بتراجم المصنِّفينَ في الحديث ينفعُك في تراجم «البخاريِّ»؛ فإنَّها كالشيءِ العُجاب؛ فإنَّ فِقْهَهُ في تراجمه كما عَمِلَ العلَّامةُ سيبويه في «الكتاب»، ومَن أراد الإمعانَ؛ فعليه بالمطوَّلات، لا العُجالات والمختصرات.

(1/6)


ثمَّ اعلم أنِّي لا أذكر الأوهام الواقعة قبل الوصول إلى «البخاريِّ»، وذلك فيما يخُصُّ الأسانيدَ وأسماءَ الرواة؛ فإنَّ الحملَ في ذلك على نَقَلَةِ الكتاب، وقد وقعَ مثله في «مسلم»، وقد ينْدُرُ مواضعُ يسيرةٌ من هذه الأوهام لهما، أو لمَن فوقَهُما من الرواة، فأذكُرُ من ذلك ما يسَّرَه اللهُ تعالى [32] فيما يتعلَّق بالبخاريِّ، وقد استدرك ذلك الحافظ أبو الحسن عليُّ بنُ عُمرَ الدَّارَقُطنيُّ عليه، وكذا على الحافظِ مسلمٍ، ونبَّهَ على بعضِ هذه المواضعِ الحافظ أبو مسعودٍ الدمشقيُّ، وغيرُه من الأئمَّة، وقد ذكرَها الحافظ أبو عليٍّ الغسَّانيُّ ببابٍ مفردٍ في كتابه [33] «تقييد المُهمَل»؛ فسارِعْ إليه ولا تكُنْ ممَّن أهمَل؛ فقد كفاني ذلك رحمه الله.
ومَن أراد ذلك، أو شيئًا منه؛ فعليه بالكتاب المشار إليه.
واللهَ أسألُ أن يجعلَ ذلك لوجهه الكريم خالصًا، وأنْ يجعلَني في ظِلِّ عَرْشِه إذا [34] الظِّلُّ أضحى في القيامة قالصًا، إنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وبالإجابةِ جديرٌ، وبجزاءِ كلِّ خيرٍ كفيلٌ، وهو حسبُنا ونِعْمَ الوكيل.
تنبيهٌ قد سبقت الإشارة إليه قريبًا:
اعلم أنَّ التراجمَ التي يُترجِمُ بها أصحابُ التصانيف على الأحاديث إشارةٌ إلى المعاني المستنبطة منها على ثلاثِ مراتب:
منها: ما هو ظاهرٌ في الدلالة على المعنى المراد، مفيدٌ لفائدةٍ مطلوبة.
ومنها: ما هو خفيُّ الدلالة على المعنى المراد، بعيدٌ مستكرَهٌ لا يتمشَّى إلَّا بتعسُّف.
ومنها: ما هو ظاهرُ الدلالة على المراد إلَّا أنَّ فائدتَه قليلةٌ لا تكاد تُستحسن، مثل ما ترجم الإمام البخاريُّ: (باب السؤال عند الجمار)، وهذا القِسم _أعني: ما يظهر منه قلةُ الفائدة_ يحسنُ إذا وُجد معنًى في ذلك المراد [35] يقتضي تخصيصَه بالذِّكر، ويكونُ عدمُ استحسانه في بادئ الرأي لعدم الاطِّلاع على ذلك المعنى.
فتارةً يكونُ سببُهُ الردَّ على مخالفٍ في المسألة لم تَشتَهِر [36] مقالتُه؛ مثل ما ترجم البخاريُّ على أنَّه يُقال: ما صلَّينا؛ فإنَّه نُقل عن بعضِهم أنَّه كَرِهَ ذلك.
قال شيخُنا الشَّارح:
[ج 1 ص 4]
(إن قيل: أيُّ كبيرِ أمرٍ تحت هذه الترجمة؟

(1/7)


فالجواب: نعم؛ تحتَها عظيمٌ؛ وهو أنَّه ردَّ بها على مَن يقولُ إذا سُئل [37]: هل صلَّيتَ؟ وهو منتظرٌ الصلاةَ؛ فيُكره أن يقولَ: لم أُصَلِّ، وهو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ، رواه عنه ابن أبي شيبةَ بإسنادِه إليه، والسُّنَّةُ ترُدُّ عليه، والله أعلم) انتهى [38].
وتارةً يكونُ سببُهُ الردَّ على فِعْلٍ شائعٍ مِنَ الناس لا أصلَ له؛ فيذكرُ الحديثَ؛ للردِّ على فِعْلِ ذلك الفعل، كما اشتهرَ بين الناس في هذا المكانِ التحرُّزُ عن قولهم: (ما صلَّينا) إن لم يصحَّ أنَّ أحدًا كرِهَه، وقد تقدَّم أنَّه كرِهَهُ إبراهيمُ النَّخَعيُّ.
وتارةً يكونُ لمعنًى يخُصُّ الواقعةَ لا يظهرُ لكثيرٍ من الناس في بادئ الرأي؛ مثلَ ما ترجم البخاريُّ على حديث أبي موسى الأشعريِّ قال: (أتيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو يَستاكُ بسِواكٍ، وطرفُ السِّواكِ على لسانِه ... )؛ الحديثَ: (بابُ استياكِ الإمامِ بحضرةِ رعيَّتِه)؛ فإنَّ الاستياكَ مِنْ أفعالِ البِذْلة والمِهْنة، ويلازمُه أيضًا مِن إخراجِ البُصاق وغيرِه ما لعلَّ بعضَ الناسِ يتوهَّمُ أنَّ ذلك يقتضي إخفاءَه وترْكَه بحضرةِ الرعيَّةِ، وقدِ اعتبرَ الفقهاءُ في مواضعَ كثيرةٍ هذا المعنى، ويسمُّونَه: تحفظ المروءة، وقد أورد البخاريُّ هذا الحديث؛ لبيان أنَّ الاستياك ليس من قَبيل ما يُطلب إخفاؤُه ويتركُه الإمام بحضرةِ الرعايا؛ إدخالًا له في العباداتِ والقُرباتِ، والله أعلم.
فينبغي لقارئِ هذا الكتابِ أو مُطالِعِه أن يغوصَ في فَهْمِ تراجمه، فإنَّ بحرَ مؤلِّفِه عميق، ونظرَه في الشريعةِ دقيق.
ثمَّ اعلم أيضًا أنَّه وقع في هذا الكتابِ أحاديثُ يسيرةٌ ذكرَها مكرَّرةً متنًا وإسنادًا، وقلَّما يتَّفِقُ له ذلك، وقد ذكرتُ ما تنبَّهْتُ [39] له في (كتاب الحجِّ)، وكان ينبغي لي أن أذكرَها في أوَّل مكانٍ وقعَ فيه حديثٌ مكرَّرٌ، ولكن كذا اتفقَ، وما ذكرتُه من ذلك الظاهرُ أنِّي لم أستوعِبْه، ولكن ينبغي لمَن عَثَرَ على شيءٍ من ذلك؛ فليُلحقه في (الحجِّ) حيثُ ذكرتُه.

(1/8)


تنبيه: اعلم أنَّ النُّسَخَ من هذا «الصحيحِ» تختلفُ، وسببُهُ ما رأيتُه عن أبي الوليد الباجيِّ في مقدِّمةِ كتابه في أسماء رجال «البخاريِّ» قال: (أخبرني الحافظُ أبو ذرٍّ عبدُ بنُ أحمد [40] الهَرَويُّ، حدَّثنا الحافظُ إبراهيمُ المُسْتملي قال: انتسختُ «كتاب البخاريِّ» من أصلِه الذي كان عند صاحبِه الفِرَبْرِيِّ، فرأيتُ فيه أشياءَ لم تتمَّ [41]، وأشياءَ مبيَّضةً؛ منها: تراجم لم يُثبِت فيها شيئًا، ومنها: أحاديث لم يترجِم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعضٍ).
قال الباجيُّ: (وممَّا يدُلُّ على صِحَّةِ هذا القول روايةُ المُسْتَمْلِي، وروايةُ السَّرَخْسِيِّ، وروايةُ أبي الهيثم الكُشْمِيهَنِيِّ، وروايةُ أبي زيدٍ المِروَزِيِّ مختلفةٌ بالتقديم والتأخير، معَ أنَّهم انتسَخُوا مِن أصلٍ واحدٍ، وإنَّما ذلك بحسَب ما قَدَّرَ كلُّ واحدٍ منهم في ما كانَ في طُرَّةٍ أو رَقْعَةٍ مُضافةٍ أنَّه مِن موضعِ ما أضافه إليه، ويُبيِّنُ ذلك أنَّك تجدُ ترجمتينِ فأكثرَ مِن ذلِكَ متَّصلةً ليس [42] بينهُما أحاديثُ).
قال الباجيُّ: (وإنَّما أوردتُ هذا؛ لِمَا عُني به أهلُ بلدِنا مِن طلبِ معنًى يَجمَعُ [43] بين الترجمةِ والحديثِ الذي يليها، ويكلِّفُهم في ذلك تعسُّفُ التأويل ممَّا [44] لا يَسوغ) انتهى.
وقد تقدَّم أنَّ ابن المُنَيِّر تكلَّم في تراجمه على الجمع في ذلك، واللهُ الموفِّقُ للصواب، وإليه المرجع والمآب [45].
وهذا حينُ الشروعِ في الكلامِ على «الصحيح»، فأقولُ [46]:
قال الإمامُ البخاريُّ (رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه) [47]:
==========
[1] في (ب): (مما).
[2] في غير (أ): (المنفرد).
[3] التقدير: فإني ألفت هذا الكتاب لما كان ...
[4] (من قيله): ليست في (ب).
[5] البخاري: ليست في (ب)، وهي في (أ) رمز.
[6] في هامش (أ): (نسخة: بأَكِيلٍ).
[7] في (ب): (شيء).
[8] في (ب): (شذ).
[9] في (ب): (الهفوات).
[10] (نعمة): ليست في (ب).
[11] في (ب): (و).
[12] زيد في (ب): (الملة و).
[13] في (ب): (مشايخ).

(1/9)


[14] هو الإمام العلَّامة ناصر الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي القاسم منصور بن مختار بن أبي بكر بن أبي العباس علي بن أبي المعالي بن أبي المظفر بن المُنَيِّر الجذامي الجروي الإسكندراني، قاضي الإسكندرية وعالمها وخطيبُها، أخو زين الدين علي، ولد سنة (620 هـ)، سمع من أبيه وآخرين، حدث بها، وكان فقيهًا عالمًا، وكان مع علومه له اليد الطولى في الأدب وفنونه، وكان لا يُناظَر تعظيمًا لفضيلته، بل تُورد الأسئلة بين يديه ثم يُسمع ما يجيب فيها، له مصنفات مفيدة غيره وتفسير نفيس، والمراد بـ «تراجمه على البخاري»: كتابه «المتواري على أبواب البخاري» في مقابسات تراجم «صحيح البخاري»، وله «الانتصاف من الكشاف»،و «الاقتفا في فضائل المصطفى»، وغيرها، وقيل: إنَّ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام كان يقول: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها ابنُ المنيِّر بالإسكندريَّة وابن دقيق العيد بقوص، توفِّيَ سنةَ (683 هـ) بالثغر، انظر «الوافي بالوفيات» (8/ 84).
[15] (وهو): ليست في (ب).
[16] هو الإمام العلَّامة شرف الدين أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف.
[17] زيد في (ب): (منه).
[18] في (ب): (المهمات).
[19] في (ب): (رحمه).
[20] (من): ليست في (ب).
[21] يريد به: شرح «البخاري» المسمى: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر رحمه الله، ولم يكن قد أتمَّه حينها.
[22] في (ب): (والمبايعات).
[23] في (ب): (فيها).
[24] زيد في (ب): (هنالك).
[25] (من المتابعات): ليست في (ب).
[26] (ما فيه): ليست في (ب).
[27] في (ب): (عززنا).
[28] ما بين قوسين جاء في (ب) قبل هذا الموضع بعد قوله: (غالب ما فيه).
[29] (كما تقدم): ليست في (ب).
[30] في (ب): (فيه).
[31] في (ب): (ترد).
[32] زيد في (ب): (وقد وقع).
[33] (كتابه): ليست في (ب).
[34] في (ب): (و).
[35] (المراد): ليست في (ب).
[36] في (ب): (يشتهر).
[37] (إذا سئل): ليست في (ب).
[38] «التوضيح» (6/ 411).
[39] في (ب): (نبهت).
[40] في (ب): (آدم).
[41] في (ب): (يتم).
[42] في (ب): (وليس).
[43] في (ب): (بجمع).
[44] في (ب): (فيما).

(1/10)


[45] في هامش (أ): (بلغ فيه المحدِّث الفاضل الرَّحال نجم الدين محمَّد المدعوُّ عمر بن الشيخ الإمام الفاضل تقي الدين محمَّد ابن فهد الهاشميُّ المكِّيُّ قراءةً عليَّ [مِن أوَّله] إلى باب «كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم»، وذلك يوم الأحد سابع صفر المبارك من سنة [خمس] وثلاثين وثماني مئة بالمدرسة الشرقية بحلب، وناولتُه هذا المجلد، وآخرُه: أول مناقب الصحابة رضي الله عنهم، وأذنتُ للمشار إليه في روايةِ جميع الكتاب عني؛ قاله مؤلِّفُه إبراهيمُ المحدِّث، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلمَّ، ثم ناولتُه الجزءَ الثاني في التاريخِ والمكانِ، فكَمُلَ له روايةُ جميعِ الكتابِ، كتبه مؤلِّفُه إبراهيم).
[46] في (ب): (وأقول).
[47] ما بين قوسين مثبت من (ب).

(1/11)


[كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم]
(بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) [1]
قوله: (بَابُ كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ): يجوزُ [2] رفعُ (باب) [3] بلا تنوينٍ وما بعدَه مضافٌ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هذا بابُ، ويجوزُ تنوينُه، وهما جاريانِ في نظائِرِه.
ووقع في بعضِ النُّسَخِ بغيرِ ذِكْرِ (باب)؛ فاعلمْهُ.
قوله: (كَيْفَ كَانَ بُدُوُّ الْوَحْيِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (بُدُوُّ): قال ابن قُرقُول _وهو الإمامُ الحافظُ العلَّامةُ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ الحَمْزيُّ؛ بالحاء المهملة وبالزاي، نسبةً إلى بلدٍ بالمغربِ [4]_ في «مطالعه» _ وكلُّ ما أنقلُه عنه؛ فمِن كتابه المذكور، وهو كتابٌ نفيسٌ ذُو فوائدَ، والظاهرُ أنَّه اختصَرَه مِن كتاب «المشارق» للقاضي الإمام الحافظ المحقِّق أبي الفضل عِياض بن موسى اليَحْصُبيِّ [5]_: (رَوَيناه بالهمز، مِنَ الابتداء، ورواهُ بعضُهم غيرَ مهموزٍ، مِنَ الظهور).
قال أبو مروانَ: (والهمزُ أحسنُ؛ لأنَّه يَجمعُ المعنيين، وأحاديثُ الباب تدُلُّ عليه؛ لأنَّه بيَّن فيه كيفَ يأتيه الملَكُ ويظهرُ له، وفيه كيفَ كانَ ابتداءُ أمرِه، وأوَّلُ ما ابتُدِئ به).
وكان غيرُه يقول: (إنَّ الظهورَ أحسنُ؛ لأنَّه أعمُّ) انتهى.
فقولُه: (ورواه بعضُهم غيرَ مهموزٍ)؛ يعني: بُدُوُّ؛ مثل: قعود، مصدرًا.
وأمَّا على رواية الهمز؛ فـ (بَدْءُ) مفتوحُ الباءِ، ساكنُ الدال، مهموزُ الآخر، وتصريفُه كتصريفِ (منع)، والله أعلم.
قوله: (بُدُوُّ الْوَحْيِ): سيأتي الكلامُ على (الوحيِ) قريبًا إن شاء الله تعالى.
قوله: (وقول اللهِ [6]): (قول): مجرورٌ ومرفوعٌ معطوفٌ على (كيفَ)، قاله شيخُنا الشَّارح رحمه الله تعالى [7]، وقال أيضًا: (وعبارةُ القاضي _يعني: عِياضًا_: يجوزُ الرفعُ على الابتداءِ، والكسرُ عطفًا على «كيف»، وهي في موضعِ خفضٍ؛ كأنَّه قال: بابُ كيفَ كذا وبابُ معنى قولِ الله،
[ج 1 ص 5]
أو الحجَّة [بقول الله]، ولا يصحُّ أن يُحملَ على الكيفيَّة لقولِ الله؛ إذْ لا يُكيَّفُ كلامُ الله) انتهى [8]
سؤال [9]: إن قلت: ما موقعُ حديثِ عمرَ رضي الله عنه مِنَ الترجمة، وأين هو مِن ابتداء الوحي؟

(1/12)


فالجوابُ: أنَّ هذا ذكره ابنُ المُنَيِّر _ الإمام العالم العلَّامة [10] الذي سمعت عنه [11] العلَّامة البلقينيَّ يقول: (عالمان بمكَّة [12]؛ لم [13] يرحل أحدهما، ولم يتنقَّح علمه، ورحل الآخر، [ونقِّح] علمه: ابنُ دقيق العيد؛ يعني: العلامة زين الدين، والآخرُ ابنُ المُنَيِّر) انتهى [14]، (والذي رحل هو ابن دقيق العيد) [15]، وكلُّ ما أنقلُه [16] في هذا المؤلَّف عنه؛ فمِن تراجمه على «البخاريِّ» كما تقدَّم، (وإنْ نقلتُ عنه مِن غيرِها؛ عزوتُه) [17]_ ولفظُه: (قلتُ: أشكلَ هذا قديمًا على الناس، فحملَه بعضُهم على قصْدِ الخُطبة والمقدِّمة للكتاب، لا على مطابقةِ الترجمة، وقيل فيه غيرُ هذا، والذي وقع لي فيه: أنَّه قصدَ _والله أعلم_ أنَّ الحديثَ اشتملَ على أنَّ مَنْ هاجر إلى الله؛ وَجدَهُ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كان مقدِّمةُ النبوَّة في حقِّه هجرتَه إلى الله، وإلى الخلوة بمناجاتِه، «والتقرُّب إليه بعباداته» [18] في غار حِراء، فلمَّا ألهمَه اللهُ صِدْقَ الهجرةِ إليه وطلب وجدَّ؛ وَجَدَ، فهجرتُه إليه كانت [بدءَ] فضلِه عليه باصطفائه، وإنزال الوحي عليه، مضافًا إلى التأييدِ الإلهيِّ، والتوفيقِ الرَّبَّانيِّ، الذي هو الأصلُ والمرجِعُ والمبدَأُ [19]، وليس على معنى ما ردَّه أهلُ السُّنَّةِ [على] مَن اعتقدَ أنَّ النبوَّةَ مكتسبةٌ، بل على معنى أنَّ النبوَّةَ ومقدِّماتِها ومنحاتِها [20] كلٌّ فضلٌ مِن عند الله، فهو الذي ألهَمَ السُّؤَالَ وأعطى السُّؤْلَ، وعلَّقَ الأملَ وبلَّغَ المأمولَ، فله الفضلُ أوَّلًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، سبحانه وتعالى.
ولم يذكُرِ البخاريُّ في هذا الحديث: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ» وهو أمسُّ بالمقصود الذي [21] نبَّهنا عليه، وقد ذَكَرَ هذه الزيادةَ في (كتاب الإيمان) [خ¦54]، وكأنَّه استغنى عنها بقوله: «فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»، فأفهم ذلك: أنَّ كلَّ مَن هاجر إلى شيءٍ؛ فهجرتُه إليه، فدخل في عُمُومِهِ الهجرةُ إلى الله، ومِن عادتِهِ أن يترُكَ الاستدلال بالظاهرِ الجليِّ، ويعدِلَ إلى الرمزِ الخفيِّ، وسيأتي له أمثالُ ذلك) انتهى [22]
(سؤالٌ ثانٍ) [23]: إنْ قلتَ: ما وجهُ تعلُّقِ حديثِ عمرَ رضي الله عنه بالآية المذكورة أوَّلَ الباب؟

(1/13)


فالجوابُ: أنَّ هذا ذَكَرَه الحافظُ الدِّمياطيُّ في حاشية نُسختِه لـ «صحيح البخاريِّ»؛ كِلاهُما بخَطِّه [24]_ وقد رأيتُ «البخاريَّ» بخَطِّه [25]، وحواشيَه عليه، وكذا رأيتُ «صحيحَ مسلمٍ» بخَطِّه، وحواشيه عليه رحمه الله، وأخبرني شيخُنا العلَّامةُ ابنُ المُلقِّن: (أنَّ في خزانةِ الشافعيَّةِ بالقاهرة الكُتبَ السِّتَّةَ بخَطِّه، وهي وقفٌ على الشافعيَّة)، [وكلُّ ما أنقلُه في هذا المؤلَّفِ عنه [26] كما تقدَّم وأُطلقه؛ فهو مِن حواشيه بخطِّه على «البخاريِّ»، وإن نقلتُ مِن غيرِها؛ عزوتُه لمكانه، قال الحافظُ جمالُ الدينِ المِزِّيُّ [27]: (ما رأيتُ في الحديثِ أحفظَ مِنَ الدِّمياطيِّ) انتهى، وهو الحافظُ شرفُ الدينِ أبو محمَّدٍ عبدُ المؤمنِ بنُ خلفٍ شيخُ بعضِ مَن أخذتُ عنه مِنَ الشيوخِ [28] كما تقدَّم في الدِّيباجة] [29]_ ولفظُه: (وجهُ تعلُّق هذا الحديث بهذِه الآيةِ: أنَّ اللهَ أوحى إلى جميعِ الأنبياءِ أنَّ الأعمالَ بالنِّيَّاتِ، والحُجَّةُ لذلِكَ قولُه تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ ... }؛ الآية [الشورى: 13]، قال أبو العالية: وصَّاهم بالإخلاصِ لله في عبادتِه لا شريك له) انتهى.
قوله: ({كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ} [النساء: 163]): اعلم أنَّ نُوحًا اسمٌ أعجميٌّ، والمشهورُ صَرْفُه، (وقيل: يجوزُ صرفُه) [30]، وتَرْكُ صرْفِه.
قال السُّهيليُّ: (واسمه عبد الغفَّار، وقال غيرُه: اسمه يَسْكَن [31]، وقيل: يشكر، واسمُ أُمِّه: شمخى بنت أنوش) انتهى [32]
واسمُ والدِه: لمك، وقيل: لامك _بفتح الميم وكسرها_ ابن مَتُّوشَلَخ _وهو [33] بميمٍ مفتوحة، ثمَّ مثنَّاةٍ فوقُ مشدَّدةٍ، ثمَّ واوٍ ساكنةٍ، ثمَّ شينٍ معجمةٍ، ثمَّ لامٍ مفتوحتين، ثمَّ خاءٍ معجمة_ ويُقال: مُتَوشْلخ، وتفسيرُه: ماتَ الرَّسول؛ لأنَّ أباهُ كان رسولًا؛ وهو خَنُوخ.
وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: هو إدريسُ.
وأخْنُوخ: بالخاء المعجمة، وقيل: مهملة، ثمَّ نون مضمومة، ثمَّ واو، ثمَّ خاء معجمة.
قال شيخُنا مجدُ الدين في «قاموسه»: (خَنُوخ _يعني: بخاءين معجمتين_ أو أخنوخ؛ يعني: بالخاءين أيضًا بزيادة همزة في أوَّله).
وقال شيخُنا الشَّارح: (حنوح؛ بالحاء المهملة، وقيل: معجمة).

(1/14)


وسيأتي الكلامُ على هذا الاسم، وكذا مِنَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى آدمَ في أوَّلِ المَبْعث إن شاء الله تعالى.
ثمَّ اعلم أنَّ ابنَ إسحاقَ والأكثرينَ قالوا: إنَّ أخنوخَ هو إدريسُ، وأنكرَ آخرونَ ذلك، وقالوا: إنَّه ليس في عَمود النسبِ، وإنَّما إدريسُ هو إلياسُ.
وفي «البخاريِّ» في (الأنبياء) [قبل ح 3342] في قوله تعالى: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ} [34] [الصافات: 123]: يُذكَر عنِ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ: (أنَّ إلياسَ هو إدريسُ) انتهى، واختارَه _ (أنَّه ليس في العمود) [35]_ ابنُ العربيِّ، وتلميذُه السُّهيليُّ [36]؛ لحديث الإسراء حيث قال: «مرحبًا بالأخ الصالح»، ولم يقل: بالابن الصالح، كما قال إبراهيمُ.
وأجاب عن ذلك النوويُّ رحمه الله: (بأنَّه [37] يَحتمل أنَّه قاله [38] تلطُّفًا وتأدُّبًا، وهو أخٌ وإنْ كان ابنًا، والأبناءُ إخوةٌ، والمؤمنونَ إخوةٌ).
وقال شيخُنا الشَّارِحُ عنِ ابنِ المُنَيِّر: (أكثرُ الطرق على أنَّه خاطبه بالأخ الصالح، قال: وقال لي [39] ابنُ أبي الفضل: صحَّت لي طريق: أنَّه خاطبه فيها بالابن الصالح).
وقال شيخُنا الشَّارح: (وقال المازِرِيُّ: ذكر المؤرِّخون: أنَّ إدريسَ جَدُّ نوحٍ، فإنْ قامَ دليلٌ على أنَّ إدريسَ أُرسلَ؛ لم يصحَّ قولُ النسَّابين: إنَّه قبلَ نوحٍ؛ لما في «الصحيح»: «ائتوا نوحًا؛ فإنَّه أوَّلُ رسولٍ بعثه الله إلى أهل الأرض»، وإن لم يقم دليلٌ؛ جاز ما قالوا، وصحَّ أنَّ إدريسَ [40] كان نبيًّا، ولم يُرسَل).
وقال السُّهيليُّ: (وحديثُ أبي ذرٍّ رضي الله عنه [41] يدُلُّ على أنَّ آدمَ وإدريسَ رسولان).
قال شيخنا الشَّارح: (قلتُ: أخرجه بطوله ابنُ حِبَّانَ) انتهى.
==========
[1] في (ب) بدل مما في قوسين: (كتاب).
[2] زيد في (ب): (فيه).
[3] (باب): ليست في (ب).

(1/15)


[4] هو الإمام العلَّامة أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ يوسفَ بنِ إبراهيمَ بنِ عبدِ الله بنِ باديسَ الحَمْزيُّ الوَهْرانيُّ، صاحب كتاب «مطالع الأنوار» الذي وضعه على كتاب «مشارق الأنوار» للقاضي عياض، ولد بالمرية سنة (505 هـ)،وكان فاضلًا من أوعية العِلم، رحَّالًا في طلبه فقيهًا نظَّارًا أديبًا حافظًا بصيرًا بالحديث، صنَّف وكتب الخطَّ الأنيق، وصَحِبَ جماعةً مِن العلماء بالأندلس، وكان رفيقًا للسُّهيليِّ، ولمَّا حضرته الوفاةُ بفاس تلا سورة الإخلاص وجعل يكرِّرُها بسرعة ثم إنَّه تشهَّد ثلاث مرَّاتٍ وسقط على وجهه ساجدًا ومات سنة (569 هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (20/ 520)، «الوافي بالوفيات» (6/ 109).
[5] هو الإمام العلَّامة، وتوفي سنة (هـ)
[6] زيد في النسخ: (تعالى)، وليست في «اليونينيَّة» و (ق).
[7] «التوضيح» (2/ 116).
[8] «التوضيح» (2/ 116 - 117).
[9] في (ب): (قوله).
[10] زيد في (ب): (ابن).
[11] في (ب): (من).
[12] في (ب): (مليًا).
[13] (لم): ليست في (ب).
[14] (انتهى): ليست في (ب).
[15] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (تراجمه على البخاري كما تقدم)، وهي في (أ) بالهامش.
[16] في (أ): (أنقل).
[17] ما بين قوسين ليس في (ب).
[18] ما بين قوسين ليس في (ب).
[19] عبارة ابن المُنيِّر: (الأصل والمبدأ والمرجع والموئل).
[20] في «المتواري»: (ومتمِّماتِها).
[21] في النسخ: (والذي)، والمثبت من مصدره.
[22] «المتواري على أبواب البخاري» لابن المُنَيِّر (ص 48 - 49).
[23] في (ب) بدل مما في قوسين: (قوله).
[24] وهي ضمن مصادرنا، والحمد لله.
[25] (بخطه): ليست في (ب).
[26] (عنه): ليست في (ب).
[27] في (ب): (والمزي).
[28] قوله: (بعض من أخذت عنه من الشيوخ) غير واضح في الأصل.
[29] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (لـ «صحيح البخاري» كلاهما بخَطِّه).
[30] ما بين قوسين ليس في (ب).
[31] في (ب): (يشكن).
[32] «الروض الأنف» (1/).
[33] في (ب): (فهو).
[34] قوله: {وَإِنَّ إِلْيَاسَ}: مثبت من (ب).
[35] ما بين قوسين ليس في (ب)، وهو في (أ) بالهامش.
[36] «الروض الأنف» (1/).
[37] في (ب): (فإنَّه).
[38] في (ب): (قال).
[39] (لي): ليست في (ب).
[40] في (ب): (إدريسًا).
[41] الترضية ليست في (ب).

(1/16)


[حديث: إنما الأعمال بالنيات]
1# قوله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): هو عبد الله بن الزُّبير [1]، وقد ورد مُسمًّى في بعض الطرق في هذا المكان، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطَوِّل بها، وهو الفقيه، أحدُ الأعلام، صاحبُ ابن عُيينةَ، وسمع مِنَ الزِّنجيِّ، وإبراهيمَ بنِ سَعْدٍ [2]، وغيرِهما، وعنه: البخاريُّ، وأبو زُرعةَ، وأبو حاتمٍ، وخلقٌ، قال الفَسويُّ: (ما لقيتُ أنصحَ للإسلامِ منه) [3]، ماتَ سنةَ (219 هـ) [4]، أخرج له البخاريُّ، وأبو داودَ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.
وهو نسبةٌ إلى حُميد _بضمِّ الحاء المهملة_ بطنٌ مِن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصيٍّ.
وقال النوويُّ في «إملائه»: (هو نسبةٌ إلى جدِّه حُميد).
وقال السَّمعانيُّ: (سمعتُ شيخَنا أبا القاسم إسماعيلَ بنَ محمَّدٍ الحافظ يقول: هو منسوبٌ إلى الحُميدات، وهي قبيلةٌ) انتهى [5].
وسيجيءُ في تفسيرِ (براءةَ) أنَّ الحُميدات: بطنٌ مِنْ قُريشٍ.
قولُه: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هو ابنُ عُيينةَ [6]؛ وهو بضمِّ السين، وحُكِي كسرُها، وفتحُها أيضًا.
و (عُيَينة) [7]: بضمِّ العين وكسرها أيضًا، ترجمته معروفةٌ؛ فلا نُطوِّلُ بها، وقد صرَّح بالتحديث هنا، وهو مُدَلِّسٌ، ولكن لا يُدَلِّسُ إلَّا عن ثقةٍ، وقد ذكرتُ المُدلِّسينَ في جزء مفردٍ مرتَّبٍ على حروف [المعجم]، وذكرتُ طبقاتِهِم في التدليس، فمَن أراده؛ فلينظرْه.
هذا الخلاف في عنعنة المدلِّس إنَّما يكون في غير ابن عيينة، وذلك أنَّ ابن عبد البرِّ قد [8] حكى عن أئمَّة الحديث أنَّهم قالوا: يُقبَلُ تدليسُ ابنِ عُيينةَ؛ لأنَّه إذا وقف؛ أحال على ابنِ جُريجٍ ومَعْمَرٍ ونظرائِهما [9]، وهذا ما رجَّحَه ابنُ حِبَّان، وقال: هذا شيءٌ ليس في الدنيا إلَّا لسُفيان بن عُيينةَ؛ فإنَّه كان لا يُدلِّسُ إلَّا عن ثقةٍ متقنٍ، ولا يكاد يوجد لابن عُيينةَ خبرٌ دلَّس فيه إلَّا وقد بيَّن سماعه عن ثقةٍ [10] مثل ثقته، ثمَّ مثَّل ذلك بمراسيلِ كبار الصحابة؛ فإنَّهم لا يُرسلونَ إلَّا عن صحابيٍّ، وقد سبقَ ابنَ عبد البرِّ إلى ذلك الحافظُ أبو بكرٍ البزَّار _بالراء في آخره_ وأبو الفتح الأزديُّ؛ قال البزَّارُ: مَن كان يُدلِّسُ عنِ الثقات؛ كان تدليسُه عند أهل العلم مقبولًا، وعن أبي بكرٍ الصيرفيِّ من الشافعيَّة في كتاب «الدلائل» مثلَه، ولفظُه: (كلُّ مَن ظهر تدليسُه عن غير الثقات؛ لم يقبلْ خبرُه حتى يقول: حدَّثني أو سمعتُ) انتهى.

(1/17)


وقد نَظَمَ ذلك في بيتين بعضُ أصحابنا، فقال:
~…أمَّا الإمامُ ابنُ عُيينة فقدْ…اغتفروا تدليسَه مِن غيرِ رَدّْ
[ج 1 ص 6]
قوله: (أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيمِيُّ [11]): سيأتي بعضُ ترجمته في آخر (كتاب الصوم) قُبيل (الاعتكاف) إن شاء الله تعالى وقدَّره [خ¦2018].
قوله: (بِالنِّيَّاتِ): هي جمعُ (نِيَّة)، و (النِّيَّة) بالتشديد والتخفيف.
قوله: (إِلَى دُنْيَا): هي بضمِّ الدال على المشهور، وحُكي كسرُها، وجمعُها: دُنًا، وسُمِّيت بذلك؛ لدنوِّها، والنسبةُ إليها: دُنيويٌّ، ودُنييٌّ، ودُنياويٌّ، وهي مقصورةٌ غيرُ منوَّنةٍ على المشهور، وهو الذي جاءت به الرواية، ويجوزُ في لغةٍ غريبةٍ تنوينُها.
قال شيخنا الشَّارح: (وفي حقيقتِها قولان للمتكلِّمين؛ أحدُهما: ما على الأرض مِنَ الجوِّ والهواء، وأظهرُهما: كلُّ المخلوقات مِنَ الجواهر والأعراض الموجودة قبل الدار الآخرة) [12].
قوله: (أَوْ إِلَى امْرَأَة يَنْكِحُهَا): قال شيخنا الشَّارح: (هذا الحديث ورد على سببٍ؛ وهو أنَّه لمَّا أُمر بالهجرة إلى المدينة؛ تخلَّف جماعةٌ عنها، فذمَّهُمُ الله تعالى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ}؛ الآية [النساء: 97]، ولم يُهاجر جماعةٌ؛ لفقدان استطاعتِهِم، فعَذَرَهُمُ اللهُ واستثناهم بقوله: {إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ}؛ الآية [النساء: 98]، وهاجر المخلصون إليه، فمدحَهُم في غير موضعٍ مِنْ كتابه، وكان في المهاجرين جماعةٌ خالفتْ نِيَّتُهم نِيَّةَ المخلصين، منهم مَن كانت نِيَّتُه تزوُّجَ امرأةٍ كانت بالمدينة يُقال لها: أمُّ قيسٍ _وعن ابن دحيةَ: أنَّ اسمها قَيلة_ فسُمِّي: مهاجرَ أمِّ قيسٍ، ولا يُعرف اسمُه) انتهى [13].
و (أُمُّ قيسٍ) هذِه: معدودةٌ في الصحابيَّات، قال الذهبيُّ في «تجريده» ما لفظُه: (قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: كان فينا رجلٌ خطب امرأة يُقال لها: أُمُّ قيسٍ، فأبتْ [14] أن تَزوَّجه حتى يُهاجِر [15]، فهاجَرَ فتزوَّجَها، فكُنَّا نُسمِّيه: مهاجرَ أُمِّ قيسٍ) [16].
قال شيخُنا الحافظ العراقيُّ: (رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ جيِّدٍ من حديث ابن مسعود) انتهى.
وهذا يدُلُّ على أنَّهما صحابيَّان، والله أعلم.
==========
[1] «تهذيب الكمال» (14/ 512) (3270).
[2] في (ب): (سعد).
[3] «المعرفة والتاريخ» للفسوي (3/ 239).

(1/18)


[4] في (ب): (214 هـ)، وهو خطأ.
[5] «الأنساب» للسمعاني (2/ 268).
[6] «تهذيب الكمال» (11/ 177) (2413).
[7] زيد في (ب): (هو).
[8] (قد): ليست في (ب).
[9] «التمهيد» (1/ 31).
[10] في (ب): (ثقته).
[11] (التيمي): سقطت من (ب).
[12] «التوضيح» (2/ 191).
[13] «التوضيح» (2/ 192 - 193).
[14] في (ب): (وأبت).
[15] زيد في (ب): (بها).
[16] «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 332) (4034).

(1/19)


[حديث: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي]
2# قوله: (أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ): هو أخو أبي جهلٍ عمرِو بنِ هشامٍ لأبويه.
و (هِشام): هو ابنُ المغيرة بن عبد الله بن عمرِو بن مخزومِ بن يقظة بن مُرَّةَ بن كعب بن لُؤيِّ بن غالبٍ القُرشيُّ.
وإِخوةُ أبي جهلٍ: الحارثُ، وسلمةُ، وخالدٌ، والعاصي، والكلُّ أسلموا وصحِبوا، غيرَ أبي جهلٍ، غيرَ أنَّ [1] العاصي قال ابنُ عبد البَرِّ: (إنَّه قُتِلَ ببدرٍ كافرًا)، وكذا قاله ابنُ إسحاقَ، (وكذا تابعه ابنُ سيِّد الناس في «سيرته الكبرى» في قتلى بدرٍ من المشركين) [2]، والصحيحُ: أنَّه أسلمَ، وصَحِبَ.
وأُمُّ أبي جهلٍ أسلمت وصحِبَتْ، واسمُها سلمى، وقيل غير ذلك، (وسيأتي الكلام عليها مُطوَّلًا في «الصلاة» قبيل «باب فضل السجود») [3].
وعياشُ بنُ أبي ربيعةَ أخوهم لأُمِّهِم صحابيٌّ مشهورٌ.
شَهِدَ الحارثُ بدرًا كافرًا وانهزمَ، وله [4] يقول حسانُ رضي الله عنه في جملةِ أبياتٍ:
~…إنْ كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتني…فنجوت منجى الحارثِ بنِ هشامِ
~…تركَ الأحبَّةَ أن يُقاتِلَ دونَهم…ونجا برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
و (الطِّمِرَّة)؛ بكسر الطاء المهملة والميم، وتشديد الراء: الفرسُ المستنفِر للوثب والعَدْوِ.
وقال أبو عُبيدٍ: (هو المشمَّرُ الخلق).
وقد اعتذرَ الحارثُ عن فِرارِه بأبياتٍ، وهي:
~…اللهُ يعلمُ ما تركتُ قِتالَهم…حتَّى رَمَوا فرسي بأشقرَ مُزبِدِ [5]
~…وعلمتُ أني إنْ أُقاتِلْ واحدًا…أُقْتَلْ ولا يَضْرُرْ عدوِّي مشهدي
~…ووجدتُ رِيحَ الموتِ مِنْ تِلقائِهِم…في مأزقٍ والخيلُ لم تتبدَّد
~…فصددتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُ…طمعًا لهم بلِقاء [6] يومٍ مفسد
كان [7] الأصمعيُّ يقولُ: (هذا أحسنُ ما قيل في الاعتذار عنِ الفِرار).
وكان خلفٌ الأحمرُ يقول: (أحسنُ ما قيل في ذلك أبياتُ هُبيرةَ بنِ أبي وهبٍ المخزوميِّ:
~…لَعمرُك ما ولَّيتُ ظهري محمَّدًا…وأصحابَه جُبنًا ولا خِيفةَ القَتْلِ
~…ولكنَّني قلَّبتُ أمري فلم أجدْ…لسيفي مجالًا إنْ ضربتُ ولا نَبْلِي
~…وقفتُ فلمَّا خِفتُ ضَيعةَ موقفي…رجعتُ لعَودٍ كالهِزبرِ أبي الشِّبْلِ
وهذان وإن تقاربا [8] لفظًا؛ فليس ببعيدٍ من أن يكون الثاني أجودَ مِنَ الأوَّل، وهبيرةُ هذا هو [9] زوجُ أُمِّ هانئٍ بنت أبي طالب، وأبو أولادِها، هَلَكَ على كُفْرِه بنجران.

(1/20)


وأسلمَ الحارثُ صاحبُ الترجمةِ في «الفتح»، وحَسُن إسلامُه، وأعطاه عليه الصَّلاة والسَّلام [10] يومَ حُنينٍ مئةً مِنَ الإبلِ، وكان مِنْ فُضلاء الصحابة، خرجَ هو وسهيلُ بنُ عمرٍو إلى الشام؛ ليستدركا ما فاتَهُما مِنْ سابقةِ الإسلامِ بالجهاد [11]، فقاتَلَ الكُفَّارَ حتى قُتل باليرموك سنة خمسَ عشرةَ، أو مات بعَمواس في طاعونِها سنةَ ثمان عشرةَ.
و (عَمواس): قريةٌ بقُربِ الرَّمْلة، يجوزُ فتحُ ميمِها وسكونِه.
قوله: (مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ): الصَّلصَلةُ؛ بفتح الصادين المهملتين: الصوتُ المتدارك الذي لا يُفهم أوَّلَ وَهْلةٍ؛ يريدُ: أنَّه صوتٌ متداركٌ يَسمعُه ولا يثبتُه أوَّلَ ما يَقرَعُ سمعَه حتَّى يفهَمَه مِن بعدُ.
قال ابن قُرقُول: («صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ»؛ يعني: صوتَ الحديد إذا اضطربَ في داخل تلك الآلةِ التي تُسمَّى الجرس؛ وهو شِبْهُ النَّاقوسِ صغيرٌ) انتهى [12]
قيل: الحكمةُ في ذلك أنْ يتفرَّغَ سمعُه، ولا يبقى فيه مكانٌ لغيرِ صوتِ الملَك، ولا في قلبِه.
قوله: (فَيفْصمُ عَنِّي): قال ابن قُرقُول: (بفتح الياء وضمِّها على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ومُسمًّى أيضًا؛ أي: يُقلع ويَنفصِل، قال الشيخ أبو الحسين: فيه سِرٌّ لطيفٌ، وإشارةٌ خفيَّةٌ إلى أنَّها بينونة مِن غير انقطاع، وأنَّ الملَك يُفارقه ليعود إليه، والفصم: القطعُ
[ج 1 ص 7]
من غير بينونةٍ، بخلافِ القَصْمِ _يعني: بالقاف_: الذي هو كسرٌ وبينونةٌ) انتهى [13]
قوله: (أَحْيَانًا): الأحيانُ: الأوقاتُ، جمع: حِينٍ، تقعُ [14] على الكثيرِ والقليلِ [15].
قوله: (يَتَمَثَّلَ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا): هو جبريلُ عليه السلام، وسيأتي قريبًا الكلامُ على تمثيل الملَك رجلًا، وما قيل فيه [16].
قوله: (وَإِنَّ جَبِينَهُ): الجبينُ غيرُ الجبهة، وهو فوقَ الصُّدْغِ، والصُّدْغُ: ما بينَ العينِ إلى الأُذُن، وللإنسانِ جبينانِ يكتنفانِ الجبهةَ.
قوله: (لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا): هو بالفاء، والصاد المهملة؛ أي: يسيلُ وينصبُّ، ومنه: الفَصْدُ.
وعن ابن طاهرٍ: أنَّه صحَّفَه بالقاف، وحكاهُ العسكريُّ في كتاب «التصحيف» عن بعض شيوخه، وقال: (إنْ صحَّ؛ فهو مِنْ قولهم: تقصَّدَ الشيءُ؛ إذا تكسَّر وتقطَّع).
قوله: (عَرَقًا): هو منصوبٌ على التمييزِ.
فائدةٌ: الوحيُ أصلُه: الإعلامُ في خفاءٍ وسُرعةٍ.
ثمَّ الوحيُ في حقِّ الأنبياءِ على ثلاثةِ أَضرُبٍ:

(1/21)


أحدُها: سماعُ الكلامِ القديم؛ كسماعِ موسى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [17] بنصِّ القرآن، ونبيِّنا عليه الصَّلاة والسَّلام بصحيحِ الآثار.
ثانيها: وحيُ رسالةٍ بواسطةِ الملَك.
ثالثها: وحيٌ يُلقى بالقلب، وقيل: كان هذا حال داود عليه السلام، وجاء عن نبيِّنا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مثلُه؛ كقولِه [18]: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعي»، وسيأتي ضبطُه؛ أي: في نفسي، وسيأتي عزوُ هذا الحديث قريبًا.
والوحيُ إلى غيرِ الأنبياء:
بمعنى: الإلهام؛ كالوحيِ إلى النَّحل.
وبمعنى: الإشارة {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ} [مريم: 11]، وقيل في هذا: كَتَبَ.
وبمعنى: الأمر؛ كقولِه: {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ} [المائدة: 111]؛ قيل [19]: أمرتُهم، وقيل: ألهمتُهُم.
ويُقال: (أوحى ووحى)، وقال الجوهريُّ: (والوحيُ: الكتابُ، والوحيُ: الإشارةُ، والكتابةُ، والرسالةُ، والإلهامُ، والكلامُ الخَفِيُّ، وكلُّ ما ألقيتَه إلى غيرِك ... ) إلى أن قال: (ووحى أيضًا وأوحى: كَتَبَ).
ثمَّ اعلم: أنَّ في كيفيَّة نزول الوحيِ على رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سبعَ صورٍ، ذَكَرَها السُّهيليُّ في أوَّل (كتاب المبعث) من «روضه» [20]:
الأُولى: المنامُ؛ كما جاء في الحديث الآتي.
ثانيها: أن ينفُثَ في رُوعه الكلامَ؛ كما [21] جاء: «إنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ في رُوعي»؛ وهو بضمِّ الراء: القلبُ والخَلَد؛ أي: في نفسِي وخَلَدي، و «رُوح القُدُس»: هو جبريلُ عليه السلام، وهذا الحديثُ رواه ابن أبي الدنيا في «القناعة»، والحاكم من حديث ابن مسعودٍ، ولفظُهُما مختلفٌ.
ثالثُها: أنْ يأتيَه الوحيُ في مثلِ صَلْصَلةِ الجَرَس؛ كما في هذا الحديث الذي نحن فيه.
رابعُها: أنْ يتمثَّلَ له الملَك رَجُلًا؛ كما جاء في الحديث الذي نحن فيه، وقد كان يأتيه في صورة دحيةَ غالبًا [22].
خامسُها: أن يتراءَى له جبريلُ في صورتِه التي خلقَه اللهُ عليها له سِتُّ مئةِ جناحٍ، ينتثر منها اللُّؤْلُؤُ والياقوت، وقد رآه في صورتِه مرَّتين.

(1/22)


سادسُها: أن يكلِّمَه اللهُ مِن وراء حِجاب، إمَّا في اليقظةِ؛ كليلةِ الإسراء، (والصحيحُ في الإسراء: أنَّه يقظةٌ، وسيأتي الاختلافُ فيه) [23]، وإمَّا في النوم؛ كما في حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «أتاني ربِّي في أحسنِ صورةٍ، فقال: فيمَ يختصمُ الملأُ الأعلى؟ فقلت: لا أدري، فوضعَ يدَهُ بين كتفيَّ ... »، أخرجه الترمذيُّ في تفسير (سورة ص) من طريقين، وقال: حسنٌ، قال: وقد روي هذا الحديثُ عن معاذِ بنِ جبلٍ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بطوله [24]، وسيأتي الكلامُ على رؤيةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ربَّه ليلةَ الإسراءِ إن شاء الله تعالى في أوَّل (الصلاة).
سابعُها: وحيُ إسرافيلَ؛ كما [25] ثبت عن عامر بن شراحيل الشَّعبيِّ: أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وُكِّلَ به إسرافيلُ، فكان يتراءى له ثلاثَ سنينَ، ويأتيه بالكلمة والشيء، ثم وُكِّل به جبريلُ.
قال ابنُ عبد البَرِّ في أوَّل «الاستيعاب» وساق سندًا إلى الشَّعبيِّ، قال: (أُنزلتْ عليه النُّبوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بنبوَّتِه إسرافيلُ عليه السلام ثلاثَ سنينَ، فكان يعلِّمُه الكلمةَ والشيءَ، ولم يَنزلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مضتْ ثلاثُ سنين؛ قُرِنَ بنبوَّتِه جبريلُ عليه السلام، فنزلَ القرآنُ على لسانِه عشرَ سنينَ).
قال شيخُنا الشَّارح في أوَّلِ (فضائل القرآن) بعدَ أنْ ذكر [26] الكلامَ بوكالةِ إسرافيلَ ثلاثَ سنينَ: (يأتيه بالكلمة ونحوِها، ووقعَ في «ابن التين»: «ميكائيل» بدله، والمشهورُ: أنَّ جبريلَ ابتدأَهُ بالوحيِ) انتهى.
وذَكَرَ أيضًا شيخُنا: أنَّ الواقديَّ وغيرَه أنكر كونَه وُكِّل به غيرُ جبريلَ، وقال شيخُنا أيضًا: (قالَ أحمدُ بنُ محمَّدٍ البغداديُّ: أكثرُ ما في الشريعة ممَّا أُوحي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على لسانِ جبريلَ) [27].
وعن الحَليميِّ_ (وهو أحد أئمَّة الدهر، وشيخ الشافعيَّة بما وراء النهر، وآدبُهُم، وأنظرُهم؛ وهو أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن محمَّد بن حَليم؛ باللام، مولدُه سنةَ ثمانٍ وثلاثين وثلاث مئة، وتوفِّي سنةَ ثلاثٍ وأربع مئة) [28]_: (أنَّ الوحيَ كان يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على سِتَّةٍ وأربعينَ نوعًا)، وقد حاولَ تعدادَها.

(1/23)


تنبيه: إذا تمثَّل له الملَك رجُلًا، يَحتملُ تمثيلُ جبريلَ له رَجُلًا أنَّ اللهَ أفنى الزائد مِن خلقِه، ثمَّ أعادَه إليه، ويَحتملُ أنَّه يُزيلُه عنه، ثمَّ يعيدُه إليه بعدَ التبليغ، نبَّه على ذلك إمامُ الحرمين، قاله شيخُنا الشَّارح، قال: (وأمَّا التداخلُ؛ فلا يصحُّ على مذهبِ أهلِ الحقِّ).
قال: (وأبدى الشيخُ عِزُّ الدين ابنُ عبد السلام سؤالًا، فقال: إن قيل: إذا لقي جبريلُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صورة دِحْية؛ فأين تكون [29] روحه؟
فإن كان في الجسد الذي له سِتُّ مئة جناح؛ فالذي أتى لا روح جبريل ولا جسده.
وإن كانت في هذا الذي هو في صورة دحية؛ فهل يموت الجسد العظيم أم يبقى خاليًا من الروح المنتقلة عنه إلى الجسد المشبَّه بجسد دِحْية؟).
ثمَّ أجاب: (بأنَّه لا يبعُد ألَّا يكون انتقالُها موجِبَ موتِه، فيبقى الجسد حيًّا لا ينقص من معارِفِه [30] شيءٌ، ويكونُ انتقالُ روحِه إلى الجسد الثاني كانتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خُضْرٍ).
قال: (وموتُ الأجساد بمفارقةِ الأرواح ليس بواجبٍ عقلًا، بل بعادةٍ أجراها اللهُ تعالى في بني آدمَ، فلا يلزم في غيرِهم) انتهى [31]
ورأيتُ في كلامِ غيرِه ما لفظُه: (قال أهلُ الحقيقةِ: وتمثيلُ الملَك رَجُلًا، وتمثيلُ جبريلَ في صورةِ دحيةَ ليس معناه: أنَّه انقلبتْ ذاتُ الملَك في صورةِ الرُجلِ، بل بمعنى أنَّه ظهرَ بتلك الصورةِ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.
==========
[1] في (ب): (وغير أبي).
[2] ما بين قوسين سقط من (ب).
[3] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[4] في (ب): (وفيه).
[5] في (ب): (مزبدي).
[6] في (ب): (تلقاء).
[7] في (ب): (وكان).
[8] في (ب): (يقاربان).
[9] (هو): ليست في (ب).
[10] في (أ): (عليه السلام)، وكذا في كثير من المواضع.
[11] في (ب): (في الجهاد).
[12] «مطالع الأنوار».
[13] «مطالع الأنوار».
[14] في (ب): (يقع).
[15] في (ب): (القليل والكثير).
[16] قوله: (وأحيانًا: الأحيان ... ) إلى هنا جاء في النسختين قبل قوله: (مثل صلصلة الجرس).
[17] في (ب): (عليه السلام).
[18] في (ب): (لقوله).
[19] في (ب): (أي).
[20] «الروض الأنف» (1/ 269 - 270).
[21] في (ب): (لما).
[22] (غالبًا): ليست في (ب).
[23] ما بين قوسين سقط من (ب).
[24] «سنن الترمذي»، وانظر رسالة ابن رجب ....
[25] في (ب): (لما).
[26] في (ب): (دل).

(1/24)


[27] «التوضيح» (2/ 223).
[28] ما بين قوسين سقط من (ب)، وهو في (أ) بالهامش.
[29] في (ب): (يكون).
[30] في (ب): (مفارقه).
[31] «التوضيح» (2/ 228 - 229).

(1/25)


[حديث: أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصالحة]
3# 4# قوله: (عَنْ عُقَيْلٍ): هو بضمِّ العين وفتح القاف: ابن خالد بن عَقِيل؛ بفتح العين وكسر القاف، وليس في «صحيح البخاريِّ» بضمِّ العين غيرُه، وله في «مسلمٍ» أيضًا [1]، ومثلُه: (بنو عُقَيل) القبيلةُ المعروفةُ، لهم ذكرٌ في حديث عِمرانَ بنِ حُصينٍ عند مسلمٍ، فذكر حديث العَضْباء، وأنَّها كانت لرجلٍ منْ بني عُقَيل [م (1641)]، وفي «مسلمٍ» أيضًا: (يحيى بنُ عُقَيلٍ الخزاعيُّ البصريُّ) [م (553) و (720) و (1006) و (2650)] [2]، والباقي في «الصحيحين»، و «الموطَّأ»: (عَقِيل)؛ بفتح العين وكسر القاف، والله أعلم.
[ج 1 ص 8]
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): هو العَلَمُ الفَرْدُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عُبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ الزُّهريُّ، ترجمتُه معروفةٌ فلا نطوِّلُ بها، و [هو] مِن ساداتِ التابعين وصغارهم، وسأذكر في (كتاب الجنائز) مَنْ لقي مِنَ الصحابةِ [خ¦1347]، وبهذا يُعرف أنَّ روايتَه عن غير [3] مَنْ ذكرت هناك من الصحابة مرسلةٌ؛ فإنَّه كثيرُ الإرسال [4].
قوله: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ): هي بالهمز، وعوامُّ المحدِّثين يقرؤونه بالياء.
وقد حُكي: (عيشة) في لغةٍ فصيحةٍ ذَكَرَها أبو عُمر الزاهد في «شرح الفصيح» عن ثعلب، عنِ ابنِ الأعرابيِّ [5]، وحكاها أيضًا عليُّ بن حمزة [6].
ثمَّ اعلم أنَّ هذا الحديثَ في ابتداء الوحي مرسلُ صحابيٍّ؛ لأنَّها لم تُدرك ذلك الوقتَ، فتكونُ سمعتْه منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو مِن صحابيٍّ آخر، ومرسلُ الصحابيِّ حجَّةٌ عند الجمهور، خلافًا لأبي إسحاقَ الإسفراينيِّ [7]، وطائفةٍ يسيرة.
قوله: (مِنَ الْوَحْيِ): في (مِن) قولان:
أحدهما: أنَّها لبيان الجنس.
ثانيهما: للتبعيض.
قال القزَّاز [8] بالأوَّل [9]؛ كأنَّها قالت: من جنس الوحي، وليست الرؤيا من الوحي حتى تكون (من) للتبعيض، وردَّه القاضي عياض، وقال: (بل يجوز أن تكون للتبعيض؛ لأنَّها من الوحي؛ كما جاء في الحديث: «أنَّها جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ» [10]) [11].

(1/26)


قوله: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي الْنَّوْمِ): وفي «مسلمٍ»: «الصادقةُ» [م (160)]، وفي روايةِ مسلمٍ للمؤيَّد الطوسيِّ: «الصالحةُ»، وكذا رواه البخاريُّ في (كتاب التعبير): «الصادقةُ» [خ¦6982]، وكذا في (سورة اقرأ) في (التفسير) [خ¦4953] [خ¦4956]، و (الصادقة) و (الصالحة) [12] بمعنًى؛ وهي تباشير النُّبوَّة؛ لأنَّه لم يقع فيها ضِغْث.
قوله: (فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا): هي بغير تنوينٍ، على وزن (فُعْلى)، وجمعُها: (رُؤًى) على وزنِ (رُعًى)، قاله الجوهريُّ [13].
قوله: (مِثْلَ فَلَقِ [14]): (مثلَ): منصوبٌ على الحال؛ أي: جاءتِ الرؤيا مُشْبِهَةً فَلَق الصُّبح؛ أي: ضياءَه؛ إذا انفلقَ وانمازَ عن ظلام الليل، وذلك حين يتَّضحُ فلا يُشَكُّ فيه، و (فَلَق الصبح) و (فَرَقه)؛ بفتح أوَّلهما وثانيهما: ضياؤُه، وإنَّما يُقال هذا في الواضح البيِّن.
تنبيهٌ: قال القاضي عياض، وغيرُه من العلماء: (إنَّما ابتُدِئَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالرؤيا؛ لئلَّا يَفْجَأَه الملَكُ، ويأتيه صريحُ النُّبُوَّة بغتةً، فلا تحتمله قُوى البشريَّة، فبُدِئَ بأوائلِ خِصال النُّبُوَّة وتباشيرِ الكرامة من صدق الرؤيا، وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحَجَر والشجر [15] عليه بالنُّبُوَّة) انتهى [16]
قوله: (ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ): هو بالمدِّ؛ أي: الخلوة، وهي شأن الصالحين.
قوله: (بِغَارِ): هو الكهف في الجبل.
قوله: (حِرَاءٍ): هو يُمدُّ ويُقْصَر، ويؤنَّث ويُذَكَّر، ويُصْرَف ولا يُصْرَف؛ وهو جبلٌ على ثلاثة أميالٍ من مكَّة، قال الخطَّابيُّ: (أهلُ الحديث يُخطئون فيه في ثلاثة مواضع: يفتحون حاءَه [وهي مكسورةٌ]، ويكسرون الراء [17] وهي مفتوحةٌ، ويقصرونه وهو ممدودٌ) [18]، وقوله: (على ثلاثة أميالٍ من مكَّة) يعني: عن يسار الذاهب إلى مِنًى.
قوله: (فَيَتَحَنَّثُ فيه _وَهو التَّعَبُّدُ_): هذا تفسير (التحنُّث)، قال شيخنا الشَّارح: (يَحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، وأن يكون ممَّن دونها) انتهى [19]

(1/27)


والذي ظهر لي: أنَّ الذي ينبغي أن يقال: إنَّه يَحتمل أن يكون هذا التفسير من عائشة، أو من عروة الراوي عنها، أو من ابن شهاب وهو الزُّهريُّ، ولا يكون ممَّن دون هؤلاء؛ وذلك لأنَّ مداره على الزُّهريِّ فيما أعلم، وأصحابُ الزُّهريِّ غالبُهم رواه عنه كذلك، وبعضهم اختصر الحديث، فلم يقل منه إلَّا قطعةً يسيرة، والله أعلم.
معناه: يطرح الإثم عن نفسه بفعلِ ما يُخرِجُه عنه مِنَ البِرِّ.
وهو بحاءٍ مهملة، ثمَّ نونٍ مشدَّدة، ثمَّ مثلَّثة.
وعنِ ابن هشام: (التحنُّث: التحنُّف، يُبدلون الفاء من الثاء، يريدون الحنيفيَّة) [20].
وقال أبو أحمدَ العسكريُّ: (رواه بعضهم: «تتحنَّف» [21]؛ بالفاء، ثمَّ نقل عن بعض أهل العلم [22] أنَّه قال: سألت أبا عَمرو الشيبانيَّ عن ذلك، فقال: لا أعرف «تتحنَّث»، إنَّما هو «تتحنَّف» من «الحنيفيَّة»؛ أي: تتبع دين إبراهيم عليه السلام) [23].
قال الدِّمياطيُّ ما لفظه: (ثلاثةُ أفعالٍ مخالفةٌ لسائر الأفعال: «تحنَّث»، و «تحوَّب»، و «تأثَّم»؛ ألقى الحِنْثَ والحُوبةَ والإثمَ [24] عن نفسه، وغيرها يكون بمعنى: تكسَّب، قاله ابن بطَّال [25]، وزاد غيرُه: «تحرَّج») انتهى.
قال شيخنا الشَّارح: (والحاصل من ذلك ثمانيةُ ألفاظ: تحنَّث، وتأثَّم، وتحرَّج، وتحوَّب، وتهجَّد [26]، وتنجَّس، وتقذَّر، وتحنَّف) انتهى [27]، قاله شيخنا الشَّارح، ورأيتُ أنا في كتاب «الأضداد» للإمام الصَّغانيِّ [28]: (تحنَّث؛ إذا أتى الحِنْثَ، وإذا تجنَّبَه) انتهى [29]
قوله: (اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ): هو متعلِّقٌ بـ (يتحنَّث)؛ أي: يتحنَّث الليالي، لا بالتعبُّد؛ لأنَّه يَفسُدُ المعنى حينئذٍ؛ فإنَّ التحنُّث لا يُشترَط فيه الليالي، بل يُطلق على القليل والكثير.
وأوضح من هذه العبارة: أنَّ التحنُّثَ هو التعبُّدُ مطلقًا، فإذا جعلتَه [30] متعلِّقًا بالليالي؛ بقي [31] أنَّ التحنُّثَ التعبُّدُ بالليالي [32]، وليس كذلك، بلِ التحنُّثُ التعبُّدُ المطلق لا المقيَّد، والله أعلم [33].
و (الليالي): منصوبٌ على الظرف، و (ذواتِ)؛ بكسر التاء علامةُ النصب.
[وهذا التفسيرُ [34] اعتراضٌ بين كلام عائشة رضي الله عنها، وإنَّما كلامها: «فيتحنَّث فيه اللياليَ ذواتِ العدد»] [35].

(1/28)


قوله: (قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إلى أَهْلِهِ): هو بكسر الزاي، وبالعين المهملة؛ أي: يَرْجِعَ، يقال: (نزع إلى أهله)؛ إذا حنَّ إليهم، فرجع [إليهم، و «نزعوا إليه»؛ حنُّوا إليه] [36].
[ج 1 ص 9]
قوله: (فَجَاءَهُ الْمَلَكُ): هو جبريل عليه السلام، وهذا معروف.
قوله: (مَا أَنَا بِقَارِئٍ): قال ابن قُرقُول: (أي: لستُ بقارئ؛ لأنَّه أُمِّيٌّ لا يَقرأ الكتب ولا يكتب، وقيل: «ما» استفهاميَّة، والأوَّلُ أصوبُ؛ لأنَّ الباء تمنع من كونها استفهامًا) [37]، وكذا قاله القاضي عياض [38].
قوله: (فَغَطَّنِي): هو بغينٍ معجمة مفتوحة، ثمَّ طاء مشدَّدة مفتوحة مهملة؛ أي: عصرني، وضمَّني.
قال ابن قُرقُول: (أي: غمَّني، ونحوه: «غتَّني»؛ وهو حبس النَفَس مرَّة، وإمساك اليد أو الثوب على الفم والأنف والحلق، يقال في ذلك: غتَّه يغُتُّه، ويقال بالطاء في الخنق وتغييب الرأس في الماء) انتهى.
وقال الدِّمياطيُّ: («غمَّني وخنقني»، وإنَّما فعل ذلك؛ ليبلوَ صبره، ويُحسِن تأديبَهُ، فيرتاض، ويَحتمل ما كُلِّفه من أعباء النُّبُوَّة) انتهى.
وكأنَّ في [39] ذلك إظهارًا للشدَّة والجِدِّ في الأمر، وأن يأخذ الكتاب بقوَّة، ويترك الأناة؛ فإنَّه [40] أمر ليس بالهُوينى.
والحكمة في فعل ذلك ثلاثًا: إشارة إلى أنَّك تُبتلى بثلاثِ شدائدَ، ثمَّ يأتي الفرج والرَّوح، وكذلك كان؛ لقي عليه الصَّلاة والسَّلام هو وأصحابُه شِدَّةً من الجوع في الشِّعْب حين تعاقدت قريش عليهم، وشِدَّةً أُخرى من الخوف والإيعادِ بالقتل، وشِدَّةً أُخرى من الإجلاء عن أحبِّ الأوطان إليهم، ثمَّ [41] كانت العاقبة للمتَّقين، قاله السُّهيليُّ بمعناه [42].
قوله: (حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجهْد): يجوزُ في الجيم ضمُّها وفتحُها، ونصبُ الدال وضمُّها.
ذَكَرَ فتحَ الدال وضمَّها النوويُّ عن صاحب «التحرير» وغيرِه [43]؛ ومعناه: الغاية والمشقَّة، فعلى الرفع معناه: بلغ منِّي الجهدُ مبلغَهُ، فحذف (مبلغه)، وهو المفعول، وعلى النصب معناه: بلغ الملَك منِّي الجهدَ.
قوله: ({اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]): قال الدِّمياطيُّ: (فيه دليلٌ على ترك التسمية، وأنَّها ليست من كلِّ سورة، وهذه أوَّلُ سورةٍ نزلت، وليس ذلك فيها) انتهى.

(1/29)


وقال النوويُّ: (استدلَّ بهذا الحديث بعضُ من يقول: إنَّ «بسم الله الرحمن الرحيم» ليست بقرآن في أوائل السور؛ لكونها لم تُذكَر هنا، وجواب المثبتين لها: أنَّها [44] لم تنزل أوَّلًا، بل نزلت البسملة في وقت آخر؛ كما نزل باقي السورة في وقت آخر) [45].
فائدة: في قوله: ({اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ}) دليلٌ للجمهور سلفًا وخلفًا _وهو الصواب_ أنَّه أوَّل ما نزل من القرآن.
وقول مَن قال: إنَّ أوَّل ما نزل: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]؛ فيما يتعلَّق بالإنذار، [أو بعد قوله: {اقْرأْ} إلى قوله: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]؛ عملًا بالرواية الآتية: «فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]» [46]، أو على أنَّ أوَّل ما نزل بعد فترة الوحي، كما هو ظاهر إيراده] [47].
قال النوويُّ في أنَّ (المدَّثِّر) أوَّلُ ما نزل: (ليس بشيءٍ) انتهى [48]
وأبعدَ مَن قال: إنَّ أوَّل ما نزل الفاتحةُ، بل هو شاذٌّ، قال النوويُّ: (وبُطلانه أظهرُ من أن يُذكَر) [49].
غريبة: نقل شيخنا الشَّارح في (تفسير المدَّثِّر) عن عطاء بن أبي مسلم: (أنَّ {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] نزلت قبل {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]) انتهى [50]
وفي كلام أبي القاسم الحسن بن محمَّد بن حبيب في كتاب «التنزيل»: (قال قتادة: «سورة المزمل» مدنيَّة، وقال الباقون: مكِّيَّة) [51]، وهذا الرجل قيل: إنَّ الحاكم تكلَّم فيه [52].
وذكر أيضًا شيخنا في أوَّل (فضائل القرآن): (أنَّ مجاهدًا زاد {ن وَالْقَلَمِ} [القلم: 1]) [53].
فبقي في المسألة خمسة أقوال: {اِقْرَأْ ... } إلى: {مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، أو (المدَّثِّر)، أو (المزَّمِّل)، أو (ن)، أو (الفاتحة).
فائدة ثانية: أوَّلُ سورة نزلت بالمدينة: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1]، كما نقله [54] شيخنا في (تفسيرها) [55].
ثالثة: آخر ما نزل من السُّور (براءة)، وسيأتي في ذلك تعقُّبٌ للداوديِّ في (سورة براءة) إن شاء الله تعالى [خ¦4654].
ونقل النَّحَّاس عنِ ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1].
ونقل شيخنا: (أنَّها آخر سورة نزلت، فيما حكاه ابن النقيب عنِ ابن عبَّاس) انتهى [56]
وهذا في «صحيح مسلم» عنِ ابن عبَّاس [م (3024)].

(1/30)


رابعة: آخر ما نزل من الآيات: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281].
نقل شيخنا الشَّارح في رواية أبي صالح عنِ ابن عبَّاس: (أنَّها نزلت بمكَّة، وتوفِّيَ بعدَها بأَحَدٍ وثمانين يومًا، زاد ابن المُنْكَدِر [57]: هذا مستبعدٌ؛ لما فيه من انقطاع الوحي هذه المدَّةَ.
وقيل: نزلت يوم النَّحْر بمِنًى في حجَّة الوداع.
ورَوى ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جُبير، عنِ ابن عبَّاس: عاش بعدَها تسع ليالٍ [58]، وعند مقاتل: سبع [59]، وحَكى غيرُه: ثلاث ليال، وقيل: ثلاث ساعات، ذكرهما القرطبيُّ [60]، وقيل: إنَّه عاش بعدَها أحدًا وعشرين يومًا) انتهى [61]
وقال ابن عبد السلام: (نزلت آية «الكلالة»، فعاش بعدَها خمسين يومًا، ثمَّ نزل: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: 281]، فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا، وقيل: سبعة) انتهى [62]
وقيل: آخر آية نزلت: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ} إلى آخر الآية [النساء: 176].
وقيل: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} إلى آخر الآيتين [التوبة: 128 - 129].
وقيل: آية الرِّبا، وسيأتي ذلك عنِ ابن عبَّاس في آخر (سورة البقرة) في (التفسير) [خ¦4544].
ونقل شيخنا الشَّارح في (كتاب الإيمان) عن أنس: (أنَّ آخرَ آية نزلت: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5]) [63].
ونقل أيضًا في أوَّل (فضائل القرآن): (أنَّ آية الدين) [64].
فتَحرَّر في آخر آية نزلت ستَّةُ أقوال، والله أعلم.
قوله: (زَمِّلُونِي): أي: غطُّوني بالثياب، وائتوني بها.
قوله: (الرَّوْعُ)؛ هو بفتح الراء، وإسكان الواو، وبالعين المهملتين: الفزعُ.
قوله: (لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي): ليس معناه الشَّكَّ في أنَّ ما أتاه من الله تعالى، لكنَّه خشيَ ألَّا يَقْوَى على مقاومة هذا الأمر، ولا يُطيق حَمْلَ أعباء الوحي، فتزهقَ نفسُه، وينخلعَ قلبُه؛ لشدَّة ما لَقِيَه أوَّلًا عند لقاء الملَك، وقيل غير ذلك، وقد ذكر القاضي عياض فيه احتمالين _هذا أوَّلهما_ في «الشفا»، وفي «شرح مسلم» [65]، قال الشيخ النوويُّ: (والاحتمال الثاني ضعيف) انتهى [66]، فلهذا حذفتُه أنا، والله أعلم.
[ج 1 ص 10]

(1/31)


قوله: (مَا يُخْزِيكَ اللهُ)؛ هو بضمِّ الياء، وبالخاء المعجمة [67]؛ من (الخِزْي)؛ وهو الفضيحة والهَوان، ورواه مسلم كما رواه البخاريُّ [م (160) (252)، و (160) (254)]، ورواه أيضًا: (يحزنك)؛ بالحاء المهملة وبالنون؛ من (الحزن) [م (160) (253)]، ويجوز على هذا فتحُ الياء وضمُّها، يقال: (حَزنه) و (أحزنه) لغتان فصيحتان، قُرئ بهما في السبع [68].
قال ابن قُرقُول _في الحاء والزاي: (لا يحزنك الله أبدًا) _: (كذا رواه مَعْمر عنِ الزُّهريِّ، ورواه عنه عُقيل، ويونس: «يخزيك» من «الخِزْي»، وهو أصوب) انتهى [69]
وهذا هنا من [70] رواية عُقَيل عنِ الزُّهريِّ.
قوله: (وَتَحْمِلُ الْكَلَّ): هو بفتح الكاف، وتشديد اللَّام؛ أصله: الشيء الثقيل، ويدخل فيه الإنفاق على الضعيف، واليتيم، والعيال، وغير ذلك، من (الكلال)؛ وهو الإعياء، وعنِ الداوديِّ: (الكَلَّ): المنقطع.
قوله: (وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ): قال ابن قُرقُول: بفتح التاء أكثرُ الرواية فيه وأصحُّها؛ ومعناه: تَكْسِبُه لنفسك، وقيل: تَكْسِبُه غيرَك وتعطيه إيَّاه، يقال: (كَسَبْتُ مالًا، وكَسَبْتُه غيري) لازمٌ ومتعدٍّ.
وأنكر الفرَّاء [71]، وغيرُه: (أكسب) في المتعدِّي، وصَوَّبَه ابنُ الأعرابيِّ [72]، وأنشد: [من الطويل]
(فَأَكْسَبَنِي مَالًا وَأَكْسَبْتُهُ حَمْدًا) [73]
وقد ذكر فيه القاضي والنوويُّ كلامًا طويلًا [74]، وما قاله ابن قُرقُول ملخَّصٌ، والله أعلم.
قوله: (وَتَقْرِي الضَّيْفَ): هو بفتح أوَّله، تقول: (قَريتُ الضيفَ أَقْرِيهِ قِرًى)؛ بكسر القاف، والقصر، و (قَراء)؛ بالفتح والمدِّ: أحسنت إليه.
قوله: (وَتُعِينُ على نَوَائِبِ الْحَقِّ): أي: تُعين بما تقدر عليه، مَنْ أصابته نوائب حقٍّ؛ أعنته فيها، و (النوائب): جمع (نائبة)؛ وهي الحادثة والنازلة.
قوله: (وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى): وزاد في (التعبير): (ابْنِ قُصَيٍّ) [75]، يجتمع ورقةُ معه عليه الصَّلاة والسَّلام في قُصَيِّ بنِ كِلاب، وكذا خديجةُ رضي الله عنها، وباقي نسبهما معروف.
ثمَّ اعلم أنَّ ترجمةَ ورقةَ طويلةٌ، منها:
أنَّه لا عقب له.
وقد روى الحاكم في «مستدركه» من حديث عائشة رضي الله عنها: «لا تسبُّوا ورقةَ؛ فإنِّي رأيتُ له جنَّةً أوجنَّتين» [76]، وكذا أخرجه البزَّار [77].

(1/32)


وفي كتاب الزُّبير من حديث عبد الله بن معاذ، عنِ الزُّهريِّ، عن عروة قال: سُئِلَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن ورقةَ _كما [78] بلغنا_ فقال: «لقد رأيتُه في المنام وعليه ثيابٌ بيضٌ، فقد أظنُّ أنَّه لو كان من أهل النار؛ لم أَرَ عليه البياض» [79].
ورواه الترمذيُّ في (كتاب الرؤيا) من «جامعه» من حديث عثمان بن عبد الرحمن، عنِ الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشةَ رضي الله عنها مرفوعًا بنحوه، ثمَّ قال: (حديث غريب، وعثمان بن عبد الرحمن ليس عند أهل الحديث بالقويِّ) [80]، قال السُّهيليُّ: (في إسناده ضعفٌ؛ لأنَّه يدور على عثمان) انتهى [81]
وذكره الحاكم في «المستدرك» في (الرؤيا)، وقال: صحيح، وتعقَّبه الذهبيُّ بالوقَّاصيِّ؛ وهو عثمان المذكور، انتهى [82]، لكن يقوِّيه [83] قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «رأيتُ القَسَّ _يعني: ورقةَ_ وعليه ثيابُ حريرٍ؛ لأنَّه أوَّلُ مَنْ آمن بي، وصدَّقَني»، وذكره ابن إسحاق عن أبي ميسرة عَمرو بن شُرحبيل [84].
وقال المَرْزُبانيُّ [85]: كان ورقةُ من علماء قريش وشعرائهم، وكان يُدعى: القَسَّ، وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «رأيتُه وعليه حُلَّةٌ خضراءُ يَرفُلُ في الجَنَّة»، وكان يذكر الله في شِعره، ويسبِّحه.
وقد ذكر شيخنا حافظ العصر العراقيُّ فيما قرأتُه عليه ما [86] لفظه: (وينبغي أن يقال: إنَّ أوَّل مَنْ آمن من الرجال ورقةُ بن نوفل؛ لما ثبت في «الصحيحين» من حديث عائشةَ رضي الله عنها في قِصَّة بَدْء الوحي ... إلى أن قال: ففي هذا: أنَّ [87] الوحي تتابع في حياة ورقةَ، وأنَّه آمن به وصدَّقه.
وقد روى أبو يَعْلى المَوصليُّ، وأبو بكرٍ البزَّار في «مسنديهما» من رواية مُجالِد، عنِ الشَّعْبيِّ، عن جابر بن عبد الله: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام سُئِلَ عن ورقةَ بن نوفل، فقال: «أبصرتُه في بطنان الجَنَّة عليه سُنْدُسٌ» لفظ أبي يعلى [88]، قال البزَّار: «عليه حُلَّةٌ مِن سُنْدُسٍ» [89]، وروى البزَّار أيضًا ... ؛ فذكر حديث عائشةَ رضي الله عنها الذي ذكرتُه [90]، ثمَّ قال: صحيحٌ، رجالُه كلُّهم ثِقات، وقد ذَكَرَ ورقةَ في الصحابة أبو عبد الله بنُ مَنْدَه، وقد اختُلف في إسلامه) انتهى [91]
وقال شيخُنا المشار إليه في «سيرته» النظم [92]:
~…فَهْوَ الَّذي آمَنَ بَعْدُ ثَانِيَا…وَكان بَرًّا صَادِقًا مُوَاتِيَا

(1/33)


~…وَالصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ إِنَّهْ…رَأَى لَهُ تَخَضْخُضًا [93] في الْجَنَّةْ
وقوله: (ثانيًا) أي: بعد خديجة، وقد نقل الذهبيُّ في «تجريده» كلام ابن مَنْدَه كما ذكرتُه، ثمَّ قال: (والأظهر: أنَّه مات قبلَ الرسالة وبعدَ النُّبُوَّة) [94].
قوله: (ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ): (ابنَ) [95]: منصوبٌ تابعٌ لـ (ورقةَ)؛ لأنَّه ورقةُ بن نوفل بن أسد، وخديجةُ بنتُ خويلد بن أسد، فيُكتبُ بالألف؛ لأنَّه بَدَلٌ مِن (ورقةَ)، ولا يجوزُ جرُّه؛ لأنَّه يصير صفةً لـ (عبد العُزَّى)، فيكونُ (عبد العُزَّى) ابنَ عمِّها، وهو باطلٌ.
قوله: (وَكان امْرَأً تَنَصَّرَ في الْجَاهِلِيَّةِ): اعلم أنَّ ورقةَ ذكره [96] أبو عُمر [97] بن عبد البَرِّ في ترجمة زيد بن عَمرو بن نُفيل: (أنَّ ورقةَ كان تهوَّدَ قبل أن يتنصَّر، ثمَّ تنصَّر، وأنَّ زيدًا كان أَبَى ذلك؛ يعني: التهوُّد والتنصُّر)، والله أعلم [98]، وقوله: (تَنَصَّرَ) أي: ترك في الجاهليَّة عبادة الأوثان، وقيل فيه بالموحَّدة من (البصيرة).
قوله: (في الْجَاهِلِيَّةِ): هي ما قبلَ الإسلام، سُمُّوا بذلك؛ لكثرةِ جهالاتهم، وفي «المطالع» ذَكَرَ الجاهليَّة، ثمَّ [99] قال: (كلُّ ذلك كِناية عمَّا كانت عليه العرب قبل الإسلام وبَعْثِ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام؛ مِنَ الجهل بالله ورسوله [100]، وبشرائع الدين، والتمسُّكِ بعبادة غير [101] الله عزَّ وجلَّ) انتهى، وكذا قاله غيره، وهذا يؤخذ أيضًا من عمل البخاريِّ؛ فإنَّه ذَكر أيَّامَ الجاهليَّة قبلَ المَبْعَث [102]، ولم يَذكر بينهما بابًا غيرَ بابٍ يتعلَّقُ بالجاهليَّة؛ وهو (القسامة في الجاهليَّة) [103].
وقال النوويُّ [104]: («وهذا أبو عثمان النَّهْدِيُّ، وأبو رافع الصائغ، وهما ممَّن أدرك الجاهليَّة»: إنَّ معناه: كانا رجلين قبلَ بعثة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: والجاهليَّة ما قبلَ بعثة النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سُمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم) [105].
وقد نازعه شيخنا الحافظ العراقيُّ في ذلك
[ج 1 ص 11]
فيما قرأتُه عليه، فقال: (وفيما قاله نظرٌ، والظاهرُ: أنَّ المراد بإدراك الجاهليَّة: إدراكُ قومه أو غيرهم على الكفر قبل فتح مكَّة؛ فإنَّ العرب بادروا إلى الإسلام بعد فتح مكَّة، وزال أمر الجاهليَّة، وخطب عليه الصَّلاة والسَّلام في الفتح بإبطال أمور الجاهليَّة إلَّا ما كان من سقاية الحاجِّ وسدانة الكعبة.

(1/34)


وقد ذكر مسلمٌ في المخضرمين: يُسَير بن عَمرو، وإنَّما وُلِدَ بعد زمن الهجرة، وكان له عند موت النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دون العشر سنين، فأدرك بعض زمن الجاهليَّة في قومه) انتهى [106]
وممَّا يدُلُّ لما قاله شيخنا: حديثُ ابن عبَّاس الذي أخرجه البخاريُّ منفردًا به: (سمعت أبي يقول في الجاهليَّة: اسقنا كأسًا دِهاقًا) [107]، فهذا ابنُ عبَّاس أطلق الجاهليَّة على زمانٍ بعد المبعث بلا خلاف، ومَنْ عرف مولد ابنِ عبَّاس؛ عرف ذلك، والله أعلم.
قوله: (بِالْعِبْرَانِيَّةِ): قال ابن قُرقُول: كذا وقع في (بدء الوحي)، وصوابُه: (بالعربيَّة)، كما تكرَّر [108] في غيرِ موضعٍ في (كتاب التعبير) [خ¦6982]، و (التفسير) [خ¦4953]، وكما [109] وقع في «مسلمٍ» [م (160) (252)]، وفي [110] (الأنبياء) [خ¦3392]: (وكان يقرأ الإنجيلَ بالعربيَّة)، كذا للكافَّة، وعند ابن السكن: (بالعبرانيَّة).
وقال الداوديُّ: ومعنى قوله: (وكان يكتب من الإنجيل بالعبرانيَّة) أي: الذي يقرأ بالعبرانيَّة ينقله بالعربيَّة، انتهى.
وقال النوويُّ: (كلاهما صحيح، وحاصلهما: أنَّه تمكَّن من معرفة دين النصارى بحيث صار يتصرَّف في الإنجيل، فيكتب أيَّ موضعٍ شاء منه بالعبرانيَّة إن شاء، وبالعربيَّة إن شاء، والله أعلم) [111].
قوله: (قَدْ عَمِيَ): اعلم أنَّ العميان من الأنبياء: إسحاقُ، ويعقوبُ، وشعيبٌ، وفي عدِّ يعقوبَ نظرٌ؛ لأنَّه أبصر آخرًا.
ومن الأشراف: عبد المطَّلب بن هاشم، وأُمَيَّة بن عبد شمس، وزَهْرة بن كِلاب، ومُطْعِم بن عَدِيٍّ.

(1/35)


ومِنَ الصحابة سواء كان أعمى في عهده، أو حدث له بعد وفاته عليه الصَّلاة والسَّلام: البراءُ بن عازِب، وجابر بن عبد الله، وحسَّان بن ثابت، والحكم بن أبي العاص، وسعد بن أبي وقَّاص، وسعيد بن يربوع، وصخر بن حرب أبو سفيان، والعبَّاس بن عبد المطَّلب، وعبد الله بن الأرقم [112]، وعبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عبَّاس، وعبد الله بن عُمير، وعبد الله بن أبي أوفى، وعِتْبان بن مالك، وعُتبة بن مسعود الهُذليُّ، وعثمان بن عامر أبو قُحافة، وعَقِيل بن أبي طالب، وعَمرو ابن أمِّ مكتوم المؤذِّن، وقَتادة بن النُّعمان، هذا على ما جاء في حديث: أنَّ عينيه أُصيبتا، وهذا قد لا يُعَدُّ؛ لأنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام رَدَّهما [113]، ومثله: حبيب بن فُديك أبو فُديك _ويقال: حبيب بن فويك، والأوَّل أصحُّ_ أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام دعا له وهو أعمى مبيضَّةٌ عيناه، فأبصر، وكان يُدخل الخيط في الإبرة، مختلفٌ في حديثه، وسبب ما جرى لعينيه [114] قاله له عليه الصلاة السلام: كنتُ أُمَرِّنُ جملًا لي، فوقعتُ على بيضِ حيَّةٍ، فأُصيب بصري، فنفث رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في عينيه، فأبصر [115].
وكعبُ بن مالك، ومالكُ بن [116] ربيعة أبو أُسيد الساعديُّ، ومَخْرمة بن نوفل، وورقة على القول بأنَّه صحابيٌّ، وهو الظاهر.
تنبيه: وأمَّا حديث عثمان بن حُنيف الأنصاريِّ _وهو أخو سهل بن حُنيف_ الذي في «سنن الترمذيِّ»، و «عمل اليوم والليلة» للنَّسائيِّ، و «سنن ابن ماجه»: (أنَّ رجلًا ضريرَ البصر أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: ادْعُ اللهَ أن يعافيَني ... )؛ الحديث [117]؛ يحتملُ أن يكون قد ذُكِر فيمَن تقدَّم، ويحتمل أَنْ لا، والله أعلم.
ونقل [118] القرطبيُّ في «تفسيره»: أنَّ عبد الله بن زيد رائي الأذان عَمِيَ بعد النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [119]، وسأذكر سبب ذلك في أوَّل (باب بَدْء الأذان) [120] إن شاء الله تعالى [خ¦10/].
فهؤلاء من الصحابة ثلاثة وعشرون، أو خمسة وعشرون.
ومن التابعين: عطاء بن أبي رَباح، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وقَتادة بن دِعامة، وأبو عبد الرحمن السُّلَميُّ، وأبو هلال الراسبيُّ.

(1/36)


قوله: (ابْنَ عَمِّ): كذا هنا، وفي «مسلم»: (أَيْ عَمِّ) [م (160) (252)]، وفيه: (ابنَ عَمِّ) أيضًا [م (160) (253) و (160) (254)]، والأوَّل صحيحٌ؛ لأنَّه ابنُ عمِّها، والثاني صحيحٌ أيضًا، قالته تعظيمًا له؛ لسِنِّه ولعِلْمه.
وقال ابن قُرقُول: («أَيْ عَمِّ»، كذا لمسلمٍ، وفي «البخاريِّ»: «يَا بْنَ عَمِّ»، قال بعضُهم: وهو الصواب، ولا يَبْعُدُ أن تدعوَه بعمِّها؛ لسِنِّه وجلالة قَدْره وإن كان ابنَ عمِّها).
قوله: (هذا النَّامُوسُ) يعني: جبريل عليه السلام، و (الناموس): صاحب سِرِّ الخير.
قوله: (على مُوسَى) إن قيل: لِمَ لم يقل: عيسى؛ لقُرْبه منه؟!
والجواب: أنَّه جاء في غير «الصحيح»: (نزَّل الله على عيسى) [121]، وكلاهما صحيح.
وعن الزبير بن بَكَّار أنَّه رواه فقال: (ناموس عيسى ابن مريم) [122].
أمَّا عيسى؛ فلقُرْب زمنه منه، وأمَّا موسى؛ فأبدى له السُّهيليُّ معنًى آخرَ؛ وهو: (أنَّ ورقةَ قد تنصَّر، والنصارى لا يقولون في عيسى: إنَّه نبيٌّ يأتيه جبريلُ، وإنَّما يقولون: إنَّ أُقْنُومًا مِنَ الأَقانِيم الثلاثة حَلَّ بناسوتِ المسيح، على الاختلاف بينهم في ذلك الحلول، وهو أُقْنُوم الكلمة، والكلمة عندهم عبارةٌ عنِ العلم، فلذلك كان المسيح في زعمهم يعلم الغيب، ويُخبر بما في الغد في زعمهم الكاذب.
فلمَّا كان هذا مذهبَ النصارى؛ عَدَلَ عن ذِكْر عيسى إلى ذِكْر موسى؛ لعلمه ولاعتقاده أنَّ جبريل كان ينزل على موسى، ثمَّ قال: لكنَّ ورقة قد ثبت إيمانُه بمحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، ثمَّ ساق حديث الترمذيِّ السالف [123]، انتهى [124]
و (الأُقْنُوم) في كلامه: الأصل، قال في «الصحاح»: (وأحسبها رُومِيَّة) [125].
قوله: (فيهَا جَذَعًا): الضمير في (فيها) يعود على [126] أيَّام النُّبُوَّة ومدَّتِها.
قوله: (جَذَعًا): هو بالذال المعجمة المفتوحة، وفتح [127] الجيم، ويأتي ما هو.
قال ابن قُرقُول: (كذا لأكثرهم _يعني: بالنصب_ وللأصيليِّ، وابن ماهان: «جَذَعٌ» خبر «ليت»، والنصبُ على الحال، والخبرُ مضمرٌ؛ أي: فأَنْصُرُه وأُعِينُه.
وقيل: معناه: يا ليتني أُدرك أَمرَك، فأكون أوَّلَ مَنْ يقوم بنَصْرك؛ كالجَذَع الذي هو أوَّلُ أسنان البهائم.
والقول الأوَّل أبينُ؛ أي: شابًّا قويًّا؛ كالجَذَع من الدوابِّ، حتى أُبالغ في نصرك) [128].
وقال شيخنا الشَّارح: واختلفوا في وجه النصب على ثلاثة أوجه:

(1/37)


أحدها: نصبه على أنَّه خبر «كان» المقدَّرة؛ تقديره: يا ليتني أكون جَذَعًا، قاله الخطَّابيُّ، والمازريُّ، وابن الجوزيِّ في «مشكله» [129]، وهو يجيء على مذهب الكوفيِّين، كما قالوا في قوله تعالى: {انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ} [النساء: 171]؛ أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم.
ومذهب البصريِّين: أنَّ {خَيْرًا} في الآية منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ يدُلُّ عليه {انتَهُوا}؛ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم.
وقال الفرَّاء: «انتهوا انتهاءً خيرًا لكم [130]».
وضُعِّفَ هذا الوجه بأنَّ «كان» الناصبة لا تُضمر إلَّا إذا كان في الكلام لفظٌ ظاهر يقتضيها؛ كقولهم: «إنْ خيرًا؛ فخير».
ثانيها: نصبه على الحال، وخبر «ليت» قوله: «فيها»؛ والتقدير: ليتني كائن فيها _أي: في مدَّة الحياة_ في هذا الحال شبيبةً وصِحَّةً وقُوَّةً لنُصرتك؛ إذ كان قد أسنَّ وعَمِيَ عند هذا القول، ورجَّح هذا القاضي عياض، وقال: إنَّه الظاهر [131]، وقال النوويُّ: «إنَّه الصحيح الذي اختاره المحقِّقون» [132].
ثالثها: أن [133] تكون «ليت» عملت عمل «تمنَّيت»، فنصبتِ الاسمين، كما قال الكوفيُّون، وأنشدوا: [من الرجز]
«يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا» [134]
انتهى [135].
قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ): استعمل فيه (إذ) في المستقبل كـ (إذا)، وهو استعمالٌ صحيح، ومثله قوله تعالى: {إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ} [مريم: 39]، و {إِذِ القُلُوبُ} [غافر: 18]،
[ج 1 ص 12]
وقوله: {إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ} [غافر: 71]، وقدِ استُعمل كلٌّ منهما في موضع الأخرى، ومن الثاني [136]: قوله تعالى: {إِذَا ضَرَبُوا في الْأَرْضِ} [آل عمرن: 156]، {وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً} [الجمعة: 11]، و {إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ} [التوبة: 92].
قوله: (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟): هو بفتح الواو على الاستفهام.
و (أو) إذا جاءت للتقرير، أو التوبيخ، أو الردِّ، أو الإنكار، أو الاستفهام؛ كانت الواو مفتوحةً، وإذا جاءتْ للشَّكِّ، أو التقسيم [137]، أو الإبهام، أو التسوية، أو التخيير، أو بمعنى (الواو) على رأي بعضهم، أو بمعنى (بل)، أو بمعنى (حتَّى)، أو بمعنى (إلى)، وكيف ما كانت عاطفة؛ فهي ساكنةُ الواو.
والياء في (مُخرِجيَّ) مشدَّدة، وهو جمع: (مُخرِج)، ويجوزُ تخفيفها، والصحيح: التشديد، وبه جاءت الرواية.

(1/38)


وقال السُّهيليُّ: (لا بُدَّ من تشديد الياء في «مُخرِجيَّ»؛ لأنَّه جمعٌ)، ثمَّ ذكر كلامًا حسنًا، فإن أردتَه؛ فانظره في أوائل «روضه» [138].
ثمّ على التشديد يجوز فتحها وكسرها؛ ومنه قوله تعالى: {بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22]، قرئ بهما في السبع؛ فقرأ حمزة بالكسر، وهي لغة حكاها الفرَّاء وقُطْرُب [139]، وأجازها أبو عَمرو، وقرأ الباقون بفتحها [140].
فائدة: ذكر الإمام أبو القاسم السُّهيليُّ: أنَّ في قوله: «أَوَمُخرِجيَّ هم» حُبَّ الوطن، انتهى [141].
وعنِ الإمام أبي نصر عبد الوهَّاب بن شيخ الإسلام تقيِّ الدين عليِّ بن عبد الكافي السُّبكيِّ الشافعيِّ: (أنَّ أحسن منه أن يقال: تحرَّكت نفسُه لما في الإخراج من فوات ما نُدِب إليه من إيمانهم وهدايتهم؛ فإنَّ ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقَّبٌ، ومع الإخراج منقطعٌ، وذلك هو الذي لا شيء عند الأنبياء عليهم السلام أعظمُ منه؛ لأنَّه امتثال أمر الله تعالى، وأمَّا مفارقةُ الوطن؛ فهو أمرٌ جِبِلِّيٌّ، والنبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أجلُّ وأعلى مقامًا من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم) انتهى [142]
قوله: (يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ): أي: وقتُ خروجِكَ.
قوله: (مُؤَزَّرًا): هو بضمِّ الميم، ثمَّ همزة مفتوحة، ثمَّ زاي مفتوحة مشدَّدة، ثمَّ راء؛ أي: بالغًا قويًّا.
قوله: (يَنْشَبْ): هو بفتحِ الشَّين؛ أي: يلبث.
قوله: (وَفَتَرَ الْوَحْيُ): إن قيل: ما الحكمة في فُتوره؟
فالجواب: لعلَّه لذهاب ما حصل له من الرَّوع، وليتشوَّفَ لعَودِه.
فائدة: لَمْ يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديثٍ مسندٍ [143] كما أفاده السُّهيليُّ في «روضه»: (أنَّها كانت سنتين ونصفًا) [144]، والله أعلم.
قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ): هو الزُّهريُّ، وقد تقدَّم، ويأتي.
قوله: (وَأَخْبَرَنِي أبو سَلَمَةَ بْنُ عبد الرَّحْمَنِ): اسمُ أبي سلمةَ: عبدُ الله، وقيل: إسماعيل، والصحيح الأوَّل، وقيل: لا يُعرف اسمه، وقال أحمدُ ابنُ حَنبلٍ: (كنيتُه هي اسمُه) [145].
وهو أحد الفقهاء السبعة عند أكثر علماء [146] الحجاز، كما قاله الحاكم [147]، وقيل: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وقيل: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث.
والفقهاء السبعة: خارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمَّد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وعبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، وسعيد بن المُسَيّب، وأبو سلمة المذكور.

(1/39)


واعلم أنَّ قول ابن شهاب: (وأخبرني أبو سلمة) هو معطوفٌ على السند المذكور قبلَه؛ أعني: قولَ البخاريِّ: (حَدَّثنا يَحيى ابن بُكير: حَدَّثنا اللَّيث عن عُقَيْلٍ، عنِ ابنِ شِهابٍ قَالَ: أَخبرني أَبو سَلَمَةَ بنُ عَبدِ الرَّحمن: أَنَّ جَابِرَ بنَ عبدِ الله الأنصاريَّ قال ... )؛ الحديث، وليس هذا تعليقًا، فاعلمه.
وقد غلط فيه بعضُ شارحي هذا الكتاب _على ما بلغني من [148] بعض العلماء، ثمَّ رأيتُه في «شرحه للبخاريِّ» _ فظنَّه تعليقًا [149]، وإنَّما هو معطوفٌ على السند المذكور قبلَه، وانظر «أطراف المِزِّيِّ»؛ تجد ذلك [150]، وهذا ظاهر عند أهل الصناعة، والله أعلم.
قوله: (فَرَعَبْتُ منه): بفتح الراء والعين، قيَّده الأصيليُّ، ولغيره: (فرُعِبت)، وهما لغتان (رَعَب) و (رُعِب)،حكاهما يعقوب، قاله ابن قُرقُول، انتهى [151]
قوله: ({وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]) أي: الشركَ، أو الشيطانَ، أو الظُّلْمَ.
وقيل: العذابَ؛ أي: سببَه، وأصلُه: ما يؤثِّم ويلطِّخ.
وقيل: نفسَك فخالف، أو حُبَّ الدنيا؛ فإنَّه رأس كلِّ خطيئة، والناسُ يوردون: «حبُّ الدنيا ... » إلى آخره؛ حديثًا، وإنَّما هو معروف من كلام جُندُبٍ البَجَليِّ موقوفًا عليه، قاله الحافظ أبو العبَّاس ابن تيمية [152]، وقد عزاه شيخنا العراقيُّ لمالك بن دينار، وقال: كذلك رواه ابن أبي الدنيا في «مكايد الشيطان» بإسناده إليه [153]، قال: وقد رُوي من كلام عيسى ابن مريم، كما رواه البيهقيُّ في كتاب «الزهد» [154].
قوله: (فَحَمِيَ الْوَحْيُ): أي: قَوِيَ واشتدَّ.
قوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ): الضميرُ في (تَابَعَهُ) يعود على (يحيى ابن بُكَير)؛ أي: تابع عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ وأبو صالحٍ يحيى ابنَ بُكَيرٍ على روايته هذا الحديث عنِ الليث به [155].
و (يوسف): فيه تثليث السِّين مع الهمز وعدمه؛ سِتُّ لغات.
ومتابعةُ عبد الله بن يوسف أخرجها البخاريُّ في مكانين آخرين [156] عنه عنِ الليث به [157]، في (أحاديث الأنبياء) بتمامه [خ¦3392]، وفي (التفسير) مختصرًا [خ¦4957].
و (أبو صالح): هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، كذا رأيتُ في حاشيةٍ على أصلنا لـ «صحيح [158] البخاريِّ».
وقال شيخنا الشَّارح [159]: (وأمَّا أبو صالح؛ فاسمه عبد الغفَّار بن داود بن مهران ... ونسبه البكريُّ الحرَّانيُّ ... )؛ فذكر ترجمته، وهي معروفة، انتهى [160]

(1/40)


وهو شيخ البخاريِّ، وروى له معه: أبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه، ومتابعة كاتب الليث ليست في الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وكذلك إنْ كان عبدَ الغفَّار لا أعلم متابعتَه في شيءٍ من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا.
فائدة: اعلم أنَّ المتابعة أن يُعتبَر الحديثُ؛ أي: تنظرَه بروايات غيرِ ذلك الشخصِ من الرواة، هل [161] شاركه في ذلك الحديثِ راوٍ غيرُه، فرواه عن شيخه أم لا؟ فإن شاركه أحدٌ ممَّن يُعتبر بحديثه؛ أي: يصلح حديثُه للاعتبار والاستشهاد به _[ومَن يُعتبر به [162] من المجروحين عبارتُهم في جَرحه معروفة، مثل أن يقال في جَرحه: ضعيفٌ، أو منكَرُ الحديث، أو مضطربُه، أو واهٍ، أو ضعَّفُوه [163]، أو لا يُحتجُّ به، أو فيه مَقالٌ، أو ضُعِّفَ، أو فيه ضَعْفٌ، أو تُنكِرُ وتَعرفُ، أو ليس بذاك، أو ليس بالمتين، أو ليس بالقويِّ، أو ليس بحُجَّةٍ، أو ليس بعُمدةٍ، أو ليس بالمَرْضيِّ، أو للضَّعْفِ [164] ما هوَ، أو فيه خُلْفٌ، أو طعنوا فيه، أو سيِّئُ الحِفظِ، أو ليِّنٌ، أو تكلَّموا فيه؛ فكلُّ مَنْ قيل فيه واحدٌ مِنْ هذه الألفاظِ؛ فإنَّه يُعتبرُ بحديثِه، ومَن جُرِحَ بغيرِ واحدٍ مِنْ هذه الألفاظِ؛ فلا يُعتبرُ به، والله أعلم] [165]_؛ فيُسمَّى حديث هذا الذي شاركه تابعًا.
وإن لم تَجِدْ أحدًا تابعَه عليه عن شيخه؛ فانظرْ هل تابعَ أحدٌ شيخَ شيخِه فرواه متابعًا له أم لا؟
فإن وجدتَ أحدًا تابع شيخَ شيخِه عليه، فرواه كما رواه؛ فسمِّهِ أيضًا تابعًا، وقد يسمُّونه شاهدًا.
فإن لم تَجِدْ؛ فافعلْ ذلك فيمَن فوقَه إلى آخرِ الإسناد حتَّى في الصحابيِّ، فكلُّ مَنْ وُجِدَ له متابِعٌ؛ فسمِّهِ تابعًا، وقد يسمُّونه شاهدًا، كما تقدَّم.
فإن لم تَجِدْ لأحدٍ ممَّن فوقه متابعًا؛ فانظر هل أتى بمعناه حديثٌ آخر في الباب أم لا؟
فإن أتى بمعناه حديثٌ آخر؛ فسمِّ ذلك الحديثَ شاهدًا.
وإنْ لم تَجِدْ حديثًا يؤدِّي معناه؛ فقد عدمت المتابعات والشواهد، فالحديثُ إذن فَرْدٌ [166]، وهذا معنى قول المحدِّثين [167]: الاعتبار، والمتابعات، والشواهد، والله أعلم.

(1/41)


تنبيه: وقوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ): وهما مِنْ شيوخه، فالظاهرُ أنَّه أخذ عنهما هذه المتابعة مذاكرةً، والظاهرُ أنَّها مثلُ قوله: (قال فلان)، فإذا كان [168] (فلان) شيخَه؛ فإنَّه يكون قد أخذه عنه في المذاكرة، وهو مثل قوله: (حدَّثنا) أو (أخبرنا)، والله أعلم.
وسيأتي مثل هذا المكان بأطول من هذا وأوضح.
وأمَّا كاتب الليثِ عبدُ الله بن صالح؛ فقد قال الذهبيُّ: (والأصحُّ أنَّه روى عنه البخاريُّ في «الصحيح»)، كذا في «الكاشف» [169]، وفي «تذهيبه» قال: (وعنه «خت»)؛ يعني: البخاريَّ تعليقًا، قال: (واستشهد به في «الصحيح»، وقيل: إنَّه روى عنه في «الصحيح» كما [170] نذكره في اسم الذي بعدَه) [171]، وقد ذكر في ترجمة الذي بعده روايةَ البخاريِّ في (تفسير سورة الفتح): (حدَّثنا عبد الله: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمةَ في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ} [الأحزاب: 45]) [172]، ثمَّ قال: (فزعم الكلاباذيُّ [173] واللَّالكائيُّ أنَّه عبد الله بن صالح العِجْلِيُّ.
وقال أبو عليٍّ ابنُ السَّكَن في روايته عنِ الفِرَبْرِيِّ عنِ البخاريِّ: حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة [174]؛ يعني: القَعْنبيَّ.
وقال أبو [175] مسعود في «الأطراف»: هو عبد الله بن رجاء، قال: والحديث عن [176] عبد الله بن صالح، وعبد الله بن رجاء.
وقال الغسَّانيُّ: هو عبد الله بن صالح كاتب الليث [177].
وقال أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام: هو عبد الله بن مسلمةَ، وهو القَعْنَبيُّ) إلى أن قال: (قال شيخنا أبو الحجَّاج: «وأولى [178] الأقوال بالصواب: قولُ مَن قال: إنَّه كاتب الليث» [179])، ثمَّ بَرهن على ذلك؛ فانظره [180].
هذا في (الفتح) [181]، وأمَّا هنا؛ فلا أعلمُ آلصحيحُ ما في الحاشية [182]، أو الذي قاله شيخنا الشَّارح [183]؟ وقد راجعتُ «الأطراف» للمِزِّيِّ، فلم أَرَهُ [184] عينَه، وإنَّما ذَكَرَه بالكُنيةِ فقط، ولم يوضِّحه، والله أعلم [185].
قوله: (وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ): الضميرُ [186] في (تَابَعَهُ) يعود على (عُقَيْلٍ) [187].
و (هِلَالٌ) هذا: والدُه بتقديم الراء على الدالين المهملتين وبينهما ألفٌ، وهو طائيٌّ، ويقال: كِنانيٌّ، روى عنِ الزُّهريِّ، وعنه ابنه محمَّدٌ المعروف بحمَّاد، علَّق له البخاريُّ هنا كما تَرى.

(1/42)


قال الذهبيُّ في «ميزانه»: (هلالُ بنُ ردَّادٍ، عنِ الزُّهريِّ، لا يُدرَى مَنْ هو) [188]، ونحوه في «المغني»: (روى عنه ولده محمَّد، ويعرف بحمَّاد بن هلال) انتهى [189]
وإنَّما جهَّله؛ لأنَّه لم يرو عنه إلَّا واحدٌ، وليس مشهورًا في غير ذلك.
وقال شيخنا الشَّارح: (قال ابن أبي [190] حاتم: مجهولٌ) انتهى [191]
ولم أَرَ أنا له ترجمةً في «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم، ومتابعتُه ليست في شيءٍ من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا [192].
قوله: (وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ) تعليقُ يونس أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ؛ البخاريُّ في (التفسير) [خ¦4953]، ومسلمٌ في (الإيمان) [م (160) (252)].
أمَّا (مَعْمَرٌ)؛ فهو بفتح الميمين وإسكان العين بينهما، وهو مَعْمرُ بنُ راشدٍ، وتعليقُ مَعْمَرٍ أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ؛ البخاريُّ في (التفسير) [خ¦4953]، وفي (التعبير) [خ¦6982] [193]، ومسلمٌ في (الإيمان) [م (160) (253)].
و (يُونُسُ) هو ابنُ يزيدَ الأَيليُّ، لا يونسُ بنُ محمَّدٍ المؤدِّبُ الحافظ، وفيه سِتُّ لغاتٍ تقدَّمتْ [194]: تثليثُ النون، والهمزُ وعدمُه، وكلاهما مِن رواة الزُّهريِّ، وترجمتُهما معروفتان [195].
[ج 1 ص 13]
قوله: (بَوَادِرُهُ) [196]: هو بفتح الموحَّدة، وتخفيف الواو بعدَها، وبعدَ الألف دالٌ مهملة، وهو جمعُ: (بادرة)؛ وهي اللَّحمةُ التي بين المَنْكِب والعُنُق.
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (20/ 242).
[2] انظر «تهذيب الكمال» (31/ 473).
[3] غير: سقطت من (ب).
[4] انظر «تهذيب الكمال» (26/ 419).
[5] أبو عمر الزاهد: هو محمَّد بن عبد الواحد المطرز، غلام ثعلب، المتوفَّى سنة (345 هـ)، وله «اليواقيت شرح الفصيح» و «فائت الفصيح»، انظر «بغية الوعاة» (1/ 153)، و «الفصيح» لأبي العبَّاس أحمد بن يحيى ثعلب، المتوفَّى سنة (291 هـ)، وهو كتاب مشهور، وله شروح، انظر «سير أعلام النبلاء» (14/ 5)، وابن الأعرابي: هو محمَّد بن زياد بن الأعرابي، أبو عبد الله الهاشميُّ، إمام اللغة، المتوفَّى سنة (231 هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (10/ 687).
[6] أي: الكِسائي، شيخ النحو واللغة، وأحد السبعة، المتوفَّى سنة (375 هـ)، وله: «معاني القرآن»، و «النوادر الكبير»، و «المتشابه في القرآن»، و «ما يلحن فيه العوام»، وغيرها، انظر «سير أعلام النبلاء» (19/ 131).

(1/43)


[7] هو إبراهيم بن محمَّد أبو إسحاق الإسفراييني، الإمام العلَّامة الأوحد الأستاذ الأصولي الشافعي، الملقب بركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، له «الجامع في الأصول»، و «رسالة في أصول الفقه»، توفِّي سنة (418 هـ) بنيسابور، ودفن بإسفرايين، انظر «سير أعلام النبلاء» (17/ 353).
[8] هو محمَّد بن جعفر القزاز القيرواني، أبو عبد الله التميميُّ النَّحْويُّ، المتوفَّى سنة (412 هـ)، له «الجامع في اللغة»، انظر «سير أعلام النبلاء» (17/ 326)، «بغية الوعاة» (1/ 66)، وتصحَّف القزاز في (ب).
[9] في (ب): (فالأول).
[10] أخرجه البخاري في «صحيحه» (7017)، ومسلم في «صحيحه» (2263) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفي الباب عن غيره.
[11] «إكمال المعلم» (1/ 479).
[12] في (ب): (والصالحة والصادقة).
[13] «الصحاح» (6/ 2349) مادة (رأي).
[14] في النسخ: (يا أبا): والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[15] في (ب): (الشجر والحجر).
[16] «إكمال المعلم» (1/ 479).
[17] أي: بالإمالة.
[18] «إصلاح غلط المحدثين» (ص 45)، والعبارة في النسخ: (يفتحون حاءه ويكسرون الراء وهما مفتوحان ... ).
[19] «التوضيح» (2/ 253).
[20] «سيرة ابن هشام» (1/ 272).
[21] يريد حديث: (كان النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقيم بحراء، وكان ذلك ممَّا تتحنَّث به قريش).
[22] وهو أبو أحمد السكوني.
[23] «تصحيفات المحدثين» (1/ 296، 298) لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري، المتوفَّى سنة (382 هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (16/ 413).
[24] (والإثم): ليست في (أ).
[25] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/ 52).
[26] في (ب): (وتهجد وتحوب).
[27] «التوضيح» (2/ 253).
[28] هو الإمام العلامة رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمَّد بن الحسن القرشيُّ العدويُّ العُمريُّ الصَّغَانيُّ، حامل لواء اللغة في وقته، ولد بلاهور سنة (577 هـ)، ونشأ بغزنة، وطاف البلاد، قال الدِّمياطيّ: كان شيخًا صالحًا صدوقًا صموتًا إمامًا في اللغة والفقه والحديث، قرأت عليه كثيرًا، توفي رحمه الله تعالى سنة (650 هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (23/ 282)، «الوافي بالوفيات» (12/ 150)، «بغية الوعاة» (1/ 500) (1076).

(1/44)


[29] «الأضداد» (ص 228) (445) الأضداد للصغاني = ثلاثة كتب في الأضداد للأصمعي والسجستاني ولابن السكيت، ويليها ذيل في الأضداد للصغاني: الإمام رضي الدين أبو الفضائل الحسن بن محمَّد بن الحسن الصغاني (ت 650 هـ)، تحقيق: د. اوغست هفنر، دار الكتب العلمية، بيروت.
[30] أي: التعبد.
[31] لم تظهر في (أ)، وتحتمل في (ب): (يبقى).
[32] في (أ): (الليالي).
[33] أي: قوله: (الليالي ذوات العدد) ليس قيدًا في تفسير (يتحنَّث)، فليس المراد: أنَّ التحنُّث هو التعبُّد بقيد الليالي، بل التحنُّث هو التعبُّد المجرَّد، وقوله: (الليالي ... ) لبيان الواقعة، وعليه: فقوله: (وهو التعبُّد) معترِضٌ بين الفعل (يتحنَّث) ومتعلَّقِه الظرف (الليالي)؛ أي: يتحنَّث ليالي.
[34] أي: قوله: (وهو التعبُّد).
[35] ما بين معقوفين سقط من (ب)، وضرب عليه في (أ).
[36] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[37] «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» لابن قُرقُول (ق 173) (الميم مع الهمزة).
[38] «إكمال المعلم» (1/ 482).
[39] في: سقطت من (ب).
[40] في (ب): (وإنه).
[41] ثم: سقطت من (ب).
[42] «الروض الأنف» (1/ 271 - 272).

(1/45)


[43] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 375)، وصاحب «التحرير» وهو شرح لـ «صحيح مسلم»، مخطوط: هو الإمام أبو عبد الله محمَّد بن قِوام السُّنَّة إسماعيل بن محمَّد بن الفضل بن علي بن أحمد الأصفهانيُّ التيميُّ الطلحيُّ؛ نسبة إلى سيدنا طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، ذكره القِفْطي في «المحمدون من الشعراء» (96) وقال: (كان شابًا، وفاق في الفضل شيوخ أهل زمانه، لكنه استوفى أنفاسه وطوى قرطاسه قبل أوانه! وفجع والده بشبابه)، ولد نحو سنة (500 هـ)، ونشأ فصار إمامًا، بزَّ العلوم كلها، حتى ما كان يتقدَّمُه أحدٌ في وقته في الفصاحة والبيان والذكاء والفهم، ثم اخترمته المنية سنة (526 هـ)، وكان والده يروي عنه إجازةً، وكان شديد الفقد عليه، وله شرح على «الصحيحين»، أملى في شرح كلٍّ منهما صدرًا صالحًا، نقل عنه الإمام النوويُّ والحافظ ابن حجر والعيني وابن العجمي وغيرهم، ذكر شرحه السخاوي في «الجواهر والدرر» (2/ 710) فقال: (ممن علمت شرح «البخاري»: محمَّد بن التيمي، واعتنى بشرح ما لم يذكره الخطَّابيُّ مع التنبيه على أوهام له)، ونقل عبارته حاجي خليفة في «كشف الظنون» (1/ 545)، وقال ابن العماد في «شذرات الذهب» (6/ 174): (شرح «صحيحي البخاري ومسلم»، فلما مات في حياة أبيه؛ أكملهما أبوه)، وترجمته في خلال ترجمة أبيه الحافظ الكبير شيخ الإسلام الإمام العلَّامة أبو القاسم قِوامُ السُّنَّة إسماعيل بن محمَّد بن الفضل الأصفهاني التيميُّ الطَّلْحيُّ، وانظر «تاريخ الإسلام» (36/ 372 - 373)، «سير أعلام النبلاء» (20/ 80 - 88)، «تذكرة الحفاظ» (4/ 1277).
[44] أنها: سقطت من (ب).
[45] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 375 - 376).
[46] «صحيح البخاري» (4).
[47] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[48] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 375).

(1/46)


[49] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 382)، واستدلَّ القائل بأنَّ (الفاتحة) أوَّل ما نزل بحديث ابن إسحاق في «السيرة» (ص 112 - 113)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 158 - 159) من حديث أبي ميسرة عَمرو بن شرحبيل مرسلًا، وفيه: (فلمَّا خلا؛ ناداه: يا محمَّد؛ قل: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} حتى بلغ {وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 1 - 7]، قل: لا إله إلَّا الله، فأتى ورقةَ، فذكر ذلك له ... )، قال البيهقي: فهذا منقطع، فإن كان محفوظًا؛ فيَحتمل أن يكون خبرًا عن نزولها بعد ما نزلت عليه {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] و {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر: 1]، والله أعلم.
[50] «التوضيح» (23/ 465) (ح 4922).
[51] «التنزيل» ($).
[52] انظر «سير أعلام النبلاء» (17/ 237 - 238)، «المغني في الضعفاء» (1/ 166).
[53] «التوضيح» (24/ 15) (ح 4983).
[54] في (ب): (ذكره).
[55] «التوضيح» (23/ 504) (ح 4938).
[56] «التوضيح» (23/ 594) (ح 4968).
[57] كذا نقله المصنف عنِ ابن الملقن، وفي (ب): (ابن المنذر)، وفي هامش (أ): (ولعله ابن المنذر)، ولعله الصواب.
[58] «تفسير ابن أبي حاتم» (2944) عنِ ابن جبير دون ذكر ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهكذا النص عند ابن الملقن عنِ ابن جبير فقط، فليتنبه.
[59] في «تفسير مقاتل» (1/ 150) بتسع ليال.
[60] «تفسير القرطبي» (4/ 421).
[61] «التوضيح» (22/ 128) (ح 4544).
[62] «تفسير العز بن عبد السلام» (3/ 501)، وفيه: (فنزل في حجّة الوداع: {اليوم أكملت} [المائدة: 3]، فعاش بعدها ثمانين يومًا، فنزلت آية الكلالة، وهي آية الصيف [النساء: 176]، فعاش بعدها خمسين يومًا، فنزلت: {لقد جاءكم رسول} [التوبة: 128]، فعاش بعدها أحدًا وعشرين يومًا أو سبعة أيَّام).
[63] «التوضيح» (2/ 609)، والحديث أخرجه عن أنس رضي الله عنه ابن ماجه في «سننه» (70)، والضياء في «المختارة» (2122) و (2123).
[64] «التوضيح» (24/ 15) (ح 4983).
[65] «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» (ص 612)، «إكمال المعلم» (1/ 484 - 485).

(1/47)


[66] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 376)، والاحتمال الثاني: أنَّ قوله هذا كان أوَّل ما رأى التباشير في النوم واليقظة، وسمع الصوت، قبل لقاء الملَك وتحقُّقه رسالة ربِّه، فيكون خاف أن يكون من الشيطان، فأمَّا منذ جاءه الملَك؛ فلا يجوز عليه الشَّكُّ، وعِلَّة ضعفه: أنَّه خلاف تصريح الحديث؛ لأنَّه جاء فيه مبيَّنًا أنَّه كان بعد غطِّ الملَك وإتيانه بـ {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1].
[67] في (ب): (المعجمتين)، ولا يستقيم إلَّا أن تكون العبارة: (وبالخاء والزاي المعجمتين).
[68] قرأ بضمِّ الياء وكسر الزاي: {يُحزِنك} [آل عمران: 176] نافع وحدَه، وقرأ الباقون بفتح الياء وضمِّ الزاي، انظر «الحجة» للفارسي (3/ 99).
[69] «مطالع الأنوار» (ق 91) (الحاء مع الزاي).
[70] من: سقطت من (ب).
[71] في «التوضيح» (2/ 277)، و «عمدة القاري» (17/ 43): (ومنع القزاز)، وفي «إكمال المعلم» (1/ 486): (وحكى أبو عبد الله بن القزاز أنَّ «أكسب» حرفٌ نادرٌ)، والمراد _والله أعلم_: أبو عبد الله محمَّد بن جعفر القزَّاز صاحب «الجامع في اللغة»، وفي «تاج العروس» مادة (كسب): (وأنكر الفرَّاء)، موافقًا لما بين أيدينا من النسخ بوضع المدِّ على الألف، وكلاهما مُحتمل، إلَّا أنَّ القاضي عِياض ذكر ما يُرجِّح أنَّه القزَّاز بذِكر كُنيته حين قال: (أبو عبد الله) وإن زاد (ابن) في اسمه؛ إذ إنَّ الفرَّاء كنيتُه: أبو زكريا، فليُحرَّر.
[72] وقد جاء في الرواية: (تُكسِب)، وهي رواية الكُشْمِيهَنيِّ.
[73] انظر «تاج العروس» مادة (كسب).
[74] «إكمال المعلم» (1/ 486)، «المنهاج شرح مسلم» (2/ 377).
[75] «صحيح البخاري» (6982).
[76] «مستدرك الحاكم» (2/ 609)، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (63/ 23 - 24)، وأخرجه ابن إسحاق في «السيرة» (ص 113) (158) عن عروة مرسلًا.
[77] «كشف الأستار» (2750).
[78] في (ب): (لما).
[79] «جمهرة نسب قريش» للزبير بن بكَّار (ص 153)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه» (63/ 25).
[80] «سنن الترمذي» (2288) من طريق يونس بن بكير، عن عثمان بن عبد الرحمن به، وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (4/ 393) من طريق يونس به، وعثمان بن عبد الرحمن هو الوقَّاصيُّ، وقد جاء من وجه آخر عند أحمد في «مسنده» (6/ 65)، ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه» (63/ 25) من حديث ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة به.
[81] «الروض الأنف» (1/ 217)، قلت: جاء من وجه آخر كما سلف.

(1/48)


[82] «مستدرك الحاكم» (4/ 393)، لكن يقويه طريق أحمد في «مسنده» (6/ 65) كما سلف.
[83] في (ب): (يفوته)، وهو تصحيف.
[84] «سيرة ابن إسحاق» (ص 112 - 113)، وهو عند البيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 158 - 159) وقال: هذا منقطع.
[85] أي: في «معجم الشعراء»، لكن ترجمة ورقة تقع في القسم المفقود من الكتاب، والله أعلم، والمرزباني: هو ... &.
[86] ما: سقطت من (ب).
[87] في (ب): (أي).
[88] «مسند أبي يعلى» (2047)، وهو عند ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (602)، وتمَّام في «فوائده» (1404).
[89] «سيرة ابن إسحاق» (ص 112 - 113)، وهو عند البيهقي في «دلائل النبوة» (2/ 158 - 159) وقال: هذا منقطع.
[90] يعني: حديث الحاكم في «المستدرك» (2/ 609)، والبزار كما في «كشف الأستار»: (2750): «لا تسبُّوا ورقةَ؛ فإنِّي رأيتُ له جنةً أوجنتين».
[91] «التقييد والإيضاح» (2/ 923 - 925)، وانظر «أسد الغابة» (4/ 646) (5458)، «الإصابة» (3/ 633 - 635) (9131).
[92] «ألفية السيرة» للحافظ العراقي (ص 42) (90).
[93] في (أ): (تخضضًا)، وفي (ب): (تخضعًا)، والمثبت من مصدره، والتخضخض: الحركة والاضطراب.
[94] «تجريد أسماء الصحابة» للذهبي (2/ 28) (1466).
[95] ابن: ليس في (ب).
[96] في النسخ: (ذكر).
[97] في (ب): (عمرو)، ولا يصح.
[98] «الاستيعاب» (ص 269).
[99] ثم: ليست في (ب).
[100] في (ب): (وبرسوله).
[101] غير: سقطت من (ب).
[102] في (ب): (البعث).
[103] «صحيح البخاري» كتاب فضائل الصحابة، قبل الحديث (3845).
[104] أي: في شرح قول مسلم في المقدمة: وهذا أبو عثمان ...
[105] «المنهاج شرح مسلم» (1/ 96).
[106] «التقييد والإيضاح» (2/ 968 - 969).
[107] «صحيح البخاري» (3839).
[108] في (ب): (تقرر).
[109] في (ب): (ولما).
[110] في (ب) بغير واو، والصواب ما أثبت.
[111] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 378).
[112] في (ب): (الهرم)، وهو خطأ.
[113] ذكره الواقدي في «المغازي» (1/ 242)، ومن طريقه أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 295)، وأبو نعيم في «دلائل النبوة» (416)، والبيهقي في «الدلائل» (3/ 252)، وفيه أنَّه أُصيبتْ عينه يوم أُحُد، وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (3/ 251) من وجه آخر، وكذا أخرجه أبو يعلى في «مسنده» (1549)، والبيهقي في «الدلائل» (3/ 251 - 252) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة، عن أبيه، عن قتادة، وفيه: أنَّه أُصيبت عينه يوم بدر.
[114] في (ب): (بعينيه).

(1/49)


[115] أخرجه أبو بكر ابن أبي شيبة في «مصنفه» (32464) عن محمَّد بن بشر، عن عبد العزيز بن عمر، عن رجل من سلامان، عن أمِّه: أنَّ خالها حبيب ... ومن طريقه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (2634)، وأخرجه البغوي في «معجم الصحابة» (2/ 127) (499) من طريق عثمان ابن أبي شيبة، عن محمَّد بن بشر به، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (4/ 25) (3546) من الوجهين.
[116] زيد في (ب): (أبي)، ولا يصح.
[117] أخرجه الترمذي في «سننه» (3578)، والنسائي في «الكبرى» (10419) إلى (10421) _وهو في «عمل اليوم والليلة» (658) إلى (660) _ وابن ماجه في «سننه» (1385)، وأحمد في «مسنده» (4/ 138)، وعبد بن حميد في «مسنده» (379)، وغيرهم.
[118] في (ب): (وذكر).
[119] «تفسير القرطبي» (6/ 448)، وهو في «المحرر الوجيز» لابن عطية (4/ 125 - 126) في تفسير الآيتين (69 و 70) من سورة النساء.
[120] في (أ): (في أول بدء الأذان)، وفي (ب): (في أول باب الأذان).
[121] أخرجه ابن قانع في «معجم الصحابة» (3/ 181) (1156)، وفيه: (هذا الناموس الذي أُنزل على عيسى عليه السلام).
[122] «جمهرة نسب قريش» (ص 154).
[123] يريد: حديث الترمذي (2288): «أُريتُه في المنام وعليه ثيابٌ بياضٌ ... » المتقدِّم.

(1/50)


[124] «الروض الأنف» (1/ 273)، وقد قال الحافظ في «الفتح» (1/ 35): (ولم يقل: «على عيسى» مع كونه نصرانيًا؛ لأنَّ كتاب موسى عليه السلام مشتملٌ على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، أو لأنَّ موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه بخلاف عيسى، كذلك وقعت النقمة على يد النبي صلى الله عليه بفرعون هذه الأُمَّة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر، أو قاله تحقيقًا للرسالة؛ لأنَّ نزول جبريل على موسى متَّفقٌ عليه بين أهل الكتاب بخلاف عيسى؛ فإنَّ كثيرًا من اليهود يُنكرون نُبوَّته، وأمَّا ما تمحَّل له السُّهيليُّ من أنَّ ورقة كان على اعتقاد النصارى في عدم نبوَّة عيسى ودعواهم أنَّه أحد الأقانيم؛ فهو محالٌ لا يُعرَّج عليه في حقِّ ورقةَ وأشباهه ممَّن لم يدخل في التبديل، ولم يأخذ عمَّن بدَّل، على أنَّه قد ورد عند الزبير بن بَكَّار من طريق عبد الله بن معاذ، عنِ الزُّهريِّ في هذه القِصَّة: أنَّ ورقةَ قال: «ناموس عيسى»، والأصحُّ ما تقدَّم، وعبدُ الله بن معاذٍ ضعيف، نعم في «دلائل النبوة» لأبي نُعيم بإسنادٍ حسنٍ إلى هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القِصَّة: «أنَّ خديجة أوَّلًا أتت ابنَ عمِّها ورقة، فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنتِ صَدَقْتِني؛ إنَّه ليأتيه ناموس عيسى الذي لا يُعَلِّمُه بنو إسرائيل أبناءَهم»، فعلى هذا: فكان ورقة يقول تارة: «ناموس عيسى»، وتارة: «ناموس موسى»، فعند إخبار خديجة له بالقِصَّة قال لها: «ناموس عيسى» بحسب ما هو فيه من النصرانيَّة، وعند إخبار النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم له قال له: «ناموس موسى»؛ للمناسبة التي قدَّمناها، وكلٌّ صحيحٌ، والله سبحانه وتعالى أعلم).
[125] «الصحاح» (5/ 2016) مادة (قنم).
[126] في (ب): (إلى).
[127] في (ب): (وضم)، ولا يصح.
[128] «مطالع الأنوار على صحاح الآثار» (ق 67) مادة (جذع)، ونحوه في «مشارق الأنوار» للقاضي عياض (1/ 143) مادة (جذع).
[129] انظر «أعلام الحديث» (1/ 130 - 131)، «المعلم بفوائد مسلم» (1/ 327)، «كشف المشكل» (4/ 275).
[130] لكم: سقطت من (ب).
[131] «إكمال المعلم» (1/ 489).
[132] «المنهاج شرح مسلم» (2/ 378).
[133] من هنا بداية النسخة (ج).
[134] البيت للعجاج في «ملحقات ديوانه» (ص 405)، وهو من شواهد «الكتاب» (2/ 142).
[135] «التوضيح» (2/ 292).
[136] أي: استعمال (إذا) موضع (إذ).
[137] أو التقسيم: ليس في (ب).

(1/51)


[138] «الروض الأنف» (1/ 274).
[139] قال الفرَّاء في «معاني القرآن» (2/ 75): (وقوله: {مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْوَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ} [إبراهيم: 22] أي: الياء منصوبة؛ لأنَّ الياء من المتكلِّم تسكن إذا تحرَّك ما قبلها، وتنصب إرادة الهاء _أي: هاء السكت_ فإذا سكن ما قبلها؛ رُدَّت إلى الفتح الذي كان لها، والياء في {بِمُصْرِخِيَّ} ساكنة، والياء بعدها من المتكلِّم ساكنة، فحرِّكت إلى حركةٍ قد كانت لها، وقد خَفض الياء من قوله: {بِمُصْرِخِيَّ}: الأعمشُ ويحيى بن وثَّاب جميعًا، ولعلَّها مِن وَهَمِ القُرَّاء طبقةِ يحيى؛ فإنَّه قَلَّ مَنْ سَلِمَ منهم من الوَهَم، ولعلَّه ظنَّ أنَّ الباء في {بِمُصْرِخِيَّ} خافضة للحرف كلِّه، والياء من المتكلِّم خارجة من ذلك)، فليتنبه.×قال أبو عليٍّ الفارسيُّ في «الحُجَّة» (5/ 29): (قال الفرَّاء في كتابه في التصريف: هو قراءة الأعمش ويحيى بن وثَّاب، قال: وزعم القاسم بن معن أنَّه صواب، قال: وكان ثقةً بصيرًا، وزعم قُطْرُب أنَّه لغة في بني يربوع، يزيدون على ياء الإضافة ياء).
[140] انظر «الحجة للقراء السبعة» (5/ 28 - 29).
[141] «الروض الأنف» (1/ 276).
[142] ذكره الإمام أبو نصر تاج الدين السبكي عن والده الإمام تقي الدين في «طبقات الشافعية الكبرى» (10/ 285)، ومن قوله: (من إيمانهم وهدايتهم) إلى هنا تقدم في (ب) إلى بداية الفائدة، مع بعض تصحيف؛ لكون النصِّ مُستدركًا في الأصل في هامشه، فوَهِمَ الناسخ في موضعه، والله أعلم.
[143] في (ب): (مسندًا).
[144] «الروض الأنف» (1/ 281).
[145] انظر «تهذيب الكمال» (33/ 370).
[146] في (ب): (أهل).
[147] «معرفة علوم الحديث» (ص 43).
[148] في (ب): (أن)، ولا يصح.
[149] انظر «الكواكب الدراري» للكرماني (1/ 41).
[150] «تحفة الأشراف» (2/ 395) (3152).
[151] «مطالع الأنوار» (845) (الراء والعين)، وقبله القاضي في «مشارق الأنوار» (1/ 294)، ولكن فيهما: بفتح الراء وضم العين، وكذا نقله غير واحد من شراح «البخاري» كما في «التنقيح» (1/ 17)، و «التوضيح» (2/ 310)، و «المصابيح» (1/ 46)، و «اللامع» (1/ 67)، و «الفتح» (1/ 38)، و «العمدة» (1/ 66)، والذي في «اللسان» (6/ 171)، و «القاموس» (ص 89 - 90) مادة (رعب): (رَعَبَهُ كمنعه: خوَّفه، كرَعَّبَه فرَعَبَ كمنع)، فليتنبه.

(1/52)


[152] «مجموع الفتاوى» (11/ 107) و (18/ 123)، والحديث قد أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (9)، ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» (10019) من حديث الحسن مرسلًا.×وقوله: (قاله الحافظ أبو العبَّاس ابن تيمية) تقدم في (ب) و (ج) قبل قوله: (حكاهما يعقوب)، وهو غير مسلَّم؛ وسبب ذلك: أنَّ العبارة استدركت في (أ) في الهامش، فوَهِمَ الناسخان في مكانها.
[153] أخرجه ابن أبي الدنيا في «الزهد» (497)، و «ذم الدنيا» (416)، ولم أجده في «مكايد الشيطان» له، والله أعلم.
[154] أخرجه أحمد في «الزهد» (ص 92)، وابن أبي الدنيا في «الزهد» (51)، ومن طريقه البيهقي في «الزهد الكبير» (248)، و «شعب الإيمان» (9974)، وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (6/ 388).
[155] به: سقطت من (ب).
[156] آخرين: سقط من (ب).
[157] به: سقطت من (ب).
[158] في (ب): (تصحيح)، ولا يصح.
[159] الشَّارح: سقط من (ب).
[160] «التوضيح» (2/ 317).
[161] في النسخ: (فإن)، وهو سبق قلم.
[162] به: سقطت من (ب).
[163] في (ب): (ضعيف)، وهو تكرار.
[164] في (ب): (للضعيف).
[165] ما بين معقوفين تأخَّر في (ب) بعد قوله: (وسيأتي مثل هذا المكان بأطول من هذا، وأوضح).
[166] في (ب): (قوله).
[167] في (ب): (المحققين).
[168] في (ب): (قال).
[169] رمز الذهبيُّ لرواية البخاريِّ عنه في «الكاشف» (2/ 92) (2805)، وأمَّا قوله: (والأصحُّ أنَّ البخاريَّ روى عنه في الصحيح)؛ فهو في «المغني في الضعفاء» للذهبي (1/ 342) (3218) بلفظ: (والصحيح أنَّ ... ).
[170] في (ب): (لما).
[171] «تذهيب التهذيب» (5/ 177) (3385).
[172] «صحيح البخاري» (4838)، وقد أخرجه في «الأدب المفرد» (247) وقال: (حدثنا عبد الله بن صالح ... ).
[173] «الهداية والإرشاد إلى معرفة أهل الثقة والسداد» (1/ 411)، لأبي نصر أحمد بن محمَّد بن الحسين البخاري الكلاباذي (ت 398 هـ).
[174] في (ب): (سلمة)، قلت: كذا في رواية أبي ذر أيضًا: عبد الله بن مسلمة.
[175] في (ج): (ابن)، ولا يصح، وهو الإمام الحافظ أبو مسعود إبراهيم بن محمَّد بن عبيد الدمشقيُّ، صاحب «أطراف الصحيحين»، (ت 400 هـ)، انظر «سير أعلام النبلاء» (17/ 227).
[176] في المصادر: (عند).

(1/53)


[177] «تقييد المهمل وتمييز المشكل» (أي: شيوخ البخاري الذين حدّث عنهم وأهمل أنسابهم) (ص 993 - 994)، والغسَّانيُّ: هو الإمام الحافظ أبو علي الحسين بن محمَّد بن أحمد الغسَّانيُّالجيَّانيُّ، (ت 498 هـ)، وكتابه هذا يتكوَّن من أربعة أقسام؛ هذا، والثلاثة الأخرى هي: «التنبيه على الأوهام الواقعة في المسند الصحيح للبخاري»، و «التنبيه على الأوهام الواقعة في المسند الصحيح لمسلم» و «الألقاب لمن أخرج لهما الشيخان»، ضَبَطَ فيها كلَّ لفظٍ يقع فيه اللَّبْس من رجال «الصحيحين»، انظر «سير أعلام النبلاء» (19/ 148).
[178] في (ب): (فأولى).
[179] «تهذيب الكمال» (15/ 114)، «تحفة الأشراف» (6/ 363) (8886).
[180] «تذهيب التهذيب» (5/ 180) (3386)، قال الحافظ في «الفتح» (8/ 450) (ح 4838): (ورجَّح كونه عبد الله بن صالح كاتب الليث المِزّيُّ وحدَه بأنَّ البخاريَّ أخرج هذا الحديث بعينه في كتاب «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح، عن عبد العزيز ... قلت: لكن لا يلزم من ذلك الجزم به، وما المانع أن يكون له في الحديث الواحد شيخان عن شيخ واحد، وليس الذي وقع في «الأدب» بأرجحَ ممَّا وقع الجزمُ به في رواية أبي عليٍّ وأبي ذرٍّ، وهما حافظان)، وقال في «النكت الظراف» بهامش «التحفة» (6/ 363) (8886) عقب جَزْمِ أبي مسعود بأنَّه عبد الله بن رجاء ما نصُّه: (قلت: قد وقع في رواية أبي ذرٍّ عن شيوخه الثلاثة: حدَّثنا عبد الله بن مَسْلَمة_يعني: القَعْنَبيَّ_ فانتفى ما قال أبو مسعود، وأمَّا قولُ المِزِّيِّ: إنَّ البخاريَّ أخرجه في «الأدب» عن عبد الله بن صالح؛ فقد تلقَّفه عنه الذهبيُّ، وجزم بأنَّه المراد في «الصحيح»، قلت: وهو محتمل، لكن مع ذلك لا يَحْسُن الجزم به؛ لِمَا وقع من رواية أبي ذرٍّ، بل نقلُها أولى أن يُعتمد، فلا مانع أن يكون للبخاريِّ شيخان كلٌّ منهما يُسَمَّى عبد الله).
[181] أي: في تفسير سورة الفتح في «صحيح البخاري» (4838).
[182] يريد: حاشية أصله المعتمد لـ «صحيح البخاري»، وفيها: أنَّ أبا صالح هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، كما تقدَّم.
[183] الشَّارح: ليس في (ب)، والذي قاله الشارح _ يعني ابن الملقِّن _ كما في «التوضيح» (2/ 317) هو أنَّ أبا صالحٍ اسمه عبد الغفار بن داود بن مهران ... البكريُّ الحرَّانيُّ.
[184] في (ب): (أر).
[185] «تحفة الأشراف» (12/ 62) (16540).
[186] في (ب): (والضمير).

(1/54)


[187] متابعةُ هلالٍ أخرجها الحافظ في «تغليق التعليق» (2/ 17) بسنده من طريق الذُّهْليِّ في جمعه لحديث الزُّهريِّ «الزُّهريات»، وانظر «فتح الباري» (1/ 38).
[188] «ميزان الاعتدال» (4/ 313) (9266).
[189] «المغني في الضعفاء» (2/ 714) (6776).
[190] أبي: ليس في (ب).
[191] «التوضيح» (2/ 319)، ولعلَّ كلام ابن الملقن عن محمَّد بن هلال بن ردَّاد، لا عن أبيه هلال؛ فقد قال: (هلال بن ردَّاد ... روى عنِ الزُّهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمَّد، قال الذُّهْليُّ: كان كاتبًا لهشام، ولم يذكره البخاري في «تاريخه»، ولا ابن أبي حاتم في «كتابه»، وإنَّما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمَّدًا، وليس له ذكر في الكتب الستة، قال ابن أبي حاتم: «هلال بن ردَّاد مجهول ... »)، قلت: لعله يريد: قال ابن أبي حاتم: «محمَّد بن هلال بن ردَّاد مجهول»؛ حتى لا يَرُدَّ آخِرُ الكلامِ أَوَّلَه؛ فقد سلفَ نقلُه عنِ الذُّهْليِّ أنَّه ليس لهلالٍ ترجمةٌ في «الجرح والتعديل»، فليتنبه، وانظر ترجمة ولدِه محمَّدِ بنِ هلال في «الجرح والتعديل» (8/ 116).
[192] «تهذيب الكمال» (30/ 333 - 334).
[193] في غير (ب): (في «التعبير»، وفي «التفسير»).
[194] تقدمت: سقطت من (ب) و (ج)، وقد تقدمت اللغات قريبًا في ضبط (يوسف).
[195] انظر «تهذيب الكمال» (32/ 551)، و (28/ 303).
[196] أي: ترجف بوادره، والمراد: أنَّ أصحاب الزُّهري اختلفوا عنه؛ فتابع هلال بن ردَّاد عقيلًا فروياه: (يرجف فؤاده)، وقال يونس ومعمر: (ترجف بوادره).

(1/55)


[حديث: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة]
5# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): هو الوضَّاحُ بنُ عبد الله الحافظ اليَشْكُريُّ، ثقةٌ، توفِّي سنةَ (176 هـ) [1]، أخرجَ له الجماعةُ [2].
قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): هو عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ، وللعبَّاس أولادٌ؛ عشرةُ ذكورٍ.
وإذا أُطلِقَ ابنُ عبَّاسٍ؛ فالمرادُ: عبدُ الله هذا، وهذا أوَّلُ حديثٍ وقعَ لابنِ عبَّاسٍ في هذا الصحيح، وقد روى له بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ الحافظُ في «مسنده» ألفَ حديثٍ، وسِتَّ مئةِ حديثٍ، وستِّينَ حديثًا.
وقد أخرجَ له الشيخانِ خمسةً وتسعينَ حديثًا منها، وانفردَ البخاريُّ منها بمئةٍ وعشرينَ [3]، ومسلمٌ بتسعةٍ وأربعينَ.
فائدةٌ: اعلم أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أحدُ المكثرينَ السِّتَّة أو السبعة، ولكن غالب ما روى عنِ الصحابة، والذي سمعه منه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قليلٌ جِدًّا في جَنْبِ ما رَوى، وقد روى له البخاريُّ حديثًا في (باب كيف الحشر): «إنَّكم ملاقو الله حُفاةً عُراةً مشاةً غُرلًا» [خ¦6524]، وقد عقَّبَه سفيانُ _وهو ابنُ عُيينةَ_ بقولِه: هذا ممَّا نَعُدُّ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ قال: (سمعتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.
قال الغزاليُّ في «المستصفى»: (إنَّه لم يسمع إلَّا أربعةَ أحاديثَ؛ لصِغَرِ سِنِّه) انتهى.
وقال غيرُه: له تسعةُ أحاديثَ، أو عشرةٌ.
وقال أبو جعفرٍ محمَّدُ بنُ الحسنِ البغداديُّ في كتابه: (وقد سألتُ أبا داودَ؛ قلتُ: ما سمعتَ مِن يحيى بن معينٍ يقولُ في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟
قال: سمعتُه يقولُ روى عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تسعةَ أحاديثَ، قال: وذكر عنه أنَّه قال: (قُبِضَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا ختينٌ [4]، ابنُ أربعَ عشرةَ [5] سنةً، فكانَ الناسُ يُعَزُّونَنِي).
وسُئِلَ غُنْدرٌ: كم روى ابنُ عبَّاسٍ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم سماعًا؟ قال: عشرةَ أحاديثَ.
قال [6] بعضُهم: ناظرتُ [7] يحيى بنَ سعيدٍ القطَّانَ في روايةِ ابنِ عبَّاسٍ عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: (له تسعةُ أحاديثَ).
وقال الحافظُ شمسُ الدين ابنُ قيِّمِ الجوزيَّةِ في «الهدى» في (رضاع الكبير): [(إنَّه سمع منه دونَ العشرينَ] [8] حديثًا، وسائِرُها عنِ الصحابةِ) [9].

(1/56)


[قوله: (جَمْعُه لَكَ فِي صَدْرِكَ)] [10]: رواهُ الأصيليُّ بسكونِ الميمِ، وضمِّ العين، وضمِّ راء (صَدْرُكَ)؛ أي: جمْعُه صدرُك، وغيرُه: بفتح الميم، و (صدرُك) فاعلٌ، ولأبي ذرٍّ: (جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ)؛ بفتح الجيم، وإسكان الميم؛ ومعناه: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كان يُحَرِّكُ شفتيه بما سمعَه مِنْ جبريلَ عليه السلام [11] استعجالًا بحِفْظِه، فنزلتْ.
قوله: (فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ): الاستماعُ والإصغاءُ والإنصاتُ: السكوتُ.
قوله: (وَأَنْصِتْ): هو بفتح الهمزة رباعيٌّ، وَوَصْلِها ثلاثيٌّ؛ لُغتان، وفي «القاموس»: (نصت، وأنصت، وانتصت؛ بمعنى: سَكَتَ).
==========
[1] في (ب): (172 هـ)، وهو خطأ.
[2] «تهذيب الكمال» (30/ 441).
[3] زيد في (ب): (حديثًا).
[4] في (ب): (ختن).
[5] في (ب): (عشر).
[6] في (ب): (وقال).
[7] في (ب): (بالحديث).
[8] ما بين معقوفين جاء في (ب) بعد قوله: (عشرة أحاديث، وقال بعضهم).
[9] «زاد المعاد في هدى خير العباد».
[10] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[11] (عليه السلام): مثبت من (ب).
[ج 1 ص 14]

(1/57)


[حديث: كان رسول الله أجود الناس]
6# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): هو لقبٌ، واسمُه عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جَبَلَةَ بنِ أبي روَّاد العَتَكِيُّ المِروزيُّ، أبو عبد الرحمن الحافظ، تصدَّقَ بألفِ ألفٍ، وعاش ستًّا وسبعين سنةً، وتوفِّي سنةَ (221 هـ)، قال بعضُهم: إنَّما قيل له [1]: (عبدان)؛ لأنَّ كنيتَه: أبو عبد الرحمن، واسمُه: عبد الله، فاجتمعَ في اسمِه وكُنيتِه العبدان، وتعقَّبَه بعضُهم، فقال: هذا لا يصحُّ، بل ذلك مِن تغيير العامَّة للأسامي وكسرِها لها في زمن صِغَرِ المُسَمَّى، أو نحو ذلك.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا [2] يُونُسُ [3]): (عبدُ الله) [4]: هذا هو ابنُ المبارك، شيخُ خُراسان، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطوِّلُ بها.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو ابنُ شهابٍ المذكور، تقدَّم أنَّه محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ الله بنِ شهابٍ.
قوله: («ح»: وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ): اعلم أنَّ هذا أوَّلُ مكانٍ وقعَ فيه التحويلُ، واعلم أنَّها جرتْ عادةُ أهل الحديث إذا كان للحديث إسنادان فأكثرَ، وجمعوا بين الأسانيد في متنٍ واحدٍ، إذا انتقلوا مِن سندٍ إلى سندٍ آخرَ؛ كتبوا بينهما حاءً مفردةً مهملةً صورة (ح)، والذي عليه عملُ أهلِ الحديث أَن يَنطِقَ القارئُ بها كذلك [5] مفردةً، واختارَه أبو عمرو بن الصلاح، وذهب الحافظُ عبد القادر الرُّهاويُّ إلى أنَّ القارئَ لا يلفظُ بها، وأنَّها حاءٌ مِن حائل؛ أي: تحوُّل بين الإسنادين، وأنكر كونَها مِن قولهم: الحديث وغير ذلك، لمَّا سأله ابنُ الصلاح عن ذلك، قال ابنُ الصلاح: (وذاكرت فيها بعضَ أهل العلم مِن أهل الغرب [6]، وحكيتُ له عن بعضِ مَن لقيتُ مِن أهل الحديث أنَّها حاءٌ مهملةٌ؛ إشارةً إلى قولنا: «الحديث»، فقال لي: أهل الغرب _وما عرفتُ بينهمُ اختلافًا_ يجعلونها حاءً مهملة، ويقول أحدُهم إذا وصل إليها: الحديث).
قال ابن الصلاح: (وحكى لي بعضُ مَن جمعتني وإيَّاه الرحلةُ بخُراسان عمَّن وصفَه بالفضل مِنَ الأصبهانيِّينَ: أنَّها مِنَ التحويل مِن إسنادٍ إلى إسنادٍ آخرَ).

(1/58)


وقال ابن الصلاح: (وجدتُ بخطِّ الأستاذ الحافظ أبي عثمان الصابونيِّ، والحافظ أبي مسلمٍ عمرَ بنِ عليٍّ الليثيِّ البخاريِّ، والفقيه المحدِّث أبي سعيد الخليليِّ في مكانها بدلًا عنها «صح» صريحةً، قال: وهذا يُشعرُ بكونِها رمزًا إلى [7] «صح»، وحَسُنَ إثباتُ «صح» ههنا؛ لئلَّا يُتوهَّم أنَّ حديث هذا الإسناد سقطَ، ولئلَّا يُرَكَّب الإسنادُ الثاني على الأوَّل، فيُجعلا إسنادًا واحدًا).
وأمَّا (بِشْرُ)؛ فهو ابنُ محمَّدٍ، وهو بموحَّدةٍ، وشينٍ معجمةٍ، مِروزيٌّ، انفرد البخاريُّ بالإخراج له، ذكره ابنُ حِبَّانَ في «الثقات» [8]، توفِّي سنةَ (224 هـ) [9].
قوله: (نَحْوَهُ): هو منصوبٌ مفعولُ (وَحَدَّثَنَا)، وهذا معطوفٌ على السند قبلَه، لا تعليقًا؛ فاعلمه.
والضميرُ في (نحوَه)؛ أي: نحوَ الحديث الآتي بعدَه، وهذا خلافُ عمل الناس في عودِ الضميرِ، والله أعلم.
[ج 1 ص 14]
قوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ): رفعُ الدالِ مِن (أَجْوَدُ) أصحُّ وأشهرُ، قاله النوويُّ في «شرح مسلم» [10]؛ أي: كان أجودُ أكوانِه [11] رمضانَ؛ أي: أحسن أيَّامه فيها، فهو مبتدأٌ مضافٌ إلى المصدرِ، وخبرُه (رَمَضَانَ).
والنصبُ على أنَّه خبرُ (كَانَ)، وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّه يلزمُ منه أنَّ [12] خبرَها هو اسمُها، ولا يصحُّ إلَّا بتأويلٍ بعيدٍ.
وقال المُحِبُّ الطبريُّ عن شيخِه محمَّد بن أبي [13] الفضل السُّلميِّ: (بالرفع، ولا يجوزُ فيه النصب ... ) إلى آخر كلامه.
وقال بعضُ مشايخي: إنَّ ابنَ مالكٍ سُئل عن ذلك، فذكر للرفعِ ثلاثةَ أوجهٍ، وللنصبِ وجهين، ثمَّ قال: (وفي ذهني أنَّه رجَّحَ الرفعَ، وأنَّ القُرطبيَّ إمَّا رجَّح النصبَ، وإمَّا جزمَ به) انتهى.
قوله: (فَلَرَسُولُ اللهِ): هو بفتح اللَّام، والذي كنتُ أفهمُه أنَّها لامُ الابتداء، دخلت تأكيدًا، ورأيتُ بعضَهم قال: إنَّها لامُ القَسَمِ، والله أعلم.
وشيخُنا الشَّارحُ لم يتعرَّض لها، إلَّا أنَّه قال: (إنَّها مفتوحةٌ).
قوله: (مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ [14]): يعني: إسراعًا وعمومًا، وقيل: عطاؤه عامٌّ؛ كالريح.

(1/59)


[حديث أبي سفيان: أنَّ هرقل أرسل إليه في ركب من قريش]
7# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ [الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ [1]]: أَخْبَرَنا [2] شُعَيْبٍ): اعلم أنَّ (أبا اليمان) اسمُه الحكمُ بنُ نافعٍ، وكذا جاء في بعض النسخ مُسَمًّى منسوبًا [3] إلى أبيه، وهي في هامش أصلنا مصحَّحٌ عليها، وأنَّه احتجَّ به الشيخانِ عن شعيبٍ؛ وهو ابنُ أبي حَمْزةَ، وقد روى لأبي اليمان الأئمَّةُ السِّتَّةُ، وقد صحَّحَ عليه في «الميزان».
وقال المفضَّل الغلَابيُّ [4] عنِ ابن معين: (سألتُ أبا اليمان عن حديثِ شعيبٍ، فقال: ليس هو مناولةً، المناولةُ لم أُخرِجْها [5] إلى أحدٍ).
وقال (سعيد البرذعيُّ [6]: سمعتُ أبا زُرعة يقول) [7]: (لم يسمعْ من شعيبٍ إلَّا حديثًا واحدًا، والباقي إجازة) انتهى.
وقيل: استحلَّ أن يقول: حدَّثنا شعيبٌ، فيما هو بالإجازة؛ لكونه نَسَخَ مِن أصل شعيبٍ، وكلامُ النَّاس [8] في ذلك معروفٌ؛ فلا نُطَوِّل به.
قال الذَّهبيُّ: (وهو ثبتٌ في شعيبٍ عالمٌ به).
وقد حُكي عن قومٍ: جوازَ إطلاقِ (حدَّثنا) و (أخبرنا) في الرواية بالإجازة مطلقًا.
قال القاضي عِياض: (وحُكي ذلك عنِ ابنِ جُريجٍ، وجماعةٍ من المتقدِّمين).
وحَكَى الوليدُ بنُ بكرٍ: أنَّه مذهب مالك وأهل المدينة، وذهب إلى جوازِه إمامُ الحرمينِ، وخالَفَه غيرُه من أهل الأصولِ [9] في المناولة.
فحُكي [10] عن جماعة منهم ابنُ شهابٍ الزُّهريُّ، ومالكُ بنُ أنسٍ: جوازُ إطلاق (حدَّثنا) و (أخبرنا) في المناولة، وهذا لائقٌ بمذهب مَن يرى عرض المناولة المقرونة بالإجازة سماعًا، والله أعلم.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): هو ابنُ شهابٍ، أبو بكرٍ العالمُ المشهورُ، تقدَّم.
قوله: (أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ [بْنَ حَرْبٍ] أَخْبَرَهُ): هو صخرُ بنُ حَرْبِ بنِ أُميَّةَ بنِ عبدِ شمسٍ، والدُ معاويةَ، صحابيٌّ مشهورُ الترجمة، وسأذكرُه بأطولَ مِن هذا، وأذكرُ تاريخَ وفاتِه في (الجنائز) إن شاء الله تعالى ذلك وقدَّرَه [خ¦1280].

(1/60)


قوله: (أَنَّ هِرَقْلَ): هو بكسر الهاء، وفتح الراء على المشهور، وحَكى غيرُ واحدٍ _منهمُ الجوهريُّ في «صحاحه» _ إسكان الراء، وكسر القاف، ولم يذكر بعضُهم غيرَه، ولا ينصرفُ؛ للعُجمة والعلميَّة، ولقبه: قيصر، وكذا كلُّ مَن مَلَك الروم يقال له: قيصر، و (النجاشيُّ): لكلِّ مَن ملَك الحبشة، ويُسمِّيه المتأخِّرون: الأَمْحريَّ، وكذلك (خاقان) لمَن ملَك التُّرْك، و (تُبَّع) لمَن ملَك اليمن، فإنْ ترشَّحَ للمُلْك؛ سُمِّي قَيْلًا، و (بَطْلَميُوس) لمَن ملك اليونان، و (الفِطْيَوْن) لمَن ملَك اليهود، هكذا قاله ابنُ خُرْدَارْبَه [11]، والمعروف مالَخ، ثمَّ رأس جالوت، و (النُّمْرود) _ بضمِّ النون، وبالدال المهملة _ لمَن ملَك الصابئة، و (دُهْمَن) و (فَغْفُور) لمَن ملَك الهند، و (غانة) لمَن ملك الزّنْج، و (فِرعون) لمَن ملَك مصرَ والشَّام، فإن أُضيف إليهما الإسكندريَّة؛ سُمِّيَ: (العزيز) ويُقال: (المُقوقِس)، و (كِسرى) لمَن ملَك العجم، و (جالوت) لمَن ملَك البربر، و (الإخشيذ) [12] لمَن ملَك فَرْغانَة، و (النُّعمان) لمَن ملَك العرب مِنْ قِبَلِ العَجَم، و (جرجير) لمَن ملَك إفريقيَّة، و (شهرمان) لمَن ملَك خِلاط، و (فور) لمَن ملَك السِّند، و (الأصفر) لمَن ملَك عَلوى، و (رتيبل) لمَن ملَك الخَزَر، و (كابل) لمَن ملَك النُّوبة، و (ماجد) لمَن ملَك الصَّقالِبَة، ونقل [13] السُّهيليُّ قولًا: أنَّ (مأرب) اسمٌ لكلِّ مَن ملَك سبأ.
وأصل قيصر: البقير [14]، وكان أوَّلَ مَن سُمِّى به بقيرًا [15]، والقافُ غيرُ صافيةٍ [16] على لُغتِهِم، وذلك أنَّ أُمَّه لمَّا أتاها الطَّلْق به؛ ماتت، فبقر [17] بطنها، فخرجَ حيًّا.
فائدة: الكتابةُ إلى هِرقلَ كانت سنةَ خمسٍ، قاله خليفة، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الكتابة كانت في المدَّة التي مادَّ فيها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أبا سفيان وكفَّارَ قريش [18]، والمدَّةُ كانت في السادسة في الحديبية في ذي القعدة، وقال أبو عمر: كان بعث الكتابة سنة سِتٍّ.
وقال محمَّد بن عُمر: (لقيه بحمص، فدفع إليه الكتاب في المحرَّم سنةَ سبعٍ مع دحْية، فكتب قيصر يقول: «إنِّي مسلمٌ، ولكنِّي مغلوبٌ على أمري»، فلمَّا قرأ الكتاب؛ قال: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ، بل هو على نصرانيَّته»).

(1/61)


وفي «سيرة ابن سيِّد الناس»: (أنَّ الكتابة سنةَ سبعٍ، وفيها اتَّخذ الخاتم لختم الكُتُب)، وقال ابن القيِّم: (إنَّه همَّ بالإسلام وكاد ولم يفعلْ)، وقيل: بل أسلم، وليس بشيءٍ.
وقد روى: أبو حاتم بن حِبَّان في «صحيحه»، فذكر حديثًا عن أنس، وفيه: فأمر قيصر مناديه فنادى: ألا إنَّ قيصر اتَّبع محمَّدًا وترك النصرانيَّة، فأقبل جندُه وقد تسلَّحوا، فقال لرسولِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قد ترى أنِّي خائفٌ على مملكتي، ثمَّ أمر مناديه فنادى: ألا إنَّ قيصر قد رَضِيَ عنكم، وكتب إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم [19]: إنِّي مسلمٌ [20]، وبعث إليه بدنانير، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ، بل هو على نصرانيَّته».
والكلامُ عليه كثيرٌ جدًّا، ويكفي هذا، وقد وقع في «الاستيعاب» في ترجمة دحْية: (أنَّ هرقل آمنَ) انتهى.
ولم يذكرْه أحدٌ في الصحابة، وكيف وقد قاتل الصحابةَ في مؤتة، وواعدَهم أن يأتيَهم في العام المقبل، فنزل عليه الصَّلاة والسَّلام لأجله لتبوك [21]، فلم يجئ، ثمَّ أُخذتِ البلادُ منه إلى أنْ هَلَكَ سنةَ عشرين مِنَ الهجرة بالقسطنطينيَّة على نصرانيَّته.
تنبيه: وذكر السُّهيليُّ في «روضه» في غزوة تبوك: (لم يذكرِ ابنُ إسحاقَ في غزوة تبوك ما كان مِن أمر هرقل، فإنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام كتب إليه مِن تبوك مع دحْية بن خليفة، ونصُّه مذكورٌ في الصحاح مشهورٌ، فأمر هرقلُ مناديًا يُنادي: ألا إنَّ هرقلَ قد آمن بمحمَّدٍ واتَّبَعَه، فدخلتِ [22] الأجناد في سلاحها وطافت بقصره [23] تريد قتله؛ فأرسل إليهم: أردتُ أن أختبر صلابتَكم في دينكم [24] فقد [25] رضيت، ورضُوا عنه، ثمَّ كتب مع دحْية إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول فيه: «إنِّي مسلمٌ، لكنِّي مغلوبٌ على أمري»، وأرسل إليه بهديَّةٍ، فلمَّا قرأ الكتاب؛ قال: «كَذَبَ عدوُّ الله، ليس هو بمسلمٍ»، وقَبِلَ هديَّتَه وقَسَمَها بين المسلمين) انتهى [26]
وهذا [27] مخالفٌ [28] لما في «الصحيح» مِنْ أنَّ الكتابةَ كانت في الهدنة، فلعلَّ هذه الكتابة كانت مرَّتين، وفيه وقفة، ومِنَ الغريب قبولُ هديَّتِه، وقد أطلتُ فيه الكلامَ في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد الناس» [29] في (كتبه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى الملوك)؛ فانظرْه إن أردتَه.

(1/62)


قوله: (فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ): قال الإمام العالم جلال الدين ابنُ شيخنا شيخ الإسلام البُلقينيِّ ما لفظُه: (سُمِّيَ مِنَ الرَّكْب: المغيرةُ بن شعبة)، وذلك في «مصنَّف ابن أبي شيبة» بإسنادٍ صحيحٍ ... ) إلى أَن قال: (وفيما علَّقتُه عن والدي: أنَّ هذه الرواية يُعارضُها أنَّ المغيرةَ كان مسلمًا في الحديبية، وأسلم عام الخندق، فيَبْعُدُ أَن يكون حاضرًا وهو مسلمٌ ويسكت؛ لأنَّ الكتاب كان في هُدنة الحديبية)، قال: (وفيما علَّقتُه عنه أنَّه قيل: إنَّ عِدَّتَهم أنَّهم كانوا ثلاثين رجلًا) انتهى.
وقال شيخُنا الشَّارح: (وفي بعض طرق هذا الحديث: أنَّهم كانوا ثلاثين رجلًا؛ منهم أبو سفيان) انتهى.
وفي رواية ابن السَّكَن: (أنَّهم كانوا نحو عشرين)، قاله بعض حُفَّاظ العصر.
وإذا كان كذلك [30]؛ فقوله: (مِنْ قُرَيْشٍ) فيه مجازٌ؛ لأنَّ المغيرةَ مِنْ ثقيفٍ، وقد جزم ابنُ عبد البَرِّ: بأنَّ المغيرةَ أسلم عامَ الخندق، وقَدِمَ مُهاجرًا، وقيل: أوَّلُ مَشاهِدِه الحديبية.
[ج 1 ص 15]
قوله: (وَكَانُوا تِجَارًا): هو بكسرِ التَّاء وتخفيف الجيم، ويجوزُ ضمُّ التَّاء وتشديدُ الجيم؛ لُغتان، جمع: (تاجِر)، ويُقال أيضًا: (تَجْر)؛ كصاحب وصَحْب.
[قوله: (بِالشَّأْمِ): هو الإقليمُ المعروفُ، وفي حِفظِي: أنَّهم كانوا بغَزَّة، ثمَّ رأيتُه منقولًا معزوًّا، و (الشَّأْمُ)؛ بهمزةٍ ساكنةٍ؛ مثلُ: (رَأْس)، ويجوزُ تخفيفُه بحذفها كما في (راس) وشبهه، وفيه لغةٌ أُخرى: (شآم)؛ بالمدِّ، حكاها جماعةٌ_والشينُ مفتوحةٌ بلا خِلاف_ قال ابنُ قُرقُول: (وأباها أكثرُهم)، وهو مذكَّر، هذا المشهور، وقال الجوهريُّ: (يذكَّر ويؤنَّث) انتهى.
ويُنسَب إليه: (شأميٌّ)؛ بالهمز وحذفه مع الياء، و (شآم)؛ بالمدِّ من غير ياء؛ كـ (يمان)، قال سيبويه وغيره: (ويجوز «شآميٌّ»؛ بالمدِّ مع الياء)، ومَنَعَه غيرُه؛ لأنَّ الألفَ عوضٌ من ياء النسب، فلا يُجمَع بينهما، والصحيحُ جوازُه.
وأمَّا تسميتُه: (شامًا)؛ فهو معروفٌ.
وأمَّا حدُّه؛ فالمشهورُ: أنَّه مِنَ العريش إلى الفرات طولًا، وقيل: إلى بالس، وأمَّا العرض؛ فمِن أجأ وسَلْمى إلى بحر الرُّوم وما سامتَ ذلك.
قال ابن عساكر في «التاريخ»: (إنَّ الشامَ دخلَه عشرةُ آلافِ عينٍ رأتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) انتهى.

(1/63)


وقد دخله عليه السلام مع عمِّه أبي طالبٍ [31]، واجتمع به بحيرا، ومرَّة ثانيةً: في تِجارة خديجة مع غلامها ميسرة _وميسرةُ لا أعرفُ له إسلامًا، والظاهرُ: أنَّه ماتَ قبلَ النُّبُوَّة_ ودخلَه ليلةَ الإسراء على الصحيح أنَّه يقظة، ومرَّة رابعة: إلى تبوك، والله أعلم] [32].
قوله: (فِي الْمُدَّةِ ... ) إلى آخر الكلام: كان الصلح بينهم على أَنْ يدخُلَ مكَّة في العام المقبل وكذا وكذا، ووضعِ الحرب عشرَ سنين.
قال ابنُ إسحاقَ: (صالَحهم عَلى ترْكِ الحربِ عشرَ سنين)، وكذا قال ابن سعدٍ.
وقال موسى بن عُقبة: (إنَّ الصلح كان على سنتين)، وكذا عنِ ابن عائذٍ، عن محمَّد بن شعيب، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن عكرمة، عنِ ابن عبَّاس: (أنَّ مُدَّةَ الصلح كانت إلى سنتين).
وقد روى أبو داود: (أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صالَحَهُم على ترك الحربِ عشرَ سنين).
وقد روى الحاكمُ في «المستدرك» في (البيوع) عنِ ابن عمر: (أَنَ الهُدنةَ بينه عليه الصَّلاة والسَّلام وبين أهل مكَّة بالحديبية أربعُ سنين)، قال الحاكم: صحيح، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (بل ضعيفٌ؛ فإنَّ عاصمًا ضعَّفوه، وهو أخو عُبيد الله بن عمر) انتهى.
قوله: (بِإِيلِيَاءَ): إِيلِياء: هي بيتُ المقدس، وفيها ثلاثُ لغات:
أشهرُها: كسر الهمزة [واللَّام]، وإسكان الياء بينهما، وبالمدِّ.
والثانية: مثلُها إلَّا أنَّه مقصورٌ.
والثالثة: بحذف الياء الأولى، وإسكان اللَّام، وبالمدِّ، حكاهُنَّ في «المطالع»، قال: (قيل: معناه: بيت الله) انتهى [33]
ووقع في «مسند أبي يعلى [34]» في مسند ابن عبَّاسٍ: (الإيلياء [35]؛ بالألف واللَّام)، قاله النوويُّ واستغرَبَهُ.
قوله: (وَحَوْلَهُ): هو بالنصبِ ظرفُ مكانٍ.
قوله: (بِتَرْجُمَانِهِ): هو بفتح التَّاء أفصحُ مِن ضمِّها، والجيمُ مضمومةٌ ومفتوحة.
قال الجوهريُّ: (وقد ترجم كلامَه؛ إذا فسَّرَه بلسانٍ آخرَ، ومنه: التَّرجُمان، والجمع: التراجم [36]، مثل: زَعْفران وزَعافر، ويقال: تَرجُمان، ولك أن تضمَّ التَّاء؛ لضمَّة الجيم) انتهى.
فهذه ثلاثُ لُغات، والتَّاء فيه أصليَّةٌ، وأُنكِر على الجوهريِّ جعلُها زائدةً، وتبعه ابن الأثير في «نهايته»، وقد أخرجه [37] في (التاء) لكن قال: (والتاء والنون زائدتان).
وهذا الترجمان لا أعرفُ اسمَه.
قوله: (أَدْنُوهُ): هو بفتح الهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ سهلٌ.

(1/64)


قوله: (عِنْدَ ظَهْرِهِ): معناه: لئلَّا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كَذَب، وجاءتْ هذه العِلَّةُ مِن كلام هرقل في بعض طرق الحديث.
قوله: (فَإِنْ كَذَبَنِي): هو بتخفيفِ الذال؛ أي: حدَّثني حَديثَ كَذِبٍ.
قوله: (لَوْلَا [38] الْحَيَاءُ): سيأتي تعريفُ الحياء في (كتاب الإِيمان) إن شاء الله تعالى.
قوله: (يَأْثرُوا): بضمِّ الثاء وكسرها؛ أي: يحكوه عنِّي ويتحدَّثوا به، يقال: أثرتُ الحديثَ _مقصور [39]_ آثرُه _بالمدِّ وضمِّ الثاء وكسرها_ أَثْرًا _ساكنة الثاء_: حدَّثْتُ به.
قوله: (لَكَذَبْتُ عَنْهُ): أي: عليه، وقد جاء ذلك في رواية الأصيليِّ.
تنبيه: ذَكَرَ أبو الفتح اليَعمُريُّ في «سيرته» قال: (ويُروى في خبر أبي سفيانَ أنَّه قال لقيصر لمَّا سأله عنه عليه الصَّلاة والسَّلام: أيُّها الملك؛ أَلَا أُخبرُك عنه خبرًا تعرِفُ به أنَّه [40] قد كَذَب، قال: وما هو؟ قال: إنَّه زعم لنا أنَّه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدَكم هذا _مسجد إيلياء_ ورجع في تلك الليلة قبل الصباح، قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال: صدقَ [أيُّها الملكُ]، قال: وما علمكَ بهذا؟ قال: إنِّي كنتُ لا أنام ليلةً حتَّى أُغلق أبوابَ المسجد، فلمَّا كانت تلك الليلة؛ أغلقتُ الأبواب كلَّها غيرَ بابٍ واحدٍ غلبني، فاستعنتُ عليه عُمَّالي ومَن يحضُرُني، فلم نستطع أن نحرِّكَه كأنَّما نزاولُ جبلًا، فدعوتُ النَّجَّارين، فنظروا إليه فقالوا: هذا باب سقط عليه النجاف والبنيان، فلا نستطيع أن نحرِّكه حتى نصبح فننظر من أين أُتِي؟ فرجعتُ وتركتُ البابين مفتوحين، فلمَّا أصبحتُ؛ غدوتُ عليهما؛ فإذا الحَجَرُ الذي في زاوية المسجد منقوب، وإذا فيه أثرُ مربط الدابَّة، فقلت لأصحابي: ما حُبس هذا الباب هذه الليلة إلَّا على نبيٍّ، وقد صلَّى الليلةَ في مسجدنا هذا، فقال قيصر: يا معشرَ الروم؛ ألستم تعلمون أنَّ بين عيسى وبين الساعة نبيًّا بشَّرَكم به عيسى ابن مريم ترجون أن يجعلَه اللهُ فيكم، قالوا [41]: بلى، قال: فإنَّ اللهَ قد جعله في غيركم، في أقلَّ منكم عددًا، وأَضيقَ منكم بلادًا، وهي رحمةٌ يضعُها حيث يشاء) انتهى [42]
قوله: (كَانَ أَوَّلَ): هو بنصب اللَّام، ويجوزُ رفعُها.

(1/65)


قوله: (قَطُّ): هي بفتح القاف، وتشديد الطاء المضمومة؛ ومعناها: الزمان، وبضمِّ القاف والطاء مع التشديد، وبضمِّ الطاء مخفَّفة، ويُضمَّان كذلك: قَطُّ وقُطُّ وقَطُ وقُطُ، فهذه أربع لغات ذكرها الجوهريُّ، أقلُّها الأخيرة؛ وهي ضمُّ القاف والطاء مع التخفيف.
قوله: (مِنْ مَلِكٍ): رُوي على وجهين؛ أحدُهما: بكسر ميم (مِنْ)، وكسر لام (ملِك)، وثانيها: (مَن)؛ بفتح ميمها، وفتح لام [43] (ملَك) فعل ماض، وكلاهُما صحيحٌ، والأوَّلُ أصحُّ وأشهرُ، وتؤيِّدُه [44] روايةُ «مسلم» [م (1773)]: (هل كان في آبائه ملِكٌ)؛ بحذف (مِنْ)، وكذا هو في (التفسير) من هذا «الصحيح» [خ¦4553].
قوله: (سَخْطَةً): السَّخَط والسُّخْط؛ مثل: السَّقَم والسُّقْم؛ وهي الكراهية للشيء وعدم الرِّضا به، وهو مفعولٌ من أجله.
قوله: (يَغْدِرُ): هو بكسر الدال، والغدرُ: ترك الوفاء.
قوله: (كَلِمَةٌ): هي مرفوعةٌ منوَّنةٌ، فاعل.
قوله: (غَيْرُ هَذِهِ): بالضمِّ على أنَّه صفة لـ (كلمة)، ويجوز فيها النصب على الاستثناء، وبالأوَّل هو مضبوط في أصلنا.
قوله: (سِجَالٌ): أي: مرَّة على هؤلاء، ومرَّة على هؤلاء، من مساجلة المستقين على البئر بالدِّلاء، وهو بكسر السين المهملة.
قوله: (وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ): وفي نسخة: (بالصدقة)، قال الدِّمياطيُّ: (وفي «مسلمٍ» [م (1773)] من حديث مَعْمَرٍ: يأمرُنا بالصَّلاة، والزَّكاة، والصِّلة، والعفاف) انتهى.
وقد راجعتُه فوجدتُه كذلك، إلَّا أنَّ مسلمًا ذكره بطريقين؛ الأُولى: من حديث مَعْمَر عنِ الزُّهريِّ [م (1773)]، ثمَّ عقَّبه بسندٍ آخرَ عن صالحٍ عنِ الزُّهريِّ [م (1773)]، وفي آخرِه: (وزاد في الحديث ... ) فذكر [45] الزيادة، فدلَّ كلامُه أنَّ صالحًا وافقَ مَعْمَرًا في هذه ولم يخالفْه، فكان ينبغي له الإطلاقُ واختصارُ قوله من حديث مَعْمَرٍ.
قوله: (وَالْعَفَافِ): هو بفتح العين؛ وهو ترك المحارم وخوارم [46] المروءة.
[ج 1 ص 16]
قوله: (حِينَ يُخَالِطُ [47] بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ): يعني: أُنْسَه ولطفَهُ، قال ابن قُرقُول: (ورواه المستملي، والحَمُّوي، والعُذريُّ، وابُن سفيان: «حتَّى تخالط [48] بشاشتُهُ القلوبَ»).
قوله: (بِمَا يَأْمُرُكُمْ): كذا في أصلِنا بإثبات الألف في الاستفهام، وهو قليلٌ، والجادَّةُ (بِمَ)؛ بحذف الألف.

(1/66)


قوله: (لَتَجَشَّمْتُ): أي: تَكَلَّفْتُ مَا فيه من مَشقَّةٍ، قال ابن قُرقُول: (كذا في «البخاريِّ»، وفي «مسلم»: «لَأَحْبَبْتُ»)، والأوَّل أوجه؛ لأنَّ الحُبَّ للشيءِ لا يُصَدُّ عنه؛ إذ لا يُطَّلَعُ عليه، وإنَّما يُصَدُّ عنِ العمل الذي يظهَرُ، فلا يُملَكُ في كلِّ حينٍ.
قوله: (مَعَ دحْيَةَ): (دحْية): بكسر الدال، وعليه اقتصر الجوهريُّ، وبفتحها أيضًا، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة [49]، وباقي نسبه معروفٌ، كان مِن أجملِ الصحابة وَجْهًا، وكان جبريلُ عليه السلام يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في صورتِه، كما تقدَّم.
وقد ذكر السُّهيليُّ عنِ ابن سلَّام _ وهو يحيى بنُ سلَّام_ في «تفسيره» في قوله تعالى: {تِجَارَةً أَوْ لَهُوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] قال: (كان اللَّهْوُ نظرَهم إلى وجهِ دحية لجمالِه) [50].
أسلمَ قديمًا، ولم يشهد بدرًا وشهد ما بعدَها، وتوفِّي في خلافة معاويةَ، وقُتِلَ شهيدًا باليرموك، وقد تقدَّم أنَّها سنةُ خمسَ عشرةَ، وسكن المِزَّة بقُرب دمشقَ رضي الله عنه.
والدِّحيةُ بلسانِ أهل اليمن: الرئيسُ، قاله السُّهيليُّ في بني قُريظَةَ [51].
قوله: (عَظِيمِ بُصْرَى): عظيمُها: لا أعلمُ اسمَه، وقال حافظ عصري [52]: (قيل: هو الحارثُ بن أبي شمر، وقيل: ملك غسان) انتهى [53]
وسيأتي الكلام على ملك غسان قريبًا، وأنَّه الحارث [54] بن أبي شمر.
قوله: (بُصْرَى): بضمِّ الباء مقصورة؛ بلدٌ بحوران معروفةٌ، وهي أوَّلُ بُلدان الشام فُتُوحًا، فُتحتْ سنةَ ثلاثَ عشرةَ صُلحًا.
قوله: (عَظِيمِ الرُّومِ): هو بدلٌ يجوزُ قطعُه واتباعُه، ولم يقل: (مَلِك)؛ لما يقتضيه هذا الاسمُ مِنَ المعاني التي لا يستحقُّها مَن ليس مِن أهل الإسلام، ومع ذلك فلم يُخلِهِ [55] مِن نوع إكرامٍ في المخاطبةِ؛ ليكون آخذًا بإذن الله في تليين القول لِمَن يبتدِئُه بالدَّعوةِ إلى الحقِّ.
قوله: (أَمَّا بَعْدُ): هو بضمِّ الدال وفتحها، ورفعِها منوَّنةً، وكذا نصبِها.
وفي المبتدِئِ بها خمسةُ أقوالٍ:
داودُ عليه السلام _وقيل: هو فصلُ الخِطاب، وقيل: فصل الخطاب: علم القضاء، وقطع الخصام، وقيل: معرفة البيِّنة على المدَّعي، واليمين على مَن أنكر، والله أعلم_ أو قسُّ بن ساعدة، أو كعب بن لؤيٍّ، أو يعرُب بن قحطان، أو سَحْبان.

(1/67)


وأفاد شيخُنا الشَّارح: أنَّ في «غرائب مالك» للدارقطنيِّ بسندٍ صحيح: (لمَّا جاء مَلَكُ الموت إلى يعقوب عليه السلام؛ قال يعقوب في جملة كلامٍ: أمَّا بعدُ؛ فإنَّا أهلُ بيتٍ موكَّلٌ بنا البلاء) انتهى [56]
ولو [57] ثبت هذا؛ لكان أوَّلَ مَن تكلَّم بها يعقوب.
قوله: (بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ): الدِّعاية: بكسر الدال مصدرٌ؛ كالشِّكاية [58].
قال ابن قُرقُول: (والمشهورُ في المصدر: دعاءً ودَعوى، كما قال: «ليس منَّا مَن دعا بدَعوى الجاهليَّة»، وذكر في «البارع»: «دَعاوة» [59]، وللأصيليِّ في «الجهاد»: «بدَاعِيَةِ الإسلام»؛ أي: بدَعوتِه وبالكلمةِ التي يُدعى بها إلى الإسلام، ويدخل بها فيه مَن دُعي إليه، وهو بمنزلة قوله في الحديث الآخر بعدَها: «وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ») انتهى [60]، كذا قال: (في الحديث الآخر)، وإنَّما هو في نفس الحديث المذكور.
وقال النوويُّ: («بِدِعَايَةِ»؛ بكسر الدال؛ أي: بدَعوتِه، وهي كلمةُ التوحيد) انتهى، وهو ملخَّصٌ ممَّا قبلَه.
قوله: (يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ) [61]: لإيمانِك بعيسى، واتِّباعكَ لي، بخلافِ الجاهليَّة أهلِ الأوثان الذين لَمْ يكونوا على شيءٍ مِن دينِ الله ولا كتابٍ.
قوله: (الْأَرِيسِيِّينَ) [62]: اختُلِف في ضبطها على أوجهٍ:
أحدُها: بِيَاءَيْنِ بَعْد السِّينِ.
وثانيها: بياءٍ واحدةٍ، والهمزةُ مفتوحةٌ، والراءُ مكسورةٌ مخفَّفةٌ في كلا الوجهين.
وثالثها: بهمزةٍ مكسورةٍ، وتشديدِ الراء، وياء واحدة بعد السين، وقد وقع في إحدى روايتي «البخاريِّ» و «مسلم»: (الْيَرِيسِيِّينَ) [63]، وهو ما عزاه النوويُّ وغيرُه إلى البخاريِّ هنا، وفي أصلنا: (الأَرِيسِيِّينَ) [64]، وفي الحاشية: (اليَرِيسِيِّينَ)؛ بفتح الياء، وكسر الراء، وبالسين المهملة، ويجوزُ أن يكون بدلًا مِنَ الهمزة كما في: (أَزَنِيٍّ ويَزَنِيٍّ) [65]، وبالهمز [66] أكثرُ استعمالًا [67] عند أهل اللُّغة، وفي روايات الحديث أيضًا.
وهذا بسطُ الروايات، وهي أربع غير ما في أصلنا: (الأَرِيسيِّين، الأريسين، الإِرِّيسين، اليَرِيسِيِّين).

(1/68)


واختُلف في المراد بهم، والصحيحُ المشهور: أنَّهم الأكارون؛ أي: الفلَّاحون والزَّرَّاعون؛ أي: عليك إثمَ رَعاياكَ الذين يتَّبعونَك وينقادونَ لأمركَ، ونبَّه بهؤلاء على جميعِ الرَّعايا؛ لأنَّهمُ الأغلبُ في الرَّعايا، وأسرعُ انقيادًا، وأكثرُ تقليدًا، فإذا أسلمتَ؛ أسلموا، وإذا امتنعتَ؛ امتنَعوا.
قال شيخُنا الشَّارح: وقد جاء ذلك مصرَّحًا به في «دلائل النُّبوَّة» للبيهقيِّ والطبري قال: «عليك إثم الأكارين»، ولأبي عُبيدٍ: (وإن لَمْ يدخل في الإسلام؛ فلا يحُلُّ [68] بين الفلَّاحين والإسلام)، وللبَرقانيِّ: (يعني: الحرَّاثين)، وللإسماعيليِّ: (فإنَّ عليكَ إثمَ الرَّكوسيِّين)؛ وهم أهلُ دينٍ بين النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسيَّة، ويُقال: إنَّ الأريسيين كانوا يحرثون أرضهم، كانوا مجوسًا، وكان الرُّومُ أهلَ كِتابٍ؛ فيُريد: إنَّ عليك مثلَ وزرِ المجوس إنْ لم تُؤمن وتُصدِّق.
وقال أبو عُبيد [69]: (هُمُ الخَدَم والخَوَل).
وقيل: الملوك والرؤساء الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة.
وقيل: هُمُ المتبخترون [70]، فعلى هذا؛ يكون المراد: فإنَّ عليك إثمَ مَن تكبَّر عنِ الحقِّ.
وقيل: همُ اليهودُ والنصارى أتباع عبد الله بن أريس، الذي تنسب [71] إليه (الأروسيَّة) من النصارى، رجل كان في الزمن الأوَّل، قَتَلَ هو ومَن معه نبيًّا بعثَه اللهُ إليهم.
وقال [72] أبو الفتح اليعمريُّ: (اليريسيُّون: دهَّاقين القرى كانوا إذْ ذاك مجوسًا).
قوله: (وَ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} [آل عمران: 64]) [73]: هذه الواو ثبتت في رواية عبدوس، والنسفيِّ، والقابِسيِّ، وسقطت في رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ، كما نبَّه عليه القاضي [74] قال: (وقد اختلف المحدِّثون فيما وقع من الأوهام في بعض التلاوة؛ فمنهم مَن أوجبَ إصلاحَها؛ لأنَّه إنَّما سِيقتْ للدلالة، ولا حجَّةَ
[ج 1 ص 17]
إلَّا في الثابت في المصحف، ومنهم مَن قال: ينقلُها كما وقعتْ، ويُنبِّه عليها؛ لأنَّه يبعُد خفاؤها عنِ المؤلِّفِ والناقل عنه، ثمَّ على جميعِ الرواةِ حتَّى وصلتْ إلينا، فلعلَّها قراءةٌ شاذَّةٌ، ثمَّ ضُعِّفَ بأنَّ الشَّاذَّ مرويٌّ معلومٌ لا يُحتجُّ به في حكمٍ ولا يُقرَأُ به في صلاةٍ) انتهى.
ومسألةُ ما إذا وقع في الأصل لحنٌ أو خطأٌ؛ معروفةٌ في علوم الحديث، واختار أبو محمَّد بن عبد السلام فيها مذهبًا نقله عنه أبو الفتح ابن دقيق العيد، وهو ترك الصواب والخطأ.

(1/69)


قال في «الاقتراح»: (سمعتُ أبا محمَّد بن عبد السلام، وكان أحدَ سلاطين العلماء، كان يرى في هذه المسألة ما لَمْ أره لأحدٍ: «أنَّ هذا اللفظَ المختلَّ لا يُروى على الصوابِ ولا على الخطأِ، أمَّا على الصوابِ؛ فإنَّه لَمْ يُسمَع مِنَ الشَّيخ كذلك، وأمَّا على الخطأِ؛ فلأنَّ [75] سيِّدَنا رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يَقُلْه كذلك»، هذا معنى ما قاله أو قريب منه) [76].
سؤال: إن قيل: ما الحكمةُ في إرسال هذه الآية دون غيرِها مِنَ الآيِ؟
وجوابه: لأنَّ هرقل نصرانيٌّ، والنصارى جمعتِ الأمورَ الثلاثة؛ فعبدوا عيسى عليه السلام وأشركوا بالله، وقالوا: إنَّ الله ثالث ثلاثة، واتَّخذوا الأحبارَ والرُّهبان أربابًا من دون الله.
فائدةٌ: قال السُّهيليُّ: (رُوِيَ أنَّ هِرقلَ وضع كتاب النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الذي كتب إليه في قصبةٍ مِنْ ذهبٍ تعظيمًا له، وأنَّهم لم يزالوا يتوارثونه كابرًا عن كابر في أرفع صوان وأعزِّ مكانٍ، حتى كان عند إذفونش الذي تغلَّب على طليطلة، وما أخذ أخذها من بلاد الأندلس، ثمَّ كان عند ابن بنته المعروف بالسلطين.
حدَّثني بعضُ أصحابِنا أنَّه حدَّثه مَن سأله رؤيتَه مِنْ قُوَّاد أجناد المسلمين، وكان يُعرف بعبد الملك [77] بن سعيد، قال: فأخرجه إليَّ، فاستعبرتُ وأردتُ تقبيلَه، فأخذَه مِن يدي، فمنعني مِنْ ذلك صِيانةً له، وضنًّا به عليَّ) انتهى [78]
قوله: (الصَّخَبُ): هو اختِلاطُ الأصواتِ [79] وارتفاعُها.
قوله: (لَقَدْ أَمِرَ [80]): هو بفتحِ الهمزة مقصورة، وكسر الميم، وفتح الراء؛ أي: كثُرَ وارتفعَ شأنُه.

(1/70)


قوله: (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ): يعني: النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وأبو كبشةَ: اسمُ رجلٍ تألَّه قديمًا وفارقَ دِينَ الجاهليَّة، وعَبَدَ الشِّعرى، فشُبِّهَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم به [81]، وقيل: بل كانت للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُختٌ تُسمَّى كبشة _وكان أبوها [82] أبا النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِنَ الرضاعة، وهو الحارثُ بنُ عبد العُزَّى بنِ رِفاعة مِن هوازن، ذَكَرَ يونس بن بُكير، عنِ ابن إسحاقَ، عن أبيه، عن رجالٍ مِنْ بني سعدِ بنِ بكرٍ: أنَّه أدرك الإسلام، وأسلم بمكَّة_ يُكنى بها، وقيل: بل كان في أجدادِه لأُمِّه مَن يُكنى بأبي كبشةَ، وقد ذَكَرَ محمَّدُ ابنُ حبيبَ _ وحبيبُ لا ينصرفُ؛ لأنَّها أُمُّهُ، قاله النَّوويُّ، وقال السُّهيليُّ: مصروفٌ _ في «مُحَبَّرِهِ» جماعةً مِن جهة أبيه وأمه يُكنَون بأبي كبشة، وقيل: بل أبو كبشةَ الخُزاعيُّ الذي فارق دِينَ قومه؛ هو جدُّ جدِّ [83] أُمِّ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم.
فائدة: اسمُ أبي كبشةَ وَجز بن غالب؛ بواو مفتوحة، ثمَّ جيم، ثمَّ زاي، ذكره ابن ماكولا، وعُزِيَ للدَّارقطنيِّ أيضًا، قال ابنُ ماكولا: (وجز بن غالب بن عامر بن الحارث، وهو غبشان، ووجز هو أبو كبشةَ الذي كانت قريشٌ تَنسب النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إليه، وكان أبو كبشةَ أوَّلَ مَن عَبَدَ الشِّعرى وخالف دِينَ قومِه ... ) إلى آخرِه.
قوله: (إِنَّهُ يَخَافُهُ): هو [84] بكسر الهمزة على الاستئناف، ويجوزُ على ضعفٍ فتحُها على أنَّه مفعولٌ لأجله، وضُعِّفَ لوجود اللَّام في الخبر [85]، وقال في «المطالع»: (كذا ضبطناه بالفتح؛ أي: مِن أجل ذلك عظُم الأمر على أبي سفيان)، قال: (والكسرُ صحيحٌ على استئنافِ الإخبارِ عمَّا رآه مِن هرقل، ولا سيَّما إذا ثبتت لام التأكيد في الخبر [86]) [87].
قوله: (بَنِي الْأَصْفَرِ): همُ الروم، وجدُّهُم الأصفرُ بنُ روم بن عيصو بن إسحاق، قاله الحربيُّ، وهو الأشبه، وقال غيرُه: بل لأنَّ جيشًا من الحبش غلب عليهم في الزمان الأوَّل فوطِئَ نساءَهم، فوُلِدَ لهم أولادٌ صفرٌ فنُسبوا إليهم، قاله ابن الأنباريِّ.
قوله: (وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ): الظاهرُ أنَّ مِنْ هنا إلى آخرِ الحديثِ مِن قولِ الزُّهريِّ، واللهُ أعلم [88].

(1/71)


قوله: (ابْنُ النَّاطُورِ) [89]: بطاءٍ مهملةٍ، وعند الحَمُّوي بالمعجمة، قاله في «المطالع» [90]، قال أهل اللُّغةِ: هو ناظورة القوم وناظورهم؛ إذا كان المنظور إليه منهم، و (الناطور)؛ بالمهملة: حافظُ النخل؛ أعجميَّة تكلَّمتْ بها العرب، قال الأصمعيُّ: (هو بالمعجمة، والنبطُ يجعلونَ الظاءَ طاءً)، وقال غيرُه: هو بالمهملة حافظ النخل، وحُكِي إعجامُها، قاله الجواليقيُّ في «المعرَّب»، ولا أعرف أنا اسمَ ابن الناطور [91]، والله أعلم.
قوله: (صَاحِبَ إِيلِيَاءَ [92]): منصوبٌ على الاختصاص لا على الخبر، وخبر (كان): (يُحدِّثُ أَنَّ هِرَقْلَ)، وهو الأوجهُ، وقيل: (سُقُفًّا)، قاله الدِّمياطيُّ، والذي قاله ظاهرٌ، ويَحتمل أن يكون منصوبًا على الحال، ونُقل الإعرابان عنِ القاضي.
قوله: (وَهِرَقْلَ): قال الدِّمياطيُّ: (بنصب اللَّام معطوفٌ على «إيلياء»، وموضعُه خفضٌ بالإضافة) انتهى.
قوله: (سُقُفًّا): هو بضمِّ السين والقاف وتشديد الفاء، ويُروى: (أُسقفًا)؛ بضمِّ الهمزة مع تخفيف الفاء وتشديدها، والأشهرُ: ضمُّ الهمزة، وتشديد الفاء، وقال بعضُهم: إنَّ الروايةَ فيه: تخفيف الفاء، وجمعُه: أساقفة وأساقف، وفي بعضِ الأصول: (سُقِّفَ)؛ بضمِّ السين، وكسر القاف المشدَّدة؛ أي: جُعل أُسقفًا، والأُسقف للنصارى: رئيسُ دينِهِم وقاضيهم، قيل: سُمِّيَ به؛ لانحنائه وخضوعه؛ لتديُّنه عندهم.
قوله: (قَدِمَ إِيلِيَاءَ): تقدَّم الكلامُ عليها قريبًا.
قوله: (بَطَارِقَتِهِ): هو بفتح الموحَّدة: قُوَّاد ملوكِ الروم، وخواصُّ دولتهم، وأهلُ الرأي والشُّورى، وقال الخليل: (البِطريق _يعني: بكسر الباء_: العظيمُ مِنَ الروم)، قال الحربيُّ: (هو العظيمُ المختال المتعاظم المزهُوُّ، ولا يُقال ذلك للنساء)، ولفظ «النهاية»: (البطارقة من الروم: جمع بطريق؛ وهو الحاذقُ بالحرب وأمورِها بلُغة الروم، وهو ذو منصبٍ عندهم).
قوله: (حَزَّاءً): هو بفتح الحاء المهملة، وتشديد الزاي، وبالمدِّ، والحازيْ معناها [93]: المتكهِّن، يقال: حَزَى يَحْزِي ويَحزُو ويُحَزَّى.
وفسَّره في الحديث: بأنَّه (ينظر في النجوم)، ويمكن أن يريد بيانَ حَزوه؛ لأنَّ التكهُّنَ بوجوه، وقال في «الصِّحاح»: (والحَازي: الذي ينظر في الأعضاء وفي خِيلان الوجه يتكهَّن).

(1/72)


قوله: (مَلِكَ الْخِتَانِ): ضُبِط بوجهين؛ أحدُهما: (مَلِك)؛ بفتح الميم، وكسر اللام، وثانيهما: ضمُّ الميم، وإسكان اللَّام، ومعناهما صحيح، ومعناه: رأيتُ المُلْكَ لطائفةٍ تختتن.
قوله: (فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ): هو رباعيٌّ، و (شأنُهُم): مرفوعٌ فاعلٌ، وبه ضُبِط في أصلنا، ويقال: بفتح الياء على أنَّه ثلاثيٌّ، يقال: هَمَّني الأمرُ همًّا؛ أي: أحزنَنِي وأغمَّني، وأَهمَّنِي؛ إذا بالغ في ذلك.
قوله: (إِلَى مَدَائِنِ): هو بالهمز، ويجوز تركُه.
قوله: (أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ): قال شيخُنا الشَّارح: (هو الحارثُ بنُ أبي شمر) انتهى.
وكذا قال ابن شيخنا البلقينيِّ، قال شيخنا الشَّارح: (أراد حرب النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وخرج إليهم في غزاة، ونزل قبيل من كندة ماء يقال له: غسَّان بالمُشلَّل، فسمُّوا به) انتهى.
والحارث
[ج 1 ص 18]
هذا: الظاهر هلاكه على كفره، ولا أعرفُ له إسلامًا، وقد كتب إليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع شُجاع بن وهب كما ذَكَرَ الواقديُّ، وقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بعد أن رجع الرسول من عنده: «باد وباد مُلكه»، وهذا ممَّا يُقوِّي أنَّه هَلَكَ على كفره، قال ابن قيِّم الجوزيَّة في غزوة تبوك: (إنَّه مات عام الفتح).
قوله: (هَذَا يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ): قال ابن قُرقُول: («هذا مُلْكُ هذه الأُمَّةِ»؛ يعني: بضمِّ الميم، وسكون اللام؛ هكذا لعامَّتِهِم، وعند القابِسيِّ عنِ المروزيِّ: «مَلِك»؛ يعني: بفتح الميم، وكسر اللَّام، وعند أبي ذرٍّ: «يَمْلِكُ هذه الأُمَّةَ»، وأُراها ضمَّة الميم اتَّصلتْ بها فتصحَّفت) انتهى، وعن السُّهيليِّ أنَّه وجَّهها في «أماليه»: (هَذَا يَمْلِكُ): مبتدأٌ وخبرٌ؛ أي: هذا المذكور يملِكُ هذه الأُمَّة.
وقوله: (قَدْ ظَهَرَ): جملة مستأنفة لا في موضع الصفة ولا الخبر، ويجوز أن يكون (يملك) نعتًا؛ أي: هذا رجل يملك هذه الأُمَّة، وقد جاء النعت بعد النعت ثمَّ حذف المنعوت، وهذا إنَّما هو في الفعل المضارع، لا في الماضي، قاله ابن السَّراج وحكاه عنِ الأخفش.
وعن النوويِّ أنَّه قال: (كذا [94] ضبطناه عن أهل التحقيق، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا)، قال: (و هي صحيحة؛ ومعناها: هذا المذكور يملك هذه الأمَّة، وقد ظهر).

(1/73)


قوله: (إِلَى صَاحِبٍ لَهُ): صاحبه لا أعلم اسمَه، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ ما لفظه: (يقال: هو ضغاطِر؛ الأُسقف الروميُّ، وقيل في اسمه: بقاطر، وذكر ابن الأثير في «أسد الغابة» شيئًا [95] يدلُّ على ذلك) انتهى [96]، وكذا قال حافظ مصريٌّ: إنَّه [97] ضغاطر، انتهى، قال الذَّهبيُّ: (ضغاطر: الأُسقف الروميُّ، أسلم على يد دحية الكلبيِّ وقت الرسليَّة، فقتلوه) انتهى [98]، فانظر ما [99] بين هذين الكلامين.
قوله: (بِرُومِيَةَ [100]): قال في «المطالع»: (مخفَّفُ الياء؛ يعني: مع ضمِّ الراء، مدينةُ رِئاسة الروم وعلمهم)، كذا قيَّدناه عن جميع شيوخنا، قال الأصمعيُّ: (ومثله أنطاكية مخفَّفٌ أيضًا) انتهى، يقال: إنَّ رُوماس بناها.
قوله: (فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ): هو بفتح المثنَّاة تحت، وكسر الراء؛ أي: لَمْ يبرَح ولا فارق، يقال: رامَ يَرِيمُ رَيْمًا، وأمَّا مَن طلب شيئًا؛ فيُقال: رام الأمرَ يَرومُ، وغلط الداوديُّ في (فَلَمْ يَرِمْ)؛ فقال: (معناه: لَمْ يَصِلْ حمصَ)، وهو عكسُ ما قال.
قوله: (حِمْصَ): مدينةٌ معروفةٌ، لا تنصرفُ؛ للعُجمة والعلميَّة والتأنيث، وهي مِنَ المُدُن الفاضلة، جاء في حديثٍ ضعيفٍ: أنَّها مِنْ مُدُن الجنَّة.
ويروى في حديث وفي سنده حُمْرة _ بالحاء المهملة وبالراء _ ابن عبد كُلال، وسيأتي بما فيه، قال: سار عمر إلى الشام ... ؛ فذكر حديثًا عنه، وفي آخره: ثمَّ أَدخُلَ حمصَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «ليُبعثَنَّ منها يومَ القيامةِ سبعينَ ألفًا لا حسابَ عليهم ولا عذاب، يبعثهم فيما بين الزيتون وحائطها في البَرْث الأحمر» انتهى.
والبَرْث؛ بفتح الموحَّدة، ثمَّ راء ساكنة، ثمَّ ثاء مثلَّثة: وهو الأرض اللَّيِّنة، وجمعُها: براث؛ وهي أرضٌ قريبةٌ مِن حمص، قُتل بها جماعةٌ من الشهداء، وهذا الحديث ذكره أحمد في «مسنده».

(1/74)


وحمرة_كما تقدَّم ضبطه_ ذكره الذهبيُّ في الحاء المهملة في «الميزان»، فقال فيه [101]: (الرُّعينيُّ: حدَّث عنه رِشدين بن سعد المصريُّ، ليس بعُمدةٍ ويُجهل) انتهى [102]، وذكره في ترجمة أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، ثمَّ قال فيه بعد ذكره هذا الحديث من عند أحمد بإسناد أحمد: (حمرةُ في كتاب «ابن أبي حاتم» بالراء كما هنا، وهو كذلك في «ثقات ابن حبَّان»، لكنَّه ذكره في أثناء مَنْ [103] اسمُه [104] حمزةُ؛ بالزاي، وهو غير معروف، قال أبو داود: سرق لابن أبي مريم [حلي] فأنكر [105] عقله، وسمعتُ أحمدَ يقول: ليس بشيءٍ) انتهى [106]
وكانت حمصُ في أوَّل الأمر أشهر بالفضل من دمشق، وقد ذَكَرَ الثعلبيُّ في «العرائس» في فضل الشام: (أنَّه نزلَ حمصَ تسعُ مئةِ رجلٍ مِنَ الصحابة).
قوله: (في دَسْكَرَةٍ [107]): هي بفتح الدال، وإسكان السين المهملتين، والراءُ والكافُ مفتوحتان [108]؛ وهي بناءٌ؛ كالقصر، حولَه بيوتٌ، وجمعُه: دساكر، وفي «النهاية»: (الدَّسْكرةُ: بناءٌ على هيئةِ القصر، فيه منازلُ وبيوتٌ للخَدَمِ والحَشَم، وليست بعربيَّة محضة) انتهى [109]، وقال شيخنا الشَّارح: (قال التِّبريزيُّ: الدَّسْكرةُ: البساتين والرياض)، قال: (وفي «جامع القزَّاز»: الدَّسْكرةُ: الأرضُ المستوية).
قوله: (يَا مَعْشَرَ الرُّومِ): همُ الجيل المعروف، وهم بنو الأصفر، وهم الإفرنج، قال الجوهريُّ: (هُم مِن ولد الروم بن عيصو، واحدهم: رُوميٌّ؛ كزنجيٍّ وزنج، فليس بين الواحد والجمع إلَّا الياء المشدَّدة).
قوله: (هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلاَحِ): هو الفوزُ، والبقاءُ، والنجاة.
قوله: (وَالرّشدِ): هو بضمِّ الراء وإسكان الشِّين، وبفتحهما؛ لُغتان، وهو خِلاف الغيِّ.
قوله: (فَتُتَابِعُوا): هو بتاءين مثنَّاتين فوق، من المتابعة؛ وهي الاقتداء، وفي أصلنا: (فَتُبَايِعُوا)؛ بموحَّدة بعد التاء.
قوله: (فَحَاصُوا): أي: نفروا وكرُّوا راجعين، وقيل: جالوا، والمعنى قريب.
قوله: (آنِفًا): هو بالمدِّ والقصر، وهما لغتان قُرئ بهما في السبع؛ أي: قريبًا أو الساعة، وقيل: أوَّل وقت كنَّا فيه، وكلُّه من الاستئناف والقرب.
قوله: (رَوَاهُ صَالِحُ): هو صالح بن كيسان، وروايته عنِ الزُّهريِّ أخرجها البخاريُّ في (الجهاد) [خ¦2940].

(1/75)


قوله: (وَيُونُسُ): هو يونس بن يزيد الأيليُّ، وروايته أخرجها البخاريُّ في (الاستئذان) عن محمَّد بن مقاتل، عنِ ابن المبارك، عن يونس، عنِ الزُّهريِّ به [110] مختصرًا [خ¦6260]، وفي (الجزية) مختصرًا أيضًا [خ¦3174].
قوله: (ومَعْمَرٌ): تقدَّم أنَّه بإسكان العين، وهو ابنُ راشدٍ [111]، ورواية مَعْمَرٍ عنِ الزُّهريِّ أخرجها البخاريُّ في (التفسير) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، وعن [112] عبد الله بن [113] محمَّد، عن [114] عبد الرَّزَّاق؛ كلاهما عن مَعْمَر، عنِ الزُّهريِّ به [خ¦4553].
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العَلَمُ أبو بكرٍ محمَّدُ بنُ مسلمِ بن عبيد الله بن عبد الله بن شهابٍ.
==========
[1] زيد في «اليونينيَّة»: (قال)، وليست في النسخ و (ق).
[2] في النسخ: (عن)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[3] في (ب) و (ج): (منسوب).
[4] في (ب): (العلائي)، ولا يصح.
[5] في (ب): (أخرجه).
[6] في (ج): (البردعي).
[7] ما بين قوسين سقط من (ب)، وهو في (أ) بالهامش.
[8] في (ب): (أناس).
[9] زيد في (ج): (وبأنا).
[10] في (ب): (وحكي)، وفي (ج): (فجاء).
[11] في (ب): (وإخشيد).
[12] في (ب): (والإخشيد).
[13] في (ب): (وكان).
[14] في (ب): (النقير).
[15] في (ب): (نقيرًا).
[16] في (ج): (والقاف عرضًا فيه).
[17] في (ب): (فنقر).
[18] (وكفار قريش): ليست في (ب).
[19] الصلاة مثبتة من (ب) و (ج).
[20] (إني مسلم): ليست في (ج).
[21] في (ب): (بتبوك).
[22] في (ب): (فدخل).
[23] في (ب): (بقيصر).
[24] (في دينكم): ليست في (ب).
[25] في (ب): (وقد).
[26] «الروص الأنف».
[27] في (ب): (هذا)، وفي (ج): (فهذا).
[28] في (ب): (مخالفة).
[29] مراده كتابه «نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس» المسماة «عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير».
[30] أي: كان فيهم المغيرة.
[31] في هامش (أ): (انظر: دخل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشام أربع مرَّات).
[32] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[33] «مطالع الأنوار».
[34] (أبي يعلى): ليست في (ب).
[35] في النسخ: (الإيلا).
[36] في (ج): (الراجم).
[37] أي: ابن الأثير.
[38] في (ب): (أولًا).
[39] في (ب) و (ج): (مقصورًا).
[40] في (ب): (تعرف بأنه).
[41] في (ب): (فقالوا).
[42] «عيون الأثر».
[43] في (أ) و (ج): (اللام).

(1/76)


[44] في (ب): (ويؤيده).
[45] في (ب): (وذكر).
[46] في (ب): (وجوازم)، وهو تصحيف.
[47] في (ب): (يخالط).
[48] في (ب): (يخالط).
[49] زيد في (ب): (بن).
[50] «الروض الأنف».
[51] «الروض الأنف».
[52] في (ب): (عصرنا).
[53] «فتح الباري».
[54] في (ب): (الحرب).
[55] في (ب): (نحله).
[56] «التوضيح».
[57] في (ب): (فلو).
[58] في (ب): (كالسقاية والشكاية).
[59] في النسخ: (دُعاءه)، والمثبت من مصدره.
[60] «مطالع الأنوار».
[61] في هامش (ق): (لإيمانك بعيسى، ثم بمحمد).
[62] في (ب) و (ج): (الأريسين).
[63] في (ب) و (ج): (اليريسين).
[64] في (ب): (الأريسين).
[65] يقال: رمحٌ أَزَنِيٌّ ويَزَنِيٌّ؛ نسبةً إلى ملك حمير ذو يزن؛ وإنَّما سميت الأسنَّةُ يَزَنِيَّة؛ لأنَّه أوَّلُمَن عُملتْ له.
[66] في (ب): (وبالهمزة).
[67] زيد في (ب): (أكثر استعمالًا).
[68] في (ب): (يخل)، وهو تصحيف.
[69] في (ب) و (ج): (أبو عبيدة).
[70] في (ج): (المتجبرون).
[71] في (ب): (ينسب).
[72] في (ب): (قال).
[73] الآية في سورة آل عمران (64): {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}.
[74] «مشارق الأنوار» (2/ 330).
[75] في (ج): (فإنَّ).
[76] «الاقتراح في بيان الاصطلاح» لابن دقيق العيد (ص 388 - 389).
[77] في (ب): (الله).
[78] «الروض الأنف».
[79] (الأصوات): ليست في (ب).
[80] في هامش (ق): (أي: كبر).
[81] في (ب): (فشبه به النبي ... ).
[82] في (ب): (أبوه).
[83] (جد): ليست في (ب).
[84] (هو): ليست في (ب).
[85] أي: في روايةٍ.
[86] في (ج): (الجر).
[87] «مطالع الأنوار».
[88] يرويه موصولًا عن ابن الناطور، وقد بيَّن ذلك أبو نعيم في «دلائل النبوة» بأنَّالزُّهريَّّ قال: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان.
[89] زيد في (ج): (هو).
[90] «مطالع الأنوار».
[91] في (ب): (الناظور).
[92] في هامش (ق): (بنصب الباء على الاختصاص لا على الخبر، وخبر «كان»: «يحدِّث أنَّ هرقل»، وهو الأوجه، وقيل: سُقُفًّا).
[93] في (ج): (معناهما).
[94] (كذا): ليست في (ب).
[95] في (ب): (ما).

(1/77)


[96] (انتهى): ليست في (ب).
[97] (إنه): ليست في (ج).
[98] «تجريد الصحابة» (1/ 272) (2862).
[99] (ما): ليست في (ب).
[100] في هامش (ق): (مدينة بالروم، يقال: إنَّها مدينة رئاستهم).
[101] (فيه): ليست في (ب).
[102] «ميزان الاعتدال».
[103] في (ب): (في).
[104] في (ب): (أنه).
[105] في (ب): (فأنكرنا).
[106] «ميزان الاعتدال»، وقوله في آخره: (قال أبو داود: سرق لابن أبي مريم ... ) متعلق بترجمة أبي بكر ابن أبي مريم، ولا غرض لذكره.
[107] في هامش (ق): (بناء كالقصر حوله بيوت، والجمع: دساكر).
[108] في (ج): (مفتوحان).
[109] «النهاية في غريب الحديث والأثر».
[110] في (ب): (أنه).
[111] في (ب): (رشد).
[112] في (ب): (عن).
[113] في (ج): (عن).
[114] في (ج): (بن).

(1/78)


((2)) (كتاب الإيمان)

(1/79)


[باب قول النبي: بني الإسلام على خمس]
قوله: (وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ): هذه المسألةُ الكلام فيها معروفٌ، فمَن أرادها؛ فينظر مظانَّها، وهي مذكورةٌ في أوَّل (كتاب الإيمان) من [1] «شرح مسلم» للنوويِّ، وكذا القطعة التي [2] له على «البخاريِّ»، وكذا «شرح المهذَّب» له، وكذا مِن شرح شيخنا وغيرها.
قوله: (إلى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ): قال الدِّمياطيُّ: (روى عن أبي الدرداء وغيرِه، مات سنة «120 هـ»، كان على قضاء الجزيرة في خلافة عمر بن عبد العزيز) انتهى، وهوَ عَدِيُّ بنُ عَدِيِّ بنِ عَمِيرةَ _بفتح العين، وكسر الميم_ أبو فروةَ الكِنْديُّ، سيِّدُ أهل الجزيرة، ثقةٌ ناسكٌ، فقيهٌ، أخرجَ له أبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ ماجه [3].
قوله: (إِنَّ لِلْإِيمَانِ): هو بكسر همزةِ (إِنَّ) على الحكاية، وليست مفتوحةً.
قوله: (فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا): الفرائضُ: ما فرض الله عزَّ وجلَّ، والشَّرائعُ: كالتوجُّهِ إلى القبلة، وصفات الصلاة، وعدد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق ... إلى غير ذلك، والسُّنَن: ما أَمر به الشارعُ مِن فضائل الأعمال، فمتى أتى الشَّخص بالفرائض والسُّنن وعَرَفَ الشَّرائع؛ فهو مؤمنٌ كاملٌ، قاله ابن المُرابط، نقلَه شيخُنا الشَّارح.
وقوله: (وَحُدُودًا): هو جمعُ حَدٍّ؛ وهو المنعُ؛ أي: ممنوعات الإيمان، وهذا هو الظاهر؛ لعطفه الحدود على ما هو معطوف على (فَرَائِضَ)، وتُستعملُ الحدودُ بمعنى التفصيلات؛ أي: تفصيلات الإيمان، وكذا بمعنى الشُّروط؛ أي: شروط الإيمان، وبمعنى الطاعات، وبمعنى الأوامر، وكلُّ ذلك قد يُقال في قوله: (وحدودًا)، والأوَّلُ أظهرُ، والله أعلم، قُلتُه ولم أَرَهُ لِأَحدٍ.
قوله: (مُعَاذٌ): هو معاذُ بنُ جَبَلٍ رضي الله عنه، مشهورُ الترجمةِ.
قوله: (اجْلِسْ بِنَا): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (قال ذلك للأسود بن هلال) انتهى.
والأسودُ هذا تابعيٌّ على الصحيح، وقيل: صحابيٌّ، وهو الأسودُ بن هلالٍ المحاربيُّ، أبو سلَّام _ بالتشديد_ الكوفيُّ، أدرك الجاهليَّة، ورَوى عن عمر، ومعاذ، وثعلبة بن زهدم، وابن مسعود، وعنه: إبراهيم، وأبو حَصِين _بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين_، وأشعث [4] بن أبي الشَّعثاء، وآخرون، وثَّقه ابنُ معين، مات سنة (84 هـ)، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ [5].

(1/80)


قوله: (حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ): هو بالحاء المهملة، وفي آخره كافٌ مخفَّفة؛ وهو ما وقع في الخَلَد، ولا ينشرحُ [6] له الصدر، وخيف فيه الإثم، قال ابن قُرقُول: (وقال
[ج 1 ص 19]
بعضُهم: صوابُه: حَكَّ)، قال ابن قُرقُول: (ولم يقُل: شيئًا؛ لأنَّ العربَ تقول: حاكَ يحيك، وحَكَّ يحُكُّ، واحتكَّ وأحاك؛ لغة؛ إذا تحرَّك) انتهى [7]
==========
[1] في (ب): (في).
[2] (التي): مثبتمن (ج).
[3] انظر «تهذيب الكمال» (19/ 534).
[4] في (ب): (وأشعب).
[5] انظر «تهذيب الكمال» (3/ 231).
[6] في (ب): (يشرح).
[7] «مطالع الأنوار».

(1/81)


[باب دعاؤكم إيمانكم]
(بابٌ: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ)
اعلم أنَّ هذا الباب هو ثابتٌ في أصلنا، وعليه ما صورتُه: (ص)، وكذا في أصلنا الدمشقيِّ هو [1] ثابتٌ، وقد قال النوويُّ: (هذا الباب يُكتَب في كثيرٍ من النسخ، وهو غلطٌ؛ لأنَّ الحديث الذي بعدَه في الباب الذي قبلَه، وقوله: «دعاؤُكم إيمانُكم» مِن تتمَّة قولِ ابنِ عبَّاسٍ المذكور قبل التبويب، وهو قوله: «شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» ... » إلى آخره) انتهى.
==========
[1] في (ج): (وهو).
[ج 1 ص 20]

(1/82)


[باب أمور الإيمان]
(بابُ أُمُورِ الإِيمَانِ) ... إلى (بابٌ: الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ)
==========
[ج 1 ص 20]

(1/83)


[حديث: الإيمان بضع وستون شعبة]
9# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ): هذا هو المسنَديُّ؛ بفتح النون، وإنَّما قيل له [1]: المسنديُّ؛ لأنَّه كان [2] وقت الطلب يتبع الأحاديث المسنَدة، ولا يُحبُّ [3] المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (إنَّه أوَّلُ مَن جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النهر، روى [4] عن جماعة، وعنه جماعةٌ)، قال أبو حاتم: (صدوق) انتهى [5]
وهو ثقةٌ مشهورٌ، ذكرَه ابنُ حِبَّان في «ثقاته» [6]، وكذا غيرُه، قال ابن حِبَّان: (مات يوم الخميس، لستِّ ليال بقين من ذي القعدة سنة «229 هـ»)، وكذا قال البخاريُّ في وفاته [7].
تنبيه: مَن اسمُه عبدُ الله بنُ محمَّدٍ _وقد حدَّث عنه البخاريُّ نفسُه في «الصحيح» [8]_ أربعةُ أشخاصٍ: أبو بكر ابن أبي شيبةَ عبدُ الله بن محمَّد، وعبدُ الله بن محمَّد بن أسماء، وعبدُ الله بن محمَّد بن أبي الأسود، وعبدُ الله بن محمَّد الجُعفيُّ المسنَديُّ صاحبُ الترجمة، واللهُ أعلم [9].
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ): اسمُه عبدُ الملك بنُ عمرٍو القيسيُّ، و (العَقَدِيُّ)؛ بفتح العين والقاف، ثمَّ دال مهملتين، يُنسب إلى بطنٍ مِن بَجِيلَةَ [10]، وقال صاحبُ «العين»: (قبيلةٌمِنَ اليمن)، وقال ابنُ عبد البرِّ: (بطنٌ مِنْ قيسٍ)، وفي «القاموس»: (قبيلةٌ مِن بَجِيلَة أَوِ اليمن) انتهى.
وفي مقدِّمة «شرح مسلمٍ» للنوويِّ: (قيل: إنَّه مولى العقديِّين)، ترجمتُه معروفةٌ، توفِّي سنةَ (204 هـ)، وثَّقَه ابنُ معين وغيرُه [11].
قوله: (عَنْ أَبِي صَالِحٍ): اسمُه ذكوان السَّمَّان الزَّيَّات، شَهِدَ الدار [12]، ورَوى عن عائشةَ، وأبي هريرةَ، وعنه: بنوه، وغيرُهم، وكان مِنَ الأئمَّة الثِّقات، توفِّي بالمدينة سنة (111 هـ)، أخرج له الجماعة [13].

(1/84)


قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): في اسمه أقوالٌ نحوُ ثلاثين قولًا، سرد [14] منها ابنُ الجوزيِّ فيه وفي أبيه ثمانيةَ عشرَ قولًا في «تلقيحه»، وقال ابنُ عبد البَرِّ: (لَمْ يُختلَف في اسم أحدٍ في الجاهليَّة ولا في الإسلام كالاختلاف فيه)، وذكر ابنُ عبد البَرِّ: (أنَّه اختُلِف فيه على عشرين قولًا) انتهى، والأصحُّ عند المحقِّقين والأكثرين ما صحَّحه البخاريُّ وغيرُه: عبدُ الرحمن بن صخر، ترجمتُه معروفةٌ؛ فلا نُطَوِّل بها، وهو أحدُ المكثرين، و (أبو هريرةَ) لا ينصرفُ؛ لكثرةِ الاستعمال، ومناقبُه جمَّةٌ، وسأذكر [15] منها شيئًا يسيرًا في آخرِ حديثٍ في «البخاريِّ» في حديث «كلمتان ... » إن شاء الله تعالى وقدَّره [16]، توفِّي سنةَ (59 هـ)، وله ثمانٍ وسبعون [17]، أخرج له الجماعة وأحمد في «المسند»، رضي الله عنه [18].
قوله: (بِضْعٌ): البِضعُ في العدد _بكسر الباء، ويجوزُ فتحُها_: وهو ما بين اثنين إلى عشر، وما بين اثني عشر إلى عشرين، ولا يقال: في أحدَ عشرَ، ولا في اثني عشر، وقال الخليل: (البِضع: سبع)، وهو وهم منه، وقال أبو عُبيدة: (هو ما بين نصف العقد؛ مِن واحد إلى أربع)، وقال ابنُ قُتيبةَ: (هو مِن ثلاث إلى تسع)، قال ابن قُرقُول: (وهو الأشهر).
تنبيه: قال في «الصِّحاح»: (فإذا جاوزتَ لفظ العشر؛ ذهب البِضع، لا [19] تقول: بِضعٌ وعشرون) انتهى، وما قاله يرُدُّه هذا الحديث، وعن «المثلَّث» لابن عديس: (والبِضعُ: ما بين اثني عشر إلى عشرين فما فوق ذلك)، حكاه عن «المُوعَب»، وأعقبَه بأن قال: (وقال الفرَّاء: البِضعُ: ما بين الثلاثة [20] إلى التسعة، كذلك رأيتُ العرب تفعل [21]، ولا يقولون: بضع ومئة، ولا بضع وألف؛ ولا يذكَّر إلَّا مع بضع عشر، ومع العشرين إلى التسعين).

(1/85)


قوله: (بِضْعٌ وَسِتُّونَ [22]): كذا وقع هنا في أصلنا، وعن رواية أبي زيد المروزيِّ كذلك، وفي «مسلم»: عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح: «بضع وسبعون أو بضع وستُّون»، وقد رواه أيضًا من طريق العقديِّ بسنده إلى أبي صالح: «بضع وسبعون»، وكذا وقع في «البخاريِّ» من رواية أبي ذرٍّ الهرويِّ، ورواه أبو داود والترمذيُّ من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شكٍّ، ورواه التِّرْمذيُّ من طريقٍ [23] أُخرى، وقال فيه: (أربعة وستُّون بابًا)، وقد رجَّح القاضي عياض رواية: «بضع وسبعين»، وقال: (إنَّها الصواب)، وعن الحَليميِّ وغيره: ترجيحها؛ لأنَّها زيادة من ثقة فقبلت، وليس رواية الأقلِّ تمنعها.
وقال ابن الصلاح كما نقله النوويُّ عنه: (الأشبه ترجيح الأقلِّ؛ لأنَّه المتيقَّن)، والشكُّ من سُهيل، كما قاله [24] البيهقيُّ، وقد رُوِيَ عن سُهيل: «وسبعون» من غير شكٍّ، قال ابن قُرقُول: وفي حديث أبي هريرة في (كتاب الإيمان): «بضع وسبعون»، كذا لأبي أحمد الجرجانيِّ وابن السكن، وهو المعروف الصريح [25] في سائر الأحاديث، وعند الكافَّة في حديث أبي هريرة: «بضعة وستُّون»، وعند «مسلم» في حديث زهير: «بضع وسبعون أو بضع وستُّون»، انتهى.
قوله: (شُعْبَةً) [26]: هي بضمِّ الشِّين: الخَصْلَةُ والفرقة.
فائدة: بيَّن النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما في الحديث: (أعلاها)، وفي رواية: (أفضلها)، وفي لفظ: (أرفعها)، وفي آخر: (أقصاها)، وآخر: (أعظمها ... وأدناها إماطة الأذى عنِ الطريق).

(1/86)


ثمَّ اعلم أنَّه قد صنَّف العلماء في تعيين هذه [27] الشُّعب كُتُبًا؛ مِن أغزرها فوائد [28]: «شعب الإيمان» للحَليميِّ، ثمَّ كتاب البيهقيِّ، وصنَّف عبد الجليل القصريُّ فيه أيضًا، وإسحاق بن إبراهيم القرطبيُّ في «النصائح»، وعن [29] أبي حاتم بن حِبَّان _بكسر الحاء_ في كتابه [30] «وصف الإيمان وشعبه»، قال: (تتبَّعتُ معنى هذا الحديث مُدَّةً، وعددتُ الطاعات، فإذا هي تزيدُ على هذا العدد شيئًا كثيرًا [31]، فرجعتُ إلى «السُّنن»، فعددت كلَّ طاعةٍ عدَّها الشارعُ من الإيمان؛ فإذا هي تنقص عنِ البِضع والسبعين، فرجعت إلى كتاب الله وقرأتُه بالتدبُّر، وعددتُ كلَّ طاعةٍ عدَّها الله من الإيمان؛ فإذا هي تنقص عنِ البِضع والسبعين، فضممتُ إلى الكتابِ السُّنَّةَ، وأسقطتُ المُعاد، فإذا كلُّ شيءٍ عدَّه الله ورسوله من الإيمان لا يزيد عليها ولا ينقص، فعلمتُ أنَّ مرادَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنَّ هذا العدد في الكتاب والسُّنَّة) انتهى والله أعلم [32].
==========
[1] (له): ليست في (ب).
[2] (كان): ليست في (ب).
[3] في (ب): (يجب).
[4] في (ج): (وروى).
[5] «الجرح والتعديل» (5/ 162).
[6] «الثقات» (8/ 354).
[7] انظر «تهذيب الكمال» (16/ 59).
[8] (في الصحيح): ليست في (ب).
[9] (والله أعلم): ليست في (ج).
[10] في (ب): (نجيلة).
[11] انظر «تهذيب الكمال» (18/ 364).
[12] زمن سيدنا عثمان.
[13] «تهذيب الكمال» (8/ 513).
[14] (سرد): ليست في (ب).
[15] في (ج): (سأذكر).
[16] زيد في (ج): (وقدره).
[17] زيد في (ج): (سنة).
[18] «تهذيب الكمال» (34/ 366).
[19] في (ج): (ولا).
[20] في (ب): (الثلاث).
[21] في (ب): (يفعل).
[22] في هامش (ق): (كذا وقع: «وستون»، والمحفوظ ... هذه الرواية).
[23] في (ب): (طرق).
[24] في (ب): (قال).
[25] في (ج): (الصحيح).
[26] زيد في (ج): (هو).
[27] في (ب): (هذا).
[28] (فوائد): ليست في (ب).
[29] (عن): ليست في (ب).
[30] في (ب) و (ج): (كتاب).
[31] في (ب) و (ج): (كبيرًا).
[32] ذكر نحوه في «صحيحه» عقب الحديث (167)، وقول ابن حبان سقط من (ب).
[ج 1 ص 20]

(1/87)


[باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده]

(1/88)


[حديث: المسلم من سلم المسلمون من لسانه]
10# قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ [1]): قال الغسَّانيُّ: (بفتح السين المهملة، وتحريك الفاء)، وكذا قاله ابنُ ما كولا، وقال الذهبيُّ: (وبالتحريك، سعيد والد عبد الله بن أبي السفر، قال لي [2] شيخُنا أبو الحجَّاج _يعني به: المزِّيُّ_: الأسماء بالسكون، والكُنى بالحركة) انتهى، لكن حكى بعضُهم: سكون الفاء في عبد الله هذا.
قوله: (وَإِسْمَاعِيل): هو مجرورٌ معطوفٌ على (عبد الله)، وعلامةُ الجرِّ فيه [3] الفتحةُ؛ لأنَّه لا ينصرفُ، وهو إسماعيلُ بن أبي خالدٍ.
قوله: (قَالَ [4] أَبُو عَبْدِ اللهِ): هذا صاحبُ «الصحيح» محمَّد بن إسماعيل البخاريُّ، رحمة الله عليه [5].
قوله: (وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ): هذا محمَّدُ بنُ خازم _بالخاء المعجمة، وبالزاي_ أبو معاوية الضرير الكوفيُّ، ترجمته معروفةٌ، روى له الجماعة، وهو ثقة ثَبْتٌ، أحد الأئمَّة، تُوفِّي في صفر، وقيل: غير ذلك سنة (195 هـ)، وقيل غير ذلك، له ترجمة في «الميزان» [6].
تنبيه: اعلم أنَّ قوله: (وقال أبو معاوية) تعليقٌ مجزومٌ به؛ فهو صحيح من البخاريِّ إلى أبي معاوية المعلَّق عنه، وأمَّا منه إلى الصحابيِّ؛ فقد يكون على شرطه، وقد لا يكون كهذا [7]، وتعليقُ أَبي معاويةَ ليس في شيءٍ من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا.
قال شيخنا: خرَّجه ابن حبَّان في «صحيحه» فقال: (أخبرنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر [8]: حدَّثنا محمَّد بن العلاء بن كريب: حدثنا أبو معاوية به [9]).
و (داود) الذي روى عنه أبو معاوية تقدَّم في الرواية: أنَّه ابن أبي هند، كذا هو في أصلنا منسوبٌ، وفي بعض النسخ غيرُ منسوبٍ، لَمْ يكن من شرط هذا الكتاب، فإنَّه لَمْ يُخرِّج له البخاريُّ شيئًا في الأصول، وإنَّما علَّق له، وقد روى له مسلمٌ والأربعة، مع أَنِّي لا أعلم فيه مقالًا، لكنَّه يدلِّس، والتدليس بأقسامه ليس جرحًا إلَّا تدليس التسوية، وقد ذكرت المدلِّسين وطبقاتهم في مؤلَّفٍ مفرد، وجمعتُ منهم جماعةً كثيرةً، فمن أراده؛ فلينظره من التعليق فيهم المفرد، والله أعلم، وتقدَّم ذكر هذا المؤلَّف في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (عَنْ دَاوُدَ): هو ابن أبي هند المذكور أعلاه.
قوله: (عَنْ عَامِرٍ): هو الشَّعبيُّ عامر بن شُراحيل [10].

(1/89)


قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ): هو ابن عمرو بن العاصي الصحابيُّ المشهور رضي الله عنه وعن أبيه [11]، و (العاصي) الأصحُّ كتابته بالياء، وسيأتي مُطوَّلًا مع غيره.
تنبيه: إذا أُطلق عبد الله في السند؛ حكى ابن الصلاح في «علومه» عن سلمة بن سليمان قال: (إذا قيل بمكَّة: عبد الله؛ فهو ابن الزبير، وإذا قيل بالكوفة؛ فهو ابن مسعود، وإذا قيل: بالبصرة؛ فهو ابن عبَّاس، وإذا قيل بخراسان؛ فهو ابن المبارك)، وقال الخليليُّ في «الإرشاد»: (إذا قال المصريُّ: عبد الله؛ فهو ابن عمرو؛ يعني: ابن العاصي، وإذا قاله المكِّيُّ؛ فهو ابنُ عبَّاس)، قال شيخُنا العراقيُّ: قلتُ: لكن قال النضر بن شميل: إذا قال الشاميُّ: عبد الله؛ فهو عبد الله بن عمرو بن العاصي، قال: وإذا قال المدنيُّ: عبد الله؛ فهو ابن عُمر، قال الخطيب: وهذا القولُ الصحيح، قال: وكذلك يفعل بعضُ المصريِّين في عبد الله بن عمرو بن العاصي [12].
قوله: (وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى): هو عبدُ الأعلى بن عبد الأعلى السَّاميُّ _بالسين المهملة_ القرشيُّ البصريُّ، من بني سامة بن لؤي بن غالب، أحد المحدِّثين الكبار، يروي عن يونس، والجريريِّ، والحذَّاء، وسعيد بن أبي عَروبة، وداود بن أبي هند، وخلق [13]، وعنه: ابن راهويه، وأبو بكر ابن أبي شيبة، والفلَّاس، وخلق، وثَّقه ابن مَعِين، وأبو زُرعة، وقال أبو حاتم: (صالح الحديث)، وقال ابن حِبَّان: (كان متقنًا قدريًّا غير داعية إليه)، قال الفلَّاس: (مات في شعبان سنة تسع وثمانين ومئة)، أخرج له الجماعة [14].
وتعليقُ عبد الأعلى لا أعلم أحدًا خرَّجه مِن أصحاب الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجه شيخُنا.
[ج 1 ص 20]
==========
[1] في هامش (ق): («السفر»؛ بإسكان الفاء قرأه الأصيلي، وبفتحه قرأه غيره).
[2] (لي): ليست في (ب).
[3] (فيه): ليست في (ج).
[4] في (ب): (وقال).
[5] في (ب): (رحمه الله تعالى).
[6] «ميزان الاعتدال»، وانظر «تهذيب الكمال» (25/ 123).
[7] (كهذا): ليست في (ب).
[8] (بتستر): ليست في (ب).
[9] (به): ليست في (ب).
[10] في (ب): (شراحبيل)، وهو خطأ.
[11] (وعن أبيه): ليست في (ب).
[12] التنبيه ليس في (ب) و (ج)، وهو ملحق في (أ).
[13] (وخلق): ليست في (ب).
[14] انظر «تهذيب الكمال» (16/ 359).

(1/90)


[باب أي الإسلام أفضل؟]

(1/91)


[حديث: يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟]
11# قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ) انتهى: قال الدِّمياطيُّ بعد سعيد الثاني: (ابن أَبَان بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أُميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف) انتهى، كُنية سعيد هذا أبو عثمان، بغداديٌّ، يروي عن: أبيه، وعمِّه، وجماعة، وعنه: الجماعة سوى ابن ماجه، وغيرهم، وثَّقه النَّسائيُّ، وقال أبو حاتم: صدوق، تُوفِّي في نصف ذي القعدة سنة (249 هـ) [1].
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ [2] بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ [3]): أمَّا أبو بردة الأوَّل؛ فاسمُه بُرَيد؛ بضمِّ الموحَّدة، وفتح الراء، يروي عن جدِّه، وغيره، وعنه: السُّفيانان وغيرهما، وثَّقه ابن معين والعِجْليُّ، وقال أبو حاتم: ليس بالمتين يكتب حديثه، وفيه غير ما ذكرت من الكلام، له ترجمة في «الميزان»، وقد صحَّح عليه الذهبيُّ، فالعملُ على توثيقه، كيف وقد أخرج له الجماعة [4]؟!
فائدة: قال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» ما لفظه: (وكان شيخُ شيوخِنا الحافظُ أبو الحسن المقدسيُّ يقول في الرجل الذي يُخَرَّجُ عنه في «الصحيح»: «هذا جاز القنطرة»؛ يعني بذلك: أنَّه لا يُلتفَت إلى ما قيل فيه، وهكذا نعتقدُ وبه نقول ... ) إلى آخر كلامه [5].
واسم أبي بُردة الثاني: عامر، وقيل: الحارث، وقيل: اسمُه كُنيته، يروي عن أبيه والزبير، وعنه: بنوه؛ عبد الله، ويوسف، وسعيد، وبلال، وحفيده بُريد، كان من نبلاء العلماء، أخرج له الجماعة، توفي سنة (104 هـ) [6].
قوله: (عَنْ أَبِي مُوسَى): هذا هو الأشعريُّ، واسمه: عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار _وسُلَيم: بضمِّ السين، وفتح اللام، وحَضَّار: بفتح الحاء المهملة، وتشديد الضاد المعجمة، وفي آخره راء، وقيل: بكسر الحاء، وتخفيف الضَّاد المعجمة_ أميرُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على زَبيد وعدن، وأمير الكوفة والبصرة لعمر، عنه [7]: بنوه أبو بردة، وأبو بكر، وإبراهيم، وموسى، مناقبه كثيرةٌ رضي الله عنه، توفِّي سنة (44 هـ)، وقيل غير ذلك [8].

(1/92)


قوله: (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الإِسْلاَمِ أَفْضَلُ؟): السائل هو أبو موسى راوي الحديث؛ لما [9] في «مسلم»: (قال: قلت: يا رسول الله؛ أَيُّ الإسلام أفضل؟)، وهذا الذي في «الصحيح»، قالوا: فالظاهر [10] أنَّه أبو موسى وغيرُه سألوه، والله أعلم، وقال حافظ عصري: ولابن حِبَّان: أنَّه السائل، وللطبرانيِّ عن عبيد بن عمير، عن أبيه: أنَّه السائل.
[قوله: (أَي الإسلام أفضل؟): أي: أَيُّ خِصاله، وسيأتي الجمع بين هذا وما يعارضه في الظاهر قريبًا، وهو في (باب من قال: إنَّ الإيمان هو العمل)] [11].
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (11/ 104).
[2] في هامش (ق): (اسمه كنيته على الصحيح، وقيل: بُريد).
[3] في هامش (ق): (عامر، وقيل: الحارث).
[4] انظر «تهذيب الكمال» (4/ 50).
[5] «الاقتراح» (ص 428).
[6] انظر «تهذيب الكمال» (33/ 66).
[7] في (ب): (روى عنه).
[8] انظر «تهذيب الكمال» (15/ 446).
[9] في (ب): (كما).
[10] في (ب): (والظاهر).
[11] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[ج 1 ص 21]

(1/93)


[باب إطعام الطعام من الإسلام]

(1/94)


[حديث: أن رجلًا سأل النبيَّ: أي الإسلام خير؟]
12# قوله: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ): هو ابن سعد، العَلم الفرد، مشهور الترجمة.
قوله: (عَنْ يَزِيدَ): هو ابن أبي حَبِيب؛ بفتح الحاء المهملة، وكسر الموحدة، وكذا هو في بعض النسخ منسوب _واسم [1] أبي حبيب: سُويد_ المصريُّ التابعيُّ، أبو رجاء، عالم أهل مصر، عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء، وأبي الطفيل، وعنه: الليث، وابن لهيعة، وكان حبشيًّا من العلماء الحكماء الأتقياء، روى له الجماعة، تُوفِّي سنة (128 هـ) [2].
قوله: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ): هُو مَرْثد _بثاء مثلَّثة بعد الراء_ ابن عبد الله اليَزَنيُّ؛ بفتح [3] المثنَّاة تحت، ثمَّ زاي مفتوحة، ثمَّ نون، ويَزَن: بطنٌ من حمير، يروي عن عمرو بن العاصي، وأبي بَصْرة _بالموحدة المفتوحة، وإسكان الصاد المهملة_ الغِفاريِّ، وعنه: يزيد، وجعفر بن ربيعة، وكان مفتي أهل مصر، تُوفِّي سنة (90 هـ)، أخرج له الجماعة [4].
قوله: (أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ): تقدَّم أعلاه أنَّه أبو موسى الأشعريُّ، وتقدَّم قريبًا أنَّه غيره، وقال حافظُ عصري في هذا الحديث [5]: (قيل: هو أبو ذرٍّ، وفي «ابن حِبَّان» من حديث هانئ بن يزيد والد شريح: أنَّه سأل عن معنى ذلك، فأُجيب بنحو ذلك) انتهى.
==========
[1] (واسم): ليست في (ب).
[2] انظر «تهذيب الكمال» (32/ 102).
[3] زيد في (ب): (الياء).
[4] انظر «تهذيب الكمال» (27/ 357).
[5] (في هذا الحديث): سقط من (ب) و (ج).
[ج 1 ص 21]

(1/95)


[باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه]

(1/96)


[حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه]
13# قوله: (وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ [قَالَ]: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ): هو الحسينُ بنُ ذكوان المعلِّم البصريُّ، الثقة المعروف، وهذا معطوف على الحديث الذي قبلَه، والراوي عنه في هذا الحديث هو يحيى بن سعيد، والبخاريُّ روى هذا الحديث عن مسدَّد، ورواه مُسَدَّد عن يحيى بن سعيد، عن حسين المعلِّم، عن قتادة، وهذا ليس تعليقًا كما [1] تقدَّم، وإنَّما هو بالسند المذكور قبلَه؛ فاعلمه.
فالحسين [2] وشعبة يرويان هذا الحديث عن قتادة، وإنَّما أتى بالحسين؛ لأنَّه روى الحديث بالتحديث، وشعبةُ رواه [3] بالعنعنة وإنْ حُوشِيَ من التدليس، وقد قال: (لَئِن أزني؛ أحبُّ إليَّ مِن أن أدلِّس)، وهذا الكلام محمولٌ على التنفير عنِ التدليس، إلَّا أنَّ في العنعنة مطلقًا _وإن كان المعنعن غير مدلِّسٍ_ خلافًا، فأراد البخاريُّ أن يَخرُجَ من الخلاف، فأتى بذلك، والله أعلم.
قوله: (حتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ): أي: مِنَ الطاعات والمباحات، وفي «النَّسائيِّ»: «من الخير»، وظاهرُه يقتضي التسوية، وحقيقة التفضيل: أنَّ كلَّ أحدٍ [4] يحبُّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبَّ لأخيه مثله؛ فقد دخل هو في جملة المفضولين، والله أعلم [5].
==========
[1] في (ب): (لما).
[2] في (ب): (والحسين).
[3] (رواه) ليست في (ب).
[4] في (ب): (واحد).
[5] هذه الفقرة جاءت في (أ) مستدركة متقدمة على قوله: (عن حسين المعلم).
[ج 1 ص 21]

(1/97)


[باب حب الرسول من الإيمان]

(1/98)


[حديث: فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه]
14# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم أنَّه الحكم بن نافع، وتقدَّم الكلام عليه قريبًا.
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ): هو بالزاي المكسورة، ثمَّ نون، واسمه عبد الله بن ذكوان.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ): هو عبد الرحمن بن هُرمزَ.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّ في اسمه نحوَ ثلاثين قولًا، وأنَّ الأصحَّ عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه، وتقدَّم ما فيه.

(1/99)


[حديث: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده]
15# قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ): هو إسماعيل بن إبراهيم ابن عُلَيَّةَ، و (عُلَيَّةُ) أُمُّه، إمامٌ مشهورٌ.
قوله: («ح»: وَحَدَّثَنَا آدَمُ): تقدَّم الكلام على (ح)، وما معناها في (ابتداء الوحي).

(1/100)


[باب حلاوة الإيمان]

(1/101)


[حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان]
16# قوله: (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ): هو بقاف مكسورة، وبعد اللَّام ألف، فموحَّدة [1]، وهذا ظاهرٌ إلَّا أنِّي سمعتُ عن بعض الأعاجم أنَّه قرأه [2]: (أبو فلانة)؛ بالفاء في أوَّله، ونون بعد اللَّام ألف؛ فلهذا ضبطتُه، واسمُه عبد الله بن زيد بن عمرو، وقيل: عامر الجرميُّ، يُرسِلُ كثيرًا، لكن روايته عن مالك بن الحويرث وأَنَس وثابت بن الضَّحَّاك متَّصلةٌ، وهي في الكتب السِّتَّة.
قوله: (مِمَّا سِوَاهُمَا): عبَّر عليه السَّلام بقوله: (مَا) دون (مَن)؛ لعموم (ما)، و (ما سواهما): جميعُ المخلوقات؛ مِن ملك ونبيٍّ وغيرهما.
قوله: (سِوَاهُمَا): فيه دلالةٌ على أنَّه لا بأس بمثل هذه التَّثْنِيَة، وأمَّا قوله عليه الصَّلاة والسَّلام في «صحيح مسلم»، و «أبي داود»، و «النَّسائيِّ» من حديث عَدِيِّ بنِ حاتم للذي [3] خطب فقال: ومَن يعصهما؛ فقد غوى: «بِئْسَ الخطيبُ أنت، قل: ومَن يعصِ الله ورسوله»، بعد أن تعرف أنَّ هذا الخطيب قال بعضُ العلماء عنِ «الصحابة» لأبي نعيم: إنَّه ثابت بن قيس بن شمَّاس؛ فجوابُه مِن أوجه:
أحسنُها: أنَّه ليس من هذا النوع؛ لأنَّ المراد في الخطب: الإيضاح، لا الرموز والإشارات، وأمَّا هنا؛ فالمراد: الإيجاز في اللفظ؛ ليُحفظ، وممَّا يدُلُّ لهذا: حديثُ ابن مسعود في خطبة الحاجة: (مَن يطع الله ورسوله؛ فقد رَشَد، ومَن يَعْصِهِما؛ فلا يضرُّ إلَّا نفسَه).
ثانيها: إنَّما أَنكر الجمع تعظيمًا لله تعالى، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: / «لا يقولنَّ [4] أحدكم: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن: ثمَّ شاء فلان [5]»؛ لما في (ثمَّ) من التراخي، بخلاف الواو التي تقتضي التسوية.
ثالثها: إنَّما أنكر عليه وقوفَه على: (ومَن يعصهما)، ولكن قوله: (قل: ومن يعص الله ورسوله) يرُدُّ ذلك.
رابعها: أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام له أنْ يجمع [6]، بخلاف غيره.
خامسها: أنَّ كلامه عليه الصَّلاة والسَّلام جملة واحدة، فلا يُكره إقامةُ المضمَر مُقام الظاهر، بخلاف الخطب؛ فإنَّه جملتان، وبعضهم أجاب بأنَّ المتكلِّم لا يتوجَّه تحت خطاب نفسه إذا وجَّهه لغيره.
==========
[1] في (أ): (موحدة)، وفي (ب): (وباء موحدة).
[2] في (ب): (قرأ).
[3] في (ج): (الذي).
[4] من هنا وقع سقط في (أ) بمقدار ورقة واحدة، وزيد فيها بدلها جملة أوراق من كتاب «نور النبراس في شرح سيرة ابن سيد الناس» للمصنف.

(1/102)


[5] قوله: (ولكن ثم شاء فلان) مثبت من (ج).
[6] زيد في (ب): (ذلك).
[ج 1 ص 21]

(1/103)


[باب علامة الإيمان حب الأنصار]

(1/104)


[حديث: آية الإيمان حب الأنصار]
17# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ): هو هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، الحافظ، روى عنه: البخاريُّ، وأبو داود، وغيرهما، قال أحمد: هو اليوم شيخ الإسلام، تُوفِّي سنة (227 هـ)، وله (94)، أخرج له الجماعة [1].
قوله: (ابْن جَبْرٍ): هو بفتح الجيم، ثمَّ موحَّدة مكسورة، قال ابن منجويه: أهلُ العراق يقولون في جَدِّه: جَبْر، ولا يصحُّ؛ إنَّما هو جابر، عنِ: ابن عمر، وأنس، وغيرهما، وعنه: مالكٌ، ومسعرٌ، أخرج له الجماعة، ضعَّفه ابنُ مَعِين وغيرُه، وقد تقدَّم أنَّ هذا وأمثالَه جازوا القنطرةَ [2].
قوله: (آيَةُ الْإِيمَانِ): أي: علامتُه ودلالتُه، ولهذا بوَّب عليه: (باب علامةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار)، وحُبُّ الأنصار مِن حيث كانوا أنصارَ الدين، ومُظهريه، وباذلي نفوسهم وأموالهم، وقتالهم الناسَ [3] كافَّةً دونَه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم علامةٌ قاطعة على الإيمان، فمَن عَرَفَ حقَّهم، ومبادرتَهم، ونُصرتَهم [4]، ومحبَّتَهم له عليه الصَّلاة والسَّلام، أحبَّهم ضرورةً؛ يُحكم بصِحَّة إيمانه، ومَن كان منافقًا؛ لم يسرَّه ما جاء منهم، فيبغضهم، وهذا جارٍ في أعيان الصحابة؛ كالخلفاء الأربعة، وبقيَّة العشرة والمهاجرين، بل في كلِّ الصحابة، إذْ كلُّ واحدٍ منهم له أسبقيَّة وأثرٌ حسن، فحبُّهم لذلك [5] محضُ الإيمان، وبغضُهم محضُ النفاق، ويدُلُّ لذلك الحديث: «مَن أحبَّهم؛ فبحُبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهم؛ فببُغضي أبغضَهم»، وأمَّا مَن بغض [6] أحدًا منهم مِن غير تلك الجهة لأمرٍ طارئ مِن حَدَثٍ وقع لمخالفة غرضٍ أو لضررٍ ونحوه؛ لم يصِرْ بذلك منافقًا ولا كافرًا، وقد وقع منهم حروب ومخالفات، ومع ذلك لم يَحكم بعضُهم على بعضٍ بالنِّفاق، وإنَّما كان حالُهم في ذلك حالَ [7] المجتهدين في الأحكام، وقد قال عليٌّ رضي الله عنه: أرجو أن أكون أنا وطلحة بن الزبير ممَّن قال الله تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ... }؛ الآية [الأعراف: 43]، فمَن وقع له بغضٌ في أحدٍ منهم _والعياذُ بالله_ بشيءٍ من ذلك؛ فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ ومجاهدةُ نفسِه بذِكر سوابقِهم وفضائِلِهم، وما لهم على كلِّ مَن بعدَهم مِنَ الحقوق؛ إذ [8] لم يصل أحدٌ مِن بعدِهم بشيءٍ من الدين والدنيا [9] إلَّا بهم وبسببهم.
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (30/ 226).
[2] انظر «تهذيب الكمال» (15/ 171).

(1/105)


[3] في (ب): (للناس).
[4] في (ب): (ونصرهم).
[5] في (ب): (كذلك).
[6] في (ب): (أبغض).
[7] في (ب): (كحال).
[8] في (ب): (وإذ).
[9] في (ب): (بعدهم من الدين والدنيا بشيء)
[ج 1 ص 21]

(1/106)


[باب ابتداء تلقيبهم بالأنصار]

(1/107)


[حديث: بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا]
18# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم أنَّه الحكم بن نافع.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العَلَم الفرد أبو بكر محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.
قوله: (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ... ) إلى قوله: (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ): أمَّا العقبةُ؛ فهي معروفةٌ؛ وهي التي عند مِنًى التي تنسب إليها الجمرة، وجمرةُ العقبة ليست من مِنًى، بل هي حدُّ مِنًى من الجانب الغربيِّ من جهة مكَّة.
وقال المحبُّ الطبريُّ: (الظاهرُ أنَّها العقبةُ التي يضاف إليها الجمرة؛ إذ ليس ثَمَّ [1] عقبة أظهر منها، قال: وعن يسار الطريق لقاصد مِنًى من مكَّة شِعبٌ قريب منها فيه مسجدٌ، مشهورٌ عند أهل مكَّة أنَّه مسجد البيعة، وهي [2] على نشز من الأرض، ويجوز أن يكون المراد بـ «العقبة» ذلك، وعلى الأوَّل يكون قد نُسِب إليها؛ لقُربه منها) انتهى.
واعلم أنَّ النقباء كانوا اثني عشر؛ وهم: أسعد بن زُرارة، وسعد بن الرَّبيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك بن العجلان، والبراء بن مَعرور، وعبد الله بن عمرو بن حَرَام، وسعد بن عُبادة، والمنذر بن عمرو بن خُنيس، وعُبادة بن الصَّامتْ، فهؤلاءِ مِنَ الخزرج، وثلاثةٌ مِنَ الأوس؛ وهم: أُسَيْد بن الحُضير، وسعد بن خيثمة، ورِفاعة بن عبد المنذر، وقد ذكرهم ابن عبد البرِّ، فأسقط: رِفاعة بن عبد المنذر، وجعل عوضه: أبا الهيثم بن التَّيِّهان، وقال ابن هشام: وأهلُ العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدل رِفاعة.
فكان عُبادةُ نقيب بني عوف مِنَ الخزرج، وكان سعدُ بن عبادة والمنذرُ بن عمرو نقيبي بني ساعدة، وكان أبو الهيثم وأُسيد بن الحُضير نقيبي بني عبد الأشهل، وكان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة نقيبي بني الحارث من الخزرج، وكان سعدُ بن خيثمة نقيب بني عمرو بن عوف، وكان البراءُ بنُ مَعرور وعبدُ الله بن عمرو نقيبي بني سلِمة، وكان رافع نقيببني زُريق، وكان أسعد بن زُرارة نقيب بني النجار، وقال ابن مَنْدَه وأبو نعيم: إنَّه كان نقيب بني ساعدة، ذكر ذلك في «الأُسد» في ترجمة أسعد بن زُرارة [3].
فائدة: روى أبو بكر البيهقيُّ بسنده إلى مالكٍ قال: (فحدَّثني شيخٌ من الأنصار أنَّ جبريل عليه السلام كان يشير له إلى مَن يجعلُه نقيبًا) انتهى.

(1/108)


تنبيه: وقع في «مستدرك الحاكم» في (معرفة الصَّحابة) ما لفظه: (سعد بن خيثمة الأنصاريُّ أحد النقباء)، ثمَّ ساق سندًا إلى عمر بن زيد بن جارية عن أبيه قال: «استصغرنا رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أنا وسعد بن خيثمة» صحيح)، قال الذَّهبيُّ في «تلخيصه»: (قلت: منكر؛ كيف يستصغرُ مَن هو نقيب؟) انتهى.
وصواب هذا الاسم: سعد ابن حَبْتة، وهي أُمُّه، واسمُ أبيه: بحير [4]، ومعذورٌ الذهبيُّ في استنكاره ذلك، والظاهرُ أنَّه تصحيفٌ إمَّا مِنَ الحاكم أو ممَّن [5] فوقَه، وسعدُ ابن حَبْتة استُصغر في أُحُد، وكذا زيد بن جارية، والله أعلم
وأهل العقبة الثانية كانوا اثني عشر، وفي «الإكليل» [6]، وفي «المستدرك» في (هجرة الحبشة): أحد عشر، وأمَّا الأولى؛ فكانوا ستَّة؛ وهم أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث بن رفاعة، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله بن رِئاب، ومنهم مَن يجعل فيهم عُبادة بن الصامت، ويسقط جابرًا، وتقدَّم أنَّ الثانية كانوا اثني عشر_وقيل: أحد عشر_ وهم خمسة من السِّتَّة الذين ذكرتهم، وهمُ الأُوَّل، وبقيَّتُهم: معاذُ بن الحارث بن رِفاعة، وذكوان بن عبد قيس بن خلدة_ذكروا أنَّه رحل إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى مكَّة فسكنها، فهو مهاجريٌّ أنصاريٌّ، وممَّن قيل: إنَّه مهاجريٌّ أنصاريٌّ جماعةٌ ذكرتهم في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد الناس» مع ذكوان_وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة بن خَزمة_بسكون الزاي وبعضهم يفتحها_ وأبو الهيثم مالك بن التَّيِّهان _أهل الحجاز يخفِّفون الياء، وغيرُهم يشدِّدُها_ وعويم بن ساعدة، وأمَّا أهل الثالثة: فهم ثلاثة وسبعون رجلًا، وامرأتان، وقال ابن سعد: (سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين، وامرأتان)، وقال الحاكم: (خمسة وسبعون نفسًا)،ولعلَّه أراد [7]: وأمَّا أهل الثالثة؛ فهم ثلاثة وسبعون [8] عدا المرأتين معهم.
والمرأتان من بني مازن بن النجار: نَسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف أمُّ عُمارة، والثانية من بني سلِمة: أمُّ منيع بنت عمرو بن عديِّ بن نابي، والله أعلم.
قوله: (عِصَابَةٌ): هي [9] بكسر العين؛ أي: جماعة، وهم من العشرة إلى الأربعين، لاواحد لها من لفظها، وجمعها: عصائب، وكانوا في هذه البيعة اثني عشر رجلًا، وقد تقدَّم الخلاف في عددهم.

(1/109)


قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (إنَّ هذه العِصابة هم أهل العقبة [10] الأولى) انتهى، وهم الذين ذكرتُهم أنَّهم أهل العقبة الثانية، فانظرهم فيما تقدَّم، والبيعةُ وقعت [11] في العقبة الثانية حين كانوا اثني عشر رجلًا [12]، وبعضُهم يجعل هذه العقبة الأولى، والله أعلم.
قوله: (وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ): (البُهتان): هو الباطلُ الذي يُتحيَّرُ منه، وهو مِنَ البهت: التحيُّر، يُقال: بهتَه يبهَتُه، ومعناه: لا يأتينَّ بولدٍ مِن غير أزواجهنَّ فينسبنه إليهم، والبهت: الكذب.
قوله: (وَفَى): هو بتخفيف الفاء وتشديدها.
قوله: (فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا ... ) إلى آخره: فيه دلالة لمذهب الأكثرين: أنَّ الحدود كفَّاراتٌ لأهلها، ومنهم مَن وقف بحديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «لا أدري الحدود كفَّارات»،لكنَّ حديث عبادة أصحُّ إسنادًا، وحديث أبي هريرة أخرجه الحاكم في «المستدرك» في نحو الثلث من (كتاب الإيمان)، ثمَّ قال: على شرطهما، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ، وهو سندٌ صحيح، وقد روى أحمد في «المسند» من حديث أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «من أصاب ذنبًا أقيم عليه حدُّ ذلك الذنب؛ فهو كفَّارته»، ويمكن أن يكون حديث أبي هريرة الأوَّل أولًا [13] قبل أن يعلم ثم أُعلم، كذا قال القاضي عياض وغيره، وفيه وقفة؛ إذ حديث عبادة ليلة العقبة الثانية كما تقدَّم، حين كانوا اثني عشر رجلًا، وأبو هريرة أسلم عام خيبر، والجواب الأوَّل أحسنُ، أو يقال: إنَّ حديث أبي هريرة الأوَّل سمعه من صحابيٍّ آخرَ، وذاك الصحابيُّ متقدِّمُ الصُّحبة.
==========
[1] في (ب): (ثمة).
[2] في (ب): (وهو).
[3] «أسد الغابة».
[4] في (ب): (بجير)، وكلاهما قيل في اسمه.
[5] في (ب): (من).
[6] (في «الإكليل»): مثبت في (ج)، وسقط من (ب).
[7] قوله: (نفسًا، ولعله أراد): مثبت من (ج)، وسقطت من (ب).
[8] قوله: (وأما أهل الثالثة فهم ثلاثة وسبعون): مثبت من (ب)، وسقطت من (ج).
[9] (هي): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[10] (العقبة): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[11] قوله: (والبيعة وقعت): مثبتة في (ج).
[12] (رجلًا): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[13] (أولًا): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[ج 1 ص 21]

(1/110)


[باب من الدين الفرار من الفتن]

(1/111)


[حديث: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم]
19# قوله: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ): واسمُ أبي صعصعةَ عمرٌو، وعبدُ الرحمن هذا: منهم مَن ينسبه إلى جدِّه، ومنهم مَن يقول: عبد الله بن عبد الرحمن فيقلبُه، والكلُّ واحدٌ، أخرج له البخاريُّ، وأبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه، وثَّقه أبو حاتم وغيره، توفِّي في خلافة أبي جعفر، (فلعلَّه وقع في نسخة الدِّمياطيِّ: ابن أبي صعصعةَ؛ بإثبات الألف، وقد ضُمَّ بالقلم «ابنُ»، وصحَّحَ عليه بخطِّه؛ يعني: أنَّه منسوب إلى جدِّه أبي صعصعة، وماعلَّمه الدِّمياطيُّ فيه نظرٌ؛ لأنَّ عبد الرحمن مجرورٌ، والذي ظهر لي أنَّه كان في نسخة الدِّمياطيِّ معًا، وأمَّا عبدُ الرحمن؛ فنقل الناقل خطَّ الدِّمياطيِّ على نسخته التي فيها: «عن عبد الرحمن»، فوقع ما وقع، والله أعلم) [1].
قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ): هو سعد بن مالك بن سِنان الخُدريُّ؛ بضمِّ الخاء المعجمة، وإسكان الدال المهملة، وإيَّاك أن تعجمها، صحابيٌّ جليلٌ، مشهورُ الترجمة، رضي الله عنه.
قوله: (يُوشِكُ): أوشكَ: في الماضي بفتح الهمزة والشين، ومعناه عند الخليل: أسرع أن يكون كذا وقَرُب، وقال أبو عليٍّ: جعلوا له الفعل، كأنَّهم قالوا: يُوشك الفعل، وقال أبو عليٍّ: مثل (عسى الفعل)، قال: ولايقال: (يوشُك)؛ بضمِّ الشين في المستقبل، ولا (أوشك) في الماضي، وأنكر الأصمعيُّ (أوشك) أيضًا، إنَّما يأتي عنده مستقبلًا، والوشك: السرعة، انتهى كلام ابن قُرقُول، ولفظ «الصِّحاح»: وقد أوشك فلان يوشك إيشاكًا؛ أي: أسرع، ومنه قولهم: يوشك أن يكون إلى أن قال: والعامَّة تقول: يوشك؛ بفتح الشين، وهي لغة رديئة.
قوله:) خَيْر مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ): يجوز في (خير) وجهان:
أحدهما: نصبه، وهو الأشهر في الرواية، خبرًا مقدَّمًا، ولا يضرُّ كونُ الاسم؛ وهو (غنم) نكرةً؛ لأنَّها وُصفت بـ (يَتْبَعُ بِهَا).
والثاني: رفعه على أن يكون في (يكون) ضمير الشأن؛ لأنَّه كلامٌ تضمَّن [2] تحذيرًا وتعظيمًا لما يُتوقَّع، ويكون (خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ) مبتدأً وخبرًا، وقد رُوِي: (غنمًا)؛ بالنصب، وهو ظاهرٌ.
قوله: (يَتْبَعُ): بتشديد المثنَّاة فوق، وتخفَّف أيضًا.

(1/112)


قوله: (شَعَفَ الْجِبَالِ): هو بفتح الشين المعجمة، وهذا هو المشهور [3]، وبالعين [4] المهملة وبالفاء، (كذا هو في أصلنا) [5]، وهي رؤوس الجبال، وشعفة كلِّ شيءٍ: أعلاه، والواحدة شعفة، قال ابن قُرقُول في السين المهملة في «الاختلاف» [6]: (هذا هو المشهور، وهي رؤوسها وأعاليها، وكذا لابن القاسم، ومطرِّف، والقعنبيِّ، وابن بُكير، وكافَّة الرواة غير [7] يحيى بن يحيى، فإنَّهم روَوه: «شعب»؛ بالباء، والمعنى متقارب، قلت: وروايتنا عن يحيى: «شعف»، قال القاضي: واختُلِف عن يحيى في ضبطه؛ [فمنهم من ضبطه] بضمِّ الشين وفتح العين؛ أي: أطرافها ونواحيها وما انفرج منها، و «الشعبة»: ما انفرج بين الجبلين، وهو «الفجُّ»، وعن ابن المرابط بفتح الشين، وهو [8] وهم، وعند الطرابلسيِّ: «سعف»؛ بالسين المهملة المفتوحة، وهو أيضًا بعيد، وإنَّما هو جرائد النخل، ورواه ابن القاسم «شعف» كما تقدَّم) انتهى [9]، وقال في الشين المعجمة: (رؤوسها وأطرافها) [10]، ثمَّ ذكره في المعجمة في «الاختلاف»: (شعف أو شعب)؛ فقال: (تقدَّم في الشين) انتهى [11]
قوله: (وأنَّ الْمَعْرِفَةَ): هو بفتح الهمزة من (أنَّ)؛ أي: وبيان أنَّ المعرفة.
==========
[1] ما بين قوسين: مثبتة في (ب)، وسقطت من (ج).
[2] في (ب): (يتضمن).
[3] (وهذا هو المشهور): مثبتة في (ب)، وسقطت من (ج).
[4] في (ب): (والعين).
[5] (كذا هو في أصلنا): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[6] (في الاختلاف): مثبتة في (ج)، وسقطت من (ب).
[7] في (ب) و (ج): (عن): وفي هامش (ج): (لعله غير)، والمثبت من مصدره.
[8] في (ج): (وهذا).
[9] انظر «مطالع الأنوار».
[10] انظر «مطالع الأنوار».
[11] انظر «مطالع الأنوار».
[ج 1 ص 21]

(1/113)


[باب قول النبي: أنا أعلمكم بالله]

(1/114)


[حديث: إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا]
20# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ [1]): سلام هذا: ما ذكر الخطيب فيه ولا ابن ماكولا سوى التخفيف، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه أثبت، قال ابن عبد الهادي في «طبقات الحفَّاظ»: (قال سهل بن المتوكِّل: سمعته يقول: أخبرنا محمَّد بن سَلَام؛ بالتخفيف، وسمعت شيخنا أبا الحجَّاج _ يعني: المزِّيَّ_ يرجِّح فيه التثقيل) انتهى، وقال في «المطالع»: (نقله الأكثر كذا، قال: ولم يُتابَع عليه)، وقد ذكره غنجار في «تاريخ بخارى» بالتَّخفيف، وقد روينا بالإسناد إليه أنَّه قال: أخبرنا محمَّد بن سَلَام؛ بالتخفيف، وهذا قاطعٌ للنزاع، بل المثقَّل محمَّد بن سلَّام بن السَّكَن البِيكَنْدي الصغير عنِ الحسن بن سوار البغويِّ، وعنه: عبيد الله بن واصل؛ وهو من أقرانه، و (البيكنديُّ) في نسبه [2]؛ بكسر الموحدة، وسكون الياء المثنَّاة تحت، وفتح الكاف، وسكون النون، بعدها دالٌ مهملةٌ؛ كذا قيَّده بكسر أوَّله الغسَّانيُّ وقال: (بلدٌ ببخارى)، ثمَّ ابن قُرقُول في (الكاف).
قوله: (أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ): هذا هو سليمان، وهو بإسكان الباء، واسمه عبد الرحمن، قال أحمد: ثقةٌ وزيادة مع صلاحه، وكان شديد الفقر، ووثَّقه غيرُه أيضًا، تُوفِّي بالكوفة لثلاث خلون من رجب سنة ثمان وثمانين ومئة، وقال أحمد: تُوفِّي سنة سبع وثمانين ومئة، أخرج له الجماعة، وكذا عَبْدة بن أبي لبابة، وغيرهما، وليس في «الموطَّأ» و «الصَّحيحَين» مَن هو بفتح الموحَّدة إلَّا اثنان:
عامر بن عَبَدة الكوفيُّ، روى له [3] الأربعة عنِ ابن مسعود، كذا ذكره ابن المدينيِّ، وابن معين، والجيَّانيِّ، وغيرهم، وبه صدَّر الدَّارقطنيُّ وابن ماكولا كلامَهما، وحكيا أنَّه [4] قيل فيه: عَبْدة؛ بإسكان الموحَّدة، قال صاحبُ «المشارق»: (وحكى لنا بعض شيوخنا: «عبد»؛ بغير هاء، قال: وهو وهم)، وفي «المطالع»: (وقد رُوِي لنا عن بعض مشايخنا: عبد؛ بغير هاء، وهو وهم، ولم نسمعه عن أحد من شيوخنا)، وقول الذهبيِّ في «المشتبه»: إنَّه يشتبه بعامر بن عبدة الباهليِّ؛ وَهَمٌ، إنَّما الباهليُّ عامرُ بن عبيدة؛ بزيادة ياءٍ
[ج 1 ص 21]
بعد الموحَّدة، وقد ذكره على الصواب في (عَبيدة).

(1/115)


والثاني: بَجَالة بن عَبَدة التميميُّ، ثمَّ العنبريُّ، روى له البخاريُّ في (كتاب الجزية) قال: (كنت كاتبًا لِجَزْءِ بن معاوية)، وقد قيَّده الدَّارقطنيُّ: بالفتح، وابن ماكولا، والجيَّانيُّ، وحكى صاحبا «المشارق» و «المطالع»: أنه ذكره كذلك البخاريُّ في «التاريخ»، وأصحابُ الضبط، قال: وقد قال فيه الباجيُّ: عبْدة؛ بإسكان الموحَّدة، قالا: وقال فيه البخاريُّ: عبْدة؛ بالإسكان، ويقال فيه أيضًا: عبْد.
قوله: (حتى يُعْرَفَ الْغَضَبُ): (يُعرَف): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الغَضَبُ): مرفوع قائم مَقام الفاعل، وهذا ظاهر جدًّا.
==========
[1] في هامش (ق): (البيكندي، والأصح التخفيف).
[2] في (ب): (نسبته)، وكلاهما نسبته البيكندي.
[3] (روى له): سقطت من (ب).
[4] في (ب) و (ج): (أن).

(1/116)


[باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان]

(1/117)


[حديث: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان.]
21# قوله: (مِمَّا سِوَاهُمَا): تقدَّم الكلام عليه قريبًا.
==========
[ج 1 ص 22]

(1/118)


[باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال]

(1/119)


[حديث: يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار]
22# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): هذا هو ابنُ أبي أويس عبدِ الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر _واسم أبي عامر نافعٌ، كذا بخطِّ الدِّمياطيِّ نقله تقيُّ الدين السُّبكيُّ عن خطِّه، انتهى، وقد وقعت تسميته بذلك في «البخاريِّ» و «مسلم» في غير هذا الحديث، وسيأتي ذلك قريبًا_ الأصبحيُّ، يروي عن خاله مالك الإمام، وأخيه عبد الحميد، وغيرهم، وعنه: البخاريُّ، ومسلم، وغيرهما، تُوفِّي سنة (226 هـ)، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، وابن ماجه، له ترجمة في «الميزان».
تنبيه: نقل شيخنا المؤلِّف في أوَّل شرحه على «البخاريِّ» فيما قرأته عليه: أنَّه أقرَّ على نفسه بالوضع فيما حكاه النَّسائيُّ عن سلمة بن شعيب عنه، انتهى، وقد ذكرتُ مَن رُمِيَ بالوضع في مؤلَّفٍ مفرد، فبلغوا جماعةً كثيرةً؛ فسارعْ إليه إن أردتَه.
قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان، وأنَّ الخُدريَّ بالخاء المعجمة، والدَّال المهملة، صحابيٌّ جليل.
قوله: (مِثْقَالُ حَبَّةٍ): المِثقال: وزنٌ مقدَّرٌ، اللهُ [1] أعلم بقَدره، وليس المراد المقدَّر هذا المعلوم، فقد جاء مُبيَّنًا: «وكان في قلبه من الخير [2] ما يزِنُ بُرَّةً».
قوله: (حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ): الحبَّةُ من الخردل هنا مَثَلٌ؛ لتكون [3] عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسم يَحصُره الوزن، ولكن ما يشكل منَ المعقول، فإنَّه يُرَدُّ إلى عيار المحسوس؛ ليُفهم، كذا عنِ الخطَّابيِّ، وقال غيره: يُجعَل عمل العبد _وهو عَرَض_ في جسم على مقدار العمل عند الله، ثُمَّ يُوزن، وفيه قوَّة، وسيأتي الكلام على ذلك في آخر «الصحيح» في قول البخاريِّ: (وأنَّ أعمالَ بني آدمَ وقولَهم يُوزَنُ)، ويأتي قبل ذلك: أنَّ الموت وإن كان معنًى فإنَّه يُجَسِّدُه الله عزَّ وجلَّ، ويأتي في (سورة النساء) كم زِنة حبَّة الخردل؟

(1/120)


فائدة: المراد بـ (حبَّة الخردل): زيادة على أصل التوحيد، وقد جاء في «الصحيح» بيان ذلك، ففي رواية: «أَخرِجوا من قال: لا إله إلا الله، وعمل من الخير ما يزن كذا»، ثُمَّ بعد هذا يُخرج منها من لَمْ يعمل خيرًا قطُّ غير التوحيد مرَّة واحدة ليس معه من الحسنات شيءٌ غيرُه؛ لما روى البخاريُّ في آخر [4] «الصحيح» عن عليِّ بن معبد [5] في حديث الشفاعة من حديث الحسن عن أنس: «ثُمَّ أرجع إلى ربِّي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثُمَّ أخِرُّ له ساجدًا، قال: فيقال لي: يا محمَّد؛ ارفع رأسك، وقل؛ يسمعْ لك، وسلْ؛ تعطَه، واشفعْ؛ تُشفَّع، فأقول: يا ربِّ؛ ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، قال: ليس ذلك لك_أو قال: ليس ذلك إليك_ ولكن وعزِّتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي؛ لَأُخرجَنَّ منها مَن قال: لا إله إلَّا الله»، انتهى، فشفاعةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والملائكةِ والنبيِّين والمؤمنين لمَن كان له عملٌ زائدٌ على مجرَّد التصديق، ومَن لم يكن معه مع الإيمان المذكور خيرٌ [6]؛ [فهو] من الذين يتفضَّل الله عليهم، فيخرجهم من النَّار فضلًا وكرمًا.
قوله: (الْحَيَا): هو مقصورٌ، ومدَّه الأصيليُّ، وهو غلطٌ، والمراد: كلُّ ما يحيا به النَّاس، والحيا؛ بالقصر: المطر والخِصب، فيُحيَون بعد غسلهم فيها، فلا يموتون وتخصب [7] أجسامهم، وهذا النَّهر هو بين الصراط والجَنَّة، والدَّليلُ لذلك: ما روى مجاهدٌ عن أبي هريرة ... ؛ فذكر حديثًا، وفيه: «فيخرج أهل التَّوحيد منها إلى عين بين الجنَّة والصِّراط يقال له: نهر الحياة، فيُرَشُّ عليهم من الماء».
تنبيه [8]: صرَّح البخاريُّ بأنَّ الشَّكَّ فيه مِن مالكٍ [9]، ولم يُفصِح به مسلمٌ.

(1/121)


قوله: (الْحِبَّةُ): هي بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحَّدة، قال الفرَّاء: (هي بزور البقل)، وقال الكسائيُّ: (هي حبُّ الرَّياحين)، وقال أبو عمرو: (هو نبت ينبت في الحشيش صغار)، وقال النَّضر: (هو اسم جامع لحبوب البقل، الذي ينتشر إذا هاجت، فإذا مطرت؛ نبت، والحبَّة: واحدة الحبِّ من عنب وغيره، وحبَّ الحبَّة التي في داخلها يُسمَّى: حُبَة؛ بضمِّ الحاء وتخفيف الباء، قال الحربيُّ: (ما كان من النَّبت له حبٌّ [10]؛ فاسم [11] ذلك الحبِّ حُبَةٌ)، وقال غيره: فأمَّا الحنطة وغيرها؛ فهو الحب، وقالوا: الحِبة فيما هوَ من حبوب مختلفة، قال ابن دريد: هو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حِبَبٌ، وشبَّههم بها لأمرين؛ بياضها كما جاء في الحديث، والثاني: سرعة نباتها؛ لأنَّها تنبت في يوم وليلة، ولأنَّها ربَّما رُوِيت من الماء وتردَّدت في غثاء السَّيل، وتيسَّرت قِلْبَتُها للخروج، فإذا خرجت في حميل السَّيل؛ غَرَزَت عروقها فيه لحِينها ونبتت بسرعة، قاله في «المطالع»، وفي كلام بعضهم: بكسر الحاء: بزر الصحراء ممَّا ليس بقوت، وبالفتح: عكسه؛ كحبَّة الحنطة، قال: هذا أحسن الأقوال فيه.
قوله: (فِي جَانِبِ السَّيْلِ): كذا هنا في أصلنا، وجاء (حميل السَّيل) بدل (جانب)، وفي رواية وهيب في بعض طرق مسلم: «حمأة السَّيل»، والحميل بمعنى: المحمول، وهو ما جاء به من طين أوغثاء، والحمأة: ما تغيَّر لونه من الطِّين، وهو قريب.
قوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: «الْحَيَاةِ»، وَقَالَ: «خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ»): إنَّما أتى بتعليق وهيب عن عمرو _وهو ابن يحيى المازنيُّ المذكور في السَّند_ لفوائد:
الأولى: أنَّ فيها: (الحياة) من غير شكٍّ، بخلاف رواية مالك.
والثانية: أتى بالتحديث عن عمرو، ورواية مالك أتى فيها بـ (عن)، وإنْ حُوشِيَ من التدليس، وقد تقدَّم أنَّ العنعنة مطلقًا فيها خلاف وإن كانت من غير مدلِّس.
الثالثة: أنَّ فيها: (من [12] خير) بدل (من إيمان)، وكذا أتى بها مسندةً في (صفة الجنَّة والنَّار): عن موسى، عن وهيب به [خ¦6560]، وأخرجه مسلم في (الإيمان): عن أبي بكر ابن أبي شيبة، عن عفَّان، عن وهيب به، ووهيب المعلَّق عنه هنا هو ابن خالد الباهليُّ الحافظ، ثقة، يقال: لَمْ يكن بعد شعبةَ أعلم بالرجال منه، تُوفِّي سنة (165 هـ)، أخرج له الجماعة.
==========
[1] في (ب): (والله).
[2] في (ب): (الخيرة).

(1/122)


[3] في (ب): (فيكون).
[4] في (ج): (أواخر)، وكررت في هامش (أ): (أواخر).
[5] الحديث أخرجه البخاري في «صحيحه» (7510) من حديث معبد بن هلال لا علي بن معبد، فليتنبه.
[6] في (ب): (خبر).
[7] في (ب): (ويخصب).
[8] في (ب): (فائدة).
[9] حيث قال عقب قوله: «فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا أَوِ الْحَيَاةِ»: (شكَّ مالكٌ).
[10] (له): ليست في (ب).
[11] في (ب): (قائم).
[12] (من): ليست في (ج).
[ج 1 ص 22]

(1/123)


[حديث: بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي]
23# قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَاب): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ العلمُ الفرد، محمَّد بن مسلم [1] بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.
قوله: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بنِ حُنَيف): قال الدِّمياطيُّ: (أبو أمامة اسمُه أسعد باسم جدِّه لأُمِّه أسعد بن زرارة، نقيب الأنصار) انتهى، وأسعد هذا وُلِدَ في حياته عليه الصَّلاة والسَّلام، وسُمِّيَ باسم جدِّه كما تقدَّم، وأُمُّه اسمُها حبيبة بنت أبي أمامة أسعد [2]، صحابيَّةٌ، أرسل عنه عليه الصَّلاة والسَّلام، وروى عن أبيه، وعمر، وعائشة، وغيرهم، وعنه: سعد بن إبراهيم، وأبو الزِّناد، والزُّهريُّ، وغيرهم، قال جماعة: تُوفِّي سنة مئة، أخرج له الجماعة [3].
قوله: (سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان، وتقدَّم ضبط الخدريِّ.
[ج 1 ص 22]
قوله: (الثُّدِيَّ): هُوَ بضمِّ الثاء المثلَّثة ويجوزُ كسرها، وبكسر الدَّال المهملة وتشديد الياء، جمع ثَدْي؛ بفتح الثاء وإسكان الدَّال، وفيه لغتان: التَّذكير والتَّأنيث، والتَّذكير أفصح وأشهر، ولم يذكر جماعة من اللُّغويِّين غيرَه، ويُجمَع على: أثدٍ أيضًا، ويُطلَق على الرجل والمرأة، ومنهم مَنْ منع إطلاقه في الرَّجل، وليس بشيءٍ.
قوله: (قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: مِن القائلين أبو بكرٍ الصديقُ، وعزاه للحكيم الترمذيِّ في «نوادره»، وفي الدَّارقطنيِّ في «علله»؛ فذكر حديثًا، وفيه: («ومرَّ بي عمر يجرُّ قميصه»، فقال أبو بكرٍ: ما أوَّلْتَه يا رسول الله؟ ... )؛ الحديث.
قوله: (الدِّينَ): هو بالنصب، وجُوِّزَ فيه الرفعُ.
==========
[1] (بن مسلم): ليست في (ج).
[2] أي: ابن زرارة.
[3] انظر «تهذيب الكمال» (2/ 525).

(1/124)


[باب الحياء من الإيمان]
(بابٌ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ) ... إلى (بابُ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ)
قوله: (بَابٌ الْحَيَاءُ): اعلم أنَّ الحياء [1] حقيقته: خُلُق يَبعثُ على ترك القبيح، ويَمنعُ مِنَ التقصير في حقِّ ذي الحقِّ، وقال الجُنيد كما ذكره القشيريُّ عنه في «رسالته»، وقد رَويتُها عاليًا: (الحياءُ: رُؤيةُ الآلاء_أي: النِّعم_ ورؤيةُ التقصيرِ، فيتولَّدُ بينهما حالةٌ تُسمَّى الحياء)، قال القاضي [2] وغيره من الشُّرَّاح: (إنَّما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة؛ لأنَّه قد يكون تخلُّقًا واكتسابًا كسائر أعمال البرِّ، وقد يكون غريزة، ولكنَّ استعماله على قانون الشَّرع يحتاج إلى اكتسابٍ ونِيَّةٍ وعلمٍ، فهو من الإيمان لهذا ولكونه باعثًا على أفعال البرِّ ومانعًا من المعاصي)، قاله النَّوويُّ.
==========
[1] (الحياء): ليست في (ب).
[2] زيد في (ب): (عياض).
[ج 1 ص 23]

(1/125)


[حديث: دعه فإن الحياء من الإيمان]
24# قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ): لَمْ أعرفِ الواعظَ إلَّا أنَّه مِنَ الأنصار كما هنا، والموعوظ لا أعرفه أيضًا.
قوله: (يَعِظُ أَخَاهُ): أي: يؤنِّبه ويقبِّحُ له كثرته، وأنَّه من العجز.
==========
[ج 1 ص 23]

(1/126)


[باب: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم}]

(1/127)


[حديث: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله]
25# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ): هو بضمِّ الميم، ثُمَّ سين ساكنة، ثُمَّ نون مفتوحة، وإنَّما عُرِفَ بهذا؛ لأنَّه كان وقت الطَّلب يتتبَّع الأحاديث المسندة، ولا يرغب في المقاطيع والمراسيل، وقال الحاكم: (عُرف بذلك؛ لأنَّه أوَّل مَن جمع مسند الصحابة على التراجم بما وراء النَّهر)، وقد تقدَّم [1] قريبًا، وهو عبد الله بن محمَّد بن جعفر بن يمان [2] الجعفيُّ البخاريُّ، أبو جعفر الحافظ، وقد أخرج له البخاريُّ قبل هذا المكان، ولكن هنا نَسَبَه؛ فلهذا ذكرتُه أنا هنا، يَروي عنِ ابن عُيينة، وفُضيل بن عِياض، وطبقتهم، وعنه: البخاريُّ، وأحمد بن سيَّار، وأبو زُرعة، والدَّارميُّ، وجماعةٌ، قال أبو حاتم: (صدوق)، تُوفِّي سنة (229 هـ) في ذي القعدة، روى له البخاريُّ والتِّرمذيُّ، وهو مولى البخاريِّ من فوق [3].
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ): (رَوح): بفتح الراء، و (حَرَميٌّ): بفتح الحاء المهملة والراء، مشدَّدُ الآخر، و (عُمَارة): بضمِّ العين، وتخفيف الميم، ابن أبي حفصة نابت؛ بالنون، ويقال: بالثاء، ثقة، تُوفِّي سنة (201 هـ)، أخرج له البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه [4].
قوله: (عَنْ وَاقِدِ بنِ مُحَمَّدٍ): هو بالقاف، قال الدِّمياطيُّ: (هو واقد بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر، أخو عمر، وزيد، وعاصم، وأبي بكر) انتهى، ثقةٌ، أخرج له البخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، قال ابن قُرقُول: (وليس فيها _يعني: «البخاريَّ»، و «مسلمًا»، و «الموطَّأ» _ وافد؛ بالفاء) انتهى، وأمَّا أنا؛ فلا أستحضر في الكتب السِّتَّة راويًا اسمه وافد؛ بالفاء، ولهم في غير الكتب وافد بن سلامة، يروي عن يزيد الرقاشيِّ، روى عنه: عبيد الله العمريُّ، وأنس بن عياض، ويقال فيه: بالقاف، ووافد بن موسى الدارع عن عبد الغفَّار بن داود الحرَّانيِّ، وكان عبد الله بن محمَّد بن جعفر القزوينيُّ يُصَحِّف فيه، فيقول: واقد؛ بالقاف، حدَّث بالثغور، وغيرِهما [5].

(1/128)


[باب من قال: إن الإيمان هو العمل]
قوله: ({بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]): اعلم أنَّ (ما) في الآية ونظائرها وجهان؛ أحدهما: أنَّها مصدريَّة؛ أي: بعملكم، وثانيهما: موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملون، والوجهان في (ما) في الآية التي تلاها بعدها، وعنِ النَّوويِّ: أنَّ الظاهر المختار أنَّ معنى {لَنَسْأَلَنَّهُمْ} [1] [الحجر: 92]: عن أعمالهم كلِّها؛ أي: الأعمال التي يتعلَّق بها التكليف.
سؤال: إن قيل: كيف يُجمَع بين الآية الأُولى وبين الحديث: «لنْ يدخُلَ أحدٌ الجنَّةَ بعملِه»؟
قيل: إنَّ دخول الجنَّة بسبب العمل، والعمل برحمة الله تعالى، وفي «مغني ابن هشام جمال الدِّين» في (معاني الباء): (الباء من المقابلة، وهي الداخلة على الأعواض؛ كاشتريته بألف، وكافأت إحسانه بضعف، وقولهم: هذا بذاك، ومنه: {ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]، وإنَّما لم يقدِّرها باء السَّببية كما قالت المعتزلة، وكما قال الجميع في «لن يدخلَ أحدُكم الجنَّةَ بعملِه»؛ لأنَّ المعطي بعِوَض قد يُعطِي مجَّانًا، وأمَّا المسبَّب؛ فلا يُوجَدُ بدون السَّبب، وقد تبيَّنَ أنَّه لا تعارُضَ بين الحديث والآية؛ لاختلاف مَحْمَلي البابين جمعًا بين الأدلَّة) انتهى، ولغير ابنِ هشامٍ كلامٌ في ذلك تركتُه اختصارًا.
سؤال آخر: إن قيل: كيف يُجمع بين الآية وهي: {لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] والآيةِ الأُخرى: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنْبِهِ} [2]؛ الآية [الرحمن: 39]؟
قيل: إنَّ في القيامة مواطن أعاننا الله على أهوالها؛ ففي موطن يُسألون، وفي آخر لا، وهذا جوابُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، كما سيأتي في هذا «الصحيح» في (حم السَّجدة).
وجوابٌ ثانٍ: وهو أنَّهم لا يُسألون سؤالَ استخبار.
قوله: (وَقَالَ عِدَّةٌ): أي: جماعةٌ، قال حافظُ عصري: (سمَّيتُ منهم في وصلِ التعليق أَنَسًا، وابنَ عُمرَ، ومُجاهدًا، وغيرَهم) انتهى، (وقد ذكر مستنده في مجاهدٍ، وأنسٍ، وابنِ عمرَ، والله أعلم) [3].

(1/129)


[حديث: أن رسول الله سئل: أي العمل أفضل؟]
26# قوله: (وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ): هو التَّبُوذَكِيُّ الحافظ، مشهورُ الترجمة، وسيأتي الكلام على نسبته [خ¦63].
قوله: (حَدَّثَنَا [1] ابنُ شِهَابٍ): هو الزُّهريُّ _تقدَّم_ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.
قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّب) [2]: اعلم أنَّ المسيَّب غيرَ والد سعيدٍ بفتح الياء في جميع الأسماء، إلَّا ما كانَ مِن [3] والد سعيدٍ، فإنَّ صاحبَ «المطالع» قال: (بفتح الياء على المشهور، وحَكى لنا القاضي الصَّدَفيُّ عنِ ابن المَدينيِّ، ووجدتُهُ بخطِّ مكِّيِّ بنِ عبدِ الرَّحمن كاتبِ أبي الحسن القابِسيِّ عنِ ابن المَدينيِّ: أنَّ أهلَ العراق يفتحونَ ياءَه وأهلَ المدينةِ يكسرونَها [4]، قال لنا الصَّدَفيُّ: وذُكِر لنا أنَّ سعيدًا كان يَكرهُ أنْ تُفتَحَ الياءُ من اسم أبيه) انتهى [5]
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرَّحمن بن صخر على الأصحِّ، وأنَّ في اسمه نحوَ ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [6].
قوله: (سُئِلَ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»): السَّائلُ هو أبو ذَرٍّ، كما رواه «البخاريُّ» في (كتاب العتق) عن أبي ذَرٍّ قال: (سألتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ العملِ أفضلُ؟)، ورواه مسلمٌ في (كتاب الإيمان) عقب حديث أبي هريرة هذا.
[ج 1 ص 23]
قوله: (قال: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ»): بدأ في هذا الحديث بالإيمان، ثُمَّ بالجهاد، ثُمَّ الحجِّ، وفي حديثِ ابنِ مسعودٍ بدأ بالصَّلاة؛ لميقاتِها، ثُمَّ بِرِّ الوالدين، ثُمَّ الحجِّ، وفي حديث أبي ذَرٍّ لم يَذكرِ الحجَّ، وفي حديث أبي موسى السَّالف: أيُّ الإسلام أفضلُ؟ قال: «مَن سَلِمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويَدِهِ»، وفي حديث ابن عمرٍو السَّالفِ: أَيُّ الإسلامِ خيرٌ؟ قال: تُطْعِمُ الطعامَ، وتَقْرَأُ السَّلَامَ ... »؛ الحديث [خ¦12].
وقد جمعَ العلماءُ بينها وبين ما أشبهها بوجوهٍ، ذكرَ الحَليميُّ منها وجهين عن شيخه القَفَّال الكبير [7]:

(1/130)


أحدُهما: أنَّه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص، كما رُوي أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «حجَّةٌ لمن لَمْ يَحُجَّ أفضلُ مِنْ أربعينَ غزوةً، وغزوةٌ لمَنْ حَجَّ أفضلُ مِنْ أربعينَ حجَّةً»، فأعلمَ كلَّ قومٍ بما بهم [8] الحاجة إليه دون ما لَمْ تَدْعُ حاجتُهم إليه، أو ذكر ما لَمْ يعلمه السَّائلُ وأهلُ المجلس مِن دعائِمِ الإسلام، ولا بَلَغَهُ عملُه، وتركَ ما علِمُوه، ولهذا أسقطَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصِّيامَ في حديث الباب، وأثبتَ فيه الجهادَ والحجَّ، ولا شكَّ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّومَ مقدَّماتٌ على الحجِّ والجهادِ، فقد يكونُ الجهادُ في حقِّ شخصٍ أَولى مِن غيرِه؛ وهو مَن تأهَّل له أو عندَ التعيُّنِ والعياذُ بالله، وكذا نقولُ في بِرِّ الوالدين، وقد قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «ففيهِما، فَجَاهِدْ».
الثاني: أنَّ لفظةَ (مِنْ) مُرادة، والمراد: مِن أفضل الأعمال، كما يُقال: فلانٌ أعقلُ الناسِ، والمراد: مِن أعقلِهِم؛ ومنه الحديث: «خيرُكم خيرُكم لأهلِهِ»، ومعلومٌ أنَّه لا يصيرُ بذلك خيرَ الناسِ، وكقولهم: أزهدُ الناسِ في عالمٍ جيرانُه.
قوله: (مَبْرُورٌ): هو الذي لا يَرتكِبُ صاحبُه فيه معصيةً، قاله القاضي عياض عن شمر، ولفظه: (هو الذي لا يُخالِطُهُ شيءٌ مِنَ المآثم) [9]، وقيل: المبرور: المُتَقَبَّل، ويجوزُ أنْ يكونَ المبرورُ: الصادقُ والخالصُ لله تعالى.
وقولُ مَن قال: (المتقبَّل)، قد يُستشكَلُ مِن حيث إنَّه لا اطِّلاع على القبول.
وجوابه: أنَّه قد قيل: إنَّ مِن علاماتِ القبول أن يزداد بعدَه خيرًا.

(1/131)


وقد قال المحبُّ الطبريُّ في «مناسكه» في المبرور، فقال: (الذي لا يُخالِطُه إثمٌ، وصحَّحَه النوويُّ، وقيل: المتقبَّل، وقيل: الذي لا رِياءَ فيه، ولا سمعةَ، ولا رفثَ، ولا فُسوقَ، وقيل: علامةُ الحجِّ المبرور أن يَزدادَ بعدَه خيرًا، ولا يُعاود المعاصي بعدَ رجوعه) انتهى، وفي «مسند أحمد» من حديث جابر: قال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «الحجُّ المبرورُ ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة»، قالوا: يا نبيَّ الله؛ ما الحجُّ المبرور؟ قال: «إطعام الطعام، وإفشاء السلام»، فهذا تفسيرٌ منه عليه الصَّلاة والسَّلام للحجِّ المبرور، وهو مقدَّمٌ على غيره، وقد تقدَّم عنِ القاضي عياض ما نقلَه عن شمر، قال: (وقيل: المتقبَّل)، ثُمَّ ذكر الحديث المشار إليه، ثُمَّ قال: (فعلى هذا: يكون مِنَ البِرِّ الذي هو فعل الجميل)، ثُمَّ قال: (ويجوز أن يكون الصادق الخالص لله) انتهى، وقد تقدَّم هذا.
==========
[1] في النسخ: (عن)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[2] في هامش (أ): (مطلب: المسيِّب أبو سعيد تكسر ياؤه).
[3] في (ب): (عن).
[4] في (ب): (يكسرون ياءه).
[5] «مطالع الأنوار».
[6] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج).
[7] في هامش (أ): (هذا بحث يجمع بين ما ورد في أفضل الأعمال).
[8] في (ب): (يهم).
[9] «إكمال المعلم» (1/ 239).

(1/132)


[باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة]

(1/133)


[حديث: أن رسول الله أعطى رهطًا وسعد جالس]
27# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): هو الحكمُ بن نافعٍ، تقدَّم.
قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه العلَم الفرد أبو بكر ابن شهاب، واسمُ الزُّهريِّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب.
قوله: (أَعْطَى رَهْطًا): هو ما دون العشرة من الناس، ويقال: بل إلى الأربعين، وقيل: من الثلاثة إلى العشرة، وفي «الِّصحاح»: (الرهط: ما دون العشرة من الرِّجال لا يكون فيهم امرأة، قال تعالى: {وَكَانَ فِي المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النمل: 48]، فجمع، وليس له واحد من لفظه، والجمع: أرهط وأرهاط وأراهط؛ كأنَّه جمع رهط وأراهيط).
فائدة شاردة: التسعةُ رَهْطٍ المذكورون: قدار بن سالف عاقر الناقة، ومصدع، وأسلم، ورُهَم، ورَهيم، ودعميٌّ، ودُعيم، وقتال، وصداف.
قوله: (رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ): قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (إنَّه جعيل بن سراقة)، قال: (وفي «مغازي الواقديِّ» ما يدلُّ على ذلك) انتهى، وكذا قال حافظ عصري، وجُعيل هذا يقال له أيضًا: جعال بن سراقة الغفاريُّ، وقيل: الضمريُّ، من أهل الصُّفَّة، شهد أُحُدًا.
فائدة شاردة: لما صرخ إبليس لعنه الله [1] يوم أُحُد: أَلَا إنَّ محمَّدًا قد قُتِل؛ قال أبو عُمر في «استيعابه» في ترجمة جُعيل: (وكان رجلًا صالحًا دميمًا قبيحًا، أسلم قديمًا، وشهد مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أُحُدًا، ويقال: إنَّه الذي تصوَّر إبليس في صورته يوم أُحُدٍ) انتهى.
قوله: (لَأَرَاهُ): هو بفتح الهمزة، قال النَّوويُّ: ولا يجوزُ ضمُّها على أن يُجعَلَ بمعنى: أظنُّه؛ لأنَّه قال: (ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ)، ولأنَّه راجعَ مِرارًا، ولو لَمْ يكن جازمًا باعتقاده؛ لما كرَّرَ المراجعةَ، وعن أبي العبَّاس القُرطبيِّ أنَّه قال: (الرِّوايةُ بضمِّ الهمزة؛ بمعنى: أظنُّه، وهو منه حَلِفٌ على ما ظنَّه .... ) إلى آخر كلامه.

(1/134)


قوله: (أَوْ مُسْلِمًا): قال ابن قُرقُول: (هذه ساكنة الواو على معنى: الإضراب عن قوله والحكمِ بالظَّاهر، كأنَّه قال: بلْ مُسلمًا، فلا تَقطَعْ على مُغيَّبَةٍ؛ لأنَّ حقيقةَ الإيمان في القلب لا يعلَمُها إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ، وإنَّما تَعلَمُ الظاهرَ؛ وهو الإسلامُ، وقد تكون بمعنى: الشَّكِّ_وقد قرَّره وأنَّها إذا كانت له؛ كانت ساكنة الواو_ أي: لا تقطع بأحدِهما دون الآخرِ، ولا يصحُّ فتحُ الواو هنا جملةً) [2].
وقال شيخُنا الشَّارح: («أوْ» بإسكان الواو، وهي التي للتَّقسيم والتَّنويع، أو للشَّكِّ والتَّشريك، ومَنْ فتحَها؛ أخطأَ وأحالَ المعنى ... ) إلى آخر كلامه، ثمَّ قال: (وأغربَ بعضُهم، وادَّعى أنَّ قولَه: «أوْ مسلمًا»: أمرَه ألَّا يَقطعَ بإيمانِه، بل يقولُهُما؛ لأنَّه أحوطُ) [3].
قوله: (خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ): (يَكُبَّهُ): بفتح أوَّلِه، وضمِّ الكاف، ثلاثيٌّ، يُقال: أكبَّ الرجل وكَبَّه اللهُ، وهذا بناءٌ غريبٌ، فإنَّ المعروفَ أن يكون الفعلُ اللَّازم بغير همزٍ فيُعَدَّى بها، وهنا عكسُه، وقد أشار إلى ذلك البخاريُّ في موضع من «الصحيح» [4].
فائدة: أحفظ من هذا الباب [5] قولهم: (أجفل الظَّلِيم وجفلته الرِّيح)، و (أشنق البعير؛ إذا رفع رأسَه، وشنقتُه أنا)، و (أنزفت البئر؛ إذا ذهب ماؤُها، ونزفتُها أنا)، و (أقشع الغيم وقشعته الريح)، و (انسلَّ ريشُ الطَّائر ونسلته)، و (أمرتِ الناقة؛ إذا درَّ لبنُها ومريتها)، و (ألوَت الناقةُ بذنبها ولوتْ ذنبها)، و (صرَّ الفرس أذنه وأصرَّ بأذنه)، و (علوت الوسادة وأعليت عليها)، و (حجمته فأحجم)؛ أي: كففته فانكفَّ [6]، و (عرضتُ
[ج 1 ص 24]
الشَّيء فأعرض)؛ أي: أظهرته، فظهر، و (أمشطتِ المرأةُ ومشطتْها الماشطةُ) انتهى [7]، قال القاضي: (الرِّوايةُ الصَّحيحةُ: «يَكُبَّه»؛ بفتح أوَّله).
قوله: (رَوَاهُ يُونُسُ): هو يونس بن يزيد الأيليُّ، تقدَّم، وما رواه يونس ليس في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجه شيخنا رحمه الله.
قوله: (وَصَالِحٌ): هو ابن كيسان، وهو أكبر من الزُّهريِّ؛ لأنَّه رأى ابن عمر، فهو من رواية الأكابر عنِ الأصاغر، وتعليقه هذا أخرجه البخاريُّ [8] في (الزَّكاة).

(1/135)


قوله: (وَمَعْمَرٌ): هو بإسكان العين، وهو ابن راشد، تقدَّم، وتعليقُ معمر أخرجه مسلم في (الزَّكاة) عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد؛ كلاهما عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر به، وأخرجه أبو داود في (السُّنَّة) عن أحمد ابن حنبل، عن عبد الرَّزَّاق به، وأخرجه فيه من طريق أخرى [9]، وأخرجه النَّسائيُّ في (الإيمان) وفي (التفسير) مختصرًا [10].
قوله: (وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ): هو محمَّد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله [11] بن شهابٍ الزُّهريِّ، ليَّنَهُ ابنُ معين، ووثَّقه أبو داود وغيرُه، [وقال أبو حاتم: (ليس بالقويِّ)، وفي رواية الدَّارميِّ عنِ ابن معين: ضعيف] [12]، وقد روى له الأئمَّةُ السِّتَّة، وله ترجمة في «الميزان»، ولكن جاز القنطرة كما تقدَّم، وما رواه هنا؛ لم أره في شيءٍ مِنَ الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا [13].
قوله: (عن الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهريُّ العالم.
==========
[1] (اسم الجلالة): ليس في (ب).
[2] «مطالع الأنوار».
[3] «التوضيح».
[4] في هامش (أ) بخطٍّ مغاير: (مسألة: الفعل إذا كان مجرَّدًا؛ يكون متعدِّيًا، فإذا نُقِل إلى باب «أفعل»؛ صار لازمًا، ذكر الشارح منه عدَّة كلمات؛ فقف عليها).
[5] (الباب): ليست في (ج).
[6] في (ب): (أي: لففته فانلف).
[7] (انتهى): ليست في (ب).
[8] (البخاري): ليس في (ب).
[9] في (ب): (آخر).
[10] (وفي «التفسير» مختصرًا): ليست في (ب).
[11] (بن عبد الله): مثبت من (ب).
[12] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[13] انظر «تهذيب الكمال» (25/ 554).

(1/136)


[باب إفشاء السلام من الإسلام]
قوله: (وَقَالَ عَمَّارٌ): هذا هو عمَّارُ بنُ ياسرٍ، أبو اليقظان ابن مالك بن الحصين العنسيُّ؛ بالنُّون، وقيل: غير ذلك في نسبه، أحدُ السَّابقين، مناقِبُه جَمَّةٌ، قُتِلَ بصِفِّين سنة (37 هـ) عن ثلاث وتسعين سنة، وقيل: أربع.
فائدة: قتله أبو الغادية الجهنيُّ، واسمه يسار بن سبع، وقيل في اسمه غير ذلك، سكن الشَّام، ونزل واسط، عداده في الشَّاميِّين، أدرك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وهو غلام، وسمع منه قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وكان مُحِبًّا لعُثمان، وكان إذا استأذن على معاوية؛ يقول: قاتل عمَّارٍ بالباب، روى عنه كُلثوم بن جَبر وغيرُه، أخرج له أحمد في «المسند»، وقد ذكر بعض الحفَّاظ أنَّه قتله أبو الغادية وابن جَزء اشتركا فيه.
قوله: (ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ؛ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ): اعلم أنَّ هَذَه الكلماتِ الثلاثَ جمعتْ خيراتِ الدُّنيا والآخرة؛ فإنَّ الإنصافَ يقتضي أن يؤدِّيَ إلى الله تعالى جميع حقوقه، وما أمر به، ويجتنب ما نهاه عنه، وأن يؤدِّيَ إلى الناس حقوقَهم، ولا يطلب ما ليس له، وأن يُنصِفَ أيضًا نفسه، فلا يوقعَها في قبيحٍ أصلًا.
وأمَّا بذل السلام للعالَم؛ فمعناه لجميع الناس، فيتضمَّنُ ألَّا يتكبَّر على أحدٍ، وألَّا يكون بينه وبين أحدٍ جفاءٌ يمتنع بسببه من السلام عليه، وأمَّا الإنفاقُ مِنَ الإقتار؛ فيقتضي كمال الوثوق بالله تعالى، والتوكُّل عليه، والشفقةِ على المسلمين.
واعلم أنَّ هذه الكلمات رواها الخرائطيُّ في «مكارم الأخلاق» من حديث عمَّارٍ مرفوعًا، وكذا أخرجها غيرُه.
قوله في الأثر: (لِلْعَالَمِ): هو بفتح اللَّام؛ معناه: للناس كلِّهم.
==========
[ج 1 ص 25]

(1/137)


[حديث: أن رجلًا سأل رسول الله: أي الإسلام خير؟]
28# قوله: (عَنْ [1] يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ): هو بفتح حاء (حَبِيب)، وكسر الموحَّدة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (عَنْ أَبِي الْخَيْرِ): هو بفتح الخاء المعجمة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، وهو مرثد بن عبد الله اليزنيُّ، كان مفتي أهل مصر، روى له الجماعة، تُوفِّي سنة (90 هـ).
قوله: (أَنَّ رَجُلًا): هذا الرجل لا أعرف اسمَه.
==========
[1] (عن): ليست في (ب).
[ج 1 ص 25]

(1/138)


[باب كفران العشير وكفر دون كفر]
قوله: (كُفْرَانِ الْعَشِيرِ): هو الجَحْد، و (العشير) المراد به هنا: الزَّوج؛ يعني: أنَّهُنَّ يجحدن إحسان أزواجِهِنَّ، ولا يمتنع حملُه على عمومه؛ لأنَّ العشيرَ المعاشر، وقد بيَّن عليه الصَّلاة والسَّلام أنَّه أراد الكفر المعنويَّ اللُّغويَّ؛ وهو التغطيةُ والسترُ؛ أَي: يغطِّينه بالجحود.
قوله: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ): هو سعد بن مالك بن سِنان الخُدريُّ، تقدَّم مرَّاتٍ، وأنَّه بالدَّال المهملة.
==========
[ج 1 ص 25]

(1/139)


[حديث: أريت النار فإذا أكثر أهلها النساء يكفرن]
29# قوله: (يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ): تقدَّم أعلاه معناه.
قوله: (الدَّهْرَ): هو منصوبٌ على الظرفِ.
قوله: (قَطُّ): تقدَّمت اللُّغات فيها.
==========
[ج 1 ص 25]

(1/140)


[باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا .. ]
قوله: (جَاهِلِيَّةٌ): تقدَّمَ الكلامُ عليها فيما مضى.
قوله: (وَقَوْلُ [1] اللهِ): هو بالرَّفعِ، معطوفٌ على (بابٌ) المنوَّن المرفوع.
==========
[1] في «اليونينيَّة»: (وقولِ)، والمثبت موافق لما في (ق).
[ج 1 ص 25]

(1/141)


[حديث: يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية]
30# قوله: (عَنِ المَعْرُورِ): هو بالعين المهملة، ثُمَّ راءَين مهملتين، بينهما واو، وهو المعرورُ بنُ سُويدٍ، أسَديٌّ، قيل: عاش مئة وعشرين سنة، روى له الجماعة، وثَّقه ابنُ معينٍ وأبو حاتم، ومعنى (معرور): مقصود [1].
قوله: (أَبَا ذَرٍّ [2]): هو جُندبُ بنُ جُنادة، وجُندب؛ بضمِّ الدَّال وفتحها، وقيل: اسمُه بُرير؛ بموحَّدة مضمومة، وراء مكرَّرة، وقيل: اسمُه جُندب بن عبد الله، وقيل: ابن السكن، والمشهورُ الأوَّلُ، نسبه معروفٌ، يُنسب إلى ضمرة بن كِنانة بن خُزيمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضر، وأُمُّه رَمْلةُ بنت الوقيعة، أسلمتْ وهي صحابيَّةٌ، وكذا أخوه أنيس.
وهو صحابيٌّ جليلٌ زاهدٌ، توفِّي بالرَّبَذة سنة (32 هـ)، وصلَّى عليه ابنُ مسعودٍ، ثُمَّ قَدِمَ ابنُ مسعودٍ المدينةَ، فأقام عشَرةَ أيَّامٍ بها [3]، ثُمَّ تُوفِّي، وكان أبو ذَرٍّ طويلًا عظيمًا زاهدًا متقالًّا [4] من الدُّنيا، وكان مذهبُه أنَّه يُحرِّمُ على الإنسان ادِّخار ما زاد على حاجته، وكان قوَّالًا بالحقِّ، قال ابنُ عبد البَرِّ: (أسلمَ بعد أربعةٍ، فكان خامسًا) [5]، وقال غيرُه: رابع أربعة، وقال في اسمه: (أسلم بعد ثلاثة، ويقال: بعد أربعة) انتهى [6]، وفي «المستدرك» في ترجمته: (لقد رأيتُني لَمْ يُسلم قبلي إلَّا أبو بكرٍ وبلالٌ) صحيح، ثُمَّ ساقَ سندًا آخرَ: (أسلم قبلي ثلاثة)، قَدِمَ المدينة بعد الخَنْدَق، فلم يشهد بدرًا ولا أُحدًا، قاله الواقديُّ، وفي «صحيح مسلم»: (ولقد [7] صلَّيتُ يا بن أخي _يقوله لعبد الله بن الصامت_ قبل أن ألقى النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلَّم بثلاث سنين، قلتُ: لَمن؟ قال: لله، قلتُ: فأين تَوجَّه؟ قال: أتوجَّهُ حيث وجَّهني ربِّي)، وفي روايةٍ لمسلم أيضًا: (قال: يا بن أخي _يقوله لعبد الله بن الصامت_ صلَّيتُ يا ابن أخي سنتين قبل مبعث النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) [8].
قوله: (بِالرَّبَذَةِ): هي بفتح الرَّاء، والموحَّدة، والذَّال المعجمة، على ثلاث مراحلَ مِنَ المدينة، قريب من ذات عِرق.
قوله: (حُلَّةٌ): هي ثوبان، لا تكونُ ثوبًا واحدًا، ويكونان غيرَ لفقين رداءً وإزارًا [9]، سُمِّيا بذلك؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يحلُّ على الآخر، قال أبو عبيد: (الحُلل:
[ج 1 ص 25]
بُرودُ اليمن)، وقال بعضُهم: لا يُقال لها: حلَّة حتَّى تكون جديدةً يحلها [10] عن طيِّها.

(1/142)


قوله: (وَعَلَى غُلَامِهِ): غلامُ أبي ذرٍّ لا أعرف اسمَه.
قوله: (سَابَبْتُ [11] رَجُلًا): هذا الرجلُ هو بلالٌ رضي الله عنه، قاله ابنُ بشكوال، وهو الحديث الخامس بعد الثلاث مئة، ولم يَذكُر عليه شاهدًا.
قوله: (فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ): رُوي عنِ الوليد بن مسلمٍ، قال: (كان بين بلالٍ وبين أبي ذرٍّ محاورةٌ، فعيَّره بسوادِ أُمِّه) انتهى، أُمُّه هي [12] حمامة، ذكرها ابنُ عبد البَرِّ فيمَن [13] كان يُعَذَّبُ في الله، فاشتراها الصِّدِّيقُ فأعتقَها، وذكرها الذهبيُّ في «تجريده» في (الصحابة).
تنبيه: فيه ردٌّ على الجوهريِّ وابنِ قُتيبةَ؛ حيث قالا: (لا يجوزُ عَيَّرَه بكذا)، قال الجوهريُّ: (وعيَّرَه كذا من التعيير، والعامَّةُ تقول: عيَّره بكذا) انتهى، والصحيحُ: أنَّهُما لُغتان وإسقاطُها أفصحُ، والله أعلم.
قوله: (جَاهِلِيَّةٌ): تقدَّم الكلامُ عليها؛ يعني: مِن فخرِهِم بالأنساب.
قوله: (إِخْوَانكُمْ): بالنَّصب؛ أي: احفظوا، ويجوزُ الرفعُ على معنى: هم إخوانُكم، وبه ضُبِط في أصلنا، وعن أبي البقاء: النَّصبُ أجودُ، لكنَّ البخاريَّ رواه في (بدء الخلق): «هم إخوانُكم» وهو يرجِّحُ الرفع، والله أعلم.
قوله: (خَوَلُكُم): هو بفتح الخاء المعجمة والواو وباللَّام؛ الخدم، سُمُّوا بذلك؛ لأنَّهم يتخوَّلون الأمور؛ أي: يُصلحونَها، وتخوَّلتُه: سخَّرتُه.

(1/143)


[باب: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما}]
قوله: ({وَإِنْ طَائِفَتَانِ} [الحجرات: 9]): الطائفة: الفِرقة، وتُطلق على الواحد، هذا قولُ الجمهور من أهل اللُّغة وغيرِهم، وقال الزَّجَّاج: عندي أنَّ أقلَّ الطائفةِ اثنان.
وقد جعل الشَّافعيُّ_كما قاله الشَّيخ أبو حامد الإسفراينيُّ_ الطائفةَ في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} [النور: 2] أربعةً، وفي صلاة الخوف ثلاثة، وفي قوله: «مِن كلِّ فِرقةٍ منهم طائفةٌ» واحدًا فصاعدًا، انتهى، ومذهبُ الشَّافعيِّ: أنَّ حضور الطائفة عذابَ الزِّنى مستحبٌّ لا واجبٌ، وللناس خلافٌ في قوله: {عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ} كمْ هي الطَّائفةُ هنا؟ ليس هذا موضعَه [1].
==========
[1] زيد في (ب): (انتهى).
[ج 1 ص 26]

(1/144)


[حديث: إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار]
31# قوله: (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ): أمَّا (أيُّوب)؛ فهو ابن أبي تميمة كيسان أبو بكر، الإمام السّخْتِيانيُّ، تُوفِّي سنة (131 هـ)، أخرج له الجماعة، ثقة [1].
وأمَّا (يونس)؛ فقد تقدَّم أنَّ في اسمه ستَّ لغاتٍ؛ تثليث النُّون مع الهمز [2] وعدمه، وهذا هو يونس بن عُبيد، أحد أئمَّة البصرة، من العلماء العاملين الأثبات، تُوفِّي سنة (139 هـ)، أخرج له الجماعة [3].
ولهم يونس بن عُبيد شخصٌ كوفيٌّ [4]، حدَّثَ عنِ البراء بن عازب، لا يُدرى مَن هو، وقد ذكره ابنُ حِبَّان في «الثِّقات» [5]، وحديثُه في ذكر رايةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أنَّها سوداء مُربَّعة من نمرة [6]؛ أخرج له أبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ [7].
قوله: (عَنِ الْحَسَنِ): هو الحسن بن أبي الحسن يسار [8] البصريُّ، العلم المشهور، أخرج له الجماعة، ثقة، تُوفِّي سنة (110 هـ) [9].
قوله: (الأَحْنَف بْن قَيْسٍ): هو بفتح الهمزة، ثُمَّ حاء مهملة ساكنة، أبو بحر التميميُّ، وكان سيِّدًا نبيلًا، تُوفِّي سنة (67 هـ)، وقيل: سنة (72 هـ)، أخرج له الجماعة، ثقة [10].
قوله: (لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ): الرجل المبهم هو عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه، كما هو في «الصَّحيحين».
قوله [11]: (أَبُو بَكْرَةَ [12]): اسمُه نُفَيع بن الحارث بن كَلَدَة، من ثقيف، ونُفَيع: بضمِّ النون، ثُمَّ فاء مفتوحة، وكَلَدَة: بفتح اللَّام، الثقفيُّ، صحابيٌّ جليلٌ، وقيل: اسمه مسروح، وبَكْرة بفتح الموحَّدة وإسكان الكاف، وهو ممَّن نزل إليه عليه الصَّلاة والسَّلام يوم الطَّائف [13] في بَكْرةٍ، فكني بأبي بَكْرة لذلك، تُوفِّي بالبصرة سنة (51 هـ)، وقيل: سنة (52 هـ) [14].
وفيه: (فحديث أبي بكرة _يعني: هذا_ محمولٌ على ما إذا كان القتال على الدُّنيا، وقد جاء هكذا منصوصًا فيما سمعناه من بعض مشايخنا: «إذا اقتتلتم على الدُّنيا؛ فالقاتل والمقتول في النَّار»، خرَّجه البزَّارُ [16]) [17]، ثمَّ شَرَعَ يستدِلُّ لذلك، ولكن لا بدَّ من الجواب عن حمل أبي بكرة هذا الحديث على العموم، اللَّهُمَّ؛ إلَّا أن يُفهَم من قوله: (علماؤنا) الإجماع، فيكونُ حَدَثَ إجماعٌ بعدَ أبي بكرةَ، ويَحتمل أنَّه أراد بعلمائِهِم: المالكيَّة، وهذا الظاهرُ، فتفكَّر في الجواب عنه، والله أعلم.
==========

(1/145)


[1] انظر «تهذيب الكمال».
[2] في (ب): (الهمزة).
[3] انظر «تهذيب الكمال».
[4] (كوفي): ليست في (ب).
[5] «الثقات».
[6] أخرجه «».
[7] انظر «».
[8] (يسار): ليست في (ب).
[9] انظر «تهذيب الكمال».
[10] انظر «تهذيب الكمال».
[11] (قوله): ليست في (ب).
[12] في هامش (ق): (نفيع بن مسروح أخي نافع وزياد).
[13] (الطائف): ليست في (ب).
[14] انظر «تهذيب الكمال» (30/ 5).
[15] (الحديث): ليست في (ج).
[16] أخرجه البزارفي «مسنده».
[17] «التذكرة».
[ج 1 ص 26]

(1/146)


[باب ظلم دون ظلم]

(1/147)


[حديث: لما نزلت: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم}]
32# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ): هو هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ الحافظ، روى عنه البخاريُّ وغيرُه، قال أحمد: (هو شيخُ الإسلام اليوم)، تقدَّم.
قوله: (ح: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ): أمَّا (ح)؛ فقد تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التَّعليق.
وأمَّا (بِشْر)؛ فهو ابن خالدٍ، وهو بموحَّدة مكسورةٍ، وبالشِّين المعجمة.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ عَنْ شُعْبَةَ): (محمَّدٌ) هذا: هو غُنْدرٌ محمَّدُ بنُ جعفرٍ الهُذليُّ مولاهم، البصريُّ الحافظ، وهو ابنُ امرأةِ شعبةَ، وجالسه عشرينَ سنةً، أخرج له الجماعة، قال ابن معين: (أراد بعضهم أن يُخَطِّئَه، فلم يقدر، وكان مِن أصحِّ الناس كِتابًا، وبقي يصوم يومًا ويفطر يومًا خمسين سنة)، تُوفِّي سنة (193 هـ) [1].
قوله: (عَنْ سُلَيْمَانَ): هذا هو الأعمشُ، وهو ابن مهران أبو محمَّد الكاهليُّ، أحد الأعلام، تُوفِّي سنة (148 هـ)، أخرج [2] له الجماعة.
قوله: (عَنْ إِبْرَاهِيمَ): هو ابن يزيد النَّخَعيُّ الكوفيُّ، ثقةٌ، وكان عَجَبًا في الورع والخير، مُتوقِّيًا للشُّهرة، رأسًا في العلم، تُوفِّي كَهْلًا سنةَ (96 هـ)، وهو ابنُ أُخت علقمة.
قوله: (عَنْ عَلْقَمَةَ): هو ابنُ قيسٍ أبو شِبْل الفقيه، أخرجَ له الجماعةُ، تُوفِّي سنة (62 هـ).
قوله: (عَنْ عَبْدِ اللهِ): هذا هو ابنُ مسعود بن غافل _بالغين المعجمة والفاء_ نسبُه معروفٌ، وهو مِن هُذيلِ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إلياسِ بنِ مُضَرَ، السَّيِّدُ الجليلُ، أسلمَ بمكَّة قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثُمَّ إلى المدينة، وشهد بدرًا والمشاهدَ كلَّها مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تُوفِّي سنة (32 هـ)، وقيل: سنة (33 هـ) [3]، استوطن الكوفةَ ومات بها في التَّاريخ المذكور، وقال جماعة: بالمدينة، ودُفِنَ بالبقيع.
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (25/ 5).
[2] في (ب): (وأخرج).
[3] (وقيل: سنة 33 هـ): ليس في (ب).
[ج 1 ص 26]

(1/148)


[باب علامة المنافق]

(1/149)


[حديث: آية المنافق ثلاث]
33# قوله: (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ): هو سليمانُ بنُ داودَ الزَّهرانيُّ العَتَكيُّ، البصريُّ، الحافظ، روى عنه: البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ عن رجل عنه، تُوفِّي سنةَ (234 هـ)، وثَّقَه ابنُ مَعينٍ وغيرُه [1].
قوله: (حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ): (نافعٌ) هذا: هو عمُّ مالكِ بنِ أنسٍ الإمامِ، وثَّقه أحمدُ وأبو حاتمٍ، أخرج له الجماعة، بقي إلى زمن السَّفَّاح، وقد بُويع له ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلتْ من ربيع الآخر، سنة (132 هـ)، وتوفِّي السَّفَّاح ليلةَ الأحد لاثنتي عشرة خلت من ذِي الحجَّة، سنةَ سِتٍّ وثلاثين ومئة.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرحمن بن صخر، على الأصحِّ مِن نحو ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [2].
قوله: (آيَةُ الْمُنَافِقِ): أَي: علامتُه، وكذا بوَّبَ عليها البخاريُّ هنا.
قوله: (ثَلاَثٌ): حصلَ مِن مجموع الحديثين الَّذَين في هذا الباب: أنَّ خِصالَ المنافقِ خمسٌ: إذا حدَّثَ؛ كَذَبَ، وإذا وعدَ؛ أَخلفَ، وإذا
[ج 1 ص 26]
اؤتُمِنَ؛ خانَ، وإذا عاهَدَ؛ غَدَر، وإذا خاصَمَ؛ فَجَر، وإن كانت الرَّابعةُ داخلةً في الثالثة؛ لأنَّ الغدرَ خيانةٌ ممَّنِ اؤتمن عليه من عهده، ولا منافاة بين الرِّوايتين، فإنَّ الزائدَ أُعلم به ثانيًا، ولأنَّ الشَّيءَ الواحدَ قد يكون له علاماتٌ، كلُّ واحدةٍ منها يحصُلُ بها صفتُه، ثُمَّ قد تكون تلك العلامة شيئًا واحدًا وقد تكون أشياء.
وفي «صحيح مسلم»: «مِن علاماتِ المنافق ثلاث»، فهذا جوابٌ آخرُ، وعن أبي أمامةَ موقوفًا: «وإذا غَنِمَ؛ غَلَّ، وإذا أُمِرَ؛ عَصَى، وإذا لَقِيَ؛ جَبُن».
واعلم أنَّ جماعةً عدُّوا هذا الحديث والذي بعدَه مُشْكلًا؛ مِن حيثُ إنَّ هذه الخصال قد تُوجد في المسلم المصدِّق الذي ليس فيه شكٌّ، وإنَّما هذه خِصالُ نِفاقٍ، وصاحبُها شبيهٌ بالمنافقين في هذه الخِصال ومُلْحَقٌ بأخلاقِهِم، فإنَّه إظهارُ ما يُبطِنُ خِلافَه، وهذا المعنى موجودٌ في صاحب هذه الخِصال، وقوله: (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا): معناه: شديدَ الشَّبَه بسببِ هذه الخِصال، والله أعلم.
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (11/ 423).
[2] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج).

(1/150)


[حديث: أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا]
34# قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): هذا هو ابنُ سعيدٍ الثَّوريُّ، عالمٌ فَرْدٌ ثِقَةٌ.
قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم أنَّه سليمانُ بنُ مِهرانَ، أبو محمَّدٍ الكاهليُّ، مشهورٌ.
قوله: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ): تقدَّم الجوابُ عنه أعلاه.
قوله: (كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا): تقدَّم الجوابُ عنه أعلاه [1].
قوله: (تَابَعَهُ شُعْبَةُ): الضمير في (تابعه) يعود على سُفيانَ الثوريِّ؛ أي: تابعَ شعبةُ سُفيانَ في روايتِهِ هذا الحديث عنِ الأعمش، وفائدةُ هذه المتابعة أنَّ سُفيانَ الثوريَّ مُدلِّسٌ، فأتى برِوايةِ شعبةَ عنِ الأعمش؛ لأجل تدليسِ سُفيانَ.
فإن قلت: إنَّ شعبةَ أيضًا عنعن عنِ الأعمش.
فجوابه: أنَّ شعبةَ مِن أنكرِ النَّاس للتدليس، حتَّى إنَّه قال: (التدليسُ أخو الكذب)، وقال: (لَأَنْ أزنيَ أحبُّ إليَّ مِن أن أُدلِّس)، وهذه للتَّنفيرِ عن [2] التدليس، والله أعلم، وقد سبق ذلك عنه.
ومتابعةُ شعبةَ أخرجها البخاريُّ في (المظالم) [خ¦2459].
==========
[1] (قوله: كان منافقًا خالصًا ... ): سقط من (ب).
[2] في (ب): (من).
[ج 1 ص 27]

(1/151)


[باب قيام ليلة القدر من الإيمان]

(1/152)


[حديث: من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا]
35# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم أنَّه الحكمُ بن نافعٍ.
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ): تقدَّم أنَّه بالنُّون والزَّاي، وأنَّ اسمَه عبدُ اللهِ بنُ ذَكْوانَ.
قوله: (عَنِ الأَعْرَجِ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرحمنِ بنُ هُرمُز.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرحمن بنُ صخرٍ، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [1].
قوله: (مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ... ) إلى آخره: اعلم أنَّه وقع فيه فعلُ الشَّرطِ مُضارِعًا، والجوابُ ماضيًا، والنُّحاةُ يستضعفونَه [2]، ومنهم مَن منعه إلَّا في ضرورةِ الشِّعر، وأجازوا عكسَه؛ لقوله تعالى: {مَن كَانَ يُرِيدُ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ} [هود: 15]، ومَن أجاز الأوَّل؛ احتجَّ بهذا الحديث؛ ومنه قولُ عائشة رضي الله عنها في الصِّدِّيق: (مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ؛ رَقَّ)، ولا ضَعْفَ، وكيف وهو في كلامِ أفصحِ الخَلْقِ وغيرِه؟! والله أعلم.
قوله: (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا): يجوزُ كونُه مصدرًا في موضعِ الحال، ومفعولًا لأجلِه، ومثلُه: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} [سبأ: 13]، كذا عن أبي البقاء، ومعنى (إيمانًا): تصديقًا بأنَّه حقٌّ يُفَضِّل صيامَه وقيامَه.
قوله: (وَاحْتِسَابًا): أي: يُريد به وجهَ الله تعالى بريئًا من الرِّياءِ والسُّمعةِ.

(1/153)


[باب الجهاد من الإيمان]

(1/154)


[حديث: انتدب الله لمن خرج في سبيله]
36# قوله: (حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ): هو بفتح الحاء المهملة والرَّاء، مشدَّدُ الآخر، لا [1] كالنسبةِ إلى الحَرَمِ؛ لأنَّ النِّسبةَ إلى الحَرَمِ؛ بكسر الحاء، وإسكان الراء.
قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ): هذا هو ابنُ زيادٍ العبديُّ مولاهم، البصريُّ، قال أحمدُ وغيرُه: (ثقةٌ)، وقال النَّسائيُّ: (ليس به بأسٌ)، وقد أخرج له الجماعةُ، مات سنة (176 هـ)، وله مناكيرُ نُقمت عليه اجتنبها صاحبا «الصحيح»، له ترجمةٌ في «الميزان» [2].
قوله: (حَدَّثَنَا عُمَارَةُ): هو بضمِّ العين، وتخفيف الميم، ابنُ القَعْقاعِ بنِ شُبْرُمةَ، له نحو ثلاثين حديثًا، أخرجَ له الجماعُة، قال ابنُ معينٍ والنَّسائيُّ: (ثقةٌ).
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ): اسمُ (أبي زُرعةَ) هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: جرير، وقيل: عَمرو، أخرج له الجماعةُ، وثَّقَه ابنُ مَعينٍ وغيرُه [3].
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبدُ الرَّحمن بنُ صَخْرٍ مرَّات، على الأصحِّ مِن نحوِ ثلاثينَ قولًا، وتقدَّم ما فيه [4].
قوله: (انْتَدَبَ اللهُ): بالنُّونِ في أوَّلِه على المشهورِ؛ أي: سارعَ بثوابِه وحُسنِ جَزائِه، وقيل: أجاب، وقيل: تكفَّل، وحَكى القاضي: (ائتدب)؛ بهمزةٍ صورتُها ياءٌ، مِنَ المَأْدُبَة؛ أي: أجاب مَن دعاه.
قوله: (إِلَّا إِيمَانٌ بِي أَوْ [5] تَصْدِيقٌ): هما مرفوعانِ؛ لأنَّه استثناءٌ مُفرَّغٌ، وهو في «مسلمٍ» بالنَّصب في النُّسخ [م (1876) (103)]، ووجهُهُ: أنَّه مفعولٌ له؛ التقديرُ [6]: لا يُخرجُه المُخرِجُ ويُحَرِّكُه المُحَرِّكُ إلَّا الإيمان؛ ومعناه: لا يخرجه إلَّا مَحْضُ الإيمان والإخلاصِ لله تعالى [7].
قوله: (أَرْجِعَهُ): هو بفتح الهمزة، ثلاثيٌّ؛ ومعناه: أَرُدَّهُ، قال في «الصِّحاح»: (وهُذيلٌ تقولُ: أَرْجَعَهُ غيرُه).
قوله: (أَوْ غَنِيمَةٍ): (أو) هنا: للتقسيم بالنِّسبة إلى الغنيمة وعدمِها، فيكونُ المعنى: أنَّه يرجع مع نيلِ الأجرِ إنْ لَمْ يغنموا، ومعه إنْ غنموا.
ويُحتملُ أن تكون (أو) هنا بمعنى (الواو)؛ أي: مع أجرٍ وغنيمةٍ، ووقع [8] في «مسلمٍ» وغيرِه: بالواو.
قوله: (سَرِيَّةٍ): قال يعقوبُ: (هي ما بين خمسةِ أنفُسٍ إلى ثلاثِ مئةٍ)، وقال الخليلُ: (نحو أربعِ مئةٍ).
[ج 1 ص 27]

(1/155)


قوله: (وَلَوَدِدْتُ): هو [9] بكسر الدَّال الأولى.
قوله: (ثُمَّ أُحْيَا): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وهو بضمِّ الهمزةِ.
==========
[1] (لا): ليست في (ج).
[2] «ميزان الاعتدال»، وانظر «تهذيب الكمال».
[3] انظر «تهذيب الكمال» (33/ 323).
[4] (وتقدم ما فيه): ليست في (ج).
[5] في «اليونينيَّة»: (و)، والمثبت موافق لما في (ق).
[6] في (ب): (والتقدير).
[7] (تعالى): مثبتة من (ب).
[8] في (ب): (وقع).
[9] في (ج): (هي).

(1/156)


[باب تطوع قيام رمضان من الإيمان]

(1/157)


[حديث: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا]
37# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): تقدَّم أنَّ هذا هو ابنُ أبي أُويسٍ، وهو ابنُ أُختِ مالكٍ الإمامِ، وتقدَّم بعضُ ترجمتِه.
قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم أنَّه الزُّهريُّ محمَّدُ بنُ مسلمِ بنِ عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ شهابٍ، العَلَمُ الفَرْدُ.
قوله: (عَنْ حُمَيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): اعلم أنَّ هذا هو الزُّهريُّ، وهو حُميدُ بنُ عبدِ الرَّحمن بن عوفٍ، أُمُّه [1] أُمُّ كُلثومِ بنتِ عُقبةَ بنِ أبي مُعيطٍ مِنَ المهاجراتِ، روى عن أبويه، وعمر، وثَّقَه أبو زُرعةَ، تُوفِّي سنة (95 هـ)، أخرج له الجماعةُ، وليس بحُميد بن عبد الرحمن الحِمْيَرِيِّ؛ هذا ليس له شيءٌ في «البخاريِّ» عن أبي هريرةَ، إنَّما روى له مسلمٌ عن أبي هريرةَ حديثَ: «أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ»، وليس له في «مسلمٍ» غيره عن أبي هريرة [2]، والحاصلُ: أنَّ الحِمْيريَّ ليس له شيءٌ عن أبي هريرةَ في «البخاريِّ»، واللهُ أعلمُ.
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم قريبًا.
قوله: (احْتِسَابًا): تقدَّم معناه قبل هذا قريبًا [3].
==========
[1] في (ج): (وأمه).
[2] زيد في (ب): (إنَّما روى له «مسلم» عن أبي هريرة).
[3] (قوله: احتسابًا تقدم ... ): ليس في (ب).
[ج 1 ص 28]

(1/158)


[باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان]

(1/159)


[حديث: من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا]
38# قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ): تقدَّم أنَّه محمَّدُ بنُ سَلَامٍ البِيكَنْدِيُّ، وأنَّه بالتخفيف على الأصحِّ، وتقدَّم أنَّا روينا إليه بالسند أنَّه قال: (محمَّد بن سَلَام؛ بالتَّخفيف) انتهى، وتقدَّم مَن ثقَّلَه [خ¦20].
قوله: (أَخْبَرَنَا محمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ): هو بضمِّ الفاء، وفتح الضَّاد، وهذا ظاهرٌ عند أهله.
قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): هذا هو يحيى بنُ سعيدٍ الأنصاريُّ، وجدُّه اسمُه قيسُ بنُ عَمرٍو، أبو سعيدٍ قاضي السَّفَّاح، حافظٌ إمامٌ فقيهٌ حُجَّةٌ، أخرج له الجماعة، مات سنة (143 هـ)، وإنَّما قيَّدتُه بالأنصاريِّ؛ لأنَّ في الرُّواةِ مَنِ اسمُه يحيى بنُ سعيدٍ جماعةً، وليس فيهم مَن يَروي عن أبي سَلَمَة عن أبي هُريرةَ إلَّا هو في الكُتُبِ السِّتَّة، ويحيى عن أبي سَلَمَةَ عن أبي هريرةَ واحدٌ [1]، وهو يحيى بنُ أبي كثيرٍ.
قوله: (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ): تقدَّم في أوَّل هذا التَّعليق اسمُ أبي سلمة أنَّه عبدُ الله، وقيل: إسماعيلُ، والصحيحُ الأوَّل، وقيل: لا يُعرَفُ اسمُه، وقال أحمدُ: (اسمُه كُنيتُه).
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ): تقدَّم مرَّاتٍ ومنها قريبًا؛ فاعلمه.
==========
[1] (واحد): ليست في (ب).
[ج 1 ص 28]

(1/160)


[باب الدين يسر]

(1/161)


[حديث: إن الدين يسر]
39# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ): هو بالطَّاء المهملة، ثُمَّ هاء مشدَّدة مفتوحتين، اسمُ مفعولٍ.
قوله: (الْغِفَارِيِّ): هو بكسر الغين المعجمة، [نسبة] إلى غِفار؛ قبيلةٌ معروفةٌ.
قوله: (الْمَقْبرِيِّ): هو بضمِّ الباء، وتُفتح أيضًا، وحَكى ابنُ مالكٍ في «المثلَّث» كسرَها، نسبة إلى المقابر، فأهلُ الكوفة يفتحون، وأهلُ المدينة يضمُّون، قيل: لأنَّه كان يأْلَفُ المقبرة، وقيل: بل نزل بساحتها، ويقال: إنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه جعله على حفر القبور.
قوله: (يُسرٌ): هو بإسكان [1] السِّين وضمِّها، وهو نقيضُ العُسر، ومقصودُ الترجمة: أنَّ الدِّينَ يقعُ على الأعمال؛ لأنَّ الذي يتَّصفُ باليُسر والعُسر [2] إنَّما هي الأعمال دون التصديق، ولهذا [3] قال: «وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ»؛ وهي سيرُ اللَّيل كلِّه؛ لأنَّ العملَ باللَّيلِ كلِّه [4] يشقُّ على الإنسان.
قوله: (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّين إِلَّا غَلَبَهُ): كذا في أصلِنا، وكذا وقعَ للجمهورِ مِن غيرِ لفظةِ (أَحَدٌ)، وأثبتَها ابنُ السَّكَن، وهو ظاهرٌ، فعلى ما رواه ابنُ السَّكَن؛ يكون (الدِّينَ) منصوبًا، و (أَحَدٌ) فاعلٌ، وأمَّا على حذفِها؛ فرُوِيَ: بنصب (الدِّينَ)، وهو ضبطُ أكثر أهلِ الشَّام على إضمارِ الفاعلِ في (يُشَادَّ)؛ للعلم به، ورفعُه هو روايةُ الأكثر، وهو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، وقال النَّوويُّ في «رياضه»: («الدِّينُ»: مرفوعٌ على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه، ورُوِيَ: «لن يُشادَّ الدينَ أحدٌ») انتهى، والمشادَّةُ؛ بتشديد الدَّال المهملة: المغالبةُ.
قوله: (غَلَبَهُ): أي: إلَّا غلبَ الدِّينُ المشادَّ.
قوله: (وَأَبْشِرُوا): هو بفتح الهمزة رُباعيٌّ.
قوله: (بِالْغَدْوَةِ): هي بفتح الغين: السَّيرُ مِنْ أوَّلِ النَّهار، وهي المرَّة الواحدة مِنَ الغُدوِّ، وأمَّا بالضمِّ؛ فهي ما بين صلاة الغَداة وطلوعِ الشَّمس.
قوله: (وَالرَّوْحَةِ): هي بفتح الرَّاء؛ وهي سيرُ آخرِ النَّهار.

(1/162)


قوله: (الدُّلْجَةِ): هي بضمِّ الدَّال المهملة، وإسكان اللام، كذا الرِّوايةُ، ويجوزُ في اللُّغة كما قاله شيخُنا الشَّارح: (فتح الدَّال، ويجوُز فتح اللَّام أيضًا) انتهى، وفي «المطالع» في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ» اللُّغات الثَّلاث، وفي «النِّهاية» في قوله: «عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ»: (هو سيرُ الليل، يُقَال: أدلج _ بالتَّخفيف_ إذا سار مِنْ أوَّلِ الليل، وادَّلَج _ بالتَّشديد_إذا سار مِن آخرِه، والاسمُ منه: الدُّلْجَةُ والدَّلْجَةُ؛ بالضمِّ والفتح) انتهى، وللُّغويِّين خلافٌ في ذلك ليس هذا موضعَه.
والمرادُ بالحديث: الحثُّ على ملازمة الرِّفقِ في الأعمال، والاقتصار على ما يُطيقه العامل ويُمكنه، وأنَّ مَن شادَّ وتعمَّق؛ انقطع.
==========
[1] في (ج): (بضم).
[2] في (ب): (بالعسر واليسر).
[3] في (ب): (وبهذا).
[4] (كله): ليست في (ب).
[ج 1 ص 28]

(1/163)


[باب الصلاة من الإيمان]
قوله: (يَعْنِي: صَلاَتَكُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ): قيل: صوابه: (إلى البيت المقدس)، وقال شيخنا الشَّارح: (كذا في الأصول، والمراد: إلى البيت؛ يعني: بيت المقدس أو الكعبة؛ لأنَّ صلاتهم إليها إلى جهة بيت المقدس) انتهى.
==========
[ج 1 ص 28]

(1/164)


[حديث: أن النبي كان أول ما قدم المدينة نزل على أجداده]
40# قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ): هذا هو الصوابُ، وهو بفتح العين، وبالواو في آخره، وقد ذكر أبو عليٍّ الغسانيُّ في كتابه «تقييد المهمل» أنَّه كان في نسخة أبي زيد المروزيِّ: عُمر بن خالد؛ يعني: بضمِّ العين من غير واوٍ، كذا نقله عنه أبو الحسن القابِسيُّ وأبو الفرج الطيطليُّ [1]، وهو وهم.
واعلم أنَّ الأوهام التي ذكرها أبو عليٍّ الغسَّانيُّ التي وقعت في «البخاريِّ» لا أذكر أنا منها إلَّا يسيرًا، فمَن أراد الاستيعاب؛ فلينظر «تقييد المهمل» له، وقد تقدَّم ذلك في الدِّيباجة.
قوله: (حَدَّثَنَا [2] أَبُو إِسْحَاقَ): هذا هو السَّبِيعيُّ _بفتح السين وكسر الموحدة_ نسبةً إلى السَّبِيع جدِّ القبيلة، قال الجوهريُّ: (والسَّبِيعُ أيضًا بطنٌ مِن هَمْدان، رَهْط أبي إسحاق السَّبِيعيِّ) انتهى.
واسمه عمرو بن عبد الله الهَمْدانيُّ؛ بإسكان الميم، وبالدَّال المهملة، وهو أحدُ الأعلام، له نحو ثلاثُ مئةِ شيخٍ، وهو يُشبه الزُّهريَّ في الكثرة، وقد غزا مرَّاتٍ، وكان صوَّامًا قوَّامًا، توفِّي سنة ستٍّ، وقيل: سبعٍ، وقيل: ثمانٍ، وقيل: تسع وعشرين ومئة، وله خمسٌ وتسعون سنة، أخرج له الجماعة [3].
فائدة هي تنبيه [4]: أبو إسحاق هذا اختلط، وقد ذكره ابن الصَّلاح في «علومه»، وأنكره صاحب «الميزان»، فقال: (شاخ ونسي ولم يختلط)، وقد سمع منه سُفيان وقد تغيَّر قليلًا، والرَّاوي عنه هنا [5] زهير بن معاوية، قال صالح بن أحمد ابن حنبل، عن أبيه: (في حديثه عن أبي إسحاق ليْنٌ، سمع منه بأَخَرَة)، وقال أبو زُرعة: (ثقةٌ، إلَّا أنَّه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط)،
[ج 1 ص 28]
وقال التِّرمذيُّ: (زهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأنَّ سماعه منه بأَخَرَة) انتهى.
وروايتُه عنه في «الصحيحين»، قال أبو عمرو بن الصلاح: (واعلم أنَّ ما كان مِن هذا القبيل مُحتجًّا [6] بروايته في «الصَّحيحين» أو أحدِهِما؛ فإنَّا نعرفُ على الجملةِ أنَّ ذلك ممَّا تميَّزَ، وكان مأخوذًا عنه قبل الاختلاط) انتهى.
تنبيه: قد ذكرتُ جماعةً مِنَ المختلطين أو مَن قد رُمي به في مؤلَّفٍ مفردٍ، لعلَّك ألَّا تجدَهم مجموعين في غيره؛ فانظره إن أردته.

(1/165)


قوله: (أَجْدَادِهِ _أَوْ [قَالَ]: أَخْوَالِهِ_ مِنَ الْأَنْصَارِ): هذا [7] شكٌّ مِنَ الرَّاوي، وهم أخوال وأجداد، مجازًا؛ لأنَّ هاشمًا جدُّ والدِ رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، تزوَّجَ منهم سَلمى بنت عمرو بن زيد بن لَبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النَّجَّار، فولدتْ له عبدَ المطَّلب، والمذكور في السِّير: أنَّ أوَّل ما نَزَلَ عليه الصَّلاة والسَّلام على كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس، وقيل: على سعد بن خيثمة، والأوَّل أكثرُ، قاله في «الاستيعاب»، ثمَّ على أبي أيُّوب خالد بن زيد الأنصاريِّ، وليسوا ولا واحدٌ منهم مِن أخواله ولا أجداده، وإنَّما أخوالُه وأجدادُه في بني عديِّ بن النَّجَّار، وقد مرَّ بهم، واعترضه سَلِيط بن قيس، وأبو سَلِيط أُسَيرة بن أبي خارجة في رجالٍ مِن بني عديٍّ فلم ينزل، ونزل على بني مالك أخي عديٍّ، فلعلَّ ذلك وقعَ تجوُّزًا كعادةِ العربِ في النِّسبةِ إلى الأخ، أو لقُرب ما بين داريهما، والله أعلم.
قوله: (قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ [8]): أمَّا (قِبَلَ)؛ فبكسرِ القاف، وفتحِ الموحَّدة، وأمَّا (المَقْدِس)؛ فيُقال فيه: المَقْدِس والمُقَدَّس؛ الأُولى: بفتح الميم، وبإسكان القاف، وكسر الدَّال، والثانية: بضمِّ الميم، وفتح القاف، وفتح الدَّال المشدَّدة؛ لغتان مشهورتان.
قوله: (سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا [9]): كذا بالشَّكِّ في هذا «الصَّحيح»، وفي روايةٍ في «مسلم» وغيرِه عنِ البراء الجزم بـ (سِتَّةَ عَشَرَ)، فتعيَّنَ اعتمادُها، وفي «أبي داود»: (ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا)، وجاء: (بضعةَ عَشَرَ شهرًا) [10]، وحَكى المُحِبُّ الطَّبريُّ: (ثلاثةَ عَشَرَ شهرًا)، وفي روايةٍ أُخرى: (سنتين)، وأغربُ منها: (تسعة أشهر)، وفي روايةٍ: (عشرة)، وذكرهما أبو الفتح اليَعمريُّ في «سيرته».

(1/166)


وقال ابن حِبَّان: (صلَّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرًا وثلاثة أيَّام سواء)، وقرَّر ذلك بالتاريخ، فحصل أقوالٌ في المُدَّة؛ وهي: (سنتان)، (ثمانية عشر شهرًا)، (بضعة عشر شهرًا)، (سبعة عشر شهرًا [11] وثلاثة أيام)، (سبعة عشر شهرًا)، (ستَّة عشر شهرًا)، (ثلاثة عشر شهرًا)، (عشرة أشهر)، (تسعة أشهر)، (شهران)، وهو ما وقع في «ابن ماجه»، ولفظ ابن ماجه في «السُّنن»: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين).
واعلم أنِّي حاولت الجمع بين هذه الرِّوايات كلِّها؛ فرأيتُ فيها عُسرًا، وبعضُها لا يجتمع مع بعض، وقد اختُلف في الشَّهر الذي حُوِّلت فيه على ثلاثة أقوال: نصف شعبان يوم الثلاثاء في الظهر، ثانيها: في رجب في نصفه في صلاة الظهر يوم الاثنين، وقيل: كان ذلك في جُمادى، وقيَّده بعضُهم بالآخرة.
واختُلف في اليوم الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: الاثنين، وقيل: الثَّلاثاء.
واختُلف في المسجد الذي حُوِّلت فيه؛ فقيل: مسجده عليه الصَّلاة والسَّلام، وقيل: مسجد بني سَلِمَة حين زار أُمَّ بِشر بن البراء.
فإن قيل: في أيِّ ركعةٍ؟ فالجواب: في الثَّالثة، فإن قيل: في أيِّ ركنٍ؟ فالجواب: أنَّه [12] في ركوعها.
واختُلف في أيِّ صلاة [13]؛ فقيل: الظُّهر، وقيل: العصر [14]، وفي خبرٍ ساقه ابنُ سعدٍ: (فمرَّ رجلٌ بقومٍ مِن بني سَلِمة، وهم ركوعٌ في صلاة الفجر _وكذا هو في «البخاريِّ» في (التفسير) _ فنادى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلت).
وكذلك حديثٌ آخرُ ساقه ابنُ سعدٍ عن عُمارةَ بنِ أوسٍ الأنصاريِّ قال: (صلَّينا إحدى صلاتي العشيِّ [15]_والعشيُّ: قال الجوهريُّ: والعشيَّة: مِن صلاة المغرب إلى العَتَمَة_ فقام رجلٌ على بابِ المسجد ونحن في الصَّلاة، فنادى: إنَّ الصلاة قد وُجِّهت نحوَ الكعبة)، ولا يُعارِضُ هذان ما تقدَّم؛ لأنَّ بُلُوغَ التحويلِ غيرُ التحويل.
وقد رُوِّينا عنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: (كان الناسُ يُصلُّون الصبحَ، فانحرفوا وهم ركوعٌ)، فهذا قد يُعَدُّ قولًا، وقد يُحملُ على مكانٍ بلغهم فيه التحويلُ، فإنْ حُمل على الأوَّل _وهو أن يكون ذلك اتَّفق له عليه الصَّلاة والسَّلام_ كان قولًا في المسألة، فيبقى فيها ثلاثةُ أقوالٍ: الظُّهرُ، العصرُ، الصُّبحُ، وإنْ [16] حُمل على الثاني؛ فليس قولًا.

(1/167)


وقال القُرطبيُّ في «تفسيره» في (البقرة) ما لفظُه: (وقيل: إنَّ الآية نزلت في غير صلاةٍ، وهو الأكثرُ، وكان أوَّل صلاة إلى الكعبة العصر، فالله أعلم) انتهى.
تنبيه: اعلم أنَّ صلاتَه عليه الصَّلاة والسَّلام قبلَ مَقْدَمِه المدينة كانت إلى بيت المقدس من حين الفرض إلى أنْ قدم المدينة، ثمَّ بها إلى وقت التَّحويل، وقال آخرون: إنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام صلَّى أوَّل ما صلى إلى الكعبة، ثمَّ إنَّه صُرف إلى بيت المقدس، وقال الزُّهريُّ: زعم ناسٌ _والله أعلم_ أنَّه كان يسجدُ نحوَ بيت المقدس ويجعلُ وراءَ ظهرِه الكعبةَ وهو بمكَّة، وزعمَ ناسٌ أنَّه لَمْ يَزَلْ يستقبلُ الكعبةَ حتى خرج منها، فلمَّا قَدِمَ المدينةَ [17]؛ استقبل بيت المقدس.
قال ابنُ عبد البَرِّ: وأحسنُ من ذلك قولُ مَن قال: إنَّه عليه السلام كان يُصلِّي بمكَّة مستقبِلَ القبلتين، يجعلُ الكعبة بينه وبين بيت المقدس، وقد ذكر أبو الفتح في «سيرته» مستندَ هذه الأقوال [18]، ولكن إنَّما كان عليه الصَّلاة والسَّلام يستقبل الكعبة وبيت المقدس في إقامته بمكَّة، ولم يتبيَّن للناس توجُّهُه إلى بيت المقدس حتَّى خرج من مكَّة، والحاصلُ قولان:
أحدُهما: أنَّه كان يستقبلُ بيت المقدس أوَّلًا، ثمَّ صُرِف.
الثاني: أنَّه استقبلَ الكعبةَ، ثمَّ بيتَ المقدس، ثمَّ الكعبةَ، والله أعلم.
وقد أطلتُ الكلامَ في ذلك، ولكن لا تجِدُه كذلك مجموعًا إلَّا في هذا التَّعليق، وإنَّما هو مُفرَّقٌ في كلامهم، والله أعلم.
قوله: (وَأَنَّهُ صَلَّى [19]): بفتح الهمزة، معطوف على (أنَّه) التي قبلَها.
قوله: (صَلَاةُ الْعَصْرِ): هو [20] برفعِ (الصلاة)، كذا في أصلنا، وعليه (صح) [21]، وطرأ عليها النَّصبُ، فالرَّفعُ على أنَّ [22] (صَلَاةُ الْعَصْرِ) اسمُ (كان)، والخبرُ (أوَّلَ) مقدَّمٌ، ورأيتُ في نسخةٍ صحيحةٍ (صلاةَ) بالنَّصب بالقلم ليس غير، وإعرابُ النَّصبِ ظاهرٌ على أنَّه بدلٌ مِنَ الضَّميرِ في (صَلَّاهَا)، ويُعرَب أيضًا بغير ذلك، وعن بعضِهم: (صَلَاةُ العَصْرِ) بالرَّفع، وقد تقدَّم إعرابُه، وقال شيخُنا الشَّارح: إنَّها بدلٌ مِن (صلاةٍ صَلَّاها)؛ يعني: فتكونُ بالجرِّ، والله أعلم.
قوله: (فَخَرَجَ رَجُلٌ): هذا الرجلُ قال شيخُنا الشَّارح: (هو عَبَّاد بن نَهِيك بن إساف الخطميُّ، وقيل: عَبَّاد بن بشر الأشهليُّ، وسيأتي ما فيه، وقيل: عَبَّاد بن وهب) انتهى.

(1/168)


ولا أعلم أنا أحدًا في الصَّحابة يُقال له: عبَّاد بن وهب، إلَّا أن يكونَ نُسِبَ إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو إلى خلافِ الظاهر، وقد ذكر ابنُ بشكوال حديث ابن عمر: (بينما الناسُ بقُباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم رجلٌ ... )؛ الحديث، هو عبَّاد بن بشر الأشهليُّ، ذكره الفاكهيُّ [23] في «أخبار مكَّة»، انتهى، وسيأتي ما فيه، وقيل: عبَّاد بن نهيك الخطميُّ، ذكره
[ج 1 ص 29]
ابن عبد البَرِّ، انتهى.
وقد ذكر القول الأوَّل ابنُ طاهرٍ في «مبهماته».
وذكر ابن شيخنا البلقينيِّ الأقوالَ الثلاثة التي ذكرتُها عن شيخنا الشَّارح، ثمَّ قال: (وعبَّاد بن بشر هذا غيرُ رفيقِ أُسيد بن الحُضير في المصباحين [24]) انتهى.
والذي قاله صحيحٌ، صاحبُ هذه القصَّة عبَّاد بن بشر بن قيظيٍّ من بني حارثة، كان يَؤُمُّ قومَه في عهده عليه الصَّلاة والسَّلام، له حديثٌ في الاستدارة إلى الكعبة، والمذكور مع أُسَيد بن حُضَير: عبَّادُ بنُ بِشر بن وَقْش بن زُغْبة بن زَعُوراء الأشهليُّ، مِن كبار الصحابة، له حديثٌ واحدٌ في «معجم الطبرانيِّ»، والله أعلم.
قوله: (فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ ... ) إلى آخره: قال شيخُنا الشَّارح: (هؤلاء ليسوا أهلَ قُباء، بل أهل مسجدٍ بالمدينة، وهو مسجدُ بني سلِمة، ويُعرَف بمسجدِ القِبلتين، ومرَّ عليهم المارُّ في صلاة العصر) انتهى، وهذا على القول بأنَّها حُوِّلتْ في مسجده، قال شيخُنا: (وأمَّا أهلُ قُباء؛ فأتاهمُ الآتي في صلاة الصُّبح)، كما هو مصرَّحٌ به في «البخاريِّ» و «مسلم» في موضعه من حديث ابن عمر.
قوله: (وَأَهْلُ الْكِتَابِ): هو مرفوعٌ معطوفٌ على (الْيَهُودُ)، قال شيخُنا الشَّارح: (ولعلَّ المرادَ بهم: النَّصارى، فإنَّ اليهودَ أيضًا أهلُ كتابٍ، والله أعلم) انتهى [25]، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ النَّصارى يصلُّون إلى الشَّرق، فكيف يُعجبُهم أن يصلَّى إلى غير قِبلتِهِم؟! والله أعلم.
ولعلَّ المراد بـ (أهل الكتاب): اليهودُ [26]، وجاز العطفُ؛ لاختلاف اللفظ، والله أعلم [27].
ويَحتمل أنَّه أرادَ النصارى، ويكونُ إعجابُهُم؛ لكونِ المسلمينَ خالفوا اليهودَ في القبلة، والله أعلم [28].

(1/169)


قوله: (وَقُتِلُوا): هذا فيه نظرٌ، وإيضاحُه: أنَّ القبلةَ كان تحويلُها قبلَ بدرٍ على الصَّحيح كما [29] تقدَّم، ولم يُقتل أحدٌ قبلَ بدرٍ في القتال، وقد قُتلتْ سُميَّةُ أُمُّ عمَّارٍ، وقُتِلَ الحارثُ بن أبي هالة في غيرِ قِتالٍ، كما سيأتي في كلامي في (الجهاد)، وكذا قُتل ياسر [30] والدُ عمَّارٍ [31]، وإنَّما مات قبلَ تحويلِها البراءُ بنُ معرورٍ في صفر قبل مَقْدَمِه عليه الصَّلاة والسَّلام المدينةَ، وأبو أُمامة أسعدُ بن زُرارةَ ومسجدُه عليه السَّلام يبنى بعد الهجرة بسِتَّةِ أشهرٍ، وكلثوم بن الهِدْم تُوفِّي أيضًا قبل وقعة بدرٍ، قاله الواقديُّ، فالذي [32] في «الصَّحيح» فيه نظرٌ، وإنَّما يجيءُ على القول بأنَّ التحويلَ لم يُشرَّع إلَّا بعد [33] سنتين مِنَ المَقْدَمِ، والمشهورُ ما في «الصَّحيح»، ولا تفريعَ على هذا.
واعلم أنَّ بدرًا في سبع عشرة، أو تسع عشرة، وقيل غير ذلك كما سيأتي، في رمضان في السَّنة الثانية، والله أعلم.
[قوله: (قَالَ [34] زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ): فذكره موقوفًا وإن كان الذي قبله موقوفًا؛ لأنَّه وافق زهيرًا عليه في روايته عن أبي إسحاق _وهو السَّبيعيُّ_ غيرُه، وهذا تعليق مجزوم به، فهو صحيح على شرطه إلى زهير، والظاهرُ: أنَّه لم يوافقه في روايته عن أبي إسحاق غيرُه من الثِّقات فيما وقفت عليه من أصحاب الكتب السِّتَّة، فكأنَّه انفرد عنه به، وإنَّما علَّقه؛ لأنَّ أبا إسحاق ذُكر عنه أنَّه اختلط بأَخَرَة، وإن كان الذهبيُّ لم يُسلِّمِ اختلاطَه، بل قال: (إنَّه كبر ونسي، ولم يختلط).
وقد رَوى عن أبي إسحاق: إسرائيلُ بنُ يونسَ، وزكريَّا بنُ أبي زائدةَ، وزهيرٌ المذكور، وغيرُهم، قال صالح بن أحمد ابن حنبل عن أبيه: (في حديث زهيرٍ عن أبي إسحاق لِيْنٌ، سمع منه بأَخَرَة)، وقال أبو زُرعة: (إلَّا أنَّ زُهيرًا سمع مِن أبي إسحاقَ بعد الاختلاط)، وقال أبو حاتم: (زهيرٌ أحبُّ إليَّ مِن إسرائيلَ في كلِّ شيءٍ إلَّا في أبي إسحاقَ)، وقال أيضًا: (زهيرٌ مُتقِنٌ، صاحبُ سُنَّةٍ، تأخَّرَ سماعُه من أبي إسحاق)، وقال التِّرمذيُّ: (زهيرٌ في أبي إسحاقَ ليس بذاك، سماعه عنه بأَخَرَة) انتهى.

(1/170)


وروايتُه في «البخاريِّ» و «مسلم»، وقد روى البخاريُّ هذا التَّعليق الثاني في (الصَّلاة) كما تقدَّم، ورواه في (التفسير) عن أبي نُعيمٍ عن زهيرٍ؛ كلُّه موقوفًا على البراء بالزِّيادة المذكورة التي علَّقها في (الصلاة) عن زهيرٍ، فكأنَّ البخاريَّ رحمه الله تغيَّر اجتهادُه، فذكرها تعليقًا عن زهيرٍ في (الصَّلاة)، وموصولةً في (التَّفسير)؛ هل أخذها زهيرٌ عن أبي إسحاق في اختلاطه أو قبلَه؟ ويَحتمل فيه أنَّه إنَّما علَّقها في (الصَّلاة)، كما قيل في زهير من الأخذ عن أبي إسحاق بعدَ اختلاطه، أو أنَّه لم يصحَّ عندَه أنَّه أخذ عنه بعدَ الاختلاط، والله أعلم.
والحديثُ المُشارُ إليه أخرجه بغير الزيادة التِّرمذيُّ، وكذا النَّسائيُّ في (الصَّلاة)، وأخرجه النَّسائيُّ أيضًا في (التفسير)، لكن لم يكن عندي «النَّسائيُّ الكبير»، فما أدري هل أخرجها بها أم لا؟ وأخرجه أيضًا ابنُ ماجه في (الصَّلاة) عنِ البراء من حديث أبي إسحاق عنه، لكن رواه عن إبي إسحاق أبو بكر بن عيَّاش، ولفظ البراء: (صلَّينا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نحو بيت المقدس ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وصُرِفتِ القبلةُ إلى الكعبة بعد دخولِه المدينة بشهرين ... ) إلى أن قال فيه: (فقال رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «يا جبريلُ؛ كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟»، فأنزل الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة: 143]) انتهى] [35].
==========
[1] في (ج): (الطليطلي).
[2] (حدثنا): ليس في (ب).
[3] انظر «تهذيب الكمال» (22/ 102).
[4] (هي تنبيه): ليس في (ب).
[5] في (ب): (هنا عنه).
[6] في (ب): (محتمًا).
[7] في (ب): (وهذا).
[8] في هامش (ق): (كذا وقع في الأصول؛ أي: إلى البيت).
[9] (شهرًا): ليس في (ب).
[10] قوله: (وجاء: بضعة عشر شهرًا): سقط من (ب).
[11] (سبعة عشر شهرًا): ليس في (ب).
[12] (أنه): ليس في (ب).
[13] في (ب): (الصلاة).
[14] (وقيل: العصر): ليس في (ب).
[15] في (ب): (العشا).
[16] في (ج): (فإن).
[17] زيد في (ب): (القبلة؛ أي).
[18] في (ج): (مستند هذا القول)، وصوَّب المثبت في (أ).
[19] (صلى): ليس في (ب).
[20] (هو): ليس في (ب).
[21] (وعليه صح): ليس في (ب).
[22] (على أنَّ): ليس في (ب).
[23] في (ب): (الهادي).
[24] وقصتهما في إضاءة عصواهما مشهورة، أخرجها.
[25] «التوضيح» (3/ 97).

(1/171)


[26] في (أ): (هم اليهود).
[27] قوله: (وفيه نظر ... ): سقط من (ب).
[28] قوله: (ويحتمل أنه أراد ... ): سقط من (ب) و (ج).
[29] في (ب): (لما).
[30] (ياسر): ليس في (ب).
[31] قوله: (وكذا قُتل ياسر ... ): سقط من (ج).
[32] (فالذي): ليس في (ب).
[33] زيد في (ب): (بعد).
[34] في (أ): (وقال)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[35] ما بين معقوفين ليس في (ب) و (ج)، وألحق في (أ) في ورقة مفردة، وموضعُه هنا، وزيد بعده: (وقال كاتبُه أبو ذَرٍّ ابنُ المؤلِّف: قال شيخُنا ابنُ حجرٍ في «الفتح»: هذا ليس بتعليقٍ، ووهم مَن قال: إنَّه تعليقٌ).

(1/172)


[باب حسن إسلام المرء]
(بَابُ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ)
[إن قال قائلٌ: كيف موضع هذه الترجمة من زيادة الإيمان ونقصانه؟
قيل: لمَّا أثبت للإسلامِ صفةَ الحُسْن وهي زائدةٌ عليه؛ دلَّ على اختلافِ أحوالِه، وإنَّما تختلفُ الأحوال بالنِّسبة إلى الأعمال، وإنَّما التَّوحيد واحدٌ، قاله ابن المُنَيِّر] [1].
==========
[1] ما بين معقوفين سقط من (ب).
[ج 1 ص 30]

(1/173)


[حديث: إذا أسلم العبد فحسن إسلامه]
41# قوله: (قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) إلى آخره: قال شيخُنا الشَّارح: (قد وصلَه أبو ذرٍّ الهرويُّ في بعض النسخ، فقال: أخبرنا النَّضْرويُّ: حدَّثنا [1] الحسين بن إدريس: حدَّثنا هشام بن خلف: حدَّثنا الوليد بن مسلم: حدَّثنا مالكٌ ... ؛ فذكره، وأسنده النَّسائيُّ: عن أحمد بن المعلَّى بن يزيد [2]، عن صفوان بن صالح، عنِ الوليد بن مسلم، عن مالكٍ، قال المِزِّيُّ نحوَه) انتهى، وقد رأيتُه في «أطراف المزِّيِّ»، قال شيخُنا: وقد وصله الإسماعيليُّ بزيادة فيه؛ فذكره.
قوله: (أنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه سعْدُ بنُ مالكِ بن سِنان الخُدريُّ، وأنَّه بالدَّال المهملة.
قوله: (فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ): أي: قَرَنَ الإيمانَ بحُسن العمل.
قوله: (كَانَ زَلَفَهَا): بالزَّاي، واللَّام المخفَّفة، وبالفاء، كذا في أصلنا، وعلى اللَّام (خف)، وعنِ النَّوويِّ: يقال: زلَّفها تزليفًا؛ أي: قرَّبها وقدَّمها لله عزَّ وجلَّ، وقيل: جمعها واكتسبها [3]، ومنه: المزدلفة؛ لجمعها الناسَ، وقيل: لقُرب أهلِها إلى منازِلِهِم بعدَ الإفاضة، مُفْتَعِلَة مِن زلف، أُبدلتِ التاء دالًا، ويقعُ في بعض النسخ: (أزلفها)؛ بالهمز؛ أي: قرَّبها، وهذه في «الصحاح» و «أفعال ابن القطَّاع»، وليس فيهما التضعيف، وعن الأصيليِّ: تشديدُها أيضًا.
قوله: (إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ): اختُلف في مقتضى لفظ (الضعف)؛ فقال أبو عُبيدة: (الضعفُ واحدٌ؛ وهو مثلُ الشيء، وضِعفاه: مِثلاه)، وقال غيرُه: هو المِثْل، أو ما زاد، وقال غيرهما: الضعفُ: هو مِثْلَا الشيءِ.

(1/174)


فائدةٌ: أَخذ بظاهر هذا الحديث بعضُ العلماء، وقال: (لا يتجاوزُ التضعيفُ سبعَ مئةٍ)، حكاه الماورديُّ عن بعضِهم، والجمهورُ كما حكاه النوويُّ عنهم [4] على خِلافه، وهو أنَّه لا يقف على سبعِ مئة، بل يُضاعِفُ اللهُ لمن يشاءُ أضعافًا كثيرةً زائدةً على ذلك، ويدُلُّ عليه ما في «البخاريِّ» و «مسلمٍ» من حديث ابن عبَّاسٍ عنه عليه الصَّلاة والسَّلام فيما يَروي عن ربِّه عزَّ وجلَّ قال: «إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيِّئاتِ ... » إلى أن قال: «إلى سبعِ مئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ»، قال شيخُنا الشَّارحُ: (وفي كتاب «العلم» لأبي بكرٍ أحمدَ بنِ عَمرِو [5] بن أبي عاصمٍ النبيل: حدَّثنا شيبانُ الأُبَلِّيُّ: حدَّثنا سويد بن حاتم: حدَّثنا أبو العوَّام الجزَّار _واسمُه فائد بن كيسان_ عن أبي عثمان النَّهْديِّ، عن أبي هريرةَ قال: «إنَّ اللهَ يُعطي بالحسنةِ ألفَي ألفِ حسنة»)، قال: (وهذا لا يُقال مِن قِبَلِ الرَّأيِ، فهو مرفوعٌ؛ فاعلمه) انتهى.
وقد أخرجه الإمام أحمد في «المسند» عن عبد الصَّمد: حدَّثنا سليمان _يعني: ابن المغيرة_ عن عليِّ بن زيد، عن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرةَ أنَّه قال: «بلغني أنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعطي عبدَه بالحسنةِ الواحدةِ ألفَ ألفِ حسنة»، قال: فقضي لي أنِّي انطلقت حاجًّا أو معتمرًا فلقيتُه، فقلت له: بلغني عنك حديث أنَّك تقول: سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعطي عبدَه المؤمنَ بالحسنةِ ألفَ ألفِ حسنة»، فقال أبو هريرة: لا، بل سمعت رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: «إنَّ الله عزَّ وجلَّ [6] يُعطيه ألفي ألفِ حسنة»، ثمَّ تلا: {يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]، فقال: إذا قال الله عزَّ وجلَّ [7]: {أَجْرًا عَظِيمًا} فمَن يقدِّر قدره؟!
وقد أخرجه أيضًا أحمدُ: عن يزيدَ: أخبرنا المبارك بن فَضالة عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي عثمانَ النَّهْديِّ قال: أتيتُ أبا هريرةَ، فقلتُ: بلغني ... ؛ فذكر نحوه، فيه: عليُّ بنُ زيدٍ، ليس بالثَّبْت، وفي سند الذي ساقه شيخنا من عند [8] ابن أبي عاصم سويد بن حاتم لا أعرفُه.
تنبيه: سُئِلْتُ عن قولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «وإذا [9] همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها؛ كَتَبَها الله حسنةً كاملةً»، هل هذه تتضاعف [10] أم لا؟

(1/175)


فأجبتُ: بأنَّ الذي ظهر لي من الأحاديث أنَّها لا تتضاعف [11]، وإنَّما تتضاعف [12] الحسنةُ الأصليَّةُ لا هذه، وهذه شرطُها أن يتركها من أجله تعالى، أمَّا إذا تركها خوفًا من الناس، أو من الاطِّلاع [13] عليه، أو خوفًا على منصبه، أو غير ذلك؛ فإنَّها سيِّئة، ولكنَّ شرطها أن يتركها [14] من أجله تعالى، كما جاء في حديث آخر، والله أعلم.
تنبيه: حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا: «حسنات الحرم بمئة ألف حسنة»، ذكره الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة عيسى بن سواء، وقال: (هذا ليس بصحيح) انتهى.
==========
[1] (حدثنا): ليس في (ب).
[2] في (ب): (بريد)، وهو خطأ.
[3] في (ب): (وألبسها).
[4] (عنهم): ليس في (ب).
[5] (بن عمرو): ليس في (ب).
[6] (عز وجل): ليس في (ب).
[7] (عز وجل): ليس في (ج).
[8] في (ب): (شيخنا عن عبد).
[9] في (ج): (إذا).
[10] في (ب): (مضاعف).
[11] في (ب): (يتضاعف).
[12] في (ب): (يتضاعف).
[13] في (ج): (إطلاع).
[14] في (ب): (يترك).
[ج 1 ص 30]

(1/176)


[حديث: إذا أحسن أحدكم إسلامه]
42# قوله: (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ): تقدَّم مرَّات أنَّه بإسكان العين، وهو ابنُ راشد.
==========
[ج 1 ص 30]

(1/177)


[باب أحب الدين إلى الله أدومه]
(باب أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ) ... إلى (كِتَابُ العِلمِ)
قال ابن المُنَيِّر: إن قال قائل: كيف موقعها من زيادة الإيمان ونقصانه؟
قلنا: لأنَّ الذي يُوصف بالدَّوام أو التَّرك إنَّما هو العمل، وأمَّا الإيمان فلو تركه؛ لكفر، دلَّ على أنَّ العمل الدائم هو الذي يُطلق عليه أنَّه أحبُّ الدِّين إلى الله، وإذا كان هو الدِّين؛ كان هو الإسلام؛ لقوله: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19].
[ج 1 ص 30]
==========
[ج 1 ص 30]

(1/178)


[حديث: مه، عليكم بما تطيقون فوالله لا يمل الله حتى تملوا]
43# قوله: (يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ): (يحيى): هذا هو ابنُ سعيدٍ القطَّان، شيخ الإسلام، الذي قال [1] فيه أحمد: (لم تَرَ عيناي مثلَه)، وقال بُندار: (إمامُ أهلِ زمانه، واختلفتُ إليه عشرين سنة، فما أظنُّ أنَّه عصى اللهَ قطُّ)، تُوفِّي في صفر سنةَ (198 هـ)، وهو رأس في العلم والعمل، أخرج له الجماعة، وهو ثقةٌ وفوقَ الثِّقةِ.
قوله: (وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ): هذه هي الحولاء بنت تُوَيْت بن حبيب بن أسَد بن عبد العزَّى بن قُصيٍّ، هاجرت وكانت كثيرة العبادة والتهجُّد، وتُوَيْت: بضمِّ التاء المثنَّاة فوق، وفتح الواو، ثمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ مثنَّاة فوق، وقد صرَّح بها [2] مسلمٌ في روايته.
قوله: (تَذْكُرُ مِنْ [3] صَلَاتِهَا): (تَذْكُرُ): بفتح [4] المثنَّاة فوق على المشهور، ورُوِيَ: بالمثنَّاة تحت مضمومة على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلُه.
قوله: (مَهْ): هي كلمةُ زَجْرٍ وكَفٍّ، قال الجوهريُّ: (ومَهْ: كلمةٌ بُنيتْ على السكون، وهو اسمٌ سُمِّيَ به الفعل؛ ومعناه: اكفُف؛ لأنَّه زَجْرٌ، فإنْ وصلتَ؛ نوَّنت، فقلتَ: مَهٍ مَه [5]، ويقال: مهمهتُ به؛ أي: زجرتُه) انتهى.
وقوله: (اكفُف) فيه نظرٌ؛ لأنَّ (مَه) اسمُ فعلٍ لازمٍ، و (اكفُف) مُتعَدٍّ، بل ينبغي أن يُقال معناه: انكفف؛ لأنَّه لازمٌ، والله أعلم.
قوله: (لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا): قال ابن قُرقُول: (على بابها من الغاية، وإلى هذا ذهب ابنُ سِراج وأبوه؛ أي: لا يَمَلُّ لثوابهم مللًا مقابلة لمللهم، وقيل: خرج الكلام مَخرج قولهم: «حتَّى يشيب الغُراب»، على نفي القِصَّة، لا على وجودِها؛ أي: أنَّ الله لا يَمَلُّ، ولا يليقُ به الملل إن ملِلتم، وهو مِنَ المقابلة بين كلامين [6]؛ أي: لا يترك ثوابكم حتَّى تملُّوا وتتركوا لمللِكم عبادتَه، فسُمِّيَ تركُه لثوابهم مَلَلًا [7]، والمللُ إنَّما هو مِن صفات المخلوقين، وهو ترك الشَّيء؛ استثقالًا وكراهيةً بعد حِرصٍ عليه ومحبَّةٍ فيه) انتهى.
قوله: (وَكَانَ أَحَبّ الدِّينِ إِلَيْهِ): (أَحَبّ): يجوزُ نصبه على أنَّه خبرٌ مُقدَّمٌ، ويجوزُ رفعُه على أنَّه الاسم.
==========
[1] في (أ) و (ب): (قاله)، والمثبت من (ج).
[2] في (ب): (وقد خرج لها).
[3] (من): ليس في (ب).
[4] زيد في (ب): (التاء).
[5] (مه): ليس في (ب).
[6] في (ب): (شيئين).

(1/179)


[7] في (ب): (تركه مللًا لثوابهم).

(1/180)


[باب زيادة الإيمان ونقصانه]

(1/181)


[حديث: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله]
44# قوله: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ [1]: حَدَّثَنَا [2] قَتَادَةُ): (هِشامٌ): هذا هو ابنُ أبي عبد الله سَنْبَر الدَّسْتَوائيّ، ُ أبو بكرٍ البصريُّ، الحافظ، كان يبيع الثياب الدَّسْتَوائيَّة، ودَسْتَوا: مِن كور الأهواز، قال أبو داود الطيالسيُّ: (كان أمير المؤمنين في الحديث)، مات سنة (154 هـ)، وقد جعله الذَّهبيُّ في «الوفيات» في سنة (153 هـ)، وهو أحدُ الأقوال في وفاته، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان»؛ لكونه رُمِيَ بالقدر، وقد قيل: إنَّه رجع عنه.
قوله: (ذَرَّة): هي بفتح الذَّال المعجمة، ثمَّ راء مشدَّدة، قال ابن قُرقُول: (ما يَزِنُ ذُرَة _يعني: بضمِّ الذال المعجمة، وتخفيف الراء_ قال: وهو تصحيفٌ، صوابُه: ذَرَّة _يعني: كما ضبطته أنا_ يعني: نملة صغيرة، وقيل: الذَّرَّة: واحدةُ الذَّرِّ؛ وهو الهباءُ الذي يظهَرُ في شُعاع الشمس مِثلَ رُؤوسِ الإبَر.
ورُويَ عنِ ابن عبَّاسٍ أنَّه قال: «إذا وضعتَ كفَّكَ على غُبارٍ، ثمَّ رفعتَها فقبضْتَها؛ فما سقط مِن ذلك الغبار؛ فهو الذَّرُّ»، وحُكي: أنَّ الذَّرَّةَ جُزءٌ [3] من خردلةٍ، وأنَّ الخردلةَ تَعدِلُ في الوزنِ أربعَ ذَرَّاتٍ، وقيل: الذَّرَّة مِن ألفٍ وأربعةٍ وعشرينَ جُزءًا من شعيرة) انتهى، وسيأتي في (سورة النساء) زيادةٌ على ذلك إن شاء الله تعالى.
قوله: (قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ): (أبانُ) هذا: هو ابنُ يزيدَ [4] العطَّار أبو يزيد البصريُّ، أحدُ الأثبات المشاهير، وأبان: مصروفٌ على الصحيح، قال النوويُّ في «تهذيبه»: (فمَن صرفَه؛ قال: الهمزةُ أصلٌ، والألفُ زائدةٌ، وزنه (فَعَال)؛ كغزال، وعَنَاق، ونظائرِهما، ومَن منع؛ عَكَسَ، فقال: الهمزةُ زائدةٌ، والألفُ بدلٌ مِن ياء، ووزنه (أفعل) فلا ينصرف؛ لوزن الفعل)، وفي «شرح مسلم» للنَّوويِّ: (فمَن لم يصرفْهُ؛ جعلَه فِعلًا ماضيًا، والهمزةُ زائدةٌ، فيكونُ (أفعل)، ومَن صرفه؛ جعلَ الهمزةَ أصلًا، فيكونُ (فَعَالًا)، وصرفُه هو الصحيحُ الذي اختارَه الإمامُ محمَّدُ بنُ جعفرٍ في «جامع اللُّغة»، والإمام أبو محمَّد بن السِّيْد البطليوسيُّ) انتهى.

(1/182)


قال أحمدُ: (ثَبْتٌ في كلِّ المشايخ)، وقال ابنُ معينٍ، والنَّسائيُّ، وغيرُهما: (ثقةٌ)، توفِّي سنةَ بضعٍ وستِّين ومئة، أخرج له البخاريُّ، ومسلمٌ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال شيخُنا الشَّارح: أخرج له البخاريُّ متابعةً، ومسلمُ استقلالًا، والذي وقفتُ عليه إطلاقُ العبارةِ، والحكمةُ في ذِكر تعليقِ أبان؛ لأنَّ قتادةَ مُدلِّسٌ، وقد عنعنَ في السَّند الأوَّل وصرَّح بالتحديث في التعليق؛ فلهذا [5] جاء المؤلِّفُ به، وتعليقُ أبانٍ لم أرَهُ في شيءٍ مِنَ الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجْه شيخُنا [رحمه الله تعالى، وقال الحافظ المعاصر القاهريُّ: أخرجه الحاكم في «الأربعين» له بسندٍ صحيح] [6].
==========
[1] زيد في «اليونينيَّة»: (قال)، وليست في النسخ و (ق).
[2] في النسخ: (عن)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[3] في (ب): (حبة).
[4] في (ب): (زيد)، وهو خطأ.
[5] في (ب): (ولهذا).
[6] ما بين معقوفين سقط من (ب)، وزيد فيها: (في).
[ج 1 ص 31]

(1/183)


[حديث: أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم]
45# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ [1]): قال الدِّمياطيُّ: (عُتبة بن عبد الله بن مسعود أخو عبد الرحمن المسعوديُّ) انتهى، وهو بضمِّ العين المهملة، وفي آخرِه سينٌ مثلها مهملة، وثَّقه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وقال [2] أبو حاتم: (صالح)، قال الذَّهبيُّ: (موتُه قريبٌ مِن موت الأعمش)، وقال شيخُنا الشَّارح: (مات سنة 120 هـ) انتهى.
وبينهما بَوْنٌ؛ فإنَّ الأعمشَ تٌوفِّي في [3] ربيع الأوَّل سنةَ ثمانٍ وأربعينَ ومئة؛ فتحرَّر ما قالاه، وقد أخرجَ له الجماعةُ.
قوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ [لَهُ]: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ): لا أعرفه [4]، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: (وقع في «معجم الطبرانيِّ الأوسط» أنَّ القائلَ كعبُ الأحبار، ثمَّ ذكرَ شاهِدَه منه، وفيه عن كعب الأحبار قال: قلت لعُمر: إِنِّي لأعرفُ يومًا ... ؛ فذكره) انتهى.
وقال حافظُ عصري: (إنَّه كعبُ الأحبار، قال روينا ذلك في مُسند مُسَدَّد بإسنادٍ حسنٍ، وأورده ابنُ عساكر في أوائل [5] «تاريخ دمشق» من طريقه، وهو في «المعجم الأوسط» للطبرانيِّ من هذا الوجه، وكأنَّ سؤالَه لعُمر غير ذلك قبل أن يُسلم، وجاء في روايةٍ أُخرى في «الصحيح»: أنَّ اليهودَ قالوا، وقد تعيَّن السائلُ منهم هنا، فلعلَّه [6] لمَّا سأل كان في جماعة) انتهى
والذي ظهر لي أنَّ كعبًا قال لعُمر هذه المقالة أيضًا، والمذكورُ في «البخاريِّ»: (أنَّ رجلًا مِنَ اليهود قال ... )؛ فذكره، وكعبٌ وقتَ قوله لعُمر لَمْ يكن يهوديًّا، وقد تقدَّم أنَّه سأل في حال يهوديَّته، وفيه نظرٌ، فإن قيل: إنَّه أُطلق عليه ذلك باعتبار ما كان عليه؛ فهو مجازٌ، ولكنَّ [7] عندي أنا في ذلك وقفة، والله أعلم؛ وهو أنَّه يُطلق على كعب يهوديًّا مجازًا باعتبار ما كان عليه، والله أعلم، وما قيل فيه يتمشَّى على أنَّه أسلمَ في خلافةِ عمر، والصَّحيحُ خِلافُه.
==========
[1] في هامش (ق): (عُتبة بن عَبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعُود أخو عبد الرحمن المسعُودي).
[2] في (ب): (قال).
[3] (في): ليس في (ب).
[4] (لا أعرفه): ليس في (ب).
[5] في (ج): (أول).
[6] في (ج): (ولعله).
[7] في (ب): (لكن).
[ج 1 ص 31]

(1/184)


[باب الزكاة من الإسلام]

(1/185)


[حديث: خمس صلوات في اليوم والليلة]
46# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ): تقدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه إسماعيلُ بنُ أبي أُويس عبدُ الله، وأنَّه [1] ابن أخت مالكٍ الإمامِ.
قوله: (عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيلِ بْنِ مَالِكٍ): اسمُ أبي سُهيلٍ عمِّ مالكِ بن أنسٍ الإمامِ نافعٌ، روى عنِ ابن عمر، وسهل بن سعد، وأنس، وأبيه، وغيرِهم، وعنه مع ابن أخيه: الزُّهريُّ مع تقدُّمه، وآخرون، وثَّقه أحمدُ وأبو حاتم، قال الواقديُّ: (كان يُؤخَذُ عنه القراءة بالمدينة، بقي إلى إمارة السَّفَّاح)، وقد تقدَّم، أخرج له الجماعةُ.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللهِ): هذا فيه تصريحٌ مِن مالك بن أبي عامر الأصبحيِّ جدِّ الإمامِ مالكِ بن أنس أنَّه سمع طلحةَ بن عبيد الله، وقد توقَّفَ في ذلك الدِّمياطيُّ الحافظ أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف شيخ شيوخي، وسيأتي ما في ذلك؛ حيث ذكره الدِّمياطيُّ في «حواشيه» في أوَّل (كتاب الصوم)، وأتعقَّبُه هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: (أَنَّه سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيدِ اللهِ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ): هذا الرجلُ هو ضِمامُ بنُ ثعلبةَ السَّعديُّ، ذكره ابنُ طاهرٍ وابن بشكوال كذلك، وقد عزاه ابنُ بشكوال إلى ابن إسحاقَ، والبخاريِّ في «صحيحه»، والنَّسائيِّ، وغيرِهم، قال [2] ابنُ شيخنا العراقيُّ: (قلتُ: ضِمام بن ثعلبةَ هو السَّائلُ في حديث أنسٍ _كما [3] سيأتي_ لا [4] في حديث طلحةَ، والظاهرُ: أنَّهما قِصَّتان [5]، نبَّه عليه شيخُنا الإمامُ أبو حفصٍ [6] البُلقينيُّ) انتهى.
وقال ابن شيخنا البلقينيِّ بعد أن ذكر أنَّه ضِمام قال: (كذا قال ابنُ بطَّال وغيرُه، وفيه
[ج 1 ص 31]
نظرٌ؛ لأنَّ ضِمامًا إنَّما هو في حديث أنس [7]، أمَّا في حديث طلحةَ؛ فلا، والظاهرُ: أنَّهما قضيتان؛ لتبايُن الألفاظ، نبَّه عليه القُرطبيُّ) انتهى.
وكذا نقل حافظُ عصري ذلك عنِ البُلقينيِّ، وأنَّ الظاهر أنَّه غيرُه؛ لاختلاف السِّياقينِ قال: وهو كما قال، انتهى.
وقال السُّهيليُّ في الوفود من «الرَّوض» بعد أن ذكر حديث ضِمام قال: (وهو [8] الذي قال فيه طلحةُ بن عُبيد الله: جاء أعرابيٌّ مِن أهل نجدٍ ثائرَ الرأس) انتهى، فوافقَ مَن ذُكر عنه ذلك، وسيأتي الكلامُ على ضِمام، ومتى قَدِمَ في (باب القراءة والعرض على المحدث).

(1/186)


قوله: (مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ): هي ما بينَ جُرَشَ إلى الكوفةِ، وحدُّه ممَّا يلي المغرب الحجاز، وعن يسار الكعبة اليمن كذلك، ونجدٌ كلُّها من عمل اليمامة.
قوله: (ثَائِر الرَّأْسِ): هو بالثاءِ المثلَّثة؛ أي: منتشرُ الشَّعر منتفِشُه قائمُه، وهو مرفوعٌ صفةً لـ (رَجُلٌ)، ويجوزُ نصبُه على الحال.
قوله: (نَسْمَعُ ... وَنَفْقَهُ): بالنون المفتوحة مبنيَّان للفاعل، وبالمثنَّاة تحت المضمومة مبنيَّان للمفعول؛ روايتان، والنونُ أشهرُ وأكثرُ.
قوله: (دَوِيّ صَوْتِهِ): بفتح الدَّال المهملة، قال في «المطالع» بعد أن ذكر الفتح: (وجاء عندنا في «البخاريِّ»: ضمُّ الدال، والأوَّل أصوبُ؛ وهو شِدَّة الصَّوت وبُعده في الهواء).
قوله: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ): هو مرفوعٌ غيرُ منوَّنٍ، وهو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ؛ أي: هي خمسُ صلوات، والله أعلم، وكذا قوله: (وَصِيَامُ).
قوله: (إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ): اختُلف في هذا الاستثناء، فقال الشَّافعيُّ وأصحابُه وغيرُهم ممَّن يقول: لا تلزم النوافل بالشروع: هو منقطعٌ؛ تقديرُه: لكن إن تطوَّعتَ؛ فهو خيرٌ لك، وقال آخرون: متَّصلٌ، وهؤلاء يقولون: يلزمُ التَّطوُّعُ بالشروع؛ لأنَّه الأصلُ في الاستثناء، وقد قال تعالى: {وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33]، وبالقياس على حجِّ التطوُّع وعمرتِه.
قوله: (وَصِيَامُ رَمَضَانَ): فيه دليلٌ على جواز قولِ (رمضان) مِن غير إضافةٍ إلى (شهرٍ)، والمسألةُ ذكرها البخاريُّ في (الصوم)، وهو والمحقِّقون على جوازِه، وكان عطاءٌ ومجاهدٌ يكرهان أن يُقال: (رمضان)، وإنَّما يُقال كما قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185]، وحُكي أيضًا عنِ الحسن [9]، والطريقُ إليه وإلى مجاهدٍ ضعيفةٌ، وهو قولُ أصحاب مالكٍ.

(1/187)


وفي المسألة قولٌ ثالثٌ، وهو قولُ أكثر الشَّافعيَّة: إنْ كان هناك قرينةٌ تصرفُه إلى الشَّهر؛ فلا كراهةَ، وإلَّا؛ فيُكره، قالوا: فيُقال: (قُمنا [10] رمضان)، و (رمضانُ أفضلُ الشُّهور)، وإنَّما يُكرَه أن يُقال: (جاء رمضان)، و (حضر رمضان)، وأمَّا الحديثُ الذي في «كامل ابن عديٍّ» من حديث أبي هريرةَ مرفوعًا: «لا تقولوا: رمضانَ؛ فإنَّ رمضانَ اسمٌ مِن أسماء الله عزَّ وجلَّ، ولكن قولوا: شهرُ رمضان»؛ فقال أبو حاتم: إنَّه خطأ، وإنَّما هو مِن قول أبي هريرةَ، وقد عزا هذا الحديث الشَّيخُ محيي الدين النوويُّ في «تهذيبه» إلى البيهقيِّ قال: (وضعَّفه، والضعفُ عليه بيِّن) انتهى، وقد ذكر هذا الحديث القُرطبيُّ في «مُفهمه» وقال: (ليس بصحيحٍ من حديثِ أبي معشرٍ نجيحٍ، وهو ضعيفٌ) انتهى.
وذكره أيضًا الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة أبي معشرٍ المذكور، وكذا ذكرَه أبو الفرج بن الجوزيِّ في «موضوعاته»، فقال: (حديثٌ موضوعٌ)، ثمَّ ذكر أبا معشرٍ بالضَّعْف.
قوله: (وَلَا أَنْقُصُ): هو بفتح الهمزة، وضمِّ القاف، وهذا ظاهرٌ.
==========
[1] (عبد الله وأنه): ليس في (ب).
[2] في (ب): (وقال).
[3] في (ب): (لما).
[4] (لا): ليس في (ب).
[5] في (ب): (قضيتان).
[6] (الإمام أبو حفص): وضعت في (ب) في غير محلها.
[7] زيد في (ب): (أما في حديث أنس).
[8] في (ج): (هو).
[9] في (ب): (وحكي عنِ الحسن أيضًا).
[10] في (ب): (في).

(1/188)


[باب اتباع الجنائز من الإيمان]

(1/189)


[حديث: من اتبع جنازة مسلم إيمانًا واحتسابًا]
47# قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ): هو أحمدُ بن عبد الله بن عليِّ بن سُويد بن مَنجُوف، أبو بكرٍ السَّدُوسيُّ البصريُّ، عن يحيى القطَّان، وابنِ مَهديٍّ [1]، وطبقتِهِم، وعنه: البخاريُّ، وأبو داودَ، والنَّسائيُّ، وابنُ خُزيمةَ، وجماعةٌ، قال النَّسائيُّ: (صالحٌ)، قيل: تُوفِّي سنةَ (252 هـ)، وجزم بعضُهم بذلك، والمَنْجُوفيُّ نسبةً إلى جدِّه الأعلى مَنْجُوف، وهو بفتح الميم، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ جيم مضمومة، ثمَّ واو، ثمَّ فاء [2].
قوله: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ): هو بفتح الرَّاء، وهو ابنُ عُبادةَ أبو محمَّد الحافظ البصريُّ، صنَّفَ الكُتُبَ، وكان من العلماء، تُوفِّي سنة (205 هـ)، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعةُ، صدوقٌ تكلَّم فيه القواريريُّ بلا حُجَّةٍ، له ترجمةٌ في «الميزان»، وصحَّح عليه، فالعملُ على توثيقه [3].
قوله: (حَدَّثَنَا عَوْفٌ): هذا هو ابنُ أبي جميلةَ الأعرابيُّ، وإنَّما قيل له: الأعرابيُّ؛ لدخوله درب الأعراب، قاله ابن دقيق العيد، قال النَّسائيُّ: (ثقةٌ ثَبْتٌ)، مات سنة (147 هـ)، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان» [4].
قوله: (عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): (محمَّدٍ): مجرورٌ معطوفٌ على (الحسنِ)، و (محمَّد): هو ابنُ سِيرينَ، العالمُ المشهورُ، مشهور الترجمة.
وأمَّا (الحسنُ)؛ فهو ابنُ أبي الحسن يسار البصريُّ، العالم الفرد.
واعلم أنَّه إنَّما أتى بالحسنِ مقرونًا؛ لأنَّ روايتَه عن أبي هريرةَ فيها كلامٌ للنَّاس، قال أيُّوب، وعليُّ بنُ زيدٍ، وبهزُ بن أسد: (لم يسمعِ الحسنُ مِن أبي هريرةَ)، وقال يونسُ بن عُبيدٍ: (ما رآهُ قطُّ)، وذكر أبو زُرعةَ وأبو حاتم: (أنَّ مَنْ قال عنِ الحسنِ: حدَّثنا أبو هريرةَ؛ فقد أخطأَ)، وقال التِّرمذيُّ في «السُّنن»: (إنَّه لَمْ يسمعْ منه)، وقال النَّسائيُّ في «الصغرى» في حديث «المختلعاتُ هُنَّ المنافقاتُ»: (لم يسمعِ الحسنُ من أبي هريرةَ، قال: ولم أسمعه إلَّا مِن حديث أبي هريرة) انتهى، وقد رواه الطبرانيُّ من حديث عُقبة بن عامرٍ.

(1/190)


وقد ذكر بعضُ مشايخي في قول النَّسائيِّ في «سننه»: (قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة) _كذا نقل شيخي [5] العبارةَ عنِ النَّسائيِّ_: (وما ذكره عنِ الحسن سقط منه شيءٌ، وصوابُه: لم أسمعه مِن أحدٍ عن أبي هريرةَ، كما هو ثابتٌ في «النَّسائيِّ الكبير» رواية ابنِ الأحمر، وهو يؤيِّدُ مَن قال: الحسنُ سمعَ منه، وقد ذكر سماعه منه في «مسند أبي داود الطيالسيِّ»، والطبرانيِّ في «أوسط معاجمه» و «أصغرها»، قال أبو داود فيما حكاه ابن خلفون: زعم عبدُ الرحمن أنَّ الحسنَ كان يقول: حدَّثنا أبو هريرةَ، وهذا أثبتُ، قال: ورَوى ابنُ شاهين في «ناسخه» من حديثه عنه حديثًا، ثمَّ قال: هذا صحيح غريب، وقال الدَّارقطنيُّ في «علله» عن موسى بن هارون: سمع الحسن منه) انتهى ما قاله شيخي.
والعمدةُ في هذا الحديث على محمَّد بن سيرينَ عن أبي هريرة، هذا على القول بأنَّه لم يسمعه، وهو [6] الأكثرُ فيما وقفتُ عليه، وفي «تذهيب الذهبيِّ»: واختُلِف في سماعه من أبي هريرةَ رضي الله عنه، والله أعلم.
واعلم أنَّ البخاريَّ لَمْ يُخرِّج للحسن وحدَه عن أبي هريرةَ إلَّا حديثًا واحدًا وعلَّقَه، وهو (أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام رأى البيتَ المعمورَ يدخلُه كلَّ يومٍ سبعونَ ألفًا) [خ¦3207]، ذكرَه في (بدء الخلق) بلفظ: (وقال همامٌ: عن قتادة، عنِ الحسن به) [خ¦3207]، وأخرجَ له مَقرونًا [7]: «إنَّ موسى كان رجلًا حَيِيًّا ... »؛ الحديث عنه ومحمَّدٍ وخِلَاسٍ [خ¦3404]، وحديثَ: «غُفِرَ لِامْرأَةٍ مُومِسَةٍ» عنه وابنِ سيرين [خ¦3321]، و: «مَنِ اتَّبَعَ جنَازةَ مُسلمٍ» هذا الذي نحن فيه عنه ومحمَّدِ بن سيرين، والمعلَّقَ المذكور في كلامي [خ¦3207]، والله أعلم [8].
[ج 1 ص 32]
قوله: (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا): تقدَّم الكلام عليهما.
قوله: (حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا [9] وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا): هما مبنيَّان لما لَمْ يُسمَّ فاعلُه، كذا في أصلنا، ويجوزُ بناؤُهما للفاعلِ.
قوله: (تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ): الضَّميرُ في (تابعه) يعودُ على (رَوْحٍ)؛ أي: تابعَ روحًا في روايةِ نحوِ هذا الحديث عن عوفٍ المذكور في السند، (قال: حدَّثنا عوفٌ)؛ يعني: فرواهُ عثمانُ عن عوفٍ، عن محمَّدٍ، عن أبي هريرةَ مِن غيرِ ذِكْرِ الحسنِ [10] الذي ذَكَرَ أنَّه لَمْ يسمع من أبي هريرةَ.

(1/191)


و (عثمانُ) هذا: هو ابنُ الهيثمِ بنِ جَهْمِ بنِ عيسى بنِ حسَّانَ بنِ المنذرِ أشجِّ عبدِ القيس العبديُّ البصريُّ، روى عنه البخاريُّ، ورَوى هو والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة» عن رجلٍ عنه، تُوفِّي سنة (220 هـ)، له ترجمةٌ في «الميزان» [11]، وسيجيءُ أنَّ البخاريَّ روى في «الصحيح» عن ثلاثةٍ؛ كلٌّ منهم يُسمَّى عثمان، هذا [12] أحدُهم، والثاني: عثمانُ ابنُ أبي شيبةَ، والثالث: عثمانُ بنُ صالحٍ السهميُّ المصريُّ.
ومتابعتُه هذه ليستْ في شيءٍ مِنَ الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يُخرِّجها شيخُنا فيما رأيتُ، وقد قدَّمتُ أنَّ عثمانَ شيخُ البخاريِّ، والحديثُ [13] مِن طريقِه رباعيٌّ، ومِنَ الطريقُ التي قدَّمها خماسيٌّ، والله أعلم.

(1/192)


[باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر]
قوله: (مُكذِّبًا): المختارُ في الذَّال الكسرُ، وقد ضُبِطَ بفتحِها، وقد ضُبِطَ في أصلنا: بكسر الذَّال، وطرأَ عليها الفتحُ أيضًا، ومعناه بالفتح: إلَّا خشيتُ أنْ يُكذِّبَنِي [1]؛ مَن رأى عملي مخالفًا قولي، ويقول: لو كنتَ صادقًا؛ ما فعلتَ هذا الفعل، وبالكسرِ معناه ظاهرٌ.
قوله: (ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ): هذا هو عبدُ الله بنُ عُبيدِ الله بن أبي مليكةَ زهير _وزهيرٌ صحابيٌّ ورَوى عن أبي بكرٍ الصديق_ ابنِ عبد الله بن جُدعان التيميُّ، وابنُ أبي مُليكةَ مؤذِّنُ ابنِ الزُّبير وقاضيه، وثَّقه أبو زرعةَ وأبو حاتم، تُوفِّي سنةَ سبعَ عشرةَ ومئةٍ [2]، قال: (أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
واعلم أنَّ أسماءَ مَنْ أدركَ مِنَ الصحابة مذكورةٌ في «تهذيب الكمال» وغيره في ترجمتِه [3]، لكنَّهم لَمْ يبلغوا هذا العدد، أخرج له الجماعة [4].
قوله: (وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ): (يُذْكَرُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الحسن): هو ابنُ أبي الحسن البصريُّ، العالم المشهور الجليل.
قوله: (وَمَا خَافَهُ) وكذا (وَلَا أَمِنَهُ): الضميرُ فيهما يعودُ على [5] الله عزَّ وجلَّ، ويَحتمل أنْ يعودَ على (النفاق).
قوله: (ومَا يُحْذَرُ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.
==========
[1] في (ب): (تكذبني).
[2] زيد في (ب): (وعنه).
[3] «تهذيب الكمال» (15/ 256).
[4] قوله: (أخرج له الجماعة): ليس في (ب).
[5] في (ب): (إلى).
[ج 1 ص 33]

(1/193)


[حديث: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر]
48# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ): هو بفتح العينينِ المهملتين، وراءين؛ الأُولى ساكنة، ابنُ البِرِنْد _بموحَّدة، ثمَّ راء، مكسورتين، ويقال: بفتح الباء، وفي كلام بعض الناس: أنَّه بفتح الباء والراء، والكسرُ أصحُّ وأشهر، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ دال مهملة_ ابنِ النُّعمان القرشيُّ السَّاميُّ _بمهملة_ إلى سامةَ بنِ لُؤيٍّ، روى عن شعبةَ، وعُمرَ بن أبي زائدةَ، وطائفةٍ، وعنه: البخاريُّ، وبُنْدَارٌ، والكَجِّيُّ، تُوفِّي سنةَ (213 هـ)، أخرج له مع البخاريِّ مسلمٌ وأبو داودَ، قال أبو حاتم: (ثقةٌ صدوقٌ)، وقال النَّسائيُّ: (ليس به بأس) [1].
قوله: (عَنْ زُبَيْدٍ): هو بزايٍّ مضمومةٍ، ثمَّ موحَّدةٍ مفتوحة، ثمَّ مُثنَّاة تحتُ، وهو زُبَيْد بن الحارث بن عبد الكريم الياميُّ، ويام؛ بطنٌ مِن هَمْدان، ويقال: الأياميُّ، الكوفيُّ، قال يحيى القطَّان: (ثَبْتٌ)، وقال أبو حاتم وغيرُه: (ثقةٌ)، مات سنةَ (122 هـ)، وقيل: سنةَ أربعٍ، أخرج له الجماعةُ [2].
فائدة: زُبَيْد هذا تقدَّم ضبطُه، ولهم زيَيْد _بضمِّ الزاي وكسرها أيضًا، وفتح المُثنَّاة تحت، بعدَها مُثنَّاةٌ أُخرى ساكنة_ ابنُ الصلت بن مَعدي كرب الكِنديُّ، له ذِكْرٌ في «الموطَّأ» من رواية: هشام بن عُروة عنه أنَّه قال: (خرجتُ مع عمرَ بن الخطَّاب إلى الجُرف [3]، فنظر فإذا هو قد احتلم وصلَّى ... ) وذكر القِصَّة، ورَوى مالكٌ في «الموطَّأ» أيضًا: عنِ الصَّلْتِ بن زُيَيْدٍ عن غير واحدٍ من أهله: أنَّ عمر بن الخطَّاب وجدَ ريحَ طِيبٍ وهو بالشجرة وإلى جنبه كثيرُ بنُ الصلت، قال عمر: ممَّن هذا الطيب؟ ... ؛ فذكر القِصَّة، قال عبدُ الغنيِّ بن سعيد: (إنَّ الصلتَ بنَ زُيَيْد هو زُيَيْد بن الصَّلت المتقدِّم)، وحَكى ابنُ الحذَّاء قولين آخرين فيهما بُعدٌ، والصلتُ بنُ زُيَيْد هذا وُلِّي قضاء المدينة [4]، وأمَّا قولُ ابنِ الحذَّاء: (إنَّ أباه زُيَيْد بن الصلت كان قاضي المدينة في زمان هشام بن عبد الملك)؛ فوهمٌ منه، وهذا ليس له ذكر في «البخاريِّ» و «مسلم»، بل ولا في بقيَّة الكتب السِّتَّة راوٍ يُقال له: زُيَيْد؛ بمُثنَّاة تحتُ مكرَّرة، بل ولا راوٍ اسمُه [5] (زُبَيد)؛ بموحَّدة إلَّا الأياميَّ المذكور، وفيها أبو زُبَيد كنيةُ عَبْثَر بن القاسم، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وأحمدُ، وقال أبو داود: (ثقةٌ ثقةٌ) [6].

(1/194)


قوله: (أَبَا وَائِلٍ [7]): هو شقيقُ بن سلَمة _بفتح اللَّام_ الأسديُّ، مخضرمٌ، سمع عمرَ، ومعاذًا، وعبدَ الله بن مسعود، وعنه: منصورٌ، والأعمش، قال: (أدركتُ سبعَ سِنينَ مِن سِنِيِّ الجاهليَّة)، أخرج له الجماعة، قال ابن معينٍ: (ثقةٌ)، تُوفِّي سنة (82 هـ)، وكان مِنَ العلماء العاملين [8].
تنبيهٌ: المخضرمون ذكرتُهم في مؤلَّفٍ مفردٍ؛ فسارع إليه إن أردته.
قوله: (عَنِ الْمُرْجِئَةِ): هم قومٌ مبتدعةٌ يقولون: لا تضُرُّ الذنوب مع الإيمان، ولا يدخلُ مؤمنٌ النار وإنْ كان مذنبًا، وهم في الإيمان صِنفان؛ صنفٌ يقولون: إنَّ [9] الإيمان تصديقُ القلب فقط، وصنفٌ يقولون: الإيمان قولٌ باللِّسان وتصديقٌ بالقلب، وغَلَا منهم غالون فقالوا: هو الإقرارُ باللسان فقط.
تنبيهٌ: قد نقل أبو محمَّدِ ابنُ حزم الحافظُ الظاهريُّ: (قال ابنُ كَرَّام _يعني: محمَّد بن كَرَّام السجستانيُّ العابدُ المتكلِّمُ، شيخُ الكرَّاميَّة، وهو ساقطُ الحديث على بِدعتِه_: الإيمانُ قولٌ باللِّسان، وإنِ اعتقدَ الكُفْرَ بقلبه؛ فهو مؤمنٌ) انتهى.
وهذا منافقٌ محضٌ مخلَّدٌ في الدرك الأسفل من النار، وأيُّ شيءٍ يَنفعُ ابنَ كرَّامٍ أن نسمِّيَهُ مؤمنًا، وابنُ كرَّامٍ مبتدعٌ، ومِنْ بِدَع الكرَّاميَّة: أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ جسمٌ، لا كالأجسام.
و (كرَّام)؛ مُثَقَّلٌ كما قيَّده غيرُ واحدٍ، لا كما قاله متكلِّمُهم محمَّدُ بن الهيصم [10] من أنَّه (كَرَام)؛ بالتخفيف والفتح، والثاني: أنَّه (كِرَام) على لفظ جمع (كريم)، قال ابن الصلاح: (ولا مَعْدِل عنِ الأوَّل)؛ يعني: أنَّه بالفتح والتشديد، وأخبارُ ابنِ كَرَّام معروفةٌ [11]، نسأل الله السلامة والعافية.
فائدة: أوَّلُ المرجئةِ: الحسنُ بنُ محمَّدِ بن عليِّ بن أبي طالب ابنُ ابنِ الحنفيَّة، وله فيه تأليفٌ، وقد أخرج له الجماعة، وهو تابعيٌّ [12].
تنبيه [13]: نقل الذهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة ذرِّ بن عبد الله بن زرارة الهَمْدانيِّ: (قال أحمدُ: لا بأس به، هو أوَّلُ مَن تكلَّم في الإرجاء) انتهى [14]
وظاهرُ عبارته: أنَّه مِن تتمَّة كلام أحمدَ، فلعلَّ الحسن بن محمَّد ابن الحنفيَّة أوَّلهم، وهذا [15] أوَّل مَن أظهرَ ذلك وتكلَّم فيه، والله أعلم.
قوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ): هذا هو ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه، صحابيٌّ جليلُ القدر.

(1/195)


قوله: (وَقِتَالُهُ كُفْرٌ): لا بُدَّ مِن تأويل هذا الكلام، فإنَّ قتالَه بغير حقٍّ لا يُخرجه عنِ المِلَّةِ عندَ أهل الحقِّ ولا يُكفَّرُ به، وفي التأويلِ أقوالٌ؛ أصحُّها [16]: المراد به: كفْرُ الحقوق؛ فإنَّ للمسلم حقًّا على أخيه، فإذا قاتله؛ فقد كفرَ تلك الحقوق؛ أي: جَحَدَها، ثانيها: أنَّ المراد به: مَنِ استحلَّه بغير موجب ولا تأويل، ثالثها: أنَّه شابَه فِعْلَ الكفَّار، رابعُها: أنَّ المراد بالمقاتلة: المشارة، والتناوُل باليد، والتطاوُل على أخيه.
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (26/ 108).
[2] انظر «تهذيب الكمال» (9/ 289).
[3] الجرف: بضم الجيم والراء وفاء، موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جانب الشام، كذا ضبطه بضمتين الحافظ والسيوطي وغيرهما، واقتصر مجد الدين الشيرازي على أنه بسكون الراء وكذا المصباح فقال: الجرف بضم الراء وتسكن للتخفيف: ما جرفته السيول وأكلته من الأرض، وبالمخفف سمي به ناحية قريبة من أعمال المدينة على نحو من ثلاثة أميال.
[4] في (ب): (ولي القضاء بالمدينة).
[5] (اسمه): ليس في (ب).
[6] انظر «تهذيب الكمال» (14/ 269).
[7] في هامش (ق): (واسمه شقيق بن سلمة كوفيٌّ).
[8] انظر «تهذيب الكمال» (12/ 548).
[9] (إنَّ): ليس في (ب).
[10] انظر «الوافي بالوفيات» (5/ 112).
[11] انظر «سير أعلام النبلاء» (11/ 523).
[12] انظر «تهذيب الكمال» (6/ 316).
[13] في (ب): (فائدة).
[14] انظر «ميزان الاعتدال»، وانظر ترجمة ذر بن عبد الله في «تهذيب الكمال» (8/ 511).
[15] أي: ابن كرام.
[16] في (ب): (أحدها).
[ج 1 ص 33]

(1/196)


[حديث: إني خرجت لأخبركم بليلة القدر]
49# قوله: (عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ): هذا هو حميد بن تير، ويُقال: تيرويه، الطَّويل، توفِّي وهو قائمٌ يُصلِّي سنةَ (142 هـ)، أخرج له الجماعة، ثقةٌ يُدلِّس [1].
ولهم شخصٌ آخرُ يُقال له: حُميد بن هلال العَدَويُّ أبو نصرٍ البصريُّ، يروي عن أنسٍ أيضًا، وله عن أنسٍ في «البخاريِّ» حديثان، والله أعلم، سأذكرْهُما [2] [خ¦1246] [خ¦3214].
قوله: (فَتَلَاحَى [رَجُلَانِ]): أي: تسابَّا، والاسمُ: اللِّحاء، وفي «الصِّحاح»: (لاحيتُه مُلاحاةً ولِحاءً؛ إِذَا نازعتَه)، وفي المَثَل: «مَن لاحاكَ؛ فقد عاداكَ») [3].
[ج 1 ص 33]
قوله: (رَجُلَانِ): قال شيخُنا الشَّارح: (مكثتُ مُدَّةً فلم أعثر على مَن سمَّاهما، إلى أن رأيتُ ابنَ دحيةَ في كتابه «العلم» المشهور قال: هما كعب بن مالك وعبد الله بن أبي حدرد) انتهى.
قال ابن شيخنا البلقينيِّ: (ولم يأتِ على ذلك بشاهدٍ) انتهى.
وأخبرني مَن أَخبر [4] عن شيخنا شيخ الإسلام البُلقينيِّ إنكار ذلك.
وابنُ دحيةَ: هو الحافظُ عمر بن الحسن بن الخطاب الأندلسيُّ، متَّهمٌ في نقله، له ترجمةٌ في «الميزان»؛ فانظرها إن شئت، والله أعلم.
والعلَّامة أبو حيَّان أثير الدين [5] شيخ شيوخنا في «النظر الحَسبي» أنكر أنْ يكون ضعيفًا، وقال: (إنَّ [6] مَن ضعَّفَه لَمْ يَخبُرْه)، والله أعلم.
قوله: (فَرُفِعَتْ): أي: رُفِعَ معرفتُها، لا أنَّها رفعتْ، وقد أجمعَ مَن يُعتدُّ به في الإجماع على بقائها، وشذَّتِ الروافضُ فقالوا: رُفعتْ، ولو رُفعتْ؛ ما قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «التمسوها»، والله أعلم [7].
==========
[1] انظر «تهذيب الكمال» (7/ 355).
[2] انظر «تهذيب الكمال» (7/ 403).
[3] «الصحاح».
[4] في (ج): (وأخبرت عمن أخبرني)، وكذا كانت في الأصل قبل الإصلاح.
[5] (أثير الدين): ليس في (ب).
[6] (إنَّ): ليس في (ج).
[7] (والله أعلم): ليس في (ب).

(1/197)


[باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة]
قوله: (لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ): سأذكرُ قريبًا إن شاء الله تعالى (وفدَ عبد القيس) كم هم، ومتى وفدوا، ومَن عرفتُ منهم.
==========
[ج 1 ص 34]

(1/198)


[حديث: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله]
50# قوله: (أَخْبَرَنَا [1] أَبُو حَيَّان التَّيْمِيُّ): (حَيَّان): بفتح الحاء المهملة، وتشديد المُثنَّاة تحت، واسمُه يحيى بنُ سعيدِ بنِ حَيَّانَ _ككُنيته_ التيميُّ، إمامٌ ثَبْتٌ، تُوفِّي سنةَ (145 هـ)، أخرج له الجماعةُ [2].
قوله: (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ): تقدَّم أنَّ اسمَه هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرحمن، وقيل: جرير، وقيل: عمرو، واسم أبيه عمرو بن جرير بن عبد الله البَجَليُّ، من علماء التابعين، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وغيرُه، أخرج له الجماعة [3].
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه عبدُ الرحمن بن صخر، على الأصح مِن نحوِ ثلاثين قولًا، وتقدَّم ما فيه [4].
قوله: (وَبِلِقَائِهِ ... وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ): اختُلف في الجمع بين الإيمان باللِّقاء والبعث:
فقيل: اللِّقاءُ يحصُلُ بالانتقال إلى دار الجزاء، والبعثُ بعدَه عند قيام الساعة.
وقيل: اللِّقاء ما يكون بعدَ البعث عند الحِساب.
ثمَّ ليس المرادُ باللِّقاء رؤيةَ الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطعُ لنفسِه بها، فإنَّها مختصَّةٌ بمَن مات مؤمنًا، ولا يَدري الإنسانُ بِمَ يُختَمُ له، كذا قالوا، أمَّا في الجنَّة؛ فيراه داخلوها، وأمَّا في المحشر؛ فللعلماء في رؤية الخَلْق له تعالى ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة، سأذكرُها في أواخر هذا التعليق إن شاء الله تعالى ذلك وقدَّره، وأذكرُها أيضًا هنا تعجيلًا للفائدة.
فاعلم أنَّ رؤيةَ الله عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة فيها ثلاثةُ أقوالٍ لأهل السُّنَّة:
أحدُها: لا يَراه إلَّا المؤمنونَ.
والثاني: يَراه أهلُ الموقف؛ مؤمنُهُم وكافرُهم، ثمَّ يحتجِبُ عنِ الكفَّار، فلا يَرونَه بعد ذلك.
والثالث: يَراه المنافقون دون الكفَّار، قال ابنُ قيِّم الجوزيَّة في «حادي الأرواح» في الباب الخامس والستِّين: (والأقوالُ الثلاثةُ في مذهب أحمدَ وهي لأصحابه، وكذلك الأقوال الثلاثة بعينها في تكليمه لهم)، قال: (ولشيخنا في ذلك مصنَّفٌ مفرد، حكى فيه الأقوالَ الثلاثةَ وحُجَجَ أصحابها)، وقال ابن القيِّم قُبيل هذا الكلام: (فقد دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ الصريحةُ على أنَّ المنافقينَ يَرونَه في عَرَصات القيامة، بل والكفَّار أيضًا، كما في «الصَّحيحين» في حديث التجلِّي يومَ القيامة، وسيمرُّ بك عن قريبٍ) انتهى.

(1/199)


قوله: (الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ): إنَّما قيَّدها؛ ليُخرج صدقةَ التطوُّع، فإنَّها زكاةٌ لغويَّة، وقيل: للاحتراز من [5] الزكاة المعجَّلة قبل الحول، فإنَّها زكاةٌ غيرُ مفروضةٍ، أو للتأكيد، والله أعلم.
قوله: (وَتَصُومَ رَمَضَانَ): ذكرَهُ بغيرِ (شهر)، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك قريبًا؛ فانظره.
قوله: (عَنْ أَشْرَاطِهَا): أشراطُ الساعة: مُقَدِّماتُها، وهي علاماتٌ بين يديها أيضًا، وكذلك أشراطُ الأشياء، واحدُها شَرَط؛ بفتح الشِّين والراء، وقيل: أشراطُ الساعة: أعلامُها.
قوله: (رَبَّهَا): وفي روايةٍ لمسلمٍ: (رَبَّتَهَا)، وفي روايةٍ له أيضًا: (بَعْلَهَا)، والبعلُ: هو المالك على الصحيح أو السَّيِّد، وأمَّا [6] الرَّبُّ؛ فالسَّيِّد [7]، والرَّبَّة: السَّيِّدة؛ أي: تَلِدُ مِثلَ سيِّدِها ومالِكِها؛ أراد: كثرةَ السراري واتِّساع الأحوال، وقيل: معناه: العقوقُ حتَّى يكونَ الولدُ لأُمِّه في الغِلظة والاستطالة كالسَّيِّد، وقيل: لمَّا كان الذي تلِدُه مِن سيِّدها سببَ عتقِها؛ كان كالسَّيِّد المعتقِ لها، وأصلُ الرَّبِّ: المالكُ؛ ومنه: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وقيل: القائم بأمورِهم والمصلِح لهم، وقيل غيرُ ما ذكرتُ، وقد ذكر القرطبيُّ في أواخر «تذكرته» فيه خمسةَ أقوال.
قولُه: (رُعَاةُ الْإِبِلِ): الرُّعاةُ: بضمِّ الراء، جمعُ راعٍ؛ كقاضٍ وقُضاة، ويُقال أيضًا: بكسر الراء والمدِّ مِن غير هاء؛ كصاحبٍ وصِحاب [8].

(1/200)


قوله: (البهم [9]): قال في «المطالع»: (بضمِّ الموحَّدة هنا، صوابُه كما رواه أبو ذرٍّ الهرويُّ وغيرُه عنِ الأصيليِّ: بفتح الباء وضمِّها، ووقعتْ في أصل القابِسيِّ: بالفتح أيضًا، وحُكِي عنه ضمُّ الباء والميم وإسكان الهاء، جعلَه نعتًا للرُّعاة؛ أي: السود، قال الخطَّابيُّ: «معناه [10]: المجهولون الذين لا يُعرفون، ومنه: أبهم الأمر»، وقال غيرُه: همُ الذين لا شيءَ لهم؛ ومنه: «يُحشَرُ الناسُ عُراةً حفاةً بُهمًا»، وقيل في هذا أيضًا: متشابهي الألوان، والأوَّل أبين، وجاء في «مسلم» عقب [11] هذا الحديث: «يعني: العُرَيب» [12]، تصغير (العرب)، ومَن كسر الميمَ؛ جعلَه وصفًا لـ «الإبل»، وهي شرُّها، ووصفُهم بـ «الصُّمَّ البُكْمَ» [13] يدُلُّ على أنَّ ذلك كلَّه أوصافُ رُعاةِ الإبل [14]، وقال الطَّحاويُّ: «المرادُ بـ: البُكْمَ الصُّمَّ؛ أي: عنِ القول المحمود وسماعِه» [15]؛ أي: لا يعرفونه؛ لجهلهم، وقال الدِّمياطيُّ: «البُهم: السود، وهي أدونُ الإبل وشرُّها؛ لأنَّ الكِرامَ منها الصُّفْرُ والبِيضُ، ورَوى الأصيليُّ: بفتح الباء، وهو خطأٌ؛ لأنَّ البَهمةَ ليست من صِغارِ الإِبِل، وإنَّما هي مِن ولد الضَّأن والمَعز، قاله ابنُ بطَّال» [16]) انتهى [17]

(1/201)


[باب منه]

(1/202)


[حديث أبي سفيان مع هرقل]
51# قوله: (عَنْ صَالِحٍ): هذا هو ابنُ كيسان المدنيُّ، رأى ابنَ عُمر، وسمعَ عُروةَ والزُّهريَّ، وعنه: ابنُ عُيينةَ، وإبراهيمُ بنُ سَعْدٍ، وغيرُهما، وكان جامعًا للفقه والحديث والمروءة، قال أحمدُ: (هو أكبرُ من الزُّهريِّ، بَخٍ بَخْ [1])، أخرج له الجماعةُ، وثَّقه ابنُ مَعينٍ وغيرُه، قال الواقديُّ: (تُوفِّي بعد الأربعين ومئة)، رُمِي بالقدر، ولم يصحَّ ذلك عنه، ذكره في «الميزان» لذلك [2]، وصحَّحَ عليه [3]، وقد تقدَّم بعضُ هذا.
قوله: (عَنْ ابْنِ شِهَابٍ): تقدَّم مرَّات [4] أنَّه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد [5] الله بن عبد [6] الله بن شهاب، العالم [7] المشهور.
قوله: (أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ): تقدَّم أنَّ هذا صخرُ بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، والد معاويةَ رضي الله عنهما، مشهورُ الترجمة.
قوله: (أَنَّ هِرَقْلَ): تقدَّم الكلامُ عليه مختصرًا في أوَّل هذا التعليق؛ فانظره إن أردته.
[ج 1 ص 34]
قوله: (سَخْطَةً لِدِينِهِ): تقدَّم الكلامُ عليه، وكذا (بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ) في أوائل هذا التعليق.
قوله في التبويب: (اسْتَبْرَأَ): هو بهمزةِ مفتوحةٍ في آخره.
==========
[1] (بخ): بفتح الموحَّدة وسكون المعجمة، وقد تُنوَّن مع التثقيل والتخفيف بالكسر والرفع، ولو كررت فالاختيار أن تنوّن الأولى وتسكن الثانية، وقد يسكنان جميعًا، ومعناها: تفخيم الأمر والإعجاب به.
[2] في (ج): (كذلك).
[3] «ميزان الاعتدال»، وانظر «تهذيب الكمال» (13/ 79).
[4] (مرات): ليس في (ب).
[5] في (أ) و (ج): (عبد)، والمثبت من (ب)، وهو الصواب.
[6] في (أ) و (ج): (عيبد)، والمثبت من (ب)، وهو الصواب.
[7] زيد في (ب): (الفرد).

(1/203)


[باب فضل من استبرأ لدينه]

(1/204)


[حديث: الحلال بين والحرام بين وبينهما مشبهات]
52# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): هذا هو الفضلُ بنُ دُكَينٍ، واسم دُكين: عمرو بن حمَّاد، حافظ عَلَمٌ، روى عنِ الأعمش، وزكريَّا بن أبي زائدةَ، وأُمم، وعنه: البخاريُّ، وعبدُ بن حُميد، وأُمم، ثقةٌ ثَبْتٌ، تُوفِّي بالكوفة لانسلاخ شعبان سنة (219 هـ)، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعةُ، له ترجمة في «الميزان» [1].
قوله: (حَدَّثَنَا [2] زَكَرِيَّاء): تقدَّم أعلاه أنَّه ابنُ أبي زائدةَ، وهو هَمْدانيٌّ وادعيٌّ، حافظٌ، عنِ الشَّعبيِّ، وسِماك، وعنه: القطَّان، وأبو نُعيم، ثقةٌ يُدلِّس عنِ الشَّعبيِّ، تُوفِّي سنةَ (149 هـ)، أخرج له الجماعةُ، له ترجمةٌ في «الميزان»، وصحَّح عليه.
قوله: (عَنْ عَامِرٍ): تقدَّم أعلاه أنَّه الشَّعبيُّ، وهو ابنُ شُراحيل، مشهورُ الترجمة.
قوله: (النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ): هو بفتح الموحَّدة، وكسر الشِّين المعجمة، ابن سعد بن ثعلبة، الأنصاريُّ الخزرجيُّ، صحابيٌّ معروفٌ جليلٌ أشهرُ مِن أن يُذكَر، قال ابن الزُّبير: (هو أكبرُ منِّي بسِتَّة أشهرٍ)، أخرج له الجماعةُ، قُتِلَ في آخر سنة (64 هـ).
تنبيهٌ [3]: قال ابن عبد البَرِّ: لا يُصحِّحُ بعضُ أهل الحديث سماعَه من رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال: وهو عندي صحيحٌ؛ لأنَّ الشَّعبيَّ يقول عنه: (سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حديثين أو ثلاثة)، ثمَّ ذكر حديثًا يشدُّ ذلك، وسيأتي مُطوَّلًا في أوائل (كتاب البيع) [خ¦2051]، ووالدُه بَشِير صحابيٌّ شهدَ بدرًا، أخرج له النَّسائيُّ.
تنبيهٌ ثانٍ: بَشِير والدُه له حديثُ النُّحْل [4]، والمحفوظُ أنَّه لولده.
فائدة: أوَّل مَن بايع مِن الأنصار أبا بكرٍ الصِّدِّيق بَشِيرٌ هذا، والله أعلم.
قوله: (مُشَبَّهَاتٌ): كذا للسمرقنديِّ، وعند الطَّبريِّ: (مُتَشَبِّهَاتٌ)، وعند غيرهم: (مُشْتَبِهَاتٌ)، وكلُّه بمعنى: مشكلات، وذلك لما فيها مِن شَبَه طرفين متخالفين، فيشبه مرَّةً هذا ومرَّة هذا، ويشتبه: يفتعل منه؛ أي: يشكل؛ ومنه: {إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} [البقرة: 70]؛ أي: اشتبه، و {كِتَابًا مُّتَشَابِهًا} [الزمر: 23]؛ أي: في الصدق والحكمة غير متناقض.
فائدة: اعلم أنَّه اختُلف في المشبّهات التي ينبغي اجتنابها على أقوال:

(1/205)


الأوَّل: أنَّه الذي تعارضت فيه الأدلَّة فاشتبه أمرُه، وبه جزم بعضُهم [5]، ثمَّ ذكر في حُكمه أقوالًا؛ أحدُها: الحرمة؛ لأنَّه يوقِع في الحرام، والثاني: الكراهة، والورعُ تركُه، والثالث: الوقف، وصُوِّب الثاني؛ لأنَّ الشَّرعَ أخرجَها مِنَ الحرام، فهي مرتابٌ فيها، وصحَّ: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ ... »؛ الحديث.
وقال بعضُهم [6]: والظاهرُ أنَّها مخرَّجةٌ على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل وُرودِ الشَّرع، وفيه مذاهبُ؛ أصحُّها: لا يُحكم فيه بشيءٍ، الثاني: الإباحة، الثالث: المنع.
القول الثاني: المرادُ بـ (المُشَبّهات): المكروهات.
والثالث: أنَّها المباح، قال شيخُنا الشَّارح: (وهو مردودٌ) [7].
قوله: (لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ): أي: لسبب اشتباهِها على بعضٍ دونَ بعضٍ، لا أنَّها مشتبهةٌ في أنفسِها مشتبهةٌ على كلِّ الناس لا بيان لها؛ فإنَّ العلماءَ يعرفونها، ولهذا [8] نفى علمَها عن أكثر الناس، ولم يقل: لا يعلمُها كلُّ الناس، ولا أحدٌ من الناس.
قوله: (اسْتَبْرَأَ): تقدَّم أعلاه أنَّه مهموزُ الآخر.
قوله: (وَعِرْضِهِ): العِرْض؛ بكسر العين المهملة، وإسكان الراء؛ ومعناه: حمى نفسَه مِنَ الوقوع في المُشكل الحرام، والعِرْض أيضًا: الحسَب، كما سيأتي مُطوَّلًا، وتأوَّلَه قومٌ على العِرْض الذي هو الذَّمُّ والقولُ فيه، وفي «النِّهاية»: (أي: احتاط لنفسِه، لا يجوزُ فيه معنى الآباء والأسلاف) انتهى، وسيأتي الكلامُ عليه بأطولَ من هذا إن شاء الله تعالى.
قوله: (يُوشِكُ): هو بكسر الشِّين، وقد تُفتَح [9] في لغةٍ رديئةٍ، قاله [10] في «الصِّحاح»؛ أي: يسرع ويقرب، وقد تقدَّم الكلام عليها.
قوله: (حِمًى): هو بكسرِ الحاء منوَّنٌ، وزن (فِعَلٍ)؛ أي: محظورٌ لا يُقرَب.
قوله: (مُضْغَةً): هي قطعةُ لحمٍ بقدرِ ما يُمضَغُ في الفم.
قوله: (إِذَا صَلحَتْ ... وَإِذَا فَسدَتْ): هما بفتح اللَّام والسين [11]، ويُضَمَّان، وفي المضارع يُضمَّان فقط، ويُقال: صَلُحَ وفَسُدَ؛ إذا صار الصلاحُ والفسادُ هيئةً لازمةً له؛ كظَرُف وشَرُف؛ والمعنى: صارتْ ذاتَ صلاحٍ وفسادٍ، والله أعلم.
قوله: (الخُمس): هو بضمِّ الميم، وتُسَكَّن أيضًا.
==========
[1] «ميزان الاعتدال»، وانظر «تهذيب الكمال» (23/ 197).
[2] في النسخ: (عن)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[3] (تنبيه): ليس في (ب).

(1/206)


[4] مراده حديث: أكلَّ ولدِك نحلْتَه ....
[5] هو القرطبي في «المفهم» (14/ 108).
[6] هو النووي في «المنهاج».
[7] «التوضيح» (3/&).
[8] في (ج): (فلهذا).
[9] في (ب): (يفتح).
[10] في (ب): (قال).
[11] (والسين): ليس في (ب).
[ج 1 ص 35]

(1/207)


[باب أداء الخمس من الإيمان]

(1/208)


[حديث: مرحبًا بالقوم غير خزايا ولا ندامى]
53# قوله: (أَخْبَرَنَا [1] شُعْبَةَ عَنْ أَبِي جَمْرَةَ): هو بفتح الجيم وبالرَّاء، واسمُه نصرُ بنُ عِمرانَ الضُّبعيُّ، يروي عنِ ابن عبَّاسٍ، وابنِ عمرَ، وغيرِهما، وعنه: شعبةُ، وجماعةٌ، ثقةٌ، تُوفِّي سنة (128 هـ) [2]، أخرج له الجماعةُ، قال الجيَّانيُّ: (وليس في الكتابين _ يعني: «البخاريَّ» و «مسلم» _ بعد هذا مَن اسمُه جَمْرة ولا أبو جَمْرة بالجيم)، قال: (وفي نسخةِ أبي ذرٍّ عن أبي الهيثم: أبو حمزة عن عائذ بن عمرو؛ بالحاء والزاي، وذلك وهم وقع في «باب عمرة [3] الحديبية») انتهى، وقد ذكر ابن قُرقُول هذا المكان ومكانين آخرين وَهِمَ الرُّواة فيها؛ فانظر ذلك إن أردته.
تنبيه: ذكر بعضُ الحُفَّاظ عن شُعبةَ: أنَّه روى عن سبعةِ أشخاصٍ يُقال لكلٍّ منهم: أبو حمزة، رَوَوا كلُّهم عنِ ابن عبَّاسٍ، وكلُّهُم بالحاء والزاي، إلَّا أبا جَمْرة نصرُ بنُ عِمران، ويُدرَكُ فيه الفرقُ بينهم بأنَّ شعبة إذا قال: (عن أبي جَمْرة، عنِ ابن عبَّاسٍ) وأطلقَ؛ فهو نصرُ بنُ عِمران، وإذا روى عن غيره؛ فهو يذكُرُ اسمَه أو نسبَه، والله أعلم [4].
وهذا الكلام متعقَّبٌ أذكر [5] تعقبه في (كتاب النذر) إن شاء الله تعالى، وذلك أنَّ الدِّمياطيَّ ذكر هذا الكلام هناك.
قوله: (إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ): الوفدُ: الجماعة المختارة [6] من القوم؛ ليتقدَّموهم في لُقِيِّ العُلماء والمصير إليهم في المُهِمَّات، واحدهم: وافد، وقد تقدَّم الوعد بذكر الوفد الذين قدموا عليه عليه الصَّلاة والسَّلام، فاعلم أنَّهم كانوا أربعةَ عشرَ راكبًا [7]، وذكر [8] بعض الحفَّاظ في ترجمة أبي خيرة الصُّبَاحيِّ: أنَّهم كانوا أربعين رجلًا فأسلموا، ونحوه لابن عبد البَرِّ، والجمع بين (أربعةَ عشرَ) و (أربعين) أنَّ من قال: (أربعةَ عشرَ)؛ عدَّ الرؤساء، ومن قال: (أربعين)؛ عدَّ المجموع، والله أعلم، وسيأتي جمعٌ آخرُ في ذلك.
رئيسهم الأشجُّ العَصَريُّ؛ بفتح العين والصَّاد المهملتين، واسمه المنذر بن عائذ؛ بمُثنَّاة تحت، وذال معجمة، وقيل: المنذر بن الحارث
[ج 1 ص 35]
بن زياد، وقيل غير ذلك، سمَّاه عليه الصَّلاة والسَّلام به؛ لأثرٍ كان في وجهه.

(1/209)


ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وعُبَيدة بن همَّام المحاربيُّ، وهو بضمِّ العين، وفتح الموحَّدة، وكذا ذكره في المضموم الذَّهبيُّ في «تجريده»، وصُحار بن العبَّاس، وقيل: ابن عيَّاش المُرِّيُّ، وعَمرو بن مَرْجُوم العَصَريُّ _وهو بالجيم_ واسم أبيه: عبد قيس بن عمرو، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، ولا أعلم هذَا في الصَّحابة، إلَّا أن يكون أحد نُسب إلى جدِّه، أو جدٍّ له أعلى، أو في اسم أبيه اختلاف، أو المشهور فيه خلاف شعيب، أو نُسِب إلى خلاف الظاهر، والحارث بن جندب من بني عائش، ذكر ذلك النوويُّ بنحوه، ولم يذكر فيهم (جهْم بن قثم)، وجهم هذا هو [9] الذي كانت به الجراحة، وكان يَخْبَؤُها حياءً من النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ونقل النَّوويُّ ذلك [10] في «شرح مسلم» عن صاحب «التَّحرير»، وقد رأيت في «مبهمات أبي زُرعة» ولد شيخنا العراقيِّ ما لفظه: (روى الخطيب في «المتَّفِق والمفترِق» في ترجمة زيد بن عليٍّ بإسناده عن عوف قال: حدَّثني زيد بن عليٍّ أبو القموص قال: حدَّثني أحد الوفد الذين وفدوا على رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس قال: فإنْ لَمْ يكن قيس بن النُّعمان؛ فأنا أُنسيت اسمه ... ؛ وذكر الحديث، فاستفدنا بهذا [11] تعيين تاسعٍ) انتهى، وهو قيس بن النُّعمان العبديُّ، أحد وفد عبد القيس، له حديث في «أبي داود» في (الأشربة) في (باب الأوعية): (عن وهب بن بقيَّة، عن خالد، عن عوف، عن أبي القموص زيد بن عليٍّ قال: حدَّثني رجل من الوفد الذين وفدوا إلى رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من عبد القيس _يحسب عوف أنَّ اسمه قيس بن النُّعمان_ فقال: «لا تشربوا في نقير ... »؛ الحديث، فلا حاجة إذن إلى عزو تعيينه إلى «المتَّفق والمفترق»، فهذا في «أبي داود»، وقد ذكر السُّهيليُّ في وفد عبد القيس آخرين غير مَن ذكرهم [12]؛ وهم: (أبو الوازع الزَّارع بن عامر، وابن أخته مطر بن هلال العنزيُّ ... ) إلى أن قال: (ومنهم: ابن أخت أبي الوازع وكان به جنون)؛ فذكر قصَّته ... إلى أن قال: (ومنهم: أبو خيرة الصُّبَاحيُّ)، والله أعلم.

(1/210)


وجابر بن عبيد، قال ابن عبد البَرِّ: (أحد وفد عبد القيس)، فتكمَّلوا [13] أربعةَ عشرَ، وقد تقدَّم أنَّ بعضهم قال: (إنَّهم أربعون)، فعلى هذَا؛ يدخل فيهم مثل أبان المحاربيُّ، وعُمير بن جودان العبديُّ، ورسيم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [14]، وجودان غير منسوب، والظاهر أنَّه والد عمير، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ ابن أخت الوفد، وزيد بن صُحار، وذكر الذَّهبيُّ شخصًا آخر سمَّاه: (جارية بن جابر العَصَريَّ أحد وفد عبد القيس) انتهى، وجارية بالجيم، وهؤلاء وفدوا عام الفتح قبل خروجه عليه الصَّلاة والسَّلام إلى مكَّة.

(1/211)


فائدة: قال بعض الحفَّاظ من شيوخ شيوخنا _كما [15] تقدَّم_: كانوا أربعين، ويقال: أربعةَ عشرَ، قال: فلا منافاة؛ لأنَّهم وفدوا مرَّتين؛ وهم: الأشجُّ العَصَريُّ، واسمه المنذر بن عائذ _كما تقدَّم_ وكان رئيسهم، والأشعث ابن جُودان العبديُّ، والأصحُّ فيه: عمير، وجابر بن عبيد العَصَريُّ، وجارية بن جابر العَصَريُّ، وجهْم بن قُثَمَ، والحارث بن جندب من بني عائش، وحسَّان بن أبي حسَّان، والحارث بن شعيب العَصَريُّ، وحوثرة العَصَريُّ، وزارع بن عامر العبديُّ، وابن أخته مطر بن هلال، وصُحار بن العبَّاس [16]، وسفيان بن خولي بن عبد عمرو العَصَريُّ، وشهاب بن متروك العبديُّ، وعبد الله وقيل: عبد الرحمن بن جابر العبديُّ، وعُبيدة بن همَّام المحاربيُّ، وعمرو بن شعيب العَصَريُّ، وعمرو بن المرجوم العبديُّ، وقيس بن النُّعمان العبديُّ، وكعب بن الأعور بن مالك بن عمرو بن عوف، وكان من الشجعان الأشراف، ومَزْيَدة بن مالك المحاربيُّ، وهمَّام بن ربيعة العَصَريُّ، وهمَّام بن معاوية بن شبابة، نقلهما الذَّهبيُّ عنِ ابن سعد، وأبو خيرة الصُّبَاحِيُّ، وهو الذي روى: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس ... »، وقال: (زوَّدنا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الأراك نستاك به)، روى داود بن المساور، عن مقاتل بن همَّام، عن أبي خيرة الصُّبَاحِيِّ، قال: (كنت في الوفد الذين أتَوا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكنَّا أربعين راكبًا، فنهانا رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عنِ الدُّبَّاء، والحنتم، والنَّقير، والمُزفَّت، قال: ثمَّ أمر لنا بأراك، فقال: «استاكوا بهذا»، فقلنا: يا رسول الله؛ عندنا العُسب، ونحن نجتزئ به، قال: فرفع يديه وقال: «اللهمَّ؛ اغفر لعبد القيس؛ إذ أسلموا طائعين غير كارهين»، والقائف، وإياس، ورستم العبديُّ، والجارود بن المعلَّى [17]، وجودان، ومُشَمْرِج بن خالد العَصَريُّ، وزيد بن صُحار، ذكر الرُّشاطيُّ قدومهم [18] كان [19] مرَّتين، وذلك في (ترجمة الصُّبَاحِيِّ: أنَّ القائف وإياسًا) [20] ابني عبس قدما في الوفد الأوَّل، وأنَّ منازلهم البحرين، واختلف في عددهم، فروى ابن سعد أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كتب إلى أهل البحرين، فقدم عليه عشرون رجلًا رأسهم الأشجُّ، وأنَّ ذلك كان عام الفتح، وذكر النَّوويُّ: (أنَّهم أربعةَ عشرَ رجلًا)، وذكر ابن الأثير: (أنَّهم ثلاثةَ عشرَ راكبًا، وأنَّ قدومهم سنة تسع وسنة عشر)

(1/212)


[21]، قال الحافظ قطب الدِّين عبد الكريم الحلبيُّ: (وذكر شيخنا أبو محمَّد بن أبي جمرة أنَّ قدومهم كان في رجب)، قال الحافظ قطب الدين: (وقد وقع لي خمسةٌ وثلاثون رجلًا مسمَّون، وقد أفردتهم في جزء) انتهى.
قوله: (رَبِيعَةُ): هذه نسبة إلى جدِّهم الأعلى، فإنَّ عبد القيس بن أَفْصَى _بفتح الهمزة، ثمَّ فاء ساكنة، ثمَّ صاد مهملة مفتوحة_ بن دُعْمِيٍّ _بضمِّ الدَّال، ثمَّ عين ساكنة، مهملتين، ثمَّ ميم مكسورة، ثمَّ ياء مشدَّدة، مصروف_ بن جَدِيلة بن أسَد بن ربيعة بن نِزار.
قوله: (مَرْحَبًا): هو منصوب بفعل مُضمَر لا يظهر؛ أي: صادفتَ رُحْبًا، وأتيتَ رُحْبًا وسَعة، فاستأنِسْ، وقيل: بل انتصب على المصدر؛ أي: رحب الله بك مرحبًا، فوضع المرحب موضع الترحيب، وهو قول الفرَّاء، وإنَّما مدحهم بهذا؛ لأنَّهم أتَوا مسلمين طوعًا؛ فلم يصبهم خزيٌ بذنوبهم، ولا سَبْيٌ لحريمهم [22].
قوله: (غَيْرَ خَزَايَا): منصوبٌ على الحال، هكذا الرواية، ويؤيِّده ما في مكان آخر من «صحيح البخاريِّ»: «مرحبًا بالقوم الذين جاؤوا غيرَ خزايا»، وأشار صاحب «التَّحرير» إلى أنَّه رُوي بكسر الرَّاء على الصَّفة لـ (القوم)، والمعروف الأوَّل، قاله النَّوويُّ.
قوله: (خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى): كذا هنا، وجاء في غير هذا الموضع: (غير الخزايا ولا النَّدامى)؛ بالألف واللَّام، وفي رواية لمسلم: (غير خزايا ولا النَّدامى)، وكلُّه صحيح، وأمَّا معناه؛ فالخزايا: جمع خَزْيَان؛ كَحَيْرَان وَحَيَارَى: المُذَلِّين المهانين المقبوحين بوطء البلاد، وقتل النُّفوس، وسبي النِّساء، والنَّدامى هنا: جمع ندمان؛ بمعنى: نادم؛ وهي لغة في (نادم)، حكاها الجوهريُّ وغيره، وعلى هذا؛ فهو على بابه، وقيل: جمع نادم؛ إتباعًا لـ (الخزايا)، وكان الأصل: نادمين، وأتبع لـ (خزايا) [23]؛ تحسينًا للكلام، وهو كثير في كلام العرب.
قوله: (إِلاَّ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ): وفي نسخة هي في هامش أصلنا: (الشَّهر الحرام)، وعليها علامة راويها، والمراد: جنس الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة، وذو الحجَّة، والمحرَّم، ورجب، وإنَّما مُكِّنوا في هذه دون غيرها؛ لأنَّ العرب كانت لا تقاتل فيها، وقد اختُلِف في نَسْخ تحريم [24] القتال فيها على قولين؛ مذهب الجمهور: النسخ.
وقوله: (في شهر الحرام): هو من باب إضافة الشَّيء إلى نفسه، وفيه مذهبان مشهوران، (وفي حفظي: أنَّه في رواية: رجب) [25].

(1/213)


قوله: (مُضَرَ): هو غير مصروف، لأنَّه معدول وفيه العلميَّة والتَّأنيث؛ لأنَّها قبيلة معروفة.
قوله: (فَصْلٍ): أي: قاطعٍ يقطع ويبيِّن؛ ومنه: قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ} [الطارق: 13].
قوله: (نُخْبِرْ بِهِ): بالجزم جواب الأمر، ويجوز رفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه على من يُوثَق به: (نخبرُ)؛ بالرَّفع على الصِّفة لـ (أَمْرٍ).
قوله: (ونَدخُلْ بِهِ الجَنَّةَ): يجوز جزمه ورفعه، وعن القرطبيِّ قال: (قيَّدناه بالرَّفع أيضًا على الصِّفة، وبالجزم على جواب الأمر).
قوله: (فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، [وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ]، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللهِ): اعلم أنَّه عدَّ خمسةً، وقد فسَّرها لهم بالشَّهادتين، والصَّلاة، والزَّكاة، والصَّوم، ثمَّ ذكر لهم أداء الخُمُس، وجوابه: أنَّه أمرهم بالأربع التي وعدهم، ثمَّ زادهم خامسة؛ وهي أداء الخُمُس؛ لأنَّهم كانوا مجاورين كفَّار مضرَ، وكانوا أهل جهاد.
وجواب آخر: وهو أنَّ أوَّل الأربع إقام الصلاة، وذَكَرَ كلمة التَّوحيد؛ لأنَّها [26] الأساس، وفي هذا الجواب نظر؛ لأنَّ في بعض طرقه في «الصَّحيحين»: «شهادة أن لا إله إلَّا الله _وعقد واحدة_ وإقام الصَّلاة ... » إلى آخره، فعقدُ الواحدة ظاهرٌ في أنَّ الإيمان من الأربع، وقد رواه البخاريُّ في (كتاب الأدب)، وفيه: «أقيموا الصَّلاة»، وليس فيه ذكر الشَّهادتين، وفي بعض طرقه حذف (الصَّوم)، وقد ذكر ابن المُنَيِّر في (باب
[ج 1 ص 36]
أداء الخُمُس من الدِّين) هذا القول؛ أعني: أنَّ الإيمان غير معدود، وأنَّه لا ينتظم الكلام إلَّا كذلك؛ فانظره.
قوله: (عَنِ الْحَنْتَمِ): هو بحاء مهملة مفتوحة، ثمَّ نون ساكنة، ثمَّ مُثنَّاة فوق مفتوحة، ثمَّ ميم، فسَّره أبو هريرة: بأنَّه الجرار الخضر، كما في «مسلم» في (الأشربة)، وقال به أيضًا عبد الله بن مغفل من الصَّحابة، وهو قول الأكثرين أو كثيرين من أهل اللُّغة، وقيل: الأبيض والأخضر، وهو ما طُلِي بالحنتم المعلوم من الزُّجاج وغيره، وقيل: هو الفخَّار كلُّه، وقيل: الخضر في تفسير أبي هريرة: السود بالزفت، قال الحربيُّ: (وهي جرار مزفَّتة)، وقيل: هي جرار يحمل فيها الخمر من مصر أو [27] الشَّام، وقيل: هي جرار مُضرَّاة بالخمر، وقيل: هي جرار تُعمَل من طين قد عُجِن [28] بشعر ودم، وهو قول عطاء، فنُهِي عنها؛ لنجاستها.

(1/214)


قوله: (والدُّبَّاءِ): هو بضمِّ الدَّال المهملة، وقد تُكسَر، وتشديد الموحَّدة، وبالمدِّ على وزن (المُكَّاء)، والمُكَّاء: طائر، وحُكِي في (الدُّبَّاء) القصر: القرْع؛ ساكن الرَّاء، جمع (دُباءة)، قال شيخنا الشَّارح في (المناقب): (وذُكِر عنِ القزَّاز: أنَّها قصرت في لغيَّة).
قوله: (والنَّقِيرِ): هو بفتح النون، وكسر القاف، ثمَّ مُثنَّاة تحت ساكنة، ثمَّ راء؛ وهي النخلة تنقر _أي: يحفر في جوفها أو جنبها_ ويُلقى فيها الماء والتَّمر؛ للانتباذ، وقد فسَّره في الحديث في «صحيح مسلم» فقال: (هي النخلة تُنْسَح نَسْحًا، وتُنْقر نقرًا؛ أي: تُقشَر ويُحفَر فيها).
قوله: (المُقَيَّر): هو المُزَفَّت المذكور قبله، وهو المطليُّ بالقار، وهو الزِّفت، وقيل: الزِّفت: نوع من القار.
تنبيه: اعلم أنَّ هذا [29] النهي كان في أوَّل الإسلام، ثمَّ نسخ، وناسخه حديث بريدة في «مسلم»: أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «كنت نهيتكم عنِ الانتباذ في الأسقية؛ فانتبذوا في كلِّ وعاء، ولا تشربوا مُسكِرًا»، وسيأتي ما في هذا اللفظ، وهو (الأسقية) في (الأشربة)، وهذا مذهب الشافعيِّ والجمهور، وذهبت طائفة: إلى أنَّ النهي باقٍ؛ منهم: مالك، وأحمد، وإسحاق، حكاه الخطَّابيُّ عنهم قال: (وهو مرويٌّ عن عمر [30] وابن عبَّاس)، وقال شيخنا الشَّارح في (الأشربة): (وذكره أحمد أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، وأنَّه كتب بذلك إلى عديِّ بن أرطاة بالبصرة، قلت: أخرج ابن أبي شيبة عن عمر [31] بإسناد جيِّد عنِ البراء قال: أمرني عمر أن أنادي يوم القادسيَّة: لا تنتبذوا في دبَّاء ولا حنتم ولا مُزفَّت) انتهى [32]، والقادسيَّة سنة خمسَ عشرةَ من الهجرة.
==========
[1] في النسخ: (عن)، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة» و (ق).
[2] في (ب): (138 هـ).
[3] في (ب): (غزوة)، والمثبت رواية أبي ذر عن الكشميهني.
[4] «مقدمة ابن الصلاح» (ص&)، وانظر «التقييد والإيضاح» لزين الدين العراقي.
[5] في (ب): (إذا).
[6] في (أ): (المجتازة).
[7] (راكبًا): ليس في (ب).
[8] في (ج): (فذكر).
[9] (هو): ليس في (ج).
[10] في (ج): (ونقل ذلك النووي).
[11] زيد في (ب): (المعنى).
[12] في (ج): (ذكرتهم).
[13] في (ب): (فكملوا).
[14] في (ج): (العلاء).
[15] في (ب): (لما).
[16] في (ب): (العياش).
[17] في (ب): (العلاء).
[18] في (ب): (عددهم).
[19] (كان): ليس في (ب).

(1/215)


[20] ما بين قوسين ليس في (ب).
[21] زيد في (ب) و (ج): (وذكر أبو محمَّد بن أبي جمرة: أنَّ قدومهم كان في رجب)، وضرب عليها في (أ)، وهو الأصوب؛ لتكرارها بعد.
[22] في (ب): (يخزيهم).
[23] في (ب): (للخزايا).
[24] (تحريم): ليس في (ب).
[25] ما بين قوسين ليس في (ب).
[26] زيد في (ب): (الثلث).
[27] زيد في (ب): (من).
[28] في (ب): (عمل).
[29] زيد في (ب): (الدين).
[30] زيد في (ب): (وفيه).
[31] (عن عمر): ليس في (ب).
[32] «التوضيح» (27/&).

(1/216)


[باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى]
قوله: (بابُ مَا جَاءَ أَنَّ الأَعْمَالَ): (أنَّ): يجوز فيها فتح الهمزة وكسرها، وبهما ضُبِط في أصلنا، وفي غيره: بالفتح فقط، والنُّون مشدَّدة فيهما.
قوله: (وَالْحِسْبَةِ): هي بكسر الحاء، وإسكان السين، المهملتين، ثمَّ موحَّدة، ثمَّ تاء التأنيث؛ وهي ادِّخار أجر ذلك العمل، وأن يحسبه العامل في حسبانه.
قوله: ({شَاكِلَتِهِ}) [الإسراء: 84]: (نِيَّتِهِ): هذا قول في تفسير (الشَّاكلة)، وقيل: هي عادته، أو جَدِيْلَته التي طبع عليها من شقاء أو سعادة، أو ناحيته.
[قوله: (وَقَالَ النَّبيُّ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم] [1]: وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ): هذا تعليق مجزوم به، وقد أخرجه [2] البخاريُّ في (الحجِّ)، و (الجهاد)، و (الجزية) من حديث ابن عبَّاس، وعنه طاووس، وعنه مجاهد، وكذا أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال التِّرمذيُّ: (حسن صحيح).
==========
[1] ما بين معقوفين ليس في (ب).
[2] في (ب): (أخرج ذلك).
[ج 1 ص 37]

(1/217)


[حديث: الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى]
54# قوله: (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ): تقدَّم في أوَّل هذا التعليق أنَّه الأنصاريُّ النَّجَّاريُّ.
قوله: (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا): تقدَّم الكلام على هذه المرأة في أوَّل [هذا] التعليق.
==========
[ج 1 ص 37]

(1/218)


[حديث: إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهو له صدقة]
55# قوله: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ): هو عقبة بن عمرو الأنصاريُّ، واختُلف في شهوده بدرًا؛ فعدَّه البخاريُّ فيهم [1]، وسيأتي انتقاده عليه، وقد شهد العقبة مع الثَّلاثة والسَّبعين على ما تقدَّم عددهم في كلامي، والاختلاف فيه أنَّه منهم وكان أصغرَهم، وشهد أحُدًا وما بعدها، وهو من جلَّة الصَّحابة، تُوفِّي سنة أربعين، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة.
قوله: (يَحْتَسِبُهَا): أي: يبتغي بها وجه الله تعالى، وقد تقدَّم.
==========
[1] في (ب): (منهم).
[ج 1 ص 37]

(1/219)


[حديث: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها]
56# قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم مرَّاتٍ أنَّه العلم الفرد، أبو بكر محمَّد بن مسلم ابن شهاب.
قوله: (فِي فِي امْرَأَتِكَ): ويُروَى: (في فم امرأتك)، قال بعضهم: والأوَّل أصوب، و (فم) لغة قليلة، وفي (فم) ستُّ لغات: فَمٌ وفُمٌ وفِمٌ؛ مثلَّث الفاء، قاله بمعناه الجوهريُّ، ثمَّ [1] قال: (ومنهم من يعربه في مكانين، تقول: رأيت فمًا، وهذا فمٌ، ومررتُ بفمٍ، وأمَّا تشديد الميم؛ فلا يجوز إلَّا في الشعر)، ثمَّ أنشد شاهدًا لذلك، قال ابن السِّكِّيت: (ولو قيل: «في فَمِّه»؛ لجاز بفتح الفاء) انتهى، أَي: في أهله وحقِّه، وفي «المطالع» ذكر في (الفم) فقال: (فيه ستُّ لغات: فَم، وفُم، وفِم، ثمَّ التشديد) انتهى.
وذكر شيخنا الأستاذ أبو جعفر أحمد بن مالك الرعينيُّ في شرح «ألفيَّة ابن عبد المعطي»: في الفم لغاتٌ، وكذا [2] ابن أمِّ قاسم في «شرح الألفيَّة»، وما أسوقه هو لفظ ابن أمِّ قاسم، ولفظه: (وإن كان الفم بالميم؛ ففيه عشر لغاتٍ؛ نقصه، وقصره، وتضعيفه؛ كلٌّ منها مع فتح الفاء، وكسرها، وضمِّها، والعاشرة: إتباع فائه لميمه، وأفصحها: فتح فائه منقوصًا) انتهى.
==========
[1] (ثم): ليس في (ج).
[2] في (ج): (ذكر).
[ج 1 ص 37]

(1/220)


[باب قول النبي: الدين النصيحة لله ولرسوله .. ]
قوله: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ: لِله ... ) إلى آخره: أمَّا النصيحة لله؛ فمعناها منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال [1] كلِّها، وتنزيهه سبحانه عن جميع أنواع النَّقائص، وصفات المُحْدَث، والقيام بطاعته، واجتناب مخالفته، والحبِّ فيه، والبغض فيه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه ... إلى غير ذلك ممَّا [2] ذكر في الكتب المطوَّلة.
والنصيحة لرسوله: تصديقه في إرساله، وقبول ما جاء به، ودعا إليه، والطَّاعة له فيما سنَّ، وحكم، وشرع، وبيَّن من أمر الدِّين، وإعظام حقِّه، وتوقيره، ومؤازرته [3]، وإحياء طريقته في بثِّ الدَّعوة، وإشاعة السُّنَّة، ونفي التُّهمة عنه فيما قاله، وأنَّه كما قال.
والنَّصيحة لأئمَّة المسلمين، فهم الخلفاء الرَّاشدون، ومن بعدهم ممَّن يلي أمر الأمَّة، ويقوِّم، ومن نُصحِهم: بذلُ الطَّاعة لهم في المعروف، والصَّلاة خلفهم ... إلى غير ذلك.
ونصيحة عامَّة المسلمين: تعليمهم ما يجهلونه، وإرشادهم إلى مصالحهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عنِ المنكر، والشَّفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وغير ذلك، والله أعلم.
==========
[1] في (ب): (والجمال).
[2] في (ب): (كما).
[3] (ومؤازرته): ليس في (ب).
[ج 1 ص 37]

(1/221)


[حديث: بايعت رسول الله على إقام الصلاة]
57# قوله: (قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ): هو بالحاء المهملة والزَّاي، كنيته أبو عبد الله بجليٌّ، تابعيٌّ كبير [1] هاجر إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، ففاتته الصُّحبة بليال، وهو ثقة، أخرج له الجماعة، له ترجمة في «الميزان».
فائدة: ليس في التَّابعين أحد سمع من العشرة المشهود لهم بالجنَّة سواه، ذكر ذلك عبد الرحمن بن يوسف بن خِراش، وقال أبو عبيد الآجريُّ عن أبي داود: (روى عن تسعة من العشرة، ولم يرو عن عبد الرَّحمن بن عوف).
تنبيه: قول الحاكم في النَّوع السَّابع من «علومه»: (وقد أدرك سعيد بن المُسَيّب أبا بكر وعمر وعثمان ... ) إلى آخر العشرة، قال: (وليس في جماعة التَّابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد وقيس بن أبي حازم)؛ غلط صريح، وكذا قوله في النَّوع الرَّابعَ عشرَ: (فمِنَ الطَّبقة الأولى قوم لحقوا العشرة؛ منهم: سعيد بن المُسَيّب، وقيس بن أبي حازم، وأبو عثمان النَّهديُّ، وقيس بن عُبَاد [2]، وأبو ساسان حُضين بن المنذر، وأبو وائل، وأبو رجاء العطارديُّ) انتهى، قد أُنكِر ذلك على الحاكم؛ لأنَّ ابن المُسَيّب إنَّما وُلِد في خلافة عمر بلا خلاف، فكيف يسمع من أبي بكر رضي الله عنه؟ وقد اختلف في سماعه من عمر، وبالجملة فلم يسمع من أكثر العشرة، حتَّى قال بعضهم فيما حكاه ابن الصَّلاح: (لا يصحُّ له رواية عن أحد من العشرة إلَّا سعد بن أبي وقَّاص) انتهى.
[ج 1 ص 37]
فائدة ثانية: ذكر أبو عمر بن عبد البَرِّ مالك بن أوس بن الحدثان النصريَّ في «الاستيعاب» ومال إلى أنَّه تابعيٌّ، وأنَّه سمع من العشرة المهاجرين، وذكر في ترجمة قيس أنَّه لَمْ يسمع من ابن عوف، وقد ذكره شيخنا العراقيُّ في «المختلف والمؤتلف» وقال: (إنَّه مخضرم)؛ أعني: مالكًا، وهذا ذهابٌ منه إلى أنَّه تابعيٌّ، ثُمَّ قال: (وقد اختُلِف في صحبته) انتهى.
وكذا قال الذَّهبيُّ في «طبقات المحدِّثين»: (إنَّه مخضرم)، وقيل: له صحبةٌ، فهذا ثانٍ لقيس فردٌ عند ابن عبد البَرِّ، والله أعلم.
==========
[1] (كبير): ليس في (ب).
[2] في (ب): (عبادة).

(1/222)


[حديث: أما بعد أتيت النبي قلت أبايعك على الإسلام]
58# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): هو محمَّد بن الفضل السدوسيُّ عارم الحافظ، عنِ الحمَّادين، وغيرهما، وعنه: البخاريُّ، وعبد بن حُميد، تغيَّر قبل موته فما حدَّث، تُوفِّي سنة (224 هـ)، أخرج له الجماعة، صدوقٌ مُكثِر، له ترجمة في «الميزان»، وقد ذكرت مَن رُمِي بالاختلاط في مُؤلَّف مُفرَد، فإن أردته؛ فانظره.
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): اسمه الوضَّاح بن عبد الله الحافظ اليشكريُّ، سمع قتادة، وابن المنكدر، وعنه عفَّان وقتيبة ولوين، ثقة مُتقِن لكتابه، تُوفِّي سنة (176 هـ)، أخرج له الجماعة، وله ترجمة في «الميزان»، وهي تُجمِع [1] على [2] ثقته، وكتابه مُتقَن بالمرَّة، قال أبو حاتم: (ثقة يغلط كثيرًا إذا حدَّث من حفظه) انتهى، وفي نسختي بـ «الميزان» هَذِه الترجمة مكتوب عليها: (فائدة)، فما أدري أهي في الأصل أو حاشية؟
قوله: (يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ): توفِّي المغيرة سنة (50 هـ)، وحُكِي عليه الإجماع، وقيل: سنة (49 هـ)، وقيل: غير ذلك، وفي كلام الحافظ علاء الدين مغلطاي شيخ شيوخي في قول المزِّيِّ _فيما ظهر لي نقلًا عنِ التميميِّ_: أنَّه تُوفِّي سنة (50 هـ): (فيه نظر؛ لأنَّ في نسختين جيدتين من «تاريخ التميميِّ»: مات المغيرة لمَّا جاءه نعي عثمان سنة ستٍّ وثلاثين بالمدائن، ولم يذكر بعده قولًا آخر، وكان أميرًا على الكوفة إلى أنْ تُوفِّي بها) انتهى.
قال بعض العصريِّين من الحفَّاظ: (هذا الكلام إنَّما هو في حقِّ حذيفة، وأمَّا المغيرة؛ فلم يكن بالمدائن، بل كان بالمدينة الشريفة حين قُتِل عثمان، ودخل على عليٍّ، وله معه قصَّة [3] مشهورة) [انتهى، وهذه القصَّة معروفة مشهورة مع عليٍّ] [4] رضي الله عنهما.

(1/223)


غريبة: رُوِي عن [5] المغيرة قال: (أحصنت سبعين امرأة)، وعن نافع بن عبد الله الصائغ قال: (أحصن المغيرة ثلاث مئة امرأة في الإسلام)، وقال محمَّد بن وضَّاح القرطبيُّ عن عبد الله بن نافع قال: (ألف امرأة)، وعنه قال: (ما غلبني أحد قطُّ إلَّا غلام من بني الحارث بن كعب، فإنِّي خطبت امرأة منهم، فأصغى إليَّ الغلام، وقال: أيُّها الأمير؛ لا خير لك فيها، إنِّي رأيت رجلًا يُقبِّلها، فانصرفت عنها، فبلغني أنَّ الغلام تزوَّجها، فقلت: ألست زعمت كيت وكيت؟ فقال: ما كذبت رأيت أباها يقبِّلها)، والمغيرة مشهور الترجمة؛ فلا نطوِّل بها رضي الله عنه، أخرج له الجماعة، وبدهائه يُضرَب المثل.
قوله: (وَالْوَقَار وَالسَّكِينَة): قيل: إنَّ الوقار والسَّكينة بمعنًى واحد، وجُمِعا تأكيدًا، قال النَّوويُّ في «شرح مسلم»: (والظَّاهر أنَّ بينهما فرقًا؛ وهو أنَّ السَّكينة: التَّأنِّي في الحركات، واجتناب العبث، والوقار في الهيئة، وغضِّ البصر، وخفض [6] الصَّوت، والإقبال على طريقه بغير التفات، ونحو ذلك) انتهى.
قوله: (أَمَّا بَعْدُ): تقدَّم الكلام على إعرابها، وأوَّل من قالها في أوِّل هذا التَّعليق.
قوله: (وَالنُّصْحِ): هو بجرِّه، وكذا هو في أصلنا، وجرُّه معروف معطوف.
==========
[1] في (ج): (مجمع).
[2] (على): ليس في (ج).
[3] في (ب): (قضية).
[4] ما بين معقوفين ليس في (ب).
[5] (عن): ليس في (ب).
[6] في النسخ: (وغض)، والمثبت من «شرح صحيح مسلم».
[ج 1 ص 38]

(1/224)


((3)) (كِتَابُ العِلْم) ... إلى (باب الاِغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ)

(1/225)


[باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه]

(1/226)


[حديث: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة]
59# قوله: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ): هو بضمِّ الفاء، وهو فليح بن سليمان العدويُّ مولاهم، واسمه عبد الملك [1]، قال ابن معين، وأبو حاتم، والنَّسائيُّ: (ليس بالقويِّ)، وقال أبو داود: (لا يُحتَجُّ به)، وقال الدَّارقطنيُّ: (لا بأس به)، وقال ابن حبَّان: (من متقني أهل المدينة وحفَّاظهم)، أخرج له الجماعة، وليس لهم في الكتب السِّتَّة راوٍ يقال له: فُلَيح سواه، وهو أحد العلماء الكبار، وقد جاز القنطرة كما تقدَّم، له ترجمة في «الميزان»، والله أعلم.
[قوله: (ح): تقدَّم الكلام عليها في أوَّل هذا التعليق كتابةً ونطقًا؛ فانظره إن أردته] [2].
قوله: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ): تقدَّم أنَّه عبد الرحمن بن صخر، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا مرَّات [3]، وتقدَّم ما فيه [4].
قوله: (جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ): هذا الأعرابيُّ لا أعرفه؛ فليُبحَث عنه.
قوله: (إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ): (وُسِّدَ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (الأمرُ): مرفوع قائم مقام الفاعل، و (وُسِّدَ) في أصلنا مشدَّد بالقلم، وكذا في غيرها، ورأيته في نسخة صحيحة بالتشديد والتخفيف بالقلم، قال ابن قُرقُول: (كذا لكافَّة الرُّواة؛ أي: أُسند وجُعِل إليهم وقُلِّدوه؛ يعني: الإمارة، وعند القابسيِّ: «أُسِّد» [5]، وقال: الذي أحفظ: «وُسِد»، قال: وفيه عنده إشكال بين وُسِّد وأُسِّد، قال: وهما بمعنًى)، قال القاضي: (هو كما قال، وقد قالوا: وساد وإساد، واشتقاقهما واحد، والواو [6] هنا بعد الألف، ولعلَّها صورة الهمزة) انتهى.
ومعنى (وُسِّد الأمر): أي: تولَّاه غير أهل الدِّين ومن يعينهم على الظُّلم والفجور.
==========
[1] (واسمه عبد الملك): سقط من (ب).
[2] ما بين معقوفين ليس في (ب).
[3] (مرات): ليس في (ب).
[4] (وتقدم ما فيه): ليس في (ج).
[5] كذا في النسخ، وفي «المطالع» (&): (أوسد).
[6] في (ب): (وقالوا: الواو).
[ج 1 ص 38]

(1/227)


[باب من رفع صوته بالعلم]

(1/228)


[حديث: تخلف عنَّا النبي في سفرة سافرناها فأدركنا]
60# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تقدَّم أعلاه أنَّه محمَّد بن الفضل عارم السدوسيُّ، وفي نسخة هي على هامش أصلنا: (عارم بن الفضل)، وعليها (صح) [1]، والعارم: الشِّرِّير المُفسِد الخبيث، وقيل: الشَّرس، وكان بعيدًا من العرامة، ذكر أبو عليٍّ الجيَّانيُّ في «تقييده» بسنده إليه قال: (وُلِدت أنا وابن عمِّي هذا، فجاءنا الأسود بن شيبان، وكان شيخ حيٍّ، فسمَّاني عارمًا).
قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): تقدَّم أعلاه أنَّه الوضَّاح بن عبد الله، وتقدَّم بعض ترجمته.
قوله: (عَنْ أَبِي [2] بِشْرٍ): هوَ بالموحَّدة المكسورة، ثُمَّ بالشين المعجمة، واسمه جعفر بن أبي وحشيَّة إياس، لقي من الصَّحابة عبَّاد بن شرحبيل اليشكريَّ، وروى عنه حديثًا واحدًا رواه عنه شعبة [3]، وروى عن سعيد بن جبير، والشعبيِّ، وعنه: هشيم [4] وغيره، صدوق، أخرج له الجماعة، تُوفِّي سنة (125 هـ)، قال أبو حاتم وغيره: (ثقة)، وله ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه.
قوله: (عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ): هو بفتح الهاء، غير مصروف؛ للعجمة والعلميَّة، ورأيته مصروفًا في بعض النُّسخ الصحيحة، وكذا هو مضبوط في أصلنا في بعض الأماكن، وعن الأصيليِّ: (كسر الهاء وصرفه) انتهى، وهو فارسيٌّ مكيٌّ، عن أبيه، وعائشة، وأبي هريرة، وعنه: أيُّوب، وحُميد، ثقة، أخرج له الجماعة، تُوفِّي سنة (113 هـ).
قوله: (فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا): هذه السَّفرة جاءت مُبيَّنة في بعض طرق «مسلم»: (رجعنا مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مكَّة إلى المدينة حتَّى إذا كنَّا في الطَّريق؛ تعجَّل قوم عند العصر فتوضَّؤا وهم عجال ... )؛ الحديث.
قوله: (فَأَدْرَكَنَا): هو بفتح الكاف، والضَّمير منصوب.
قوله: (أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ): قال ابن قُرقُول: (كذا لأبي ذرٍّ، ولغيره: «أرهقْنا الصلاةَ»؛ أي: أخَّرناها حتَّى كادت تدنو من الأخرى،
[ج 1 ص 38]

(1/229)


وهذا أظهر وأوجه، قال الخليل: أرهقْنا الصلاةَ: استأخرنا عنها، وقال أبو زيد: أرهقنا نحن الصَّلاة: أخَّرناها، وأرهقتْنا [5] الصلاةُ؛ إذا حانت، وقال النضر: أرهقْنا الصلاةَ، وأرهقتْنا الصلاةُ، يقال: رَهِقت الشَّيء: غشيته، وأرهقني: دنا منِّي، وقال أبو عبيد: رهِقت القوم: غشيتهم ودنوت منهم، وقال ابن الأعرابيِّ: رهِقته وأرهقتُه؛ بمعنى: دنوتُ منه، وأرهق الحُلُمَ: دنا منه، ويكون أرهقتنا الصلاة: أعجلتنا؛ لضيق وقتها، يقال: أرهقتْه: أعجلتْه، وَمنه [6]: المراهَق؛ بالفتح في الحجِّ، ويقال بالكسر؛ أي: أعجله ضيق الوقت أنْ يطوف للورود قبل الوقوف بعرفة) انتهى لفظه.
وفي «النهاية»: (أرهقنا الصلاةَ؛ أي: أخَّرناها عن وقتها حتَّى كدنا نغشاها ونلحقها بالصلاة الأخرى التي بعدها).
قوله: (لِلأَعْقَابِ): هو جمع عَقِب؛ بفتح العين، وكسر القاف وتُسكَّن، وبالموحَّدة؛ وهو ما أُخِّر من القدم، وهي مؤنَّثة [7]، وقال الأصمعيُّ: (العقب: ما أصاب من مؤخِّر القدم الأرضَ إلى الشراك)، وقال ثابت: ما فضل من مؤخِّر القدم على الساق، ومعنى الحديث: ويل للأعقاب! إذ [8] لَمْ يهتبلوا بغسلها في الوضوء، ويحتمل أن يخصَّ العقب نفسها بألم من العذاب يتعذَّب صاحبها.
==========
[1] (صح): ليس في (ب).
[2] في (ج): (ابن).
[3] زيد في (ج): (وروي عن شعبة).
[4] في (ب): (هشام).
[5] في (ب): (وأرهقنا).
[6] ما بين قوسين ليس في (ب).
[7] (وهي مؤنثة): ليس في (ب).
[8] في (ب): (إن).

(1/230)


[باب قول المحدث: حدثنا أو أخبرنا]
قوله: (بابُ قَوْلِ الْمُحَدِّثِ «حَدَّثَنَا» و «أَخْبَرَنَا و «أَنْبَأَنَا») (المحدِّث): بكسر الدَّال المهملة المشدَّدة، وهو الشيخ المسمِّع [1]، وقوله: (حدَّثنا وأخبرنا وأنبأنا): الكلام في ذلك معروف في علوم الحديث؛ فلا نطوِّل به، ومن أراده؛ فعليه بكتبه.
قوله: (وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ): تقدَّم أنَّه بضمِّ الحاء، وأنَّه عبد الله بن الزُّبير، وأنَّه أوَّل شيخ روى عنه البخاريُّ في هذا «الصَّحيح»؛ فانظره إنْ أردته.
قوله: (وَقَالَ حُذَيْفَةُ): هو ابن اليماني حِسل _ويقال: حُسَيل_ ابن جابر بن عمرو، أبو عبد الله العبسيُّ _ بالموحَّدة_، صحابيٌّ مشهور الترجمة، أخرج له الجماعة، وأحمد في «المسند»، والصحيح في (اليماني) و (ابن الهادي) و (ابن أبي الموالي) و (ابن العاصي) إثبات الياء، قاله النَّوويُّ، وفي الصَّحابة من اسمه حذيفة غيره _فيما أعلم_ ستَّةٌ؛ الذي له رواية: هو وابن أَسِيد روى له أيضًا مسلم والأربعة، والباقون لا أعلم لهم رواية، والله أعلم، تُوفِّي حذيفة سنة (36 هـ)، وهو صاحب السِّرِّ، منعَهُ وأباه شهودَ بدر استحلافُ الجاهليَّة لهما.
قوله: (وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ [2]: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ): بخطِّ بعض الفضلاء في الهامش تجاه (أبي العالية): (اسمه رفيع بن مهران) انتهى، وقال شيخنا الشَّارح هنا: (أبو العالية البرَّاء _بالراء المشدَّدة_ واسمه زياد بن فيروز، أو أُذَيْنَة، أو كلثوم، أو زياد بن أُذَينة؛ أقوال، البصريُّ، القرشيُّ مولاهم، التابعيُّ، سمع ابن عمر وغيره، مات سنة (90 هـ)، وإنَّما قيل له: البرَّاء؛ لأنَّه كان يبري النبل، ومثله أبو معشر البرَّاء .. ) إلى آخر كلامه.

(1/231)


وقد راجعت ترجمة زياد بن فيروز؛ فوجدته أيضًا عنِ ابن عبَّاس، وراجعت كلام أبي عليٍّ الجيَّانيِّ؛ فرأيته ذكرهما، فقال: (تابعيَّان من أهل البصرة)، وترجمهما، لكن لَمْ يعيِّن من هو الراوي هنا، ثُمَّ راجعت «أطراف المزِّيِّ» في ترجمة رفيع أبي العالية الرِّياحيِّ؛ فرأيته قد ذكر هذا الحديث في ترجمته عنِ ابن عبَّاس، وعزاه أيضًا إلى البخاريِّ في (أحاديث الأنبياء)، و (التوحيد)، وفي (التفسير)، وفي (التَّوحيد) أيضًا: (قال لي [3] خليفة)؛ فذكره، وقد راجعت (كتاب التوحيد) في (باب ذكر النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وروايته عن ربِّه)؛ فوجدت الحديث بعينه، وأمَّا أبو العالية زياد بن فيروز؛ فإنَّه لَمْ يُذكَر له عنِ ابن عبَّاس غير حديث واحد، وهو في «البخاريِّ»، و «مسلم»، و «النسائيِّ»، ومتنه: (قدم النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأصحابه لصبح رابعة يلبُّون بالحجِّ، فأمرهم أن يجعلوها عمرة إلَّا من كان معه الهدي)، فالصواب إذن: ما في الحاشية لا ما قاله شيخنا الشَّارح، والله أعلم.
وأمَّا أبو العالية: رُفَيع؛ هو بضمِّ الراء، وفتح الفاء، ابن مهران الرِّياحيُّ _بكسر الراء، ثُمَّ مُثنَّاة تحت_ مولاهم، البصريُّ؛ فرأى الصِّدِّيق، وروى عن عمر وأُبيٍّ، وعنه: عاصم الأحول، وداود بن أبي هند، قالت حفصة بنت سيرين: (سمعته يقول: قرأت القرآن على عمر ثلاث مرَّات)، تُوفِّي سنة (90 هـ)، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن معين وأبو حاتم، له ترجمة في «الميزان»، وكذا في «الكامل» لابن عديٍّ، وهو ثقة، وأمَّا قول الشَّافعيِّ: (حديث أبي العالية الرِّياحيِّ رِياح)؛ فإنَّما أراد به حديثه الذي أرسله في القهقهة فقط، ومذهب الشَّافعيِّ أنَّ المراسيل ليست بحجَّة (إلَّا بشروط، والشروط مذكورة في كتب الحديث، فإن أردتها؛ فانظرها، وهي في كلام الشَّافعيَّة أيضًا) [4]، فأمَّا إذا أسند أبو العالية؛ فحجَّةٌ، وقد أفرد الخليليُّ الحافظ حديث القهقهة بالتأليف، وقد رويته، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ): هو عبد الرحمن بن صخر، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا تقدَّم مرَّات، وتقدَّم ما فيه [5].
==========
[1] في (ب): (المجمع).

(1/232)


[2] في هامش (ق): (اسمه رُفيع، قال شيخنا سراج الدين بن الملقن: إنَّه أبو العالية البراء زياد بن فيروز، انتهى، والصواب ما كتب على الهامش من أنَّه رُفيع، والحديث [ذكره المزي] في «أطرافه» في ترجمة رُفيع، وليس في «البخاري» لزياد بن فيروز غير حديث واحد ليس هو هذا).
[3] (لي): ليس في (ب).
[4] ما بين قوسين جاء في (ب) بعد قوله: (وقد رويته، والله أعلم).
[5] (وتقدم ما فيه): ليس في (ج).
[ج 1 ص 39]

(1/233)


[حديث: إن من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها]
61# قوله: (مَثَلُ الْمُسْلِمِ): هو بفتح الميم والثَّاء، وبكسر الميم، وسكون الثَّاء، قال الجوهريُّ: (مثل): كلمة تسوية، يقال: هذا مِثْله ومَثَله؛ كما يقال: شِبْهُه وشَبَهُه بمعنًى).
فائدة: أشبهت النخلة المسلم في كثرة خيرها، ودوام ظلِّها، وطيب ثمرتها، ووجوده على الدَّوام، فإنَّه مِنْ حين تطلع ثمرتها لا يزال يؤكل منه حتَّى ييبس، ويتَّخذ منها منافع كثيرة من خشبها وورقها وأغصانها؛ تُستعمَل جذوعًا، وحطبًا، وعصيًّا، وحُصُرًا، ومخاصر، وحبالًا، وأواني، وغير ذلك، ثُمَّ [1] يُنتفَع بنواها علفًا للإبل وغيرها، ثُمَّ كمال نباتها [2] وحسن ثمرته، وهي كلُّها منافع وخير وجمال، والمؤمن خير كلُّه من كثرة طاعاته، ومكارم أخلاقه، ومواظبته على عبادته وصدقته، وسائر الطَّاعات، هذا هو الصحيح في وجه الشَّبه للمسلم، وقد جاء حديث ذكره الحارث بن أبي [3] أسامة قال: «هي النخلة لا يسقط [4] لها أنملة، وكذلك المؤمن لا يسقط له دعوة»، قال السُّهيليُّ في «التعريف» [5]: (زاد الحارث في متنه زيادةً، وهي تساوي رِحلةً؛ فذكرها).
وفيه وجهٌ ثانٍ: أنَّ النخلة إذا قُطِع رأسُها؛ ماتت بخلاف الشَّجر، وثالث: من كونها لا تحمل حتَّى تلقح، وفيهما [6] نظر؛ لأنَّ التشبيه إنَّما وقع للمسلم، وهذان شاملان [7] المسلم والكافر، وقيل: لأنَّها فضلة تربة آدم على ما يروى وإنْ كان لا يثبت، قال ابن القيِّم في «الهدْي»: (في إسناده نظر) انتهى، وعلوُّ فرعها كارتفاع عمل المؤمن، وقيل: لأنَّها شديدة الثبوت؛ كثبوت الإيمان في قلب المؤمن، والله أعلم.
==========
[1] في (ب): (مما).
[2] في (ب): (بنائها).
[3] (أبي): ليس في (ب).
[4] في (ج): (تسقط).
[5] (في التعريف): ليس في (ب).
[6] في (ب): (وفيه).
[7] في (ج): (شاهدان).
[ج 1 ص 39]

(1/234)


[باب ما جاء في العلم وقوله تعالى {وقل رب زدني علمًا}]
قوله: (بَابُ الْقِرَاءَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُحَدِّثِ): اعلم أنَّ القراءة على الشَّيخ _ وهو المحدِّث_ والعرض عليه واحد، وإنَّما عطفه؛ لاختلاف اللَّفظ، ولأنَّ معظم
[ج 1 ص 39]
الناس يسمُّون القراءة على الشَّيخ عرضًا؛ بمعنى: أنَّ القارئَ يعرِض على الشَّيخ ذلك، والله أعلم.
قوله: (وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ الْقِرَاءَةَ جَائِزَةً): اعلم أنَّ هذه المسألة اختُلِف فيها؛ وهي القراءة على الشَّيخ المسمِّع [1]؛ وهي العرض، أجمعوا على صحَّة الرواية بها، وأمَّا ما حُكِي عن بعض من لا يعتدُّ بخلافه (أنَّه كان لا يراها) [2]، وهو أبو عاصم الضَّحَّاك بن مَخْلَد النبيل.
تنبيه: إنَّما قيل: له النبيل؛ لأنَّه قدم الفيلُ إلى البصرة، فخرج الناس يتفرَّجون، فجاء أبو عاصم إلى ابن جريج؛ ليستفيد منه العلم، فقال له ابن جريج: ما لك لَمْ تخرج مع الناس؟ فقال: لا أجد منك عوضًا، فقال: أنت نبيل، وقيل: لأنَّ شعبة حلف ألَّا يحدِّث أصحاب الحديث شهرًا، فبلغ ذلك أبا عاصم، فقصده فقال: حدِّث وغلامي العطَّار حرٌّ لوجه الله تعالى كفَّارة عن يمينك، فأعجبه ذلك، وقال: أبو عاصم نبيل، فلُقِّب به، وقيل: لأنَّه كان يلبس الثِّياب الفاخرة، فإِذَا أقبل؛ قال ابن جريج: جاء النَّبيل، وقيل غير ذلك.
وهو أبو عاصم الضحَّاك بن مَخْلَد النبيل، أحد الأثبات والحفَّاظ، عن يزيد بن أبي عبيد، وابن عجلان وبهز، والكبار، وعنه: البخاريُّ، وعبد بن حميد، وعبَّاس الدُّوريُّ، وخلق، قال عمر بن شبَّة: (ما رأيت مثله [3])، وقال أبو عاصم: (ما دلَّست قطُّ، ولا اغتبت أحدًا منذ عقلت تحريم الغيبة)، تُوفِّي في ذي الحجَّة سنة (212 هـ)، أخرج له الجماعة، قال في «الميزان»: تناكد العقيليُّ وذكره في كتابه، وساق له حديثًا خولف في سنده، هكذا زعم أبو العبَّاس النباتيُّ، قال الذهبيُّ: (وأنا [4] فلم أجده في «كتاب العُقيليِّ»، وقال النباتيُّ: ذُكِر لأبي عاصم أنَّ يحيى بن سعيد يتكلَّم [5] فيك، فقال: لست بحيٍّ ولا ميِّت إذا لَمْ أُذكَر، قال [6] [الذهبيُّ: قلت: أجمعوا على توثيق أبي عاصم، ثمَّ ذكر كلام ابن شبَّة) انتهى، صحَّح عليه] [7] في «الميزان»، فالعمل على توثيقه، والله أعلم.

(1/235)


روى محمَّد بن خلَّاد [8] الرامهرمزيُّ هذه القولة عنه، وروى الخطيب البغداديُّ عن وكيع قال: (ما أخذت [9] حديثًا قطُّ عرضًا)، وعن محمَّد بن سلَام: أنَّه أدرك مالكًا والناس يقرؤون عليه، فلم يسمع منه لذلك، وكذلك عبد الرحمن بن سلَّام الجمحيُّ لَمْ يكتفِ [10] بذلك؛ فقال مالك: (أخرجوه عنِّي)، وممَّن قال بصحَّتها من التَّابعين عطاء، ونافع، وعروة، والشعبيُّ، والزُّهريُّ، وآخرون كثيرون من الأئمَّة، منهم الأئمَّة الأربعة في خلق لا يحصون كثرة، وقد استدلَّ البخاريُّ على ذلك بحديث ضِمَام بن ثعلبة، وقد قال البخاريُّ: (سمعت أبا عاصم يذكر عن سفيان الثَّوريِّ ومالك أنَّهما كانا يريان القراءة والسَّماع جائزًا)، فيحتمل أنَّ أبا عاصم كان لا [11] يرى ذلك، وروى جوازه عن هذين.
وقد اختلفوا في القراءة على الشَّيخ هل تساوي قراءة الشَّيخ من لفظه، أو دونها، أو فوقها على ثلاثة أقوال؛ فذهب [12] مالك، وأصحابه، ومعظم علماء الحجاز والكوفة، والبخاريُّ: إلى التسوية بينهما، وحكاه أبو بكر الصَّيرفيُّ في «دلائله» عنِ الشَّافعيِّ، وذهب ابن أبي ذئب، وأبو حنيفة: إلى ترجيح القراءة على الشَّيخ على السماع من لفظه، وحُكِي ذلك عن مالك أيضًا، وحُكِي عن غيره من الجماعة العلماء، وذهب جمهور أهل الشَّرق: إلى ترجيح السماع من لفظ الشَّيخ على القراءة عليه، وهو الصحيح.
قوله: (وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ): المحتجُّ هو الحميديُّ عبد الله بن الزُّبير شيخه [13].
قوله: (بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ): هو بكسر الضَّاد المعجمة، وبعدها ميم مخفَّفة، صحابيٌّ سعديٌّ، أحد بني سعد بن بكر ووافدهم، قصَّته مشهورة، قال مغلطاي وكذا شيخنا الشَّارح: (كان قدومه سنة تسع فيما قاله أبو عبيدة، والطبريُّ، وابن إسحاق)، وقال الواقديُّ: (سنة خمس) انتهى.
وفي «الاستيعاب» في ترجمة ضمام السعديِّ: (ويقال: التميميُّ، وليس بشيء، قدم وافدًا في سنة خمس، قاله محمَّد بن حبيب وغيره، وقيل: سنة سبع، وقيل: تسع، ذكره ابن هشام عن أبي عبيدة) انتهى.

(1/236)


وظاهر سياق الحديث أنَّه لَمْ يأت مسلمًا، وإنَّما أسلم بعدُ، وقد بوَّب عليه أبو داود: (باب في المشرك يدخل المسجد)، قال شيخنا الشَّارح: (لا جرم)، قال القاضي: (إنَّه لَمْ يأت إسلامه بعد، وإنَّما جاء مستفتيًا) انتهى، ثُمَّ شرع شيخنا يستدلُّ بكلام القاضي وأبي داود، والذي رأيته في «شرح مسلم» فيما نقله النَّوويُّ عنه قال: (والظاهر: أنَّ هذا الرجل لَمْ يأت إلَّا بعد إسلامه، وإنَّما كان مستثبتًا ومشافهًا للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، والله أعلم) انتهى [14]
قوله: (آللهُ أَمَرَكَ): هو بمدِّ الهمزة؛ للاستفهام.
قوله: (بِالصَّكِّ): هو بفتح الصَّاد المهملة، وتشديد الكاف: الكتاب، ويجمع على صِكاك وصُكوك.
قوله: (يُقْرَأُ): مبنيٌّ لما لم [15] يُسمَّ فاعله، مهموز مرفوع، وهذا ظاهر.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ [16]): تقدَّم غير مرَّة أنَّ الأصحَّ في (سلام) التخفيف؛ فراجعه إن شئت.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ [17]): هذا هو محمَّد بن الحسن بن عمران المزنيّ&