روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الاثنين، 13 يونيو 2022

مجلد15.و16. التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)

   مجلد15.و16.  التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)

15.   مجلد15. التلقيح لفهم قارئ الصحيح (التلقيح على الجامع الصحيح) برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل
الشهير بسبط ابن العجمي (753 - 841 هـ)
---

[حديث: يا رسول الله لكل نبي أتباع وإنا قد اتبعناك فادع الله ... ]
3787# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرة قريبًا وبعيدًا أنَّه بفتح الموحَّدة، وتشديد الشين المعجمة، وأنَّ لقبه بُنْدار، وكذا تَقَدَّم قريبًا ضبط (غُنْدر)، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وبعيدًا أيضًا غيرَ مرَّةٍ، و (عَمْرو [1]) هذا: هو ابن مُرَّة.
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا حَمْزَةَ [2]): هو بالحاء المهملة والزاي، واسمه طلحة بن يزيد أبو حمزة الأنصاريُّ الكوفيُّ، مولى قرظة بن كعب، روى عن طلحة مرسلًا، وروى عن زيد بن أرقم، وعنه: عَمرو بن مُرَّة، لم يروِ عنه غيره فيما قاله ابن معين، وثَّقه ابن حِبَّان، أخرج له البُخاريُّ والأربعة، وذكره في «الميزان» لتحديث واحد فقط عنه، وهذا الحديث ذكره المِزِّيُّ في ترجمة طلحة بن يزيد عن زيد بن أرقم، وفي ترجمة عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن أرقم، والطريقان ذكرهما البُخاريُّ هنا.
قوله: (فَنَمَيْتُ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى): نميت الحديث أنميه _ مخففًا_؛ إذا بلَّغتَه على وجه الإصلاح وطلب الخير، فإذا بلَّغته على وجه الإفساد؛ فالتشديد، كذا قال أبو عُبيد، وابن قتيبة، وغيرهما، فعلى هذا (نميت) المذكورة هنا بالتخفيف، وقد ذكرت ذلك مطوَّلًا بزيادةٍ على ما هنا في (يوسف) في (الأنبياء).
==========
[1] في هامش (ق): (ابن مرة بن عبد الله).
[2] في هامش (ق): (قال أبو عليٍّ الغسانيُّ الحافظ: يقال: اسم أبي حمزة طلحة بن يزيد، وقال أبو الفضل محمد بن طاهر: طلحة بن يزيد أبو حمزة، وكذلك قال الحافظ أبو محمد عبد الغنيِّ المقدسيُّ وغيرهم من الحُفَّاظ رضي الله عنهم، انفرد البخاريُّ بطلحة هذا).
[ج 2 ص 43]

(1/6997)


[حديث: اللهم اجعل أتباعهم منهم]
3788# قوله: (قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ): هو كما ظنَّ شعبة، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 43]

(1/6998)


[باب فضل دور الأنصار]

(1/6999)


[حديث: خير دور الأنصار بنو النجار]
3789# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم ضبطُه أعلاه، وكذا (غُنْدر)، وأنَّه محمَّد بن جعفر.
قوله: (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ): هو بضمِّ الهمزة، وفتح السين، وهو أبو أُسَيد السَّاعديُّ، قال ابن ماكولا: ذكر أحمد ابن حنبل، عن ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن أبي الزِّناد، عن أبي سلَمة: عن أبي أَسِيد الساعديِّ، قال أبو عبد الله: وقال عبد الرزَّاق ووكيع: (أبو أُسَيد)، وهو الصَّواب، انتهى، واسمه مالك بن ربيعة أو هلال بن ربيعة، ومالك أشهر، خزرجيٌّ بدريٌّ، قيل: هو آخر البدريِّين وفاةً، أخرج له الجماعة، وأحمد في «المسند»، وبقيٌّ أيضًا، وقد تَقَدَّم.
قوله: (خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ): المراد بالدُّور: القبائل والعشائر المجتمعة في المحلَّة، فتُسمَّى المحلَّة دارًا، وقد تَقَدَّم.
قوله: (فَقَالَ سَعْدٌ): هو سَعْد بن عُبادة بن دُلَيم الأنصاريُّ الخزرجيُّ، وهذا معروفٌ، وسيجيء بُعَيده منسوبًا في تعليق عبد الصمد، والله أعلم، وبعد ذلك أيضًا في منقبته.
قوله: (مَا أَرَى): هو بفتح الهمزة.
قوله: (وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ): هذا هو ابن عبد الوارث التنُّوريُّ، حافظٌ حُجَّة، تَقَدَّم، وهذا تعليق، وسيجيء قريبًا: عن إسحاق عن عبد الصمد به، وإنَّما أتى به لأنَّ قتادة قال: عن أنس، وهو مُدلِّس، وفي التعليق صرَّح قتادة بالسماع من أنس، والله أعلم.
قوله: (قال: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ): تَقَدَّم الكلام على همزِه _وأنَّه بالضمِّ على الصواب_ وعلى اسمه ونسبه أعلاه وقبله.
==========
[ج 2 ص 43]

(1/7000)


[حديث: خير الأنصار بنو النجار وبنو عبد الأشهل]
3790# قوله: (شَيْبَانُ): هذا هو شيبان بن عبد الرحمن النَّحْويُّ، منسوبٌ إلى القبيلة لا إلى صناعة النَّحْو، تَقَدَّم مِرارًا، كذا قاله ابن الأثير في «لبابه»، وقد قدَّمتُ أنَّ ابن أبي داود وغيره قالوا: المنسوب إلى القبيلة: يزيد بن أبي سعيد النَّحْويُّ، لا شيبان هذا، انتهى، وبعده (يحيى): هو ابن أبي كَثِير، و (أَبُو سَلَمَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف، و (أَبُو أُسَيْدٍ): تَقَدَّم أعلاه وقبله.
==========
[ج 2 ص 43]

(1/7001)


[حديث: إن خير دور الأنصار دار بني النجار]
3791# قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بإسكان الخاء، وهذا ظاهرٌ، و (سُلَيْمَان) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن بلال، و (أبُو حُمَيْدٍ)؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الميم، وقد تَقَدَّم أنَّ اسمه عبد الرحمن بن سعد، وقيل: ابن المنذر بن سعد الخزرجيُّ، صحابيٌّ، أخرج له الجماعة، وأحمد في «المسند»، وبقيٌّ، بقي إلى حدود السِّتِّين.
قوله: (ثُمَّ عَبْدِ الأَشْهَلِ): (عبدِ): مجرورٌ؛ تقديره: ثم دارُ عبدِ الأشهل.
[ج 2 ص 43]
قوله: (ثُمَّ دَارُ): (دارُ)؛ بالرَّفع، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (فَلَحِقنَا سَعْد بن عُبَادَةَ): (سعدُ) فاعل (لحِقَ)، والضمير مفعول، ويجوز فيه نصب (سعد) على أنَّ الضمير فاعل و (سعد) منصوب مفعول، والله أعلم.
قوله: (أَبَو أُسَيْدٍ): تَقَدَّم الكلام على همزِه، وأنَّه بالضمِّ على الصواب في الصفحة التي قبل هذه، واسمه ونسبه.
قوله: (أَوَلَيْسَ بِحَسْبِكُمْ؟): الواو محرَّكة؛ للاستفهام، و (بحسْبكم)؛ بإسكان السين؛ أي: بكفايتكم.

(1/7002)


[باب قول النبي للأنصار: اصبروا حتى تلقوني على الحوض]
قوله: (قَالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ): هذا الحديث أخرجه البُخاريُّ كما ذكرته قريبًا، و (عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ) هذا: جدُّه عاصم بن كعب بن عمرو، أبو محمَّد الأنصاريُّ النجَّاريُّ المازنيُّ، تَقَدَّم قريبًا وبعيدًا.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7003)


[حديث: ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني على الحوض]
3792# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم قريبًا ضبطه، وأنَّه بُنْدار، وبعيدًا مِرارًا، وكذا (غُنْدُر) قريبًا وبعيدًا مِرارًا، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وكذا (أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ)، وأنَّه بضمِّ همزة (أُسَيد)، وضمِّ الحاء المهملة من (حُضَير).
قوله: (أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ): هذا الرجل لا أعرف اسمه، وكذا (فُلَان) أيضًا، وقال بعض حُفَّاظ المِصريِّين: السائل هو أبو أُسَيد الراوي، والمستَعمَل هو عمرو بن العاصي، انتهى، ولم يعزُه لأحد.
قوله: (سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً): تَقَدَّم الكلام على ضبطها، وأنَّ في «سيرة ابن سيِّد الناس»: أنَّها كانت زمن معاوية رضي الله عنه، ذكر ذلك في (معجزاته)، ولعل مدركه ما ذكره الحاكم في ترجمة أبي أيُّوب الأنصاريِّ، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7004)


[حديث: إنكم ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتى تلقوني]
3793# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم قريبًا وبعيدًا، وكذا (غُنْدر) ضبطًا، واسمه واسم أبيه.
قوله: (عَنْ هِشَامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ): (هشام) هذا: هو ابن زيد بن أنس بن مالك الأنصاريُّ البصريُّ، يروي عن جدِّه، وعنه: ابن عون، وشعبة، وحَمَّاد بن سلمة، وثَّقه ابن معين، أخرج له الجماعة.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7005)


[حديث: إما لا فاصبروا حتى تلقوني فإنه سيصيبكم بعدي أثرة]
3794# قوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): (عبد الله): هو المسنديُّ، كما تَقَدَّم في (الجمعة)، وأمَّا (سفيان)؛ فهو ابن عيينة بلا ريب، و (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ): هو الأنصاريُّ قاضي السفَّاح، تَقَدَّم مِرارًا.
قوله: (حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الْوَلِيدِ): الظَّاهر _أو ألبتُّ_ أنَّه الخليفة الوليدُ بن عبد الملك بن مروان بن الحكم أبو العبَّاس المنتقم، بويع له بعد أبيه عبد الملك، وتوفِّي عبد الملك لعشرٍ خلون من شوَّال سنة ستٍّ وثمانين، وتوفِّي الوليد منتصف جمادى الآخرة سنة ستٍّ وتسعين، وخروجه كان إلى دمشق.
قوله: (أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ): (يُقطِع): رباعيٌّ، مضموم، مكسور الطاء، وهذا ظاهرٌ، وكذا الثانية.
قوله: (الْبَحْرَيْنِ): تَقَدَّم الكلام عليها غيرَ مرَّةٍ.
قوله: (إمَّا لاَ [1]): تَقَدَّم الكلام عليها مطولًا، وأنَّ (إمَّا) بكسر الهمزة، وتشديد الميم، و (لا): بالإمالة، في أوائل (البيع).
قوله: (أُثرَةٌ): تَقَدَّم ضبطها، وأنَّها كانت زمن معاوية.
==========
[1] في هامش (ق): (بالإمالة).
[ج 2 ص 44]

(1/7006)


[باب دعاء النبي: أصلح الأنصار والمهاجرة]
قوله: (أَصْلِح): هو بفتح الهمزة، رباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وكذا في الحديث: (فأَصلِح).
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7007)


[حديث: لا عيش إلا عيش الآخرة فأصلح الأنصار والمهاجرة]
3795# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو إِيَاسٍ [1]): هو معاوية بن قُرَّة، وكذا جاء في نسخة هي في هامش أصلنا مسمًّى منسوبًا إلى أبيه، وقد تَقَدَّم الكلام على معاوية بن قُرَّة أبي إِياس، وهو بكسر الهمزة، وبالمثنَّاة تحت.
قوله: (وَعَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): هذا معطوفٌ على الحديث الذي قبله، وهذا رواه البُخاريُّ عن آدم: حدَّثنا شعبة، عن قتادة، عن أنس به، وليس تعليقًا؛ فاعلمه.
قوله: (مثلَهُ [2]): تَقَدَّم أنَّه منصوب؛ لأنَّه مفعولٌ، ولو كان تعليقًا؛ لكان (مثلُه) بالرَّفع على الابتداء، وفي أصلنا بالقلم بالرَّفع، وهو خطأٌ.

(1/7008)


[حديث: كانت الأنصار يوم الخندق تقول: نحن الذين بايعوا محمدا]
3796# قوله: (كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ): تَقَدَّم مِرارًا متى كانت الخندق، والاختلاف فيها، وسيأتي في مكانه أيضًا.
قوله: (فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ): (أكرِم)؛ بقطع الهمزة، وكسر الراء؛ لأنَّه رباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7009)


[حديث: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره فاغفر للمهاجرين والأنصار]
3797# قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بالحاء المهملة، وأنَّ اسمه عبد العزيز، وأنَّ اسم أبي حَازم: سلمة بن دينار، وأنَّ (سَهْلًا): هو ابن سعد الصَّحابيُّ.
قوله: (وَنَحْنُ نَحْفِرُ الْخَنْدَقَ): تَقَدَّم أنَّه حفر في ستَّة أيام، قاله ابن سعد، ويقال: في بضع عشرة ليلة، وقيل: في أربع وعشرين ليلةً.
قوله: (عَلَى أَكْتَادِنَا): كذا في أصلنا بالمثنَّاة فوق، وفي هامش أصلنا: (أكبادِنا)؛ بالموحَّدة، قال ابن قُرقُول: (على أكبادِنا): كذا للكافَّة في (غزوة الخندق)، وعند أبي ذرٍّ: (أكتادِنا)؛ بتاء معجمة من فوقها مثنَّاة، وعند مسلم: (أكتافِنا)، وهو يؤكِّد رواية (أكتادِنا)، والكتِد: مُجتَمَع العنق والصلب، وهو موضع الحمل، ومن رواه بالباء الموحَّدة؛ فكأنَّه عنى: المشقَّة والتعب، انتهى، فالذي قاله ليس فيه تعرض لما هو مذكورٌ هنا، غير أنَّ كلامه مُشعِرٌ بأنَّ الرَّاجح المثنَّاة فوق مطلقًا، وفيه تفسير الكتد.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7010)


[باب: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}]
قوله: ({وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]): أي: حاجةٌ وفاقةٌ إلى ما آثروهم به.
==========
[ج 2 ص 44]

(1/7011)


[حديث: ضحك الله الليلة من فعالكما]
3798# قوله: (عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ): (فُضَيل)؛ بضمِّ الفاء، وفتح الضاد المعجمة: مُصغَّر، وهذا معروفٌ جدًّا عند أهله.
قوله: (عَنْ أَبِي حَازِمٍ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرةً أنَّه بالحاء المهملة، وأنَّ اسمه سلمان الأشجعيُّ، مولى عزَّة الأشجعيَّة، كوفيٌّ نبيل، عن أبي هريرة وجَالَسَهُ خمس سنين، والحسنِ، والحسين، وسعيد بن العاصي، وابن عمر، وابن الزُّبير، ومولاته عزَّة، وغيرهم، وعنه: عديُّ بن ثابت، وفُضَيل بن غَزوان، ونعيم بن أبي هند، والأعمش، وسيار أبو الحكم، وخَلْقٌ، وثَّقه أحمد وابن معين، توفِّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، أخرج له الجماعة.
قوله: (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): سأذكره في تفسير (الحشر) إن شاء الله تعالى مطوَّلًا، وها أنا أذكره ملخَّصًا [1] هنا: قال شيخنا عن الواحديِّ: إنَّه من أهل الصُّفَّة، قال: وفي «الأوسط» أنَّه أبو هريرة.
قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ [2]: أَنَا يا رسول الله): هذا الرجل: قال الشيخ مُحيي الدين النَّوويُّ في «مبهماته» التي اختصرها من كتاب الخطيب: هو ثابت بن قيس بن شمَّاس، وقيل: أبو طلحة، قال _يعني الخطيب_: ولا أُراه أبا طلحة زيد بن سهل، بل آخر يكنى أبا طلحة، انتهى، ولا أعلم أنا أحدًا في الصَّحابة يكنى بأبي طلحة مشهورًا بذلك إلَّا أبا طلحة زيد بن سهل، وقال ابن بشكوال: الرجل الأنصاريُّ أبو طلحة زيد بن سهل، وساق له شاهدًا من «مسلم»، والذي في «مسلم»: (أبو طلحة) فقط من غير تسمية، قال ابن بشكوال: وقيل: ثابت بن قيس بن شمَّاس، وساق له شاهدًا من «الأحكام» للقاضي إسماعيل وغيره، قال: وقيل: عبد الله بن رواحة، حكاه يحيى بن مزين في «تأليفه»، انتهى.
[ج 2 ص 44]
قوله: (فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ [به] إِلَى امْرَأَتِهِ): إن كان الأنصاريُّ أبا طلحة زيد بن سهل؛ فامرأته أم سُلَيم، وقد قدَّمتُ ترجمتها، وإن كان ثابت بن قيس بن شمَّاس؛ فقد كان تحته زوجات، إمَّا في وقتٍ أو في أوقات، لكنَّ منهنَّ مَن لا يمكن الجمع بينهما، فلا بُعْدَ أن يكون ذلك في وقتين، وسيأتي ذكر المختلِعة منه في مكانه، وقد اختُلِف فيها على أقوال أذكرها إن شاء الله تعالى، وإن كان غيرهما؛ فلا أعرف اسم زوجته.
قوله: (أَكْرِمِي): هو بقطع الهمزة؛ لأنَّه رباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ): هو بفتح الهمزة؛ لأنَّه رُباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (ضَحِكَ اللهُ [اللَّيْلَةَ]، أَوْ عَجِبَ الله): هذا شكٌّ من الراوي، وهما مؤوَّلان في حقِّه عزَّ وجلَّ، وقد تَقَدَّم الكلام على الضَّحك في حقِّه عزَّ وجلَّ في الذي يُعْطَى مثل عشرة أمثال الدُّنيا، والعجب في حقِّه في قوله: «عجب الله من أقوامٍ يدخلون الجنَّة في السلاسل»؛ فانظُره.

(1/7012)


قوله: (من فعَالِكُمَا [3]): هو بكسر الفاء كذا أحفظُه، وقد رأيته في نسخة صحيحة مفتوحَ الفاء بالقلم، وكذا رأيته في نسخة شيخنا الإمام أبي جعفر الفريابي بالفتح والكسر بالقلم، قال الجوهري في «صحاحه»: والفَعال؛ بالفتح: الكرم، وأنشد شاهدًا لذلك، وهذا معنًى صحيح؛ أي: من كرمكما، فكلاهما له معنًى صحيحٌ.
==========
[1] في (أ): (مخلصًا).
[2] في هامش (ق): (هو أبو طلحة زيد بن سُليم زوج أم سُليم، كذا قال هذه الفائدة شيخي العلامة عز الدين الحافظ، والذي رأيته في كلام [النووي] في «مختصر مبهمات الخطيب»: ثابت بن قيس بن شماس، وقيل: أبو طلحة، قال _يعني الخطيب_: قال: ولا أراه أبا طلحة زيد بن سهل، بل آخر [يكنى]: أبا طلحة، والذي أعرفه في [الرجل أبو] طلحة ما ذكرته، وأمَّا أبو طلحة زيد بن سُليم؛ [فلمأجد أحدًا ذكره بهذا الاسم، قلت: كأنه استبعد أن يكون أبو طلحة هو زيد بن سهل؛ لأنَّه كان أكثر الأنصار مالًا بالمدينة، وقيل: هو ثابت بن قيس بن الشماس] من «الأحكام» للقاضي إسماعيل وغيره، وقيل: عبد الله بن رواحة، حكاه يحيى بن مزين في تأليفه، ولا أعلم أنا في الصَّحابة شخصًا اشتهر بأبي طلحة غير زيد بن سهل المذكور).
[3] في (ق): (من فَعالكما)، وفي هامشها: (فائد: فتح الفاء هنا أرجح. فَعال؛ بالفتح: الكرم، وهو أيضًا مصدر).

(1/7013)


[باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم]
قوله: (اقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ): (اقبل): بهمزة وصلٍ، فإن ابتدأتَ بها؛ كسرتَها، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
==========
[ج 2 ص 45]

(1/7014)


[حديث: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي]
3799# قوله: (حَدَّثَنَا شَاذَانُ أَخُو عَبْدَانَ): قال الدِّمياطيُّ: (لقب، واسمه عبد العزيز بن عثمان بن جبلة، وأخوه عبدانُ، وهو لقبٌ، واسمه عبد الله بن عبد العزيز) انتهى، فقوله في عبدان: (اسمه عبد الله بن عبد العزيز)؛ هو غلطٌ فيما يظهر، وإنَّما اسمه عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوَّاد؛ كأخيه، وقد قدَّمتُ اسمه ونسبه مرارًا كثيرةً، وما أظنُّ الغلط إلَّا مِنَ الناقل عن الدِّمياطيِّ، والله أعلم.
و (شاذان) هذا: يروي عن أبيه، وعنه: ابنه خلف، ومحمَّد بن يحيى الصَّائغ المروزيُّ، ورجاء [1] بن مرجَّى، وأحمد بن سيَّار، قال ابن حِبَّان في «الثِّقات»: وُلد سنة خمس وأربعين ومئة، ومات سنة إحدى _وقيل: سنة خمس_ وعشرين ومئتين، قال أبو نصر الكلاباذيُّ: مات في المحرَّم سنة تسعٍ وعشرين ومئتين بعد أخيه عبدان بثمان سنين، انتهى، أخرج له البُخاريُّ والنَّسائيُّ.
قوله: (عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ): تَقَدَّم أنَّ هذا هو هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاريُّ البصريُّ، وتَقَدَّم مترجمًا غيرَ بعيد.
قوله: (مَا يُبْكِيكُمْ؟): هو بضمِّ أوله؛ لأنَّه رُباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟): قائل هذا هو الداخل عليه عليه السلام، ظاهر الكلام هو العبَّاس، والله أعلم.
قوله: (وَقَدْ عَصَبَ عَلَى رَأْسِهِ): تَقَدَّم أنَّ (عصب) بالتخفيف والتشديد.
قوله: (فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّ (صَعِد) في الماضي بكسر العين، وفي المستقبل بفتحها، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي): الكَرشُ: هو بفتح الكاف، وكسر الراء وإسكانها، وبالشين المعجمة، والعَيْبَة؛ بفتح العين المهملة، ثم مثنَّاة تحت ساكنة، ثم موحَّدة مفتوحة، ثم تاء مثنَّاة فوق، ثم ياء الإضافة، قال ابن الأثير: أراد أنَّهم بطانته، وموضع سِرِّه وأمانته، والذين يُعتَمد عليهم في أموره، فاستعار الكَرِش والعَيْبَة لذلك؛ لأنَّ المجترَّ يجمع علفه في كَرشه، والرجل يضع ثيابه في عَيبته، وقيل: [المراد] بالكرش: الجماعة؛ أي: جماعتي وصحابتي، يقال: عليه كرشٌ من الناس؛ أي: جماعة، انتهى، ولم يذكر فيه الجوهريُّ غيره، وفي «المطالع»: (كَرِشي وعَيْبَتي)؛ أي: جماعتي، و (عَيْبَتي): موضع ثقتي وسِرِّي، والكَرِش: الجماعة من الناس، وقال في العَيْبَة: عَيْبَة الرجل: موضع سِرِّه وأمانته؛ كعيبة الثياب التي يضع فيها حُرَّ متاعه، ومنه: «الأنصار كَرِشي وعَيْبَتي».
قوله: (عَنْ مُسِيئِهِمْ): تَقَدَّم أنَّه يُعفى عنهم إلَّا في الحدود.
==========
[1] في (أ): (وجابر)، ولعل المثبت هو الصواب.
[ج 2 ص 45]

(1/7015)


[حديث: أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار]
3800# قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ): هو أحمد بن يعقوب المسعوديُّ الكوفيُّ، عن عبد الرحمن ابن الغَسِيْل، وإسحاق بن سعيد بن عمرو الأمويِّ، ويزيد بن المقدام، وجماعة، وعنه: البُخاريُّ، وابن نُمَيْر، وأبو محمَّد الدارميُّ، وجماعة، ثقةٌ، توفِّي سنة بضع عشرة، فإنَّ أبا زرعة أدركه، ولم يكتب عنه.
قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ [1]): تَقَدَّم أعلاه أنَّه عبد الرحمن ابن الغَسِيْل، قال الدِّمياطيُّ: (وابن الغَسِيْل أبو سليمان عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الرحمن [بن عبد الله] بن حنظلة غَسِيل الملائكة يوم أُحُد) انتهى، له ترجمة في «الميزان».
قوله: (وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ): هي بكسر الميم، تَقَدَّمت، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (مُتَعَطِّفًا بِهَا): قال ابن قُرقُول: هو المتوشِّح؛ كذا في «العين»، وفي «البارع»: شِبْه المتوشِّح، وقال ابن شُمَيل: هو تردِّيك بثوبك على منكبيك؛ كالذي يفعل الناس في الحَرِّ، وقال غيره: لأنَّه يقع على عِطْفَي الرَّجل؛ وهما جانبا عُنقه.
قوله: (عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ): قال ابن قُرقُول: (عصابة دسماء): ويروى: (دسِمة)؛ بكسر السين؛ أي: لونها كلون الدَّسم؛ كالزَّيت وشبهه، وقيل: سوداء، وقد رويت هكذا، وعليه: (عصابة سوداء)، ولم تكن دسماء بما خالطها من الدَّسم؛ بل لأنَّ لونها لون الدسم، كما يقال: ثوب زيتيٌّ وجوزيٌّ، انتهى، وفي «النِّهاية»: (عِمامة دسماء)؛ أي: سوداء، ومنه الحديث الآخر: (وقد عصب رأسه بعِصابة دسِمة).
[ج 2 ص 45]
قوله: (أَمَّا بَعْدُ): تَقَدَّم الكلام على إعرابها والاختلاف في أوَّل من قالها في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (فَمَنْ وَلِيَ): هو بفتح الواو، وكسر اللام، وفتح الياء، فعلٌ ماضٍ.
قوله: (وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ): تَقَدَّم قريبًا جدًّا وبعيدًا [أنَّه] في غير الحدود.

(1/7016)


[حديث: الأنصار كرشي وعيبتي والناس سيكثرون ويقلون]
3801# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم مِرارًا ضبطُه، وأنَّه بفتح الموحَّدة، وتشديد الشين المعجَمة، وأنَّ لقبه بُنْدار، وتَقَدَّم ما معنى البُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدر) ضبطًا مِرارًا، وأنَّه محمَّد بن جعفر.
قوله: (كَرِشِي وَعَيْبَتِي): تَقَدَّم الكلام عليهما قريبًا جدًّا.
==========
[ج 2 ص 46]

(1/7017)


[باب مناقب سعد بن معاذ]
قوله: (بابُ مَنَاقِبِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): تنبيه: إنَّما قَدَّم سعد بن معاذٍ في أوَّل الأنصار؛ لأنَّه فيهم بمنزلة الصِّدِّيق في المهاجرين، قال ابن قيِّم الجوزيَّة الحافظ شمس الدِّين في «حادي الأرواح»: (ولا يخفى ما في ذكر سعد بن معاذٍ بخصوصية ههنا، فإنَّه كان في الأنصار بمنزلة الصِّدِّيق في المهاجرين، واهتزَّ لموته العرش، وكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وخُتِم له بالشهادة، وآثر رضا الله ورسوله على رضا قومه وعشيرتِه وحُلفائه، ووافق حكمه الذي حكم به اللهَ فوق سبع سماواته، ونعاه جبريلُ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم موته، فحُقَّ له أن تكون مناديله التي يمسح بها يديه في الجنَّة أحسنَ من حُلَل الملوك) انتهى، ويمكن أن يُجاب أيضًا بغير ذلك، وكأنَّه أخذ تفضيله على سائر الأنصار من أشياء؛ منها: تقديم البُخاريِّ له هنا، والله أعلم، ومن مناقبه: أنَّ جنازته حضرها سبعون ألف ملَك.
واعلم أنَّه سعد بن معاذ بن النُّعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل بن جُشَم بن الحارث بن الخزرج بن مالك بن الأوس، الأنصاريُّ الأوسيُّ الأشهليُّ المدنيُّ، سيِّد الأوس، بل والخزرج، كما تَقَدَّم أنَّه أفضلُ الأنصار، كنيته أبو عمرو، وأمُّه كبشة _بالموحَّدة والشين المعجمة_ بنت رافع، أسلمت، ولها صحبة، مناقبه غزيرة، توفِّي شهيدًا من سهمٍ أصابه، ولم يمُت حتَّى انقضى شأن بني قُريظة، فانفجر جُرحه، وفرغ صلَّى الله عليه وسلَّم من شأن بني قريظة يوم الخميس لخمس ليالٍ خلون من ذي الحجَّة.
وفي الخندق خلاف؛ فقيل: إنَّه في شوال سنة خمس، قاله ابن إسحاق، وقال ابن سعد: في ذي القعدة، وقد قدَّمتُه [1] مطوَّلًا بزيادةٍ على ما هنا، ويأتي أيضًا في مكانه، والله أعلم، رماه في الخندق حِبَّان ابن العَرِقة، وقد قدَّمتُ أنَّ حِبَّان بكسر الحاء المهملة، وبالموحَّدة، وأنَّه هلك على كفره، وحكى الأمير أنَّ ابن عقبة [2] ذكر في «المغازي»: جبار [3]؛ بالجيم؛ يعني: والراء، قال ابن ماكولا: والأوَّل أصحُّ، وهو ابن العَرِقة، وهي أمُّه فيما قاله أبو عُبيد القاسم بن سلَّام، والمشهور: أنَّه بالعين المهملة المفتوحة بعدها [4] راءٌ مكسورة، ثم قاف، ثم تاء التأنيث، وحكى ابن ماكولا عن الواقديِّ: أنَّها بفتح الراء، والأوَّل أشهر، وقيل لها ذلك؛ لطيب ريحها، واسمها قلابة _فيما قاله ابن الكلبي_ بنت سُعَيد _بضمِّ السين وفتح العين المهملتين_ ابن سهم، وتكنى: أمَّ فاطمة، وأمَّا حِبَّان؛ فقيل: ابن قيس، وقيل: ابن أبي قيس، وقيل: حِبَّان بن عبد مناف بن مُنقِذ [5] بن عَمرو بن معيص بن عامر بن لؤيٍّ، وقيل: بل رماه خفاجة بن عاصم بن جبارة، ويقال: رماه أبو أسامة الجشميُّ حليف بني مخزوم، ولا أعلم لأحدٍ من هؤلاء إسلامًا.

(1/7018)


تَقَدَّم أنَّ مناقبه غزيرة؛ منها: اهتزاز العرش لموته، وأنَّ جنازته حضرها سبعون ألف ملَك، وأعظم منها حملُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم جنازته، قال الشافعيُّ _كما رواه عنه البيهقيُّ_: (روينا عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العَمُودين) انتهى، وهذه منقبةٌ عظيمةٌ عظيمةٌ عظيمة، لا أعلم لغيره مثلها إن كانت ثابتة، قال شيخنا في «تخريج أحاديث الرافعيِّ»: قال البيهقيُّ: وأشار الشافعيُّ إلى عدم ثبوته، انتهى، إلَّا ما روى عُمر بن شبَّة في كتاب «المدينة» في وفاةِ فاطمة بنت أسد أمِّ عليِّ بن أبي طالب _صحابيَّة رضي الله عنها_ حديثًا، وفيه: (أنَّه عليه السلام حمل)؛ يعني: نعشها، ثم قال القرطبيُّ في «تذكرته»: ورواه أبو نعيم الحافظ، عن عاصم الأحول، عن أنس بمعناه، وليس فيه السُّؤال عن تمعُّكه ... إلى آخره، انتهى؛ فيُنظَر في سند الآخِر، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (قدمت)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] زيد في (أ): (في).
[3] في (أ): (جبان)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في (أ): (بعد)، ولعل المثبت هو الصواب.
[5] في (أ): (معتذر)، ولعل المثبت هو الصواب.
[ج 2 ص 46]

(1/7019)


[حديث: أتعجبون من لين هذه لمناديل سعد بن معاذ خير منها]
3802# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم ضبطُه أعلاه وقبله مرارًا، وأنَّه بُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدُر)، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وتَقَدَّم (أَبُو إِسْحَاقَ): أنَّه عَمرو بن عبد الله السَّبِيعيُّ.
قوله: (أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُلَّةٌ): (أُهديت): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (حلةٌ): مرفوعٌ مُنَوَّنٌ نائب مناب الفاعل، وتَقَدَّم ما الحُلَّة قبل ذلك، وأمَّا اسم الذي أهداها؛ ففي «مسلم» في (مناقب سعد بن معاذ): أنَّه أُكيدر بن عبد الملك، ذكر ابن منده وأبو نعيم الأصبهاني: أنَّه أسلم، وهو خطأٌ، قاله ابن الأثير، ولم يُسلم، بل صالح، ثم حاصر خالدُ بن الوليد دومةَ في خلافة الصِّدِّيق، وأسر أُكيدر، فقتله وهو على نصرانيَّته، ويقال: أسلم، ثم ارتدَّ، ثم قُتِل، وقد تَقَدَّم، وقال ابن شيخنا البلقينيِّ: إنَّ المهدي أُكيدر على الأرجح، وجاء أنَّ عطارد بن حاجب بن زرارة أهدى، والجمع ممكِنٌ، انتهى.
قوله: (يَمَسُّونَهَا): هو بفتح الميم، ويجوز ضمُّها، وقد تَقَدَّم.
قوله: (رَوَاهُ قَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ: سَمِعَا أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أمَّا حديث قتادة؛ فقد تَقَدَّم في (باب ما جاء في صفة الجنَّة) من رواية شيبان عن قتادة: حدَّثنا أنس ... ؛ فذكره مُسنَدًا، وكذا في (الهِبة)، وأخرجه مسلم في (الفضائل) من طريق شيبان به، وأمَّا الزُّهريُّ؛ فلم أرَ حديثَه في ذلك عن أنسٍ في شيء من الكتب السِّتَّة، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 46]

(1/7020)


[حديث: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ]
3803# قوله: (حَدَّثَنَا فَضْلُ بْنُ مُسَاوِرٍ): (فَضل): مكبَّر، بالضَّاد المعجَمة، و (مُسَاوِر)؛ بضمِّ الميم، وبالسين المهملة المخفَّفة، وبعد الألف واوٌ مكسورة، ثم راءٌ، وهذا ظاهرٌ جدًّا عند أهله، ذكره الفضل ابن حِبَّان في «ثقاته»، وقد انفرد به البُخاريُّ عن مسلم.
قوله: (خَتَنُ أَبِي عَوَانَةَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ): الختَن: تَقَدَّم أنَّه زوج البنت، قال الجوهريُّ: كلُّ ما كان من قِبَل المرأة؛ مثل: الأب والأخ، والأَخْتَان هكذا عند العرب، وأمَّا العامَّة؛ فختَن الرجل: زوج ابنته، وقد تَقَدَّم في (أصهار النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم): أنَّ أقرباء الزوجة أَختانٌ، وأقرباء الرجل: أحماءٌ، وأقرباءهما: أصهارٌ.
و (أَبُو عَوَانَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه الوضَّاح بن عبد الله، و (الأَعْمَش): سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهليُّ القارئُ المشهور، تَقَدَّم مِرارًا، و (أبو سُفْيَانَ): طلحة بن نافع أبو سفيان الواسطيُّ، ويقال: المكِّيُّ، الإسكاف، مولى قريش، عن أبي أيُّوب الأنصاريِّ، وابن عبَّاس، وجابر، وابن الزُّبير، وأنس، وابن عُمر، وعبيد بن عُمير، وغيرهم، وعنه: الأعمش فأكثرَ، وحصين بن عبد الرحمن، وجعفر بن أبي وحشيَّة، وحجَّاج بن
[ج 2 ص 46]
أرطاة، وابن إسحاق، وآخرون، مُتَكَلَّمٌ فيه، وله ترجمةٌ في «الميزان»، أخرج له مسلم والأربعة، وأخرج له البُخاريُّ مقرونًا، وهو هنا مقرونٌ، قرنه بأبي صالحٍ بعد هذا الحديث، وقد تَقَدَّم أنَّ هذا نوعٌ من القرن، وما شرط القرن أن يقول: أخبرنا فلانٌ وفلان، والله أعلم.
قوله: (اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ): سيأتي الكلام عليه قريبًا جدًّا.
قوله: (وَعَنِ الأَعْمَشِ: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ): أمَّا قوله: (وعن الأعمش)؛ فهذا معطوفٌ على السند الذي قبله، فروى هذا البُخاريُّ عن محمَّد بن المثنى، عن الفضل بن مُسَاوِر، عن أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح _وهو ذكوان السَّمَّان الزيَّات، تَقَدَّمت ترجمتُه_، عن جابر _وهو ابن عبد الله_ مثلَهُ، و (مثلَهُ): منصوبٌ؛ لأنَّه مفعول (حدَّثنا)، والله أعلم، وفائدته التقوية، فإنَّ الأعمش مُدلِّس، وقد عنعن في السند الأوَّل عن أبي سفيان، وفي الثاني صرَّح بالتحديث من أبي صالح.

(1/7021)


قوله: (فَقَالَ رَجُلٌ لِجَابِرٍ: فَإِنَّ الْبَرَاءَ يَقُولُ: اهْتَزَّ السَّرِيرُ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ ضَغَائِنُ ... ) إلى آخره: الحيَّان: الأوس والخزرج، والرجل القائل لجابر ذلك لا أعرفه، قال شيخنا: وقولُ جابر: (كان بين هذين الحيَّينِ ضغائن)؛ يريد: الأوس والخزرج، كان البراء من الخزرج، وسعد من الأوس، ويبعد على البراء ما حمل عليه جابر، وإنَّما تأوَّل العرش السَّرير، كذا قاله ابن التِّين، وليس كما قال، فإنَّ سعدًا ونسبه إلى الأوس بن حارثة، والبراء هو ابن عازب، فنسبه إلى عمرو بن مالك بن الأوس، انتهى؛ يعني: أنَّ الاثنين من الأوس، وقد رأيتُ في «الاستيعاب» في ترجمة البراء قال في آخر نسبه: الخزرجيُّ، وفي كلام غيره: الأوسيُّ، والله أعلم.
وأمَّا اهتزاز العرش؛ فقد ذكر ابن قُرقُول وابن الأثير وغيرهما معنى ذلك، وقال النَّوويُّ في «تهذيبه»: قال العلماء: اهتزاز العرش: فَرَح الملائكة بقدومه لِما رأوا من منزلته، انتهى، وقال أبو العبَّاس ابن تيمية في فتوى له في العرش في كلام طويل ما لفظُه: (ومن تأوَّل ذلك على أنَّ المراد به استبشارُ حَمَلة العرش وفَرَحهم؛ فلا بدَّ له من دليلٍ على ما قال، كما ذكره أبو الحسن الطبريُّ وغيره، مع أنَّ سياق الحديث ولفظه ينفي هذا الاحتمال) انتهى، واعلم أنَّه حديث صحيح، قال السُّهيليُّ: (والعجَب من رواية من روى عن مالك أنَّه كره أن يقال: اهتزَّ العرشُ لموت سعد بن معاذ، ولم يرَ التحديث بذلك مع صحَّة نقله، وكثرة الرُّواة له، ولا أدري ما وجهُ ذلك، ولعلَّها غير صحيحة عنه، فقد خرَّجه البُخاريُّ) انتهى، فقولُ الإمام السُّهيليِّ: (خرَّجه البُخاريُّ) صحيحٌ، لكن خرَّجه معه مسلمٌ من حديث جابر، وانفرد مسلم بتخريجه من حديث أنس، وهذا يقتضي أن يكون إنكار مالك محمولًا عند السُّهيلي إلى أمرٍ عنده يرجع إلى الإسناد، وليس كذلك، بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، ومنهم من يجنح فيه إلى التأويل، وما كانت هذه سبيلَهُ من الأخبار المشكلة؛ فمن الناس من يكره روايتَه إذا لم يتعلَّق به حكمٌ شرعيٌّ، فلعلَّ الكراهة المرويَّة عن مالك من هذا الوجه، والله أعلم.
قوله: (ضَغَائِنُ): الضَّغائن؛ بفتح الضاد وبالغين المعجمتين، والباقي معروفٌ، جمع ضغِينة؛ وهي الحقد، وكذا: الضِّغْنُ.

(1/7022)


[حديث: قوموا إلى خيركم أو سيدكم]
3804# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ): تَقَدَّم أنَّ (عَرْعَرة) بفتح العينين المهملة، بعد كلِّ عينٍ راءٌ؛ الأولى ساكنة، والثانية مفتوحة، وبعد الراء الثانية تاء التأنيث، وهذا معروفٌ عند أهلِه، و (أَبُو أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ): تَقَدَّم أنَّ اسمه أسعد، وأنَّه وُلِد زمان النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، و (حُنَيْف)؛ بضمِّ الحاء المهملة، وفتح النون: مصغَّر، و (أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه سعد بن مالك بن سنان.
قوله: (أَنَّ أُنَاسًا نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ... ) إلى آخره: هؤلاء بنو قُريظة، وهذا مشهورٌ عند أهله، قال ابن إسحاق: وهم ستُّ مئة أو سبع مئة، والمكثِر يقول: كانوا ما بين الثمان مئة والتسع مئة، فحبسهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في دار بنت الحارث امرأةٍ من بني النجَّار، ثم خرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سوق المدينة التي هي سوقُها اليوم، فخَنْدَقَ بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، وسيأتي ذلك مطوَّلًا في مكانه بزيادة.
قوله: (فَلَمَّا بَلَغَ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ): قال القاضي عياض في «شرح مسلم»: قال بعضهم: (من المسجد): كذا لهم في «البُخاريِّ» و «مسلم» من رواية شعبة، وأُراه وَهمًا إن كان أراد مسجد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّ سعد بن معاذ جاء منه، فإنَّه كان فيه كما صرَّح به في الرِّواية الثانية، وإنَّما كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم حين أرسل إلى سعد نازلًا على بني قُريظة، ومن هناك أرسل إلى سعدٍ ليأتيَه، فإن كان الراوي أراد مسجدًا اختطَّه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هناك كان يصلي فيه مدَّة مُقامه، قال: والصحيح ما جاء في غير «مسلم» قال: (فلمَّا دنا من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم)، أو (فلمَّا اطَّلع على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم)، كذا وقع في كتاب ابن أبي شيبة و «سنن أبي داود»، فيحتمل أنَّ (المسجد) تصحيفٌ من لفظ (النَّبيِّ)، والله أعلم، انتهى.
قوله: (أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ): (تُقتَل): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (مقاتِلتُهم): مرفوعٌ نائبٌ مَناب الفاعل، وكذا (وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ)، والذراريُّ: يجوز في يائها التشديدُ والتخفيف، وهي قاعدة؛ أنَّ ما كان مفرده مشدَّدًا؛ فإنَّه يجوز في جمعه التشديد والتخفيف؛ كسُرِّيَّة وسراري، وأُثفيَّة وأثافي، وذُرِّيَّة وذراري، والله أعلم.

(1/7023)


[باب منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر]
قوله: (بابُ مَنْقَبَةِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ): تَقَدَّم أنَّ المنقبَة _بفتح الموحَّدة_ المفخرة، وتَقَدَّم أنَّ أُسَيدًا بضمِّ الهمزة، وفتح السين المهملة، وأنَّ حُضَيرًا بضمِّ الحاء المهملة، وفتح الضاد المعجمة، وأُسَيد أوسيٌّ أشهليٌّ أنصاريٌّ، كنيته أبو يحيى، ترجمته معروفة، وكذا نسبه، وقد تَقَدَّم، وأنَّه توفِّي سنة عشرين، وصلَّى عليه عمر رضي الله عنهما، وحَمَل عمر سريره بين العمودين من بني عبد الأشهل حتَّى وضعه في البقيع، وقيل: إنَّه حمل نعشه بنفسه من الأربعة الأعمدة، أخرج له الجماعة وأحمد في «المسند».
وأمَّا (عَبَّاد بن بِشْر)؛ فوالده بكسر الموحَّدة، وإسكان الشين المعجمة، أنصاريٌّ أوسيٌّ أشهليٌّ، من جلَّة الصَّحابة، مناقبه كثيرة مشهورة، وكذا نسبه، استشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة، وقد تَقَدَّم تاريخها أيضًا، أخرج له أبو داود في كتابه «فضائل الأنصار»، وله حديث واحد في «معجم الطبرانيِّ»، قال ابن عبد البَرِّ في ترجمته: إنَّ عصاه كانت تضيءُ
[ج 2 ص 47]
له إذ كان يخرج من عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته ليلًا، وعرض له ذلك مرَّةً مع أُسَيد بن الحُضَير، فلمَّا افترقا؛ أضاءت لكلِّ واحد منهما عصاه، وقد قدَّمتُ ذكر أصحاب النُّور غيرَ مرَّةٍ رضي الله عنهم.

(1/7024)


[حديث: أن رجلين خرجا من عند النبي في ليلة مظلمة]
3805# قوله: (حَدَّثَنَا حَبَّانُ): هذا بفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحَّدة، وهو حَبَّان بن هلال، وقد قدَّمتُ أنَّ حِبَّان المكسور الحاء في «البُخاريِّ» و «مسلم» _أو في «البُخاريِّ» فقط؛ كابن عطيَّة_ حِبَّان بن موسى، وحِبَّان بن عطيَّة، وحِبَّان ابن العَرِقة الكافر الذي رمى سعد بن معاذ في الخندق، وأنَّه هلك على كفره، و (همَّام) هذا: هو همَّام بن يحيى بن دينار المُحَلِّميُّ أبو عبد الله البصريُّ، تَقَدَّم مترجمًا ومرارًا بغير ترجمة.
تنبيه: ثم اعلم أنَّه إذا جاءَ (حَبَّان بن هلال) غير منسوب في «الصحيح»؛ فإنَّه يتميَّز بشيوخه؛ كما يجيء: حَبَّان عن شعبة، وحَبَّانُ عن وُهَيبٍ، وحَبَّانُ عن همَّام، وحَبَّانُ عن أبان، وحَبَّانُ عن سُليمان بن المغيرة، وحَبَّانُ عن أبي عوانة، قاله عياضٌ في «المشارق»، وتبِعه عليه ابن الصَّلاح، والمراد به في هذه الأمثلة المذكورة: (حَبَّان بن هلال)، والله أعلم [1].
قوله: (أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ): هذان الرجلان هما: عَبَّاد بن بِشْر، وأُسَيد بن الحُضَير، وسيأتيان مسمَّيَينِ بُعيد هذا في تعليق حَمَّاد عن ثابت عن أنس، وقبله في تعليق مَعْمَر عن ثابت عن أنس تسمية أُسَيد وإبهام عَبَّاد، وتعليق مَعْمَر رواه عبد بن حُميد، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر به، وأمَّا تعليق حَمَّاد _وهو ابن سلمة بن دينار أبو سلمة البصريُّ_؛ فأخرجه النَّسائيُّ في (المناقب) عن أبي بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حَمَّاد به، والله أعلم.
تنبيه: تَقَدَّم أعلاه وقبله أنَّ عبَّادًا كانت هذه عادته إذ كان يخرج من عند النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى بيته ليلًا، وأنَّه عرض له ذلك مرَّةً مع أُسَيد بن الحُضَير، فلمَّا افترقا؛ أضاءت لكلِّ واحدٍ منهما عصاه، ذكر ذلك أبو عمر بن عبد البَرِّ في ترجمة عَبَّاد بن بِشْر، والله أعلم، وقد ذكرتُ في (المساجد) أنَّ أصحاب النور كانوا خمسة: هذان، وحمزة بن عمرو الأسلميُّ، والطُّفيل بن عمرو الدَّوسيُّ، وقتادة بن النُّعمان، ونزيد هنا آخر: هو الحسن بن عليِّ بن أبي طالب، كذلك رويناه في «أمالي ابن عبدكويه»؛ فانظر ذلك إن أردته.
قوله في أصلنا: (وقَالَ حَمَّادٌ: أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ: كَان أُسَيْدَ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنُ بِشْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فـ (أُسَيد) في أصلنا: منصوبٌ، وكذا (عَبَّاد)، وكان ينبغي أن يكون (أُسَيد) مرفوعًا؛ لأنَّه اسم (كان)، وإعرابه خبر على ما في أصلنا، وفيه نظرٌ، لكنَّ (عَبَّاد) يجوز أن يكون منصوبًا، وأن تكون الواو بمعنى: مع، والله أعلم.
==========
[1] هذا التنبيه فرجة في أسفل هذه الصفحة.
[ج 2 ص 48]

(1/7025)


[باب مناقب معاذ بن جبل]
قوله: (بابُ: مَنَاقِبِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ): هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عايذ _بالمثنَّاة تحت والذال المعجمة_ ابن عديِّ بن كعب بن عمرو بن أُدَيِّ بن سعد بن عليِّ بن أسد بن ساردة بن تَزِيد _بالمثنَّاة فوق وكسر الزاي_ ابن جُشَم بن الخزرج، الخزرجيُّ الجُشَميُّ المدنيُّ الفقيه العالم.
مناقبه كثيرة؛ منها _وهي أجلُّها_ ما رواه معاذٌ نفسُه رضي الله عنه: لمَّا بعثه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى اليمن؛ خرج معه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يوصيه، معاذ راكبٌ، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم تحت راحلته، فلمَّا فرغ؛ قال: «يا معاذ؛ عسى ألَّا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلَّك تمرُّ بمسجدي وقبري»، فبكى معاذ جَشَعًا لفراق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أخرجه أبو حاتم، و (جشعًا)؛ بالجيم، والشين المعجمة؛ أي: جزعًا للفراق، قاله المحبُّ الطبريُّ في «أحكامه»، وبوَّب على هذا الحديث: (ذكر استحباب توديع المودِّع والمودَّع راكبٌ) انتهى، وقد رأيت هذا الحديث في «مسند أحمد» من حديث معاذٍ أيضًا، وفي آخره بعد (وسلَّم): (فأقبل بوجهه نحو المدينة، فقال: إنَّ أولى الناس بي المتَّقون، مَن كانوا، وحيث كانوا)، ورأيت فيه أيضًا من حديثه نحوه، وزاد في آخره: «لا تبكِ يا معاذ، أوْ: إنَّ البكاء من الشيطان».
توفِّي معاذٌ سنة ثماني عشرة في طاعون عَمَواس بالشام، وقيل: سبع عشرة، والصحيح الأوَّل، وسِنُّه ثلاث وثلاثون سنة، وقيل: أربع وثلاثون، وقيل: ثمان وثلاثون، وقد تَقَدَّم الكلام على ضبط (عَمَواس)، وأنَّها بفتح الميم وإسكانها، وقبر معاذ مشاريق غور بيسان، وهو بقرب القُصير جدًّا، وقد زُرتُه سنة ثمانين وسبع مئة رضي الله عنه.
==========
[ج 2 ص 48]

(1/7026)


[حديث: استقرؤوا القرآن من أربعة]
3806# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم قريبًا وبعيدًا أنَّه بفتح الموحَّدة، وتشديد الشين المعجمة، وأنَّ لقبه بُنْدار، وتَقَدَّم ما البُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدر) مِرارًا أنَّه بضمِّ الغين المعجمة، ثم نون ساكنة، ثم دال مهملة مضمومة ومفتوحة، ثم راء، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وما معنى الغُنْدُر، وهو المُشغِّبُ، و (عَمْرو): تَقَدَّم أنَّه ابن مُرَّة، و (إِبْرَاهِيمَ): هو ابن يزيد النَّخَعيُّ.
==========
[ج 2 ص 48]

(1/7027)


[باب منقبة سعد بن عبادة]
قوله: (باب مَنْقَبَةُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ): تَقَدَّم أنَّ المنقبَة _بفتح الموحَّدة_ المفخرة، و (سعد بن عُبادة): جدُّه دُلَيم_بضمِّ الدال المهملة وفتح اللام_ ابن حارثة بن حرام _بالراء_ ابن أبي حَزِيمة _بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي_ ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج، الأنصاريُّ الخزرجيُّ الساعديُّ المدنيُّ، كنيته أبو ثابت، وقيل: أبو قيس، مناقبُه شهيرة، توفِّي سنة ستَّ عشرة، وقيل غير ذلك _وقد تَقَدَّم في (الجنائز) _ بحوران _بالاتفاق_ من الشَّام، قال ابن عساكر وغيره من الأئمَّة: وهذا القبر المشهور في المَنيحة _القرية المعروفة بقرب دمشق_ يقال: إنَّه قبر سعد بن عُبادة، فيحتمل أنَّه نُقل من حوران إليها، وقالوا: يقال: إنَّ الجنَّ قتلته، وأنشدوا فيه البيتين المشهورين، والله أعلم، وهو نقيب كبير، مُختَلَفٌ في شهوده بدرًا، ووقع في «مسلم» أنَّه شهدها، والأصحُّ: أنَّه لم يشهدها، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 48]

(1/7028)


[حديث: خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل]
3807# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ): (إسحاق) هذا: قال الجيَّانيُّ: قال _يعني: البُخاري_ في (الوضوء)، و (الصلاة) في موضعين، وفي (الأوقاف)، و (مناقب سعد بن عُبادة)، و (خيبر)، و (الفتح)، و (الاستئذان)، و (الاعتصام)، و (الأحكام): (حدَّثنا إسحاق: حدَّثنا عبد الصمد)؛ يعني: ابن عبد الوارث، نَسَب الأصيلي ثلاثة مواضع من هذه؛ التي في (الأوقاف) وفي (الفتح) و (الأحكام): إسحاق بن منصور، وأهمل سائرها، ولم أجده لابن السَّكَن ولا لغيره منسوبًا في شيءٍ من هذه المواضِع، وقد نسبه البُخاريُّ في (باب مقدم النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم)، فقال: (حدَّثنا إسحاق بن منصور: حدَّثنا عبد الصمد، عن أبيه، عن أبي التَّيَّاح ... )؛ الحديث، وذكر أبو نصر: أنَّ إسحاق بن منصور وإسحاق بن إبراهيم يرويان عن عبد الصمد، وقد روى مسلم في (كتاب الحجِّ) في (باب تقليد الغنم): (عن إسحاق بن منصور، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن محمَّد بن جحادة، عن الأسود، عن عائشة ... )؛ وذكر الحديث، انتهى بتلخيصٍ.
وقد روى أيضًا مسلم المكان الذي في (الاعتصام) الذي يأتي قال فيه البُخاريُّ: حدَّثنا إسحاق: حدَّثنا عبد الصمد: حدَّثنا همَّام: حدَّثنا أبو عمران الجَوْنيُّ، عن جندب: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبُكم ... »؛ الحديث، ذكره مسلمٌ في «صحيحه» في (القدَر)، فقال فيه: (حدَّثنا إسحاق بن منصور)، فنسبه إلى منصور، وهو إسحاق بن منصور الكوسَج الحافظ مشهور، والمِزِّيُّ في «أطرافه» لم ينسبه.
[ج 2 ص 48]
قوله: (قَالَ: قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ): تَقَدَّم الكلام على (أبي أُسيد) _أنَّ همزته مضمومةٌ على الصواب_ واسمِه ونسبِه قريبًا.
قوله: (خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ): تَقَدَّم الكلام على الدور وأنَّها القبائلُ والعشائر قريبًا وبعيدًا.
قوله: (وَكَانَ ذَا قَدَمٍ [1] فِي الإِسْلَامِ): قال ابن قُرقُول: وكذا في (فضائل سعد): (وكان ذا قَدَم في الإسلام)، ويروى بالكسر، والفتح أوجَهُ فيهما؛ يعني: فيه وفي الذي قبله، قال: أي: سابقة ومتَقَدَّم فضل، وللقاضي نحوُه، وكان ينبغي تقديم كلامه؛ لأنَّ ابن قُرقُول أخذ منه، والله أعلم.
==========
[1] في هامش (ق): (قال القاضي عياض في «المشارق»: ضبطناه عن القابسيِّ بفتح القاف، وضبطه بعضهم بكسرها، ولكليهما وجه صحيح، والأول أوجه وإن كانا بمعنًى واحد، وكذا في فضائل سعد، والفتح أوجه فيهما؛ أي: سابقة ومتقدَّم فضل، ومنه قوله تعالى: {لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [يونس: 2]).

(1/7029)


[باب مناقب أبي بن كعب]
قوله: (بابُ مَنَاقِبِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): هو أُبيُّ بن كعب بن قيس بن عُبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجَّار، واسم النجَّار: تيم اللات، وقيل: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج الأكبر، الأنصاريُّ الخزرجيُّ النجَّاريُّ؛ بالنون والجيم، وقيل في نسبه غير ذلك، له كنيتان: أبو المنذر؛ كنَّاه بها عليه السلام، والثانية: أبو الطُّفيل؛ كنَّاه بها عمر رضي الله عنهما، مناقبه جليلة؛ منها: أنَّه أقرأُ الأمة، وقد قرأ عليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرَّتين؛ مرَّةً: {لَمْ يَكُن}، ومرَّةً: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا تَجْمَعُونَ} [يونس: 58]؛ بالتاء فيهما، وقيل: بالياء فيهما، وسأذكر ذلك قريبًا في مكانه؛ أمَّا الأوَّل؛ [فـ] في «البُخاريِّ» و «مسلم»، وأمَّا الثاني؛ فإنَّه ذكره ابن عبد البَرِّ.
توفِّي بالمدينة وبها دُفِن سنة ثلاثين في خلافة عثمان، وقيل غير ذلك، وقد زُرْتُ قبرًا بالباب الشرقيِّ من دمشق بقرب قبر الشيخ رسلان قيل لنا: إنَّه قبره، فإن صحَّ ذلك؛ فلعلَّه نُقِلَ، وفيه بُعْدٌ، ما ينقل من المدينة إلى دمشق، إنَّما يُنقل قبل الدفن إلى المدينة، أو مكَّة، أو بيت المقدس، أو إلى قريةٍ أهلُها صالحون، تفقهه بعضُ الشافعية بشرط القُربِ عندهم في الكلِّ.

(1/7030)


[حديث: خذوا القرآن من أربعة من عبد الله بن مسعود]
3808# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، و (إبراهيم): تَقَدَّم قريبًا أنَّه ابن يزيد النَّخَعيُّ.
قوله: (ذُكِرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ): (ذُكِر): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (عبدُ الله): مرفوعٌ نائبٌ مَناب الفاعل، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (فَبَدَأَ بِهِ): (بدأَ)؛ بهمزٍ في آخره، وهذا ظاهرٌ أيضًا.
==========
[ج 2 ص 49]

(1/7031)


[حديث: إن الله أمرني أن أقرأ عليك: {لم يكن الذين كفروا}]
3809# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم قريبًا وبعيدًا ضبطُ والده، وأنَّ لقب محمد بُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدر) ضبطًا، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وأنَّ الغُنْدُر: المُشغِّبُ.
قوله: (إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا}) انتهى: روى أبو عمر ابن عبد البَرِّ في ترجمة أُبيِّ بن كعب في «الاستيعاب» بسنده إلى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أُبيِّ بن كعب قال: قال لي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أُمِرتُ أن أقرأَ عليك القرآن»، قلت: يا رسول الله؛ سمَّاني الله لك؟ قال: «نعم»، فقرأَ عليَّ: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا تَجْمَعُونَ} [يونس: 58]؛ بالتاء جميعًا، قال أبو عُمر: وروي أنَّه قرأهما جميعًا بالياء، انتهى.
وقد رويت ذلك في «مسند أحمد» في (مسند الأنصار) في ترجمة أُبي بن كعب، وعنه عبد الرحمن بن أبزى، وأصل الحديث عند أبي داود في «السنن» في (كتاب الحروف)، ولفظه: قال أُبيُّ بن كعب: (بفضل الله ورحمته فبذلك فلتفرحوا)، ثم ساقه بسند آخر عن أُبيٍّ: (أنَّه عليه السلام قرأ: {قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا تَجْمَعُونَ}) [يونس: 58] انتهى.
والحكمةُ في أمره عليه السلام بالقراءة على أُبيٍّ _كما قال المازريُّ_: أن يتعلَّم أُبيٌّ ألفاظه، وصَنعة أدائه، ومواضعَ الوقوف، وصِيَغ النَّغَم، فإنَّ نغماتِ القرآن على أسلوبٍ ألَّفه الشرع وقرَّره، بخلاف ما سواه من النَّغَم المستعملة في غيره، ولكلِّ ضربٍ من النَّغم أثرٌ مخصوصٌ في النُّفوس، فكانت القراءة عليه ليعلِّمه، لا ليتعلَّم منه، انتهى، ويؤيِّد هذا القول الرِّواية الآتية في سورة {لَمْ يَكُنِ}: «إنَّ الله أمرني أن أُقرِئك القرآن»، فهو عليه السلام وإن كان القارئَ على أُبيٍّ؛ فأبيٌّ القارئ عليه؛ لأنَّه المتعلِّم، والمتعلِّم آخِذٌ، وقال شيخنا: إنَّ رواية: «أن أقرئك» قيل: معناها: أن أقرأ عليك، وسيأتي في سورة {لَمْ يَكُنِ}، وقد شاهدنا مشايخَنا في القراءة إذا أرادوا أن يُعلِّمونا إمالة بين بين، أو الإمالة المحضة، أو مقدار المدِّ، وغير ذلك؛ يتلفَّظون به قبلنا؛ لنتعلَّم منهم كيفيَّة الأداء، وقيل: قرأ عليه السلام على أُبي لِيسُنَّ عرض القرآن على حُفَّاظِه البارعين فيه المجيدين لأدائه، وليسنَّ التواضع في أخذ الإنسان القرآن وغيره من العُلوم الشرعية عن أهلها وإن كانوا دونه في النسب، والدين، والفضيلة، والمرتبة، والشُّهرة، وغير ذلك، ولينبِّه الناس على فضيلة أُبيٍّ، وليحثَّهم على الأخذ عنه، وتقديمه في ذلك، وكان كذلك بعد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم رأسًا وإمامًا.
فإن قيل: ما وجهُ تخصيص سورة {لَمْ يَكُنِ} دون غيرها على ما في «الصحيح»؟

(1/7032)


فالجوابُ: أنَّها مع وجازتها جامعةٌ لأصولٍ وقواعدَ ومهمَّاتٍ عظيمة، وكان الحال يقتضي الاختصار، قاله النَّوويُّ في «شرح مسلم»، وأمَّا الجواب عن قراءته عليه الآية التي في (يونس) دون غيرها [ ... ] [1].
قوله: (وَسَمَّانِي؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَبَكَى): أمَّا بكاءُ أُبيٍّ؛ فهو بكاء سرورٍ واستصغار لنفسه عن تأهُّله لهذه النِّعمة، وإعطائه المنزلة والنِّعمة فيها من وجهين؛ أحدهما: كونه منصوصًا عليه بعينه؛ ولهذا قال: (وسمَّاني؟)؛ معناه: نصَّ عليَّ؟ أو قال: اقرأ على واحد من أصحابك، فلمَّا قال له أن سمَّاه؛ تزايدت النِّعمة، والثاني: قراءة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنَّها منقبةٌ عظيمة له، لم يشاركه فيها أحدٌ من الناس فيما أعلم، والله أعلم، وقيل: إنَّما بكى خوفًا من تقصيره في شكر هذه النِّعمة، والله أعلم.

(1/7033)


[باب مناقب زيد بن ثابت]
قوله: (بابُ مَنَاقِبِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): هو زيد بن ثابت بن الضحَّاك بن زيد بن لوْذان _بفتح اللام وضمِّها، وإسكان الواو، وبالذال المعجمة_ ابن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجَّار، الأنصاريُّ المدنيُّ الفرضيُّ الفقيه، مناقبه كثيرة، توفِّي بالمدينة سنة
[ج 2 ص 49]
أربع وخمسين، وقيل غير ذلك.
فائدة: من الغرائب المنقولة عنه: أنَّه كان يقول بصحَّة الدَّور في المسألة السُّريجية، وأنَّه لا يقع الطلاق فيها، والله أعلم.

(1/7034)


[حديث: جمع القرآن على عهد النبي أربعة]
3810# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرةً ضبطُ أبيه، وأنَّ محمَّدًا لقبه بُنْدار، و (يَحْيَى): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه يحيى بن سعيد القطَّان شيخ الحفاظ.
قوله: (جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ): فذكر أُبيًّا، ومُعاذ بن جبل، وأبا زيد، وزيد بن ثابت، وسيأتي في (باب القُرَّاء من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) أنَّه يجتمع من هذا الحديث والآخر في «الصحيح» خمسة أشخاص، وخامسُهم: أبو الدرداء، وأسقط هناك أُبيَّ بن كعب، وسيأتي ما في عدِّ أبي الدرداء فيهم، صار المجموع خمسةً من المكانين، وليس فيهما تصريحٌ بأنَّ غيرهم لم يحفظوه، فيحتمل أنَّه أراد من الأنصار، وقد ذكر المازريُّ ممَّن جمعه خمسة عشر صحابيًّا حفظوه.
وقد ثبت أنَّه قُتِل يوم اليمامة سبعون ممَّن جمع القرآن، واليمامة تَقَدَّم أنَّها سنة اثنتَي عشرة في خلافة الصِّدِّيق، وقد جمعه غير هؤلاء الخمسة، وسأذكرهم في (باب القُرَّاء من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم).
وقد ذكر شيخنا: أنَّه حفظه من الصَّحابة على عهده عليه السلام زيادةٌ على عشرين نفرًا وامرأة، انتهى، وسأذكرهم أنا مُسمَّين في المكان المشار إليه _إن شاء الله تعالى_ فإنَّه بهم أَمَسُّ.
قوله: (وَأَبُو زَيْدٍ): قال الدِّمياطيُّ: (أبو زيد: اسمه قيس بن السكن بن قيس بن زَعُوراء بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عديِّ بن النجَّار، شهد بدرًا وأُحُدًا، وقُتل شهيدًا يوم جسر أبي عُبيد الثقفيِّ في خلافة عمر سنة أربع عشرة) انتهى، وسقط من الناقل (عمر)، فكتبتُها؛ للعلم بها، وذكر ابن شيخنا البلقينيِّ قال: اختُلِف في أبي زيد؛ فقال ابن المدينيِّ: أوس، وقال ابن معين: ثابت بن زيد، وقيل: سعد بن عبيد بن النُّعمان، قاله الواقديُّ، وقيل: قيس بن السكن، قال: ولعلَّ الأخير أصحُّ، انتهى، وفي «تجريد الذَّهبيِّ»: أبو زيد أوس، وقيل: معاذ الأنصاريُّ الذي جمع، ثم قال: أبو زيد سعد [1] بن عبيد، يقال: هو الذي جمع القرآن، وهو من الأوس، وهو والد عُمير، استشهد بالقادسيَّة، وقيل: هو قيس بن السكن، فالله أعلم.
==========
[1] في (أ): (سعيد)، والمثبت موافق لما في التراجم.
[ج 2 ص 50]

(1/7035)


[باب مناقب أبي طلحة]
قوله: (مَنَاقِب أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): (أبو طلحة): هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام _بالراء_ ابن عمرو بن زيد مناة بن عديِّ بن عمرو بن مالك بن النجَّار الأنصاريُّ المدنيُّ، وقد نسبه البُخاريُّ في (الوقفِ)، مناقبه كثيرة مشهورة، توفِّي بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، وقيل: سنة أربع وثلاثين، وعن أبي زُرعة: أنَّه عاش بعده عليه السلام أربعين سنةً يسرد الصَّوم، وهذا مُبايِنٌ لِما ذكرته في وفاته رضي الله عنه، وقولي: إنَّه توفِّي بالمدينة؛ كذا قاله الأكثرون، وقال أبو زرعة الدِّمشقيُّ: إنَّه توفِّي بالشَّام، وقيل: بالبحر غازيًا، وهذا في «مسند أبي يَعلى الموصليِّ»، فلم يجدوا له جزيرةً يدفنونه [1] فيها إلَّا بعد سبعة أيَّام، فلم يتغيَّر، ومن مناقبه: «أنَّ صوته في الجيش خيرٌ من فئة»، قاله عليه السلام، ورواه أبو يَعلى في «مسنده» من ثلاث طرقٍ من حديث أنس رضي الله عنهما.

(1/7036)


[حديث: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي وأبو طلحة بين .. ]
3811# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بفتح الميمين بينهما عينٌ ساكنة، وأنَّ اسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجَّاج المنقريُّ، و (عَبْدُ الْوَارِثِ) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن سعيد أبو عبيدة الحافظ، وتَقَدَّم مترجمًا، و (عَبْدُ الْعَزِيزِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن صُهيب.
قوله: (انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يومَ أُحُد): تَقَدَّم أنَّها كانت في شوَّال سنة ثلاثٍ يوم السبت لإحدى عشْرةَ ليلةً خلت منه عند ابن عائذ، وعند ابن سعد: لسبع ليالٍ خلون منه على رأس اثنين وثلاثين شهرًا من مُهاجَره، وقيل: للنِّصف منه.
وقوله: (انهزم الناس): تَقَدَّم في (الجهاد) أنَّ فيه مجازًا، وأنَّه لا يُعرَف في موطنٍ من المواطن انهزم الناس كلُّهم عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد تَقَدَّم الاختلاف في عدد من ثبت معه في أُحُد في (الجهاد)؛ فانظره، وهنا ما يدلُّك على المجاز، فإنَّه قال: إنَّ أبا طلحة بين يديه عليه السلام، وقد ذكرتُ من ثبت معه مسمَّين غيرَ مرَّةٍ.
قوله: (مُجَوِّبٌ [به] عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ): (مُجَوِّب)؛ بضمِّ الميم، وفتح الجيم، وتشديد الواو المكسورة، ثم موحَّدة، قال ابن قُرقُول: أي: مترِّس، وقد جاء في حديث آخر: (يتترَّس مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بترس واحد)، والجَوْبُ: التُّرس، ورواه بعضُهم: (مُحَوِّيًا)، من الحويَّة، والأوَّل هو الصواب، وصحَّفه بعضُهم: (يحدب عليه بحجفة): مشفقٌ حانٍ عليه، والحَدبُ: الحُنوُّ والإشفاق، انتهى، وفي «النِّهاية»: (مُجَوِّب)؛ أي: مُترِّس عليه يقيهِ بها، ويقال للتُّرس أيضًا: جوبة.
قوله: (شَدِيدًا لَقَدْ يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة): كذا في أصلنا، وفي نسخة: (كسر)، وفي نسخة أخرى: (تكسَّر يومئذ بيده قوسان)، قال ابن قُرقُول: (شديدَ القِدِّ)؛ بكسر القاف، و (يَكسر)؛ بفتح الياء، (يومئذٍ قوسين أو ثلاثة)؛ كأنَّه يشير إلى شدَّة وتَر القوس، ورواه الكافَّة: (راميًا شديد القِدِّ، فكسر يومئذٍ قوسين أو ثلاثة) انتهى، وذكر في (الكافِ مع السين): (شديد القد فكسر [1] يومئذ قوسين أو ثلاثة): كذا للأصيليِّ وأبي ذرٍّ، وعند النسفيِّ وبعضهم: (يكسِر): فعل مستقبل قبله (لقد) حرف توقُّع، وقيَّده عبدوس: (لقد تكسَّر)، وعند بعضِهم: (شديدَ القِدِّ)؛ بسكون اللام وكسر القاف، ولعلَّه يريد: الوتَر؛ لأنَّها كانت أوتارُهم من جِلد، قال القاضي أبو الفضل: أقربُ الرِّوايات إلى الصواب ما لِلنَّسفيِّ، ويقربُ أيضًا تقييد الأصيليِّ على حذف ما يتمُّ به الكلام من رمية أو شدَّة ونحو هذا، وفي باب آخر: (شديد [2] النَّزع كسر يومئذ)، وهو ظاهر المعنى، وإليه يُرَدُّ ما أشكل، انتهى، وفي «النِّهاية»: (شديد القِدِّ): إن روي بالكسر؛ فيريد به: وتر القوس، وإن روي بالفتح؛ فهو المدُّ والنزع في القوس، انتهى.

(1/7037)


قوله: (مَعَهُ الْجَعْبَةُ): هي بفتح الجيم، وإسكان العين المهملة، ثم موحَّدة، ثم تاء التأنيث، معروفة.
قوله: (انْثُرْهَا لِأَبِي طَلْحَةَ): (انثُر): همزة وصل، فإن ابتدأتَ بها؛ ضممتَها؛ لأجل ضمَّة الثاء، وفي نسخة: (انشُرها)، والأمر فيها كما ذكرته في (انثُر).
قوله: (بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي): تَقَدَّم الكلام على التفدية بالأب أو الأمِّ، أو بهما، وأنَّه جائز، وسيأتي في (أُحُد) إن شاء الله تعالى.
[ج 2 ص 50]
[بعد المكرر] قوله: (لاَ تُشْرِفْ): هو بضمِّ أوَّله، وإسكان الشين المعجمة، وكسر الراء، رُباعيٌّ، كذا في أصلنا مجوَّدًا، وقال ابن قُرقُول: (لا تَشَرَّف يصيبك سهمٌ)؛ بفتح التاء والشين، وبشدِّ الراء: كذا قيَّده بعضُهم؛ أي: لا ترفعْ لتنظر، وقيَّده بعضُهم: (تُشْرف)؛ كما جاء في الحديث: (وتشرَّف النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينظر).
قوله: (يُصِبْكَ): هو بالجزم في أصلنا، وعليه (صح)، لكن مع إثبات الياء، وهذا غلطٌ؛ إثبات الياء، وفي خطِّ شيخنا أبي جعفر الأندلسيِّ بالضمِّ بالقلم، انتهى، وكذا لهم، وهو الصوابُ، وعند الأصيليِّ: (يصبْك)؛ بالجزم، قال القاضي: وهو خطأٌ وقلبٌ للمعنى، انتهى، وسيأتي في (أُحُد) إن شاء الله تعالى.
قوله: (وَأُمَّ سُلَيْمٍ): تَقَدَّم أنَّها بضمِّ السين، وفتح اللام، وتَقَدَّم بعض ترجمتها، والاختلاف في اسمها، وهي أمُّ أنس، وزوج أبي طلحة.
قوله: (أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا): الخَدَم؛ بفتح الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة، وبالميم؛ وهي الخلاخيل، وقد تَقَدَّم، وكان هذا قبل الحجاب، وسأذكر متى كان الحجاب، وقد مرَّ أيضًا.
قوله: (تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ): تَقَدَّم الكلام عليه في (كتاب الجهاد) في (باب غزو النساء وقتالهنَّ مع الرِّجال)؛ فاعلمه.
قوله: (مِنْ يَدَيْ): هو بإسكان الياء الأخيرة، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (إِمَّا مَرَّتَيْنِ): (إمَّا)؛ بكسر الهمزة، وتشديد الميم، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
==========
[1] في (أ) مضبوطًا: (يَكْسِرُ)، والمثبت من «مطالع الأنوار» (ق/162).
[2] في (أ): (شد)، والمثبت موافق لما في «البخاري» (4064).

(1/7038)


[باب مناقب عبد الله بن سلام]
قوله: (بابُ مَنَاقِبِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): هو عبد الله بن سلَام؛ بتخفيف اللام، قال الإمام السُّهيليُّ في «روضه» في إسلام عبد الله بن سلَام: (سلام) هذا بالتخفيف، ولا يوجد من اسمه سلَام _بالتخفيف_ من المسلمين؛ لأنَّ السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى، فيقال إذن: سلَّام؛ بالتشديد، وهو كثير، وإنَّما سلَام _بالتخفيف_ في اليهود، ووالد [1] عبد الله بن سلَام منهم، انتهى، وهذا الكلام فيه نظرٌ؛ وذلك لأنَّ سلَامًا ابن أخت عبد الله بن سلَام صحابيٌّ، ولم يغيِّره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قيَّده عبد الغنيِّ بالتخفيف، ولهم جماعة يقال لكلٍّ منهم: سلَام، ذكرهم أهلُ «المؤتلف والمختلف»، وليسوا بيهود، والله أعلم.
وجدُّ [2] عبد الله: اسمه الحارث، وهو إسرائيليٌّ ثم أنصاريٌّ خزرجيٌّ، وعبد الله صحابيٌّ، كان حليفًا لبني خزرج، كني بابنه يوسف، وهو من بني قينقاع؛ مثلَّث النون، كما تَقَدَّم مرَّاتٍ، وهو من ولد يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، كان اسم عبد الله في الجاهلية حُصينًا، فسمَّاه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبدَ الله.
مناقبه كثيرة، شهد مع عمر رضي الله عنهما فتح بيت المقدس والجابية، وتوفِّي سنة ثلاث وأربعين بالمدينة، ولم أرَ له ذكرًا في الغزوات ولا في السرايا، وكأنَّه كان معذورًا.

(1/7039)


[حديث: ما سمعت النبي يقول لأحد يمشي على الأرض ... ]
3812# قوله: (عَنْ أَبِي النَّضْرِ، مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ (النَّضر) بالضاد المعجمة، وأنَّه لا يأتي إلَّا بالألف واللام، بخلاف نصر؛ بالصاد المهملة، فإنَّه لا يأتي إلَّا بهما، وتَقَدَّم أنَّ اسم (أبي النضر) هذا: سالم بن أبي أميَّة المدنيُّ، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ ... ) إلى آخره: اعلم أنَّه عليه السلام قال ذلك لجماعة غيره، فقد روى أبو داود والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ وابن ماجه من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل أحد العشرة قال: (سمعت النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «أبو بكر في الجنَّة، وعمر في الجنَّة، وعثمان في الجنَّة، وعليٌّ في الجنَّة، وطلحة في الجنَّة، والزُّبير في الجنَّة، وسعد بن مالك في الجنَّة _وهو سعد بن أبي وقَّاص راوي حديث عبد الله بن سلَام المذكور هنا_ وعبد الرحمن في الجنَّة، وأبو عُبيدة ابن الجرَّاح في الجنَّة»، وسكت عن العاشر، قالوا: من العاشر؟ قال: سعيد بن زيد؛ يعني: نفسه، قال التِّرمذيُّ: حسنٌ صحيح، وفي «التِّرمذيِّ» و «النَّسائيِّ» من حديث عبد الرحمن بن عوف عنه عليه السلام: «أبو بكر في الجنَّة، عمر في الجنَّة ... » حتَّى عدَّ العشرة، وقد قال مثل ذلك لغير مَن ذكرتُ؛ مثل: ثابت بن قيس بن شمَّاس _وذكر ذلك في أهل بدر والحديبية_ وخديجة وغيرهم، ولكنَّ الغرض أن أبيِّن لك أنَّ سعدًا لم يسمع ذلك إلَّا في عبد الله بن سلَام، وغيره قد سمع في غيره، وقد روى أبو موسى الأشعريُّ في حديث بئر أريس: أنَّ أبا بكر بشَّره عليه السلام بالجنَّة، وكذا عمر، وكذا عثمان، وقال لبلال: «سمعتُ دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنَّة»، والله أعلم.
قوله: (لاَ أَدْرِي): قائل ذلك هو الراوي عن مالكٍ عبدُ الله بن يوسف؛ هو التِّنِّيسي؛ ومعناه: لا أدري قال مالكٌ هذا الفضل من عند نفسه، أو هو في روايته في الحديث؟ وقال بعض حُفَّاظ مِصْر من العصريِّين: الشكُّ من عبد الله بن يوسف شيخ البُخاريِّ، وليس ذلك في سياق الحديث، بل هو قول مالك أوضحه ابن وهب عن مالك، وأخرجه الدارقطنيُّ من حديثه في «غرائب مالك»، انتهى.
قوله: (الآيَةَ): هي منصوبة؛ لأنَّها مقول القول.

(1/7040)


[حديث: تلك الروضة الإسلام وذلك العمود عمود الإسلام]
3813# قوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ السَّمَّانُ): (عبد الله بن محمَّد) هذا: هو المسنديُّ، وذلك لأنَّ الحافظ عبد الغنيِّ ذكر في ترجمة المسنديِّ أنَّه روى عن أزهر السَّمَّان، ولم يذكر فيها أحدًا اسمه عبد الله بن محمَّد سواه، وقد روى هذا الحديث البُخاريُّ هنا عن عبد الله بن محمَّد عن أزهر، وفي (التعبير) عن عبد الله بن محمَّد عن حرمي بن عُمارة، وراجعتُ ترجمة حرميٍّ في «الكمال»؛ فرأيته قد ذكر في الرُّواة عنه أيضًا المسنديَّ عبد الله بن محمَّد، والله أعلم.
و (أزهر): هو ابن سعد السَّمَّان، لا ينصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، أبو بكر الباهليُّ مولاهم، البصريُّ، عن سليمان التيميِّ، ويونس، وابن عون، وهشام الدَّستوائيِّ، وعنه: ابن المَدينيِّ، وابن راهويه، وبُنْدار، ومحمد بن يحيى الذُّهليُّ، وخَلْقٌ، قال ابن سعد: كان ثقةً، أوصى إليه ابن عون، وعاش أربعًا وتسعين سنة، وقال غيره: مات سنة ثلاث ومئتين، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، له ترجمةٌ في «الميزان»، وصحَّح عليه.
و (ابْنُ عَوْنٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن عون بن أرطبان، وتَقَدَّم مترجمًا، لا عبد الله بن عون ابن أمير مصر، هذا ليس له في «البُخاريِّ» شيءٌ، إنَّما روى له مسلم والنَّسائيُّ.
[ج 2 ص 51]
قوله: (عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ): (محمَّد) هذا: هو ابن سيرين العالم المشهور، و (قيس بن عُبَاد): هو بضمِّ العين، وتخفيف الموحَّدة، وليس في «البُخاريِّ» و «مسلم» و «الموطأ» عُبَاد _بالتخفيف وضمِّ العين_ سواه، وكان قيس متألِّهًا شيعيًّا ثقة، خرج مع ابن الأشعث، ثم ضرب الحجَّاج عنقه صبرًا، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وابن ماجه.
قوله: (فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ): قال بعض حُفَّاظ المِصريِّين: سُمِّي من القائلين جَزْءُ بن مالك وابن عمر، كما سيأتي في (التعبير).
قوله: (عَلَيْهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ): تَقَدَّم ما الخشوع في (الصلاة)، وهل هو من أفعال القلوب أو الجوارح؛ فانظره في بابه.
قوله: (تَجَوَّزَ فِيهِمَا): (تجوَّز): فعلٌ ماضٍ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (رُؤْيَا): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّها غير مُنَوَّنة، وزنها (فُعْلَى)، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (مِنْ سَعَتِهَا): هو بفتح السين، وهذا ظاهرٌ أيضًا.
قوله: (وَسطهَا عَمُودٌ): هو بتحريك السين، وتُسكَّن، وقد تَقَدَّم مثلُه.
قوله: (أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ): هو برفع (أسفلُ) على الابتداء، والخبر (في الأرض).
قوله: (فَقِيلَ لَهُ: ارْقَهْ): هو فعل أمر (ارْقَ)، وهاء السكت، وهذا ظاهرٌ جدًّا.

(1/7041)


قوله: (فَأَتَانِي مِنْصَفٌ): هو بكسر الميم، وإسكان النُّون، وفتح الصاد، قال ابن قُرقُول: (مِنْصَف)، ويروى: (مَنْصَف)، وكلاهما وَصِيف، وقد جاء مفسَّرًا بالوَصِيف؛ وهو الصغير الذي قد أدرك الخدمة، يقال: نصفتُ القوم؛ إذا خدمتَهم، وقد ضبطه بعضُهم: بضمِّ الميم وكسر الصاد، وآخرون: بفتح الميم وكسر الصاد، والأوَّل أعرف، انتهى، وقال الشيخ مُحيِي الدِّين النَّوويُّ: هو بكسر الميم وفتح الصاد، قال القاضي: ويقال: بفتح الميم أيضًا، انتهى، وفي «الصحاح»: المِنصف؛ بكسر الميم: الخادم، هذا قول الأصمعيِّ، انتهى، وهو يُطلَق _أعني الوَصِيف_ على الذَّكَر والأنثى، قاله الجوهريُّ، قال: ورُبَّما قيل للجارية: وصيفة، عن ثعلب.
قوله: (فَرَقيتُ): هو بكسر القاف وفتحها، وقد تَقَدَّم أنَّه يجوز فيه الهمز، قال الثلاثَ ابنُ قُرقُول في: (فرقِيَ على الصَّفا)، وقد تَقَدَّم.
قوله: (لَفِي يَدِيْ): هو بإسكان الياء بالإفراد، وفي نسخة: (يديَّ)؛ بالتشديد على التثنية، وهذا هيِّنٌ.
قوله: (وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ): قد تَقَدَّم مِرارًا أنَّ قول البُخاريِّ: (قال لي فلان) كقوله: (حدَّثنا)، لكنَّ ذلك غالبًا مذاكرة، وقد تَقَدَّم، قاله الحيريُّ في قول البُخاريِّ ذلك، وهذا هو خليفة بن خيَّاط شباب العصفريُّ الحافظ مشهور، ومقتضى كلام المِزِّيِّ وعادته أن يكون قال فيه: (حدَّثنا)، فإنَّه قال في «أطرافه»: (وعن خليفة)، ولو كان قال: قال لي خليفة؛ لكان قال: (قال: وقال لي خليفة)، هذه عادته، انتهى.
و (مُعَاذٌ) هذا: هو ابن معاذ، تَقَدَّم، و (ابْنُ عَوْنٍ): تَقَدَّم قريبًا أنَّه عبد الله بن عون بن أرطبان، و (مُحَمَّد) تَقَدَّم أعلاه أنَّه ابن سيرين الإمام المشهور، و (قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ): تَقَدَّم أعلاه، و (عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ): تَقَدَّم قريبًا.

(1/7042)


[حديث: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا]
3814# قوله: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ): (سعيد) هذا: أشعريٌّ كوفيٌّ، روى عن أبيه، وأنس، وأبي وائل، وغيرهم، وعنه: قتادة مع تَقَدُّمه، وعَمرو بن دينار، وأبو عوانة، قال أحمد: بخٍ ثبتٌ في الحديث، وقال ابن معين وغيره: ثقة، أخرج له الجماعة، و (أبوه): أبو بردة بن أبي موسى الأشعريِّ، الفقيه الكوفيُّ قاضي الكوفة، اسمه الحارث، وقيل: عامر، تَقَدَّم مِرارًا، وتَقَدَّم مترجمًا مرَّةً.
قوله: (فَأُطْعِمَكَ): هو بالنَّصْب جوابٌ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (سَوِيقًا): تَقَدَّم ما هو السَّويق.
قوله: (فَاشٍ): أي: ظاهرٌ ذائع، وهو منقوصٌ، وهو مرفوع خبر.
قوله: (حِمْلَ تِبْنٍ): الحِمل؛ بكسر الحاء، وكذا (حِمْلَ شَعِيرٍ)، وكذا (حِمْلَ قَتٍّ)، والتِّبْن؛ بالموحَّدة الساكنة بعد المثنَّاة فوق: الذي تأكله البهائم، والقَتُّ؛ بفتح القاف، وبالتاء المثنَّاة فوق المُشدَّدة؛ قال ابن قُرقُول: الفِصْفِصة اليابسة، وفي «الصحاح»: (الفصفصة) فقط بغير صفةٍ.
قوله: (وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ: الْبَيْتَ): أمَّا (النضر)؛ فهو بالضاد المعجمة، وهو يحتمل أن يكون ابن شُمَيل، وأن يكون النَّضرَ بن محمَّد الجرشيَّ اليماميَّ، فإنَّهما روَيا عن شعبة، والنَّضر هذا ثقةٌ، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.
وأمَّا (وهب)؛ فالظَّاهر أنَّه ابن جَرِير بن حَازم الأزديُّ الحافظ، تَقَدَّم، و (أبو داود): الظَّاهر أنَّه الطيالسيُّ سليمان بن الجارود الحافظ، تَقَدَّم أنَّه علَّق له البُخاريُّ، وروى [عنه] مسلم والأربعة، وقد تَقَدَّم مترجمًا.
وقوله: (البيتَ): يريد في قوله: (ويدخل في بيت)، وكان ينبغي للبخاريِّ أن يأتيَ به كما في الحديث: (في بيتٍ)؛ بالتنكير، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 52]

(1/7043)


[باب تزويج النبي خديجة وفضلها]
(بابُ تَزْوِيج النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ [1] وَفَضْلهَا [رَضِيَ اللهُ عَنْهَا]) ... إلى (بابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
قوله: (بابُ تَزْوِيجِ): قال الصغانيُّ _كما رأيتُه عنه في حاشية_: كذا وقع، والصواب: تزوُّج، انتهى.
قوله: (خَدِيجَةَ): هي أمُّ المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قصيِّ بن كلاب، تجتمع مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في قُصَيٍّ، أمُّها فاطمة بنت زائدة بن الأصمِّ من بني عامر بن لؤيٍّ، تزوَّج بها عليه السلام وله خمس وعشرون سنة، فيما ذكره غير واحدٍ من أهل العلم، كما نقله عنهم ابن إسحاق، وقال ابن عبد البَرِّ: خرج عليه السلام في تجارةٍ سنة خمس وعشرين، وتزوَّج بها بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا في عقب صفر سنة ستٍّ وعشرين، وذلك بعد خمسٍ وعشرين سنةً وشهرين وعشرة أيام من يوم الفيل، وقال الزُّهريُّ: كانت سِنُّه عليه السلام يوم تزوَّج خديجة إحدى وعشرين سنةً، قال أبو عمر: وقال أبو بكر بن عثمان وغيره: كان يومئذٍ ابن ثلاثين سنةً، قالوا: وخديجة يومئذٍ بنت أربعين سنةً، وقال بعض شيوخ شيوخي: قال ابن جريج: وله سبع وثلاثون سنةً، وقال البرقيُّ: تسع وعشرون، وتَقَدَّم أنَّ خديجة كان لها إذ ذاك أربعون، وزاد بعض شيوخ شيوخي: وقيل: خمس وأربعون، وقيل: سبع وثلاثون، وقال البرقيُّ: تسع وعشرون.
فالحاصل إذن من الأقوال في سِنِّه عليه السلام ستَّة: خمس وعشرون، أو خمس وعشرون وشهران وعشرة أيام، أو إحدى وعشرون، [أو ثلاثون] [2]، أو تسعٌ وعشرون، أو سبعٌ وثلاثون، وفي سِنِّها أربعة: أربعون، أو خمس وأربعون، أو سبع وثلاثون، أو تسع وعشرون.
وقيل: وُلِّي عقدها عليه عليه السلام خويلد بن أسد، أو عمُّها عمرو بن أسد، أو أخوها عمرو بن خويلد؛ أقوالٌ، وأمَّا الصَّداق؛ فكان اثنتي عشرة أوقيَّةً ونشًّا، والأوقيَّة: أربعون، والنشُّ: عشرون، ويقال: أصدقها عشرين بَكْرةً، وذكر يعقوب بن سفيان في كتاب «ما روى أهل الكوفة مخالفًا لأهل المدينة»: أنَّ عليًّا ضمِن المهر، وهذا غلطٌ؛ لأن عليًّا إذ ذاك كان صغيرًا لم يبلغ سبع سنين، والله أعلم.
وهي أمُّ
[ج 2 ص 52]
أولاده، كلُّهم رضي الله عنهم منها إلَّا إبراهيم؛ فإنَّه من مارية القبطيَّة، ولم يتزوَّج عليه السلام قبل خديجة غيرها ولا عليها حتَّى ماتت، وتوفِّيت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقيل: بأربع، والصَّحيح الأوَّل، وكانت وفاتها بعد وفاة أبي طالب بثلاثة أيام، ودُفِنت بالحجون بمكة، وهي أوَّل من أسلم فيما ذكره غير واحدٍ، بل نقل الثعلبيُّ الإجماع عليه، والخلاف في ذلك معروف، وقال السُّهيليُّ في (فرض الصلاة): (ولم يُختَلف أنَّ خديجة أوَّل مَن آمن بالله وصدَّق رسوله) انتهى.

(1/7044)


وقد تزوَّجت خديجة قبله عليه السلام رجلين؛ الأوَّل منهما: عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، فولدت له جارية؛ وهي أمُّ محمَّد بن صيفيٍّ المخزوميِّ، ثم خلف على خديجة بعد عتيقِ بنِ عابدٍ أبو هالة التميميُّ، وهو من بني أُسيِّد بن عمرو، فولدت له هند بن هند، وسمَّى الزُّبير الجارية التي ولدتها منه هندًا، واسم أبي هالة هند بن زُرارة بن النبَّاش بن غُذَيِّ بن حَبيب بن صُرَد بن سلامة بن جروة بن أُسيِّد بن عمرو بن تميم.
واختُلِف فيمن وُلِّي تزويجها منه، وقد قدَّمتُه قريبًا جدًّا، وقدَّمتُ في (مناقب فاطمة) الاختلاف في أفضل النساء، وكلام ابن تيمية أيضًا في عائشة وخديجة، والله أعلم، ونُقِل عن شيخنا العلامة البلقينيِّ أنَّه كان يُفضِّل خديجة، ولم يتكلَّم الرافعيُّ والنَّوويُّ على الأفضل بعد خديجة وعائشة من الزوجات، وظاهر كلامهما أنَّهنَّ مستويات، وينبغي أن يقال: إنَّ زينب بنت جحش أفضل من بقيَّتهنَّ؛ لأنَّ الله زوَّجها، وكانت تفخر على أزواجه عليه السلام بذلك، وهي أسرع الزوجات لحاقًا به؛ لأنَّها كانت كثيرةَ الصدقة.

(1/7045)


[حديث: خير نسائها مريم وخير نسائها خديجة]
3815# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ): (محمَّد) هذا: قال الجيَّانيُّ في «تقييده»: وقال _يعني: البُخاري_ في (الاعتكاف)، و (الجهاد)، و (صفة إبليس)، و (الأنبياء)، و (مناقب الأنصار)، و (البقرة)، و (يوسف)، و (النِّكاح)، و (اللِّباس)، و (الأدب)، و (الأيمان والنُّذور)، و (الأحكام)، و (التمنِّي): (حدَّثنا محمَّد: أخبرنا عَبْدة): هكذا أتى محمَّدٌ غيرَ منسوبٍ عن عَبْدة، وفي بعض المواضع، وقد نسبه ابن السكن في بعضها: ابن سلَام، وكذلك صرَّح به البُخاريُّ في بعض المواضع باسمه، فقال: (حدَّثنا ابن سلَام)، وذكر أبو نصر أنَّ محمَّد بن سلَام يروي عن عَبْدة، انتهى، ولم يذكر هذا المكان، ولو وقف عليه؛ لقال فيه ما قال في غيره، والله أعلم، والمِزِّيُّ في «أطرافه» لم ينسبه، وقال شيخنا: هو ابن سلَام، انتهى.
و (عَبْدة)؛ بإسكان الموحَّدة: ابن سليمان، تَقَدَّم، والله أعلم.
قوله: (خَيْرُ نِسَائِهَا): تَقَدَّم الكلام عليه في (مريم)، والضمير لـ (الدُّنيا)، كذا جاء مفسَّرًا في حديث أبي كريب: وأشار وكيع إلى السماء والأرض.
==========
[ج 2 ص 53]

(1/7046)


[حديث: ما غرت على امرأة للنبي ما غرت على خديجة]
3816# قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بضمِّ العين المهملة، وفتح الفاء، و (اللَّيْثُ): تَقَدَّم أنَّه ابن سعد الإمام، أحد الأعلام.
قوله: (كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ [رَضِيَ اللهُ عَنْهَا] قَالَتْ [1]: مَا غِرْتُ ... )؛ الحديث: تَقَدَّم الكلام على الرِّواية بالكتابة وأنَّها صحيحةٌ مطوَّلًا إذا كانت مقرونةً بالإجازة، وكذا إذا كانت مجرَّدةً عن الإجازة؛ كهذه؛ فانظُره إن أردته، وسيأتي قريبًا إن شاء الله تعالى أيضًا.
قوله: (هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي): سيأتي بكم توفِّيت قبل أن يتزوَّجها قريبًا.
قوله: (بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ): قال الإمام السُّهيلي: تكلَّم أهل المعاني في هذا الحديث، وقالوا: كيف لم يُبشِّرها إلَّا ببيتٍ وأدنى أهل الجنَّة منزلةً من يُعطى مسيرة ألف عام في الجنَّة، كما جاء في حديث ابن عمر، خرَّجه التِّرمذيُّ؟ وكيف لم ينعت البيت بشيءٍ من أوصاف النعيم والبهجة أكثر من [2] نفي الصَّخب؛ وهو رفع الصوت؟ فأمَّا أبو بكر الإسكاف؛ فقال في كتاب «فوائد الأخبار» له: معنى الحديث: أنَّها بُشِّرت ببيت زائدٍ على ما أعدَّ الله لها ممَّا هو ثوابٌ لإيمانها وعملها؛ ولذلك قال: «لا صَخَبَ فيه ولا نصب»؛ أي: لم تنصبْ فيه ولم تصخب؛ أي: إنَّما أُعطيَتْه زيادةً على جميع العمل الذي نصبت فيه، قال السُّهيلي: لا أدري ما هذا التأويل؟! ولا يقتضيه ظاهر الحديث، ولا يوجد شاهد يعضده، وأمَّا الخطابيُّ؛ فقال: البيت هنا عبارةٌ عن قصر، وقد يُقال لمنزل الرجل: بيته، والذي قاله صحيحٌ، يقال في القوم: هم أهل بيت شرف، وبيت عزٍّ، وفي التنزيل: {غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ المُسْلِمِينَ} [الذاريات: 36]، ولكنْ لذكر البيت ههنا بهذا اللفظ، ولقوله: (ببيت) ولم يقل: بقصر؛ معنًى لائقٌ بصورة الحال، وذلك أنَّها لمَّا كانت رَبَّة بيت الإسلام، ولم يكن على وجه الأرض بيت إسلام إلَّا بيتها حين آمنت، وأيضًا فإنَّها أوَّل من بنى بيتًا في الإسلام بتزويجها رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورغبتها فيه، وجزاء الفعل يُذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف منه؛ كما جاء: «من كسا مسلمًا على عُريٍ؛ كساه الله من حُلَل الجنَّة، ومن سقى مسلمًا على ظمأ؛ سقاه الله من الرحيق»، ومن هذا الباب قوله عليه السلام: «من بنى لله مسجدًا؛ بنى الله له مثله في الجنَّة»، لم يُرد مثله في كونه مسجدًا، ولا في صفته، ولكن قابل البنيان بالبنيان؛ أي: كما بَنَى بُنيَ له؛ كما قابل الكسوة بالكسوة، والسَّقي بالسَّقي، فههنا وقعت المماثلة لا في ذات المبنيِّ أو المكسوِّ، وإذا ثبت هذا؛ فمِن ههنا اقتضت الفصاحة أن يعبِّر لها عما بُشِّرت به بلفظ (البيت) وإن كان فيه ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ومن تسمية الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى: {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، {وَمَكَرُواوَمَكَرَ اللهُ} [آل عمران: 54].

(1/7047)


وأمَّا قوله: «لا صخب فيه ولا نصب»؛ فاعلم أنَّه ما ذكره البُخاريُّ في هذا الحديث، ولكن ذكره فيما يأتي قريبًا، وقد ذكره السُّهيليُّ جملةً، فلم أحذفه، وقد ذكرتُه كما ذكره، وإذا جاء ذاك المكان؛ أحلْتُ عليه إن شاء الله تعالى.
قال السُّهيليُّ: فإنَّها أيضًا من بابِ ما كنَّا بسبيله؛ لأنَّه عليه السلام دعاها إلى الإيمان، فأجابته عفوًا، لم تحوجه إلى أن يصخب كما يصخبُ البعل إذا تعصَّت عليه حليلته، ولا أن ينصب؛ بل أزالت عنه كلَّ نَصَب، وآنسته من كلِّ وحشة، وهوَّنت عليه كلَّ مكروه، وأراحته بمالها من كلِّ كَدٍّ ونصب، فوصف منزلها الذي بُشِّرت به بالصِّفة المقابلة لفعالها وصورته.
وأمَّا قوله: «من قصب» ولم يقل: من لؤلؤ، وإن كان المعنى واحدًا، ولكن في اختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة والمقابلة
[ج 2 ص 53]
بلفظ الجزاء للفظ العمل: أنَّها رضي الله عنها كانت قد أحرزت قصَب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرِّجال والنِّسوان، والعرب تُسمِّي السابق: مُحرِزًا لقصب السبق، قال الشاعر:
~…مشى ابنُ الزُّبير القهقرى وتَقَدَّمت…أُميَّةُ حتَّى أحرزوا القَصَباتِ
فاقتضت البلاغة أن يُعبِّر بالعبارة المشاكِلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث؛ فتأمَّله، انتهى لفظُه، وهو كلامٌ حسنٌ مليحٌ مناسبٌ بجلالة الرجل.
والقصب في الحديث فُسِّر باللؤلؤ المجوَّفُ، وقد ذكره البيهقيُّ في «سننه» مفسَّرًا: من قصب اللؤلؤ، انتهى، وفي كلام شيخنا في «القاموس» في اللُّغة: والقصَب: الزَّبرجد الرَّطب المرصَّع بالياقوت، ومنه: «بَشِّر خديجة ببيتٍ في الجنَّة من قصَب»، انتهى، والصَّخَب: الصِّياح، والنَّصَب: التَّعَب، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (قال)، والمثبت موافق لما في «البخاري».
[2] في (أ): (ما)، ولعل المثبت هو الصواب.

(1/7048)


[حديث: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة]
3817# قوله: (وَتَزَوَّجَنِي بَعْدَهَا بِثَلاَثِ سِنِينَ): اعلم أنَّ هذا قولٌ ويأتي الكلام عليه مع غيره في (تزويج عائشة) قريبًا، وقال الشيخ مُحيِي الدِّين النَّوويُّ في «شرح مسلم» في قوله: «ولقد هَلَكَتْ قبل أن يتزوَّجني بثلاث سنين»: أي: قبل أن يدخل بي، لا قبل العقد، وإنَّما كان قبل العقد بنحو سنةٍ ونصف، والله أعلم، انتهى، وسيأتي في (تزويج عائشة) من كلامه ما يُناقض هذا، والله أعلم، ويأتي عن الحافظ الدِّمياطيِّ: أنَّ الصوابَ أنَّ خديجة توفِّيت في رمضان سنة عشرٍ، وتزوَّج سَودةَ بعدها في رمضان المذكور، ثم تزوَّج عائشة في شوَّال.
==========
[ج 2 ص 54]

(1/7049)


[حديث: ما غرت على أحد من نساء النبي ما غرت على خديجة ... ]
3818# قوله: (حَدَّثَنَا حَفْصٌ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن غِيَاث، وأنَّ غِيَاثًا بالغين المعجمة المكسورة، ثم مثنَّاة تحت مخفَّفة، وفي آخره ثاء مثلَّثة، وهذا ظاهرٌ معروف عند أهلِه.
قوله: (وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ): هو بفتح الواو واللام، والوَلَد؛ بفتحهما: يكون واحدًا، ويكون جمعًا، وهو هنا جمعٌ، ويقرأُ أيضًا: (وُلْد)؛ بضمِّ الواو، وإسكان اللام، ويكون الوُلْد أيضًا واحدًا وجمعًا، وهو هنا جمعٌ.
وقد تَقَدَّم أنَّ أولاده عليه السلام منها إلَّا إبراهيم؛ فإنَّه من مارية، ويقال: إنَّ عائشة أسقطت منه ولدًا سمَّاه عبدَ الله، ولا يصحُّ، إنَّما كُنيت بابن أختها عبد الله بن الزُّبَير، كما سأذكره إن شاء الله تعالى في مناقبها.
==========
[ج 2 ص 54]

(1/7050)


[حديث: بشر النبي خديجة؟]
3819# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ يحيى بَعْد مسدَّدٍ هو ابن سعيد القطَّان، و (إِسْمَاعِيل): هو ابن أبي خالد، و (عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي أَوْفَى): تَقَدَّم مترجمًا، وكذا والده أبو أوفى، وهو صحابيٌّ أيضًا رضي الله عنهما.
قوله: (بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لاَ صَخَبَ فِيهِ وَلاَ نَصَبَ): تَقَدَّم الكلام عليه قريبًا.

(1/7051)


[حديث: يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام ... ]
3820# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّ فُضَيلًا بضمِّ الفاء، وفتح الضاد المعجمة، مُصغَّر، و (عُمَارَةُ): تَقَدَّم أنَّه بضمِّ العين، وتخفيف الميم، وهو عُمَارة بن القعقاع بن شُبرُمة، تَقَدَّم مترجمًا، و (أَبُو زُرْعَةَ): تَقَدَّم أنَّه هَرِم _وقيل غير ذلك؛ فقيل: عبد الرحمن، وقيل: عمرو_ ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليُّ، تَقَدَّم، و (أبُو هُرَيْرَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الرحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.
==========
[ج 2 ص 54]

(1/7052)


[معلق ابن خليل: اللهم هالة]
3821# قوله: (وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ): هذا كوفيٌّ خزَّاز، كُنيته أبو عبد الله، يروي عن سلمة بن رجاء، وعليِّ بن مُسهِر، وغيرهما، وعنه: البُخاريُّ، ومسلم، ويعقوب الفسويُّ، وطائفة، وثَّقه أبو حاتم، توفِّي سنة (225 هـ)، وقد قدَّمتُ الكلام على ما إذا قال البُخاريُّ: (وقال فلان)، وفلانٌ المسندُ إليه القولُ شيخُه كهذا؛ فإنَّه يكون كـ (حدَّثنا)، غيرَ أنَّه أخذه عنه في حال المذاكرة غالبًا، وتَقَدَّم كلام الحيريِّ في ذلك، والله أعلم، وكلام ابن منده، ومقتضى كلام المِزِّيِّ: أنَّه وقع له: (حدَّثنا إسماعيلُ بن خليل)، وذلك لأنَّ عادته فيما إذا قال البُخاريُّ: (قال فلان) إذا كان شيخه، أو (قال لي فلان)؛ يُعلِّم عليه علامة تعليقٍ، وهذا لم يُعلِّم عليه كذلك، وإنَّما قال: (خ) في (فضل خديجة) عن إسماعيل بن خليل، والله أعلم.
قوله: (اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، أُخْتُ خَدِيجَةَ): (هالة بنت خويلد) وتَقَدَّم بقيَّة نسبها في أختها خديجة رضي الله عنهما، وهي أمُّ أبي العاصي بن الربيع، وقد قدَّمتُ الكلام على أنَّها صحابيَّةٌ في ترجمة ابنها في منقبته.
قوله: (فَارْتَاعَ لِذَلِكَ): قال ابن قُرقُولَ: (فارتاح لذلك): كذا للنسفيِّ في «مسلم»، وعند سائر رواة البُخاريِّ: (فارتاع)؛ أي: عظُم في نفسه سماعُ صوتها، واجتمع له، واستعدَّ للقائها، وتنبَّه له وللأمر الذي استأذنت فيه، أو لما أصابه من تجدُّد ذكر خديجة، انتهى، وقال في (ارتاح): أي: هشَّ، ونشطت نفسه، وقيل: خفَّ عليها، وقيل: سُرَّ بها.
قوله: (اللَّهُمَّ؛ هَالَةَ): هو بنصب (هالة)؛ أي: اللهمَّ اجعلها هالة، أو غير ذلك من التقدير، وفي بعض النُّسخ: (هالةُ)؛ بالضم؛ أي: هذه هالة، أو غير ذلك من التقدير.
قوله: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ): هو بمدِّ [1] الهمزة مجرور صفة لمجرور، وعلامة الجرِّ فيه الكسرة؛ لأنَّه مضاف، ومعنى (حمراء الشدقين): ساقطة الأسنان من الكِبَر، فلم يبقَ إلَّا حمرة اللِّثاتِ، والشِّدق: بالدال المهملة، ووقع عند القاضي عياض: بالإعجام، وهو سبقُ قلمٍ، والله أعلم، ولم يذكر فيه ابن قُرقُول إلَّا بالحاء والراء المهملتين، وكذا ابن الأثير، وقال بعضهم: قال السفاقسيُّ: ويروى بالجيم والزاي، قال أبو البقاء: ما أكثر ما يذكر (حمراءُ الشِّدقين)؛ بالرَّفع؛ أي: هي حمراء، وليس المعنى على الحال، انتهى، ولا أعرف أنا معناه بالجيم والزاي؛ فليُطلَب، ولعلَّه: جمراء؛ بالجيم والراء، وهذا له معنًى، والله أعلم.

(1/7053)


قوله: (قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا): في هذا _أعني: سكوته عليه السلام على ذلك_ أنَّ عائشة أفضل من خديجة، ولكن ذكر السُّهيليُّ في «رَوضه» حين ذكر: (ما غرتُ على أحد ما غِرتُ على خديجة ... )؛ الحديث ما لفظه: وفي حديث آخر: أنَّ عائشة رضي الله عنها قالت له: ما تذكر من عجوزٍ حمراء الشِّدقين، هلكت في الدهر الأوَّل، قد أبدلك الله خيرًا منها؟! فغضب وقال: «والله ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي حين كذَّبني الناس، وآستني بمالها حين حرمني الناس، ورُزِقت منها الولد، وحُرِمته من غيرها»، انتهى، وذكر نحوه ابن عبد البَرِّ في «استيعابه» في ترجمة خديجة بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها؛ فانظره إن أردته، وفي تفضيل إحداهما على الأخرى قولان قدَّمتُهما، وقدَّمتُ كلام السُّبكيِّ أبي الحسن عليِّ بن عبد الكافي، وتفصيل ابن تيمية أبي العبَّاس.

(1/7054)


[باب ذكر جرير بن عبد الله البجلي]
[ج 2 ص 54]
قوله: (بابُ ذِكْر جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَجَلِيِّ [رَضِيَ اللهُ عَنْهُ]): هو أبو عمرو جَرِير بن عبد الله بن جابر بن مالك بن نصر بن ثعلبة البَجَليُّ الأحمسيُّ _بالحاء والسين المهملتين_ الكوفيُّ، وبَجِيلة هي بنت صعب بن سعد العشِيرة، أمُّ ولد أنمار بن أراش، نُسِبُوا إليها، نزل جَرِير الكوفة، وتحوَّل إلى قرقيسا، وتوفِّي بها سنة إحدى وخمسين، قال ابن قتيبة: قدم جَرِير عليه عليه السلام سنة عشرٍ من الهجرة في شهر رمضان، فبايعه وأسلم، وكان عُمر رضي الله عنه يقول: جَرِيرٌ يوسفُ هذه الأمة؛ لحُسنه، قال: وكان طويلًا يصِل إلى سنام البعير، وكانت نعلُه ذراعًا ... إلى أن قال: وتوفِّي سنة (54 هـ)، ذو مناقبَ جليلةٍ رضي الله عنه، وفي «الاستيعاب»: أنَّه توفِّي بقرقيسا سنة (54 هـ)، وقد قيل: إنَّه [1] توفِّي سنة (51 هـ)، وقيل: مات بالسراة [2]، انتهى.
وقد سألني شخصٌ من طَلَبة الحديث بمكَّة _والشخص من بجيلة_: أين توفِّي جَرِير؟ ثم قال لي: إنَّ عندنا قبرًا مشهورًا ببجيلة يقال: إنَّه قبر جَرِير، وأنا خادمه، فقلت له: لعلَّه توفِّي بقرقيسا، ثم نُقِل إلى بجيلة، والله أعلم، وهذا جمعٌ بين كلام من قال: بقرقيسا، وبين ما هو مشهورٌ عندهم ببجيلة، والله أعلم.
==========
[1] تكرر في (أ): (إنَّه).
[2] في (أ): (بالسرا)، والمثبت موافق لما في «الاستيعاب»: (1/ 238).

(1/7055)


[حديث: ما حجبني رسول الله منذ أسلمت ولا رآني إلا ضحك]
3822# 3823# قوله: (حَدَّثَنَا خَالِدٌ): هذا هو خالد بن عبد الله الواسطيُّ الطحَّان، تَقَدَّمت ترجمته، وأنَّه اشترى نفسه من الله تعالى ثلاث مرَّاتٍ بزنته فضَّةً رحمه الله، و (بَيَان) هذا: هو ابن بشر المؤدِّب، يروي عن أنس وقيس بن أبي حَازم، وعنه: شعبة، وزائدة، وعِدَّة، أخرج له الجماعة، قال أحمد وابن معين: ثقة، توفِّي في حدود الأربعين ومئة، و (قَيْس) بعده: هو ابن أبي حَازم، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (وَعَنْ قَيْسٍ ... ) إلى آخره: هذا معطوف على السند الذي قبله، وهو حديثٌ آخر غير الحديث الذي قبله، روى هذا الثاني البُخاريُّ عن إسحاق الواسطيِّ، عن خالد _يعني: ابن عبد الله الطحَّان الذي قدَّمتُه_، عن بيان _هو ابن بشر الذي قدَّمتُه_، عن قيسٍ به، والله أعلم.
قوله: (يُقَالَ لَهُ ذُو الْخَلَصَةِ): قال ابن قُرقُول: (بفتح الخاء _يعني: المعجمة_ واللام، ويقال: بضمِّهما، وكذا ضبطناه عن ابن سراج، وبالفتح قيَّدناه عن أبي بحر، لكن بسكون اللام، وكذا قال ابن دُرَيد، وهو بيت صنمٍ ببلاد دَوس، وهو اسم صنمٍ لا اسم بيته، وكذا جاء تفسيره في الحديث) انتهى، وقد تَقَدَّم ضمُّ الخاء واللام عن ابن إسحاق، وفتحهما عن ابن هشام، كما نقله السُّهيليُّ في «رَوضه»، وفتح الخاء وإسكان اللام عمَّن ذكرته هناك.
قوله: (وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ الْيَمَانِيَةُ وَالْكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ): كذا في هامش أصلنا، وعليه علامة من رواه كذلك، وصورة (صح)، وفي أصلنا: (أو الكعبة الشاميَّة)، وفي «مسلم»: (يقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشاميَّة)، وفي بعض النُّسخ: (الكعبة اليمانية الكعبة الشاميَّة)؛ بغير واوٍ، وهذا اللفظ فيه إيهامٌ، والمراد: أنَّ ذا الخلصة كانوا يُسمُّونه الكعبة اليمانية، وكانت الكعبة الكريمة التي بمكَّة تسمى الكعبة الشامية، فرَّقوا بينهما للتمييز، هذا هو المراد، فيتأوَّل اللفظ عليه؛ وتقديره: يقال لها: الكعبة اليمانية، ويقال للتي بمكَّة: الشامية، وأمَّا من رواه بحذف الواو كما تَقَدَّم؛ فمعناه: كان يقال هذان اللفظان؛ أحدهما لموضعٍ، والآخر لآخر، والله أعلم.
وقال السُّهيليُّ في «رَوضه»: وفي كتاب مسلم في هذا الحديث زيادة: (وكان يقال له: الكعبة اليمانية والشاميَّة)، وهذا مُشكِلٌ، [ومعناه] [1]: كان يقال [2]: اليمانية والشامية؛ يعنون بـ (الشاميَّة): البيت الحرام، فزيادة (له) في الحديث سهوٌ، وبإسقاطه يصحُّ المعنى، قاله بعض المحدِّثين، والحديث في «جامع البُخاريِّ» بزيادة (له)، كما في «مسلم»، وليس هذا عندي بسهوٍ، وإنَّما معناه: كان يقال له _أي: يقال من أجله_: الكعبة الشاميَّة للكعبة، وهو الكعبة اليمانية، و (له): بمعنى: (من أجله) لا يُنكَر، ثم أنشد شاهدًا لذلك، انتهى.
و (اليمانيَة)؛ بتخفيف الياء، ويجوز تشديدُها.

(1/7056)


[باب ذكر حذيفة بن اليمان العبسي]
قوله: (بابُ ذِكْرِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِي الْعَبْسِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا): تَقَدَّم الكلام على (حذيفة)، والخلاف في أبيه هل هو حسل أو حسيل، ولِمَ قيل له: اليماني، و (اليماني): صحابيٌّ، قُتل شهيدًا بأُحُد، وستأتي كيفيَّة قتله وذكر وفاته في (مناقب عَمَّار وحذيفة)، و (العبسيُّ): بالموحَّدة والسين المهملة، وتَقَدَّم أنَّ الأصحَّ في (اليماني) إثباتُ الياء.

(1/7057)


[حديث: لما كان يوم أحد هزم المشركين هزيمة بينة]
3824# قوله: (لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ): تَقَدَّم مرَّاتٍ متى كانت (أُحُد)، وفي أيِّ شهر، وفي أيِّ يوم فيما مضى.
قوله: (هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ): هو بضمِّ الهاء، وكسر الزاي، مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (المشركون): قائمٌ مقام الفاعِل.
قوله: (هَزِيمَةً بَيِّنَةً): أي: واضحة.
قوله: (فَاجْتَلَدَتْ أُخْرَاهُمْ): أي: تضاربوا بالسُّيوف، ووجه الكلام: فاجتلدت هي وأُخراهم، ويُروى: (فاجتلدت مع أخراهم).
قوله: (حَتَّى قَتَلُوهُ): اعلم أنَّه اختلفت عليه أسيافُ المسلمين، فقتلوه ولا يعرفونه، فقال حذيفة: أبي والله، قالوا: والله إِنْ عرفناه، وصدَقوا، فقال حذيفة: غفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، فأراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يَديَهُ، فتصدَّق بِديَتِه حذيفةُ على المسلمين، فزاده عند رسول الله صلى الله عليه وسم خيرًا، قال ابن سيِّد الناس في «سيرته» في الكلام على فوائد غزوة أُحُد: (يقال: الذي قتله خطأً عتبة بن مسعود أخو عبد الله بن مسعود) انتهى.
قوله: (قَالَ أَبِي: فَوَاللهِ ... ) إلى آخره: القائل: (قال أَبِي) هو هشام بن عروة، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
==========
[ج 2 ص 55]

(1/7058)


[باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة]
قوله: (بابُ ذِكْر هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا): تَقَدَّم الكلام على (هند) هذه في مناقب ابنها معاوية بن أبي سُفيان، وأنَّها أسلمت بعد إسلام زوجها بِليلةٍ، وحسُن إسلامها، وشهدت اليَرْمُوك مع زوجها أبي سفيان صخر بن حرب، قال النَّوويُّ:
[ج 2 ص 55]
وتوفِّيت في أوَّل خلافة عمر في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة؛ يعني: سنة أربع عشرة، انتهى، وكذا قال أبو عُمر في «استيعابه»: إنَّها توفِّيت يوم توفِّي أبو قحافة، وهذا سنة أربع عشرة، ولكن في كلام النَّوويِّ حضورها في اليَرْمُوك، واليَرْمُوك تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه سنة خمس عشرة، وقد جمع النَّوويُّ بين كلام أبي عمر ابن عبد البَرِّ: أنَّها توفِّيت سنة أربع عشرة، وبين كلام غيره: أنَّها شهدت اليَرْمُوك؛ فحصل تبايُنٌ، والله أعلم.

(1/7059)


[معلق عبدان: أن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله]
3825# قوله: (وَقَالَ عَبْدَانُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوَّاد، وتَقَدَّم أيضًا أنَّ البُخاريَّ إذا قال: (قال فلان)، وفلانٌ المسندُ إليه القولُ شيخُه كهذا؛ يكون قد أخذه عنه في حال المذاكرة غالبًا، وأنَّه كـ (حدَّثنا)، وتَقَدَّم كلام الحيريِّ، وكلام ابن منده مطوَّلًا، والله أعلم، و (عَبْدُ اللهِ) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن المبارك شيخ خراسان، و (يُونُسُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن يزيد الأيليُّ، و (الزُّهْرِيُّ): [تَقَدَّم] مرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزُّهريُّ العالم المشهور.
قوله: (خِبَاءٍ): هو بكسر الخاء المعجمة، وبالموحَّدة، وبالمدِّ، تَقَدَّم أنَّه بيتٌ من بيوت الأعراب، ثم يُستَعمل في غيرها من منازِلهم ومساكنهم، كما استعملته هند هنا، والله أعلم.
قوله: (أَحَبَّ إِلَيَّ): هو بنصب (أحبَّ) على أنَّه خبر (كان)، وأمَّا (أحَبّ) الثانية؛ فإنَّه يجوز فيها الرَّفع والنَّصْب.
قوله: (وَأَيْضًا): هو مُنَوَّن؛ أي: ستزيدُ بصيرتُكِ، وتعودين إلى خيرٍ وأفضلَ من هذا [1]؛ ولهذا أخرج هذا الحديثَ البُخاريُّ في ترجمتها؛ أي: لتزدادِنَّ إيمانًا، وقال شيخنا: قوله: (وأيضًا) قاله تصديقًا لها.
قوله: (إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ ... )؛ الحديث: كان ذلك بمكَّة على الصَّفا في الفتح، وتَقَدَّم من كلام السُّهيليِّ أنَّ أبا سفيان كان حاضرًا، فليس فيه حُجَّة على القضاء على الغائب، وهو كلامٌ حسن، والله أعلم.
قوله: (رَجُلٌ مِسِّيكٌ): أكثر المحدِّثين ضبطوه بكسر الميم، والسين المُشدَّدة، ورواية المُتقنين: بفتح الميم، وتخفيف السين المكسورة، وقد تَقَدَّم بزيادةٍ.
قوله: (قَالَ: «لاَ» _أرَاهُ_ «إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ»): (أراه): يجوز فيه ضمُّ الهمزة وفتحها، وهذا كلام الراوي، وكلامه عليه السلام: (لا)، وشكَّ الراوي هل قال عليه السلام: (إلا بالمعروف) أو لم يقُلها؟ وغلب على ظنِّه قولها، والله أعلم، ومسألة الظفر الأقوالُ فيها معروفة، فلا نُطوِّلُ بها.
==========
[1] كتب فوقها في (أ): نسخة: (ذلك).
[ج 2 ص 56]

(1/7060)


[باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل]
قوله: (بابُ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ): هو زيد بن عَمرو بن نُفيل بن عبد العُزَّى بن رِياح _بكسر الراء وبالمثنَّاة تحت_ ابن عبد الله بن قُرط بن رَزاح _بفتح الراء_ ابن عديِّ بن كعب بن لؤيِّ بن غالب القرشيُّ العدويُّ، وزيد: هو ابن عمِّ عمر بن الخَطَّاب بن نُفَيل، كان زيدٌ هذا يتعبَّد في الفترة قبل النُّبوَّة على دين إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم، ويتطلَّبُ دين إبراهيم، ويوحِّد الله عزَّ وجلَّ، ويَعيبُ على قريش ذبائحهم على الأنصاب، ولا يأكل ممَّا ذُبِح على النُّصُب، وكان إذا دخل الكعبة قال: لبَّيك حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا، عُذت بما عاذ به إبراهيم، وفي «النَّسائيِّ الكبير» من حديث زيد بن حارثة وأسماء بنت أبي بكر بإسنادَين جيِّدين _وفي غيره كما سيأتي_ أنَّه عليه السلام قال: «إنَّه يُبعَث أُمَّةً وحده»، وقد قال عليه السلام ذلك فيما يُروى في غيره، فقاله في قسِّ بن ساعدة على ما يُروى، وفي خَطَر بن مالك على ما رواه أبو جعفر العُقيليُّ، ورأيت عن أبي إسحاق إبراهيم بن يحيى ابن الأمين الطُّلَيطليِّ [1] في كتابه «الاستدراك على أبي عمر» من حديث أيُّوب بن نهيك عن عطاء قال: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «مَن يذهب بكتابي إلى طاغية الروم؟» ... إلى أن قال: فقال رجلٌ من الأنصار: أنا أذهب به ... إلى أن قال: فجمع الرُّوم، ثم عرض عليهم، فكرهوا ما جاء به، فآمن به رجلٌ منهم، فقُتِل عند إيمانه، ثم إنَّ الرجل رجع إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأخبره بالذي كان منه وما كان من قتل الرجل، فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «ذلك الرجل يُبعَث أمة وحده» لذلك المقتول، انتهى ما رأيتُه بخطِّ بعض الفُضَلاء، وقد ذكر الذَّهبيُّ في «تجريده» شخصًا اسمه ضغاطر الأسقف الروميُّ، فقال: (أسلم على يدي دحية الكلبيِّ وقت الرسلية، فقتلوه) [2]، فالظَّاهر أنَّه هذا، والله أعلم.
مناقبه _أعني: زيدًا_ وأخبارُه معروفة، وقد عدَّه بعضهم صحابيًّا، وقد قدَّمتُ الكلام عليه في حد الصَّحابيِّ في (باب فضائل أصحاب النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم)؛ فانظره.
قال ابن إسحاق: كان زيد قد أجْمَعَ الخروجَ من مكَّة ليضرب في الأرض يطلب الحنفية دين إبراهيم عليه السلام، فكانت امرأتُه صفيَّة بنت الحضرميِّ _ولا أعلم أحدًا ذكرها بإسلام_ كلَّما رأته تهيَّأَ للخروج وأراده؛ آذنت به الخطَّاب بن نُفَيل، وكان الخطَّاب وكَّلها به ... ، وساق قصَّته إلى أن قال: فجال في الشَّام حتَّى إذا انتهى إلى راهبٍ بميفعة من أرض البلقاء ... ، إلى أن قال: فخرج سريعًا حين قال له ذلك الراهبُ ما قال يريد مكَّة، حتَّى إذا توسَّط بلاد لخم؛ عَدَوا عليه، فقتلوه، انتهى.

(1/7061)


وتوفِّي سنة أربعٍ وثلاثين من الفيل، قاله مغلطاي في «سيرته الصُّغرى» عن العُتَقيِّ، انتهى، وفي كلام غيره: قبل المبعث بخمس سنين، وقال شيخنا: قال سعيد بن المُسَيّب: توفِّي وقريش تبني الكعبة قبل نزول الوحي بخمس سنين، وعن زكريَّاء السعديِّ: أنَّه لمَّا مات دُفِن بأصل حِراء، ثم ذكر كلام ابن إسحاق الذي ذكرته، ثم قال: وعند الزُّبَير: قال هشام: بلغنا أنَّ زيدًا كان بالشام، فلمَّا بلغه خروجُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ أقبل يريده، فقتله أهل ميفعة، ثم قال شيخنا: وهو مذكورٌ في كتب الصَّحابة، وإيراد البُخاريِّ يميل إليه، انتهى.
==========
[1] في (أ): (الطيطلي).
[2] «تجريد أسماء الصَّحابة» (1/ 272).
[ج 2 ص 56]

(1/7062)


[حديث: أن النبي لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح]
3826# 3827# قوله: (حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ): (فُضَيل)؛ بضمِّ الفاء، وفتح الضاد، وهذا ظاهرٌ، و (مُوسَى) بعده: هو موسى بن عقبة الإمام.
قوله: (بِأَسْفَلَ بَلْدَح): (أسفلَ)؛ بالفتح في أصلنا، وكذا بخطِّ الشيخ أبي جعفر الأندلسيِّ، وهذا الضبط فيه نظرٌ؛ وذلك لأنَّ (أسفل) مضافٌ؛ فينبغي أن ينجرَّ بالكسرة، و (بَلْدَح): بفتح الموحَّدة، وإسكان اللام، ثم دال مهملة مفتوحة، ثم حاء مهملة أيضًا، وهو وادٍ قِبَل مكَّة جهة الغرب، كذا قال ابن قُرقُول، ولابن الأثير نحوُه، وفي «القاموس» لشيخنا مجد الدين: وبَلْدَح: وادٍ قِبَل مكَّة أو جبل بطريق جدَّة، وفي «الصحاح»: بَلْدَح: موضع، وهو في أصلنا مفتوحٌ بالقلَم، وفيه العلميَّة ووزن الفعل، فلا ينصرف، وفي أصلنا في (باب ما ذبح على الأنصاب والأصنام) مصروفٌ بالقلَم وغير مصروف، وحكى بعضهم فيه الصرف وعدمه، وفي «مسند أحمد»: أنَّه عليه السلام كان بمكَّة هو وزيد بن حارثة، فمرَّ بهما زيد ... ؛ فذكر القصَّة، والجمع بينهما: أنَّ هذا مجازٌ، وإطلاق مكَّة على (أسفل بَلْدَح) مجازٌ؛ لأنَّه من حاضرتها، والله أعلم.
قوله: (قَبْلَ أَنْ ينْزلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (يُنزَل): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، وإن شئتَ؛ بنيتَه للفاعل، والضَّبطان في أصلنا، و (الْوَحْيُ) في الحالينِ مرفوعٌ.
قوله: (فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُفْرَةٌ): (قُدِّمتْ): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (سُفرةٌ): مرفوعة نائبة مناب الفاعل، وسيأتي في (الذبائح) في أصلنا: (فقَدَّم): فعل ماضٍ مبنيٌّ للفاعل؛ يعني: النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والسُّفرة: طعام المسافر، وبه سُمِّيت الآلةُ التي يُعمَل فيها سُفرةً إذا كانت من جِلدٍ، وقد تَقَدَّم.
قوله: (فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا): الضمير في (أَبى) يرجع على زيد بن عمرو، وإنَّما قلت ذلك؛ لأنَّ بعده: (ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ ... )؛ الحديث، فالظَّاهر أنَّه امتنع من الأكل، ثم علَّل امتناعه مُعتذِرًا، وقد رأيت في كلام السُّهيليِّ في «رَوضه» حين ذكر هذا الحديث من عند البُخاريِّ قال: (فقُدِّمتْ إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم سفرةٌ، أو قدَّمها إليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنِّي لست آكل ... )؛ الحديث، فإمَّا أن يكون السُّهيليُّ شكَّ، أو أراد أن يجمع بين روايتَي البُخاريِّ اللَّتينِ ذكرتهما قُبَيله.
[ج 2 ص 56]

(1/7063)


وفي «مسند أحمد» عن يزيد المسعوديِّ، عن نُفيل بن هشام بن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، عن أبيه، عن جدِّه قال: كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكَّة هو وزيد بن حارثة، فمرَّ بهما زيد بن عمرو بن نُفيل، فدعوه إلى سفرةٍ لهما، فقال: يا بن أخي؛ إنِّي لا آكلُ مما ذُبِح على النُّصُب، قال: فما رُئيَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ذلك يأكل شيئًا ممَّا ذُبِح على النُّصُب؛ قال _ يعني: الراوي؛ وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل_: قلت: يا رسول الله؛ إنَّ أبي كان كما قد رأيتَ وبلغك، ولو أدركك؛ لآمن بك واتَّبعك، فاستغفر له، قال: «نعم؛ فأستغفرُ له، فإنَّه يُبعَث يوم القيامة أُمَّةً وحده»، نُفَيل: أحدُ رواته ذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات»، وقال: كان راويًا لهشام بن عروة، وأبوه: هشام بن سعيد [1] ذكره ابن حِبَّان أيضًا في «الثِّقات»، فالحديث إذن صحيحٌ، والله أعلم.
وفي «مسند أبي يَعلى» حديثٌ عن زيد بن حارثة، وفيه: (وقرَّب إليه السُّفرة، فقال _أي: زيدُ بن عمرو بن نُفيل_: ما هذا يا محمَّدُ؟ فقال: «شاةٌ ذبحناها لنُصبٍ من الأنصاب»، قال: قال: ما كنتُ لآكل ممَّا لم يُذكَر اسمُ الله عليه ... ، وذَكَر الحديث، وسيأتي جوابُه، وجواب ما في «المسند»، وسندُ الحديث.
قوله: (لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ): سؤالٌ يسأل الناس عنه كثيرًا، وصورته أن يقال: كيف وفَّق الله تعالى زيد بن عمرو بن نُفيل إلى ترك ما ذُبِحَ على النُّصُب، وما لم يذكر اسم الله عليه، ورسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أَولى بهذه الفضيلة في الجاهليَّة؛ لِما ثبت من عصمة الله له؟
وجوابُه من وجهين؛ أحدُهما: أنَّه ليس في الحديث حين لقيه بأسفل بَلْدَح فقُدِّمت إليه السفرة أنَّه عليه السلام أكل منها، وإنَّما فيه: أنَّ زيدًا قال حين قُدِّمت السفرة: لا آكل ... ؛ الحديث، انتهى، وهذا إنَّما يتأتَّى على هذه الرواية، لا على الرواية التي تأتي في (الذبائح): (فقَدَّم)، ولا على الرواية التي سُقتُها أعلاه من «المسند»، وقلت: إنَّ سندها صحيحٌ، ولا على ما في «مسند أبي يعلى»، وسندُه [حدَّثنا محمَّد بن بشار قال: حدَّثنا عبد الوهَّاب بن عبد المجيد أملاه علينا من كتابه: حدَّثنا محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة ويحيى بن عبد الرَّحمن بن حاطب بن أبي بلتعة، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن حارثة] [2].

(1/7064)


الجواب الثاني: أنَّ زيدًا إنَّما فعل ذلك برأيٍ رآه، لا بشرعِ متَقَدِّم، وإنَّما تَقَدَّم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذُبِح لغير الله، وإنَّما نزل تحريم ذلك في الإسلام، وبعضُ الأصوليِّين يقولون: إنَّ الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، فإن قلنا بهذا؛ قلنا: إنَّه عليه السلام كان يأكل ممَّا ذُبِحَ على النُّصُب، فإنَّما فعل أمرًا مُباحًا، وإن كان لا يأكل منها؛ فلا إشكال، انتهى، ولكن يردُّه ما في «المسند» و «أبي يعلى» ممَّا تَقَدَّم، قال: وإن قلنا أيضًا: إنَّها ليست على الإباحة ولا على التحريم _وهو الصحيح_؛ فالذبائح لها خاصَّةٌ في تحليل الشرع المُتَقدِّم؛ كالشاة والبعير ونحو ذلك ممَّا أحلَّه الله في دين مَن كان قبلنا، ولم يقدح في ذلك التحليل المُتَقدِّم ما ابتدعوه حتَّى جاء الإسلام وأنزل الله: {وَلاَتَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} [الأنعام: 121]، ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكِتاب عندنا على أصل التحليل بالشرع المُتَقدِّم، ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصُّلبان؟ وكذلك ما ذبحه أهلُ الأوثان محلَّلًا بالشرع المُتَقدِّم حتَّى خصَّه الله بالتحريم.
السُّؤالُ وجواباه للسُّهيليِّ [3]، إلا قوله: وهذا إنما يتأتَّى على الرِّواية التي هنا، لا على الرواية التي في (الذبائح) [4]، وإلا قوله: ولكن يردُّه ما في «المسند» و «أبي يعلى» فيما تَقَدَّم، انتهى.
وتعقَّب بعضُهم كلام السُّهيليِّ في قوله: (وفي شرع إبراهيم تحريم الميتة، لا تحريم ما ذُبِح لغير الله ... ) إلى آخره؛ بأن قال: وهذا ضعيفٌ، بل كان في شريعة الخليل تحريمُ ما ذُبِح لغير الله وكان عدوَّ الأصنام، والله تعالى يقول: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123]، وقال الخطَّابيُّ: امتناع زيد من أكل ما في السفرة إنَّما كان من أجل خوفه أن يكون فيها ممَّا ذُبِح على الأصنام، وكان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لا يأكل من ذبائحهم، وقيل: لم ينزل عليه حينئذٍ في تحريم ذبائحهم شيءٌ.
وقال ابن المُنَيِّر في (باب ما ذُبِحَ على النُّصُب والأصنام): (قد ذكر البُخاريُّ هذا الحديث، قلتُ: النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قُدِّم إليه هذا الطعامُ فأباه، وقدَّمه لزيدٍ فأباه زيد، وأقبل على أصحاب الطعام، فقال قولَه هذا، والله أعلم) انتهى، ويعني بـ (قولَه هذا): (إنِّي لا آكل ممَّا تذبحون على أنصابكم ... )؛ الحديث، وما قاله ابن المُنيِّر حسنٌ إن كان منقولًا، وقد ذكر ابن الأثير في (نصب) في «نهايته» حديثًا من عند أبي موسى_ولا أعلم ما حالُه_ يُنافي ما قاله ابن المُنيِّر، وأجاب عنه الحربيُّ بوجهين؛ فانظر ذلك من «النِّهاية».

(1/7065)


وفي «المستدرَك» حديث مطوَّلٌ فيه قصَّة زيد بن عَمرو بن نُفيل في ترجمة زيد بن حارثة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه قال: (خرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو مُردِفي إلى نُصبٍ من الأنصاب، فذبحنا له شاةً ... )؛ فذكر القصَّة، وقال آخره: على شرط مسلم، وفيه: (وقدَّمنا السفرة، فقال: ما هذا؟ قلنا: شاةٌ ذبحنا لنصب كذا وكذا، قال: إنِّي لا آكل ممَّا ذُبِح لغير الله) انتهى، ولم يتعقبه الذَّهبيُّ، والأحاديث في ذلك مُشكِلة، ولم يتَّضح لي في ذلك شيءٌ إلَّا أنَّها مُؤوَّلة ليست على ظاهرها، والله أعلم، وما قاله السُّهيليُّ في الجواب الثاني حسنٌ، والله أعلم، وقد قدَّمتُ أنَّ بعضهم تعقَّبه.
وقال شيخنا في (باب ما ذُبِحَ على النُّصُب) بعد أن ساق الحديث: وظاهره _أنَّ زيدًا قال ذلك لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنِّي لا آكل ممَّا تذبحون ... إلى آخره_ يوهِم أنَّه عليه السلام كان يأكل، وحاشاه منه، فإنَّه أولى باجتناب ذلك منه، وقد سلف هناك _يعني: في هذا الباب_مبيَّنًا، فالسفرة إنَّما قدَّمتها قريشٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأبى أن يأكل منها، فقدَّمها عليه السلام إلى زيد، فأبى أن يأكل منها، ثم قال لقريش الذين قدَّموها لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنِّي لا آكل ممَّا تذبحون على أنصابكم، ولم يكُ زيد في الجاهلية بأفضلَ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فحين امتنع زيد؛ فهو عليه السلام الذي كان حباه الله بوحيه واختاره أن يكون خاتمَ النَّبيِّين أَولى بالامتناع منها في الجاهليَّة أيضًا، انتهى.
قوله: (وأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ): (أنَّ): بفتح الهمزة، وتشديد النُّون، معطوف على (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
قوله: (قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنِي سَالِمُ ... ) إلى آخره: (موسى) هذا: تَقَدَّم أنَّه ابن عقبة الإمام، وهذا ليس تعليقًا، ولكنَّه معطوف على السند الذي قبله، فروى هذا _وهي زيادة موسى_ البُخاريُّ عن محمَّد بن أبي بكر، عن فُضَيل بن سليمان، عن موسى بِه، والأوَّل جزم به موسى، عن سالم، عن عبد الله بن عمر، وهذا الثاني حدَّث عنه موسى عن سالم قال: ولا أعلمُه إلَّا يُحدِّث به عن ابن عمر؛ فذكره، والله أعلم.
قوله: (يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ وَيَتَّبِعُهُ): الظَّاهر أنَّ المراد بـ (الدين): الحنفيَّة دين إبراهيم، وقوله: (ويتَّبعه)؛ من الاتِّباع، وللقابسيِّ: (ويبتغيه)؛ من الابتغاء؛ وهو الطلبُ، والأُولى في أصلنا، والثانية نسخة في هامشه.
قوله: (فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ): هذا اليهوديُّ لا أعرفه، ولا أعلم أحدًا سمَّاه.

(1/7066)


قوله: (إِنِّي لَعَلَيَّ أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ): (إنِّي)؛ بكسر الهمزة؛ لأنَّها ابتدائيَّة، وهي (إنَّ) واسمها، و (عَلَيَّ): جارٌّ ومجرور، وهو الخبر، كذا في أصلنا، قال ابن قرقول في (العين مع اللام): (فعلِّي): كذا للقابُسيِّ وعبدوس، وعند غيرهما: (لعَليَّ)، وهما متقاربان، انتهى، و (لعلِّي): (لعلَّ) التي للترجِّي، وياء الإضافة إلى نفسه.
قوله: (أَنْ أَدِينَ): (أن): هي التي تنصب الفعل المستقبل، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَأَخْبِرْنِي): هو بقطع الهمزة، رُباعيٌّ، وهو فعل أمر، وهذا ظاهرٌ أيضًا.
[ج 2 ص 57]
قوله: (وأَنَاأَسْتَطِيعُهُ): كذا في أصلنا، قال ابن قُرقُول: (وأَنَّى أستطيعه؟)؛ أي: كيف أطيق؟ وقد رويت هذه مُخَفَّفة النون على معنى التقرير؛ أي: أنا لا أستطيعه، قلت: فأمَّا (أنا) المُخَفَّفة؛ فهي اسم المتكلِّم أصلها (أنَ)؛ بغير ألف، قال الزُّبيديُّ: فإذا وقفت؛ زدت ألفًا للسكوت، وكذلك إذا لقيتْ همزةً، فإذا لم تكن همزة؛ حُذفت في الدَّرْجِ، ومن القرَّاء من يمدُّها، قال الله تعالى: {أَنَا رَبُّكَ} [طه: 12]: الفرَّاء على حذف الألف، ومنهم من يثبتها، انتهى، وهذه الزيادة في الكلام المذكور ليس لها تعليق كبير، إلا أنَّها فائدة في الجملة؛ فلهذا ذكرتها، والله أعلم، وقد قرأ نافع: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، {وَأَنَا أوَّل} [الأنعام: 163]، و {أَنَا أُنَبِّئُكُم} [يوسف: 45]، وشبهه إذا أتى بعد {أنا} همزة مضمومة أو مفتوحة بإثبات الألف في الحالين، وروى أبو نَشِيط عن قالون إثباتها مع الهمزة المكسورة في قوله: {إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ} [الشعراء: 115]، {وَمَا أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ} [الأحقاف: 9]، والباقون يحذفون الألف في الوصل خاصَّة، وكلُّهم يثبتها في الوقف.
قوله: (لَا [5] أَعْلَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا ... ) إلى آخره: قال شيخنا: أنكر الداوديُّ قوله عن عالم من اليهود: (ما أعلمه إلَّا أن يكون حنيفًا)، وقال: لا أُراه بمحفوظ، وإنَّما قال ذلك النصرانيُّ وحده، كذا ادَّعى، انتهى ما قاله شيخنا، والحنيف: المستقيم، والحنف: الاستقامة.
قوله: (فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى): هذا النصرانيُّ لا أعلم أحدًا سمَّاه.
قوله: (وأَنَا أَسْتَطِيعُ): تَقَدَّم الكلام عليه أعلاه.
قوله: (أَشْهَدُ): هو بفتح الهمزة، وهي همزة المتكلِّم.
==========
[1] في (أ): (سعيد)، ولعله تحريف.
[2] ما بين معقوفين بياض في (أ)، وهو مُثبَتٌ من «مسند أبي يعلى»: (7212).
[3] «الروض الأُنُف» (1/ 256، 257).
[4] أي: إلى قوله: (وسندُه).
[5] في «البخاري»: (ما).

(1/7067)


[معلق الليث: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائمًا مسندًا ... ]
3828# قوله: (وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ ... ) إلى آخره: قول الليث _هو ابن سعد_ تعليق، قال المِزِّيُّ بعد أن ذكر أنَّه تعليق: و (س) في (المناقب): عن الحسين بن منصور، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة به، انتهى، وقال شيخنا: وتعليق اللَّيث أسنده ابن سعد عن أبي أسامة حَمَّاد بن أسامة: حدَّثنا هشام ... ؛ فذكره، وابن إسحاق أخرجه عن هشام، فقال: حدَّثنا هشام ... ؛ فذكره، قال: ويجوز أن يكون من رواية عبد الله بن صالح عنه، كغالب عادته، انتهى؛ يعني: أن يكون البُخاريُّ قد رواه عن عبد الله بن صالح كاتب اللَّيث عن اللَّيث به، وعبد الله بن صالح تَقَدَّم الكلام عليه مطوَّلًا، وأنَّه علَّق له، والصحيح أنَّه روى عنه في «الصحيح»، والله أعلم.
قوله: (كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ): اعلم أنِّي قدَّمتُ الكلام على الرواية بالكتابة، وأنَّها تنقسم إلى نوعين؛ أحدهما: الكتابة المقترنة بالإجازة بأن يكتب إليه، ويقول: أجزتُ لك ما كتبته إليك، ونحو ذلك، وهي شبيهة بالمناولة المقرونة بالإجازة في الصحَّة والقوَّة، والنوع الثاني: الكتابة المجرَّدة عن الإجازة كهذه، وأنَّها صحيحة، تجوز الرواية بها على الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وهو عندهم معدود في المسند الموصول، وهو قول كثير من المُتَقدِّمين والمُتَأخِّرين منهم: أيُّوب السَّختيانيُّ، ومنصور، واللَّيث بن سعد، وغير واحد من الشافعيِّين؛ منهم: أبو المظفَّر السمعانيُّ، وجعلها أقوى من الإجازة، وإليه صار جماعة من الأصوليِّين؛ منهم: صاحبُ «المحصول»، وفي «الصحيح» أحاديث من هذا النوع، ومنع صحة ذلك قوم آخرون، وبه قطع الماورديُّ في «الحاوي»، وقال السيف الآمديُّ: لا يرويه إلَّا بتسليط من الشيخ؛ كقوله: فاروِه عنِّي، أو أجزت لك روايته، وذهب ابن القطَّان إلى انقطاع الرواية بالكتابة، وردَّه عليه ابن الموَّاق، والذي يظهر لي أنَّ الطالب إذا التمس الكتابة من الشيخ، فكتب إليه؛ أنَّه يجوز له روايته، وأمَّا إذا كتب إليه الشيخ ابتداءً من غير طلب؛ فمحلُّ وقفة؛ لأنَّه لم يسلِّطه على روايته عنه، هذا إذا لم يُجَز معها، والله أعلم.
قوله: (عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ): تَقَدَّم الكلام عليها وبعض ترجمتها رضي الله عنها، وأنَّها توفِّيت بعد ابنها عبد الله بن الزُّبَير بأيَّامٍ بمكَّة.

(1/7068)


قوله: (وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ): اعلم أنَّ الوأْدَ دفنُ البنت وهي حيَّة، وكانت العرب تفعلُه خشية الإملاق، وربَّما فعلوه خوف العار، و (الموءُودة)؛ بالهمز: البنت المدفونة حيَّة، يقال منه: وَأَدَتِ المرأة بنتها وَأْدًا، سُمِّيت موءُودةً؛ لأنَّها تثقل بالتراب، ومنه قوله تعالى: {وَلاَيَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255]، وأمَّا في قوله: {وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ} [التكوير: 8]؛ فقيل: {المَوْءُودَةُ}: التي قدَّمتُها، وهي البنت، وقيل: {المَوْءُودَةُ} هنا بمعنى: الوائدة، وقد قرئ شاذًّا: (وإذا الموءودة سَأَلتْ)، وإنَّما سألت توبيخًا لمن وَأَدَهَا، والله أعلم.
قوله: (فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ): هو بعينين وراءين مهملات، وفي آخره تاء التأنيث، ومعنى (ترعرعت): تحرَّكت ونشأت، ورعرعها الله سبحانه؛ أي: أنبتها، ويقال: إذا صلحت للأزواج.
قوله: (إِنْ شِئْتَ)، وكذا (وَإِنْ شِئْتَ): هما بفتح التاء على الخطاب لأبيها، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
==========
[ج 2 ص 58]

(1/7069)


[باب بنيان الكعبة]
قوله: (بابُ بُنْيَان الْكَعْبَةِ): اعلم أنَّ الكعبة بنيت خمس مرات؛ إحداها: بناء الملائكة قبل آدم، والثانية: بناء إبراهيم، والثالثة: بناء قريش في الجاهليَّة، وقد حضر صلَّى الله عليه وسلَّم هذا البناء كما في «الصحيح» وكان عمره إذ ذاك خمسًا وثلاثين سنة، وقيل: خمسًا وعشرين سنة، وقد تَقَدَّم بُعَيد حديث الإسراء في أوَّل (الصلاة) نقلُ شيخنا عن ابن بطَّال وابن التين: خمس عشرة سنة، انتهى، وسيأتي قريبًا ما ذكره ابن إسحاق في سنِّه إذ ذاك، وقد تَقَدَّم، ومثله تَقَدَّم عن الزُّهريِّ، والرابعة: بناء ابن الزُّبَير عبد الله، والخامسة: بناء الحَجَّاج بن يوسف الثَّقَفيِّ، وهو هذا البناء الموجود اليوم.
وكان ارتفاعها تسع أذرع من عهد إسماعيل، ولم يكن لها سقف، فلمَّا بنتها قريش قبل الإسلام؛ زادوا فيها تسع أذرع، فكانت ثماني عشرة ذراعًا، ورفعوا بابها عن الأرض، وكان لا يُصعَد إليها إلَّا في درَج أو سُلَّم، قال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم؛ ارفعوا بناء الكعبة حتَّى لا يدخل إليها حينئذٍ إلَّا من أردتم، فإن جاء أحد ممَّن تكرهونه؛ رميتم به فسقط، وصار نكالًا لمن رآه، ففعلت قريش ما قال، وأوَّل من عمل لها غلقًا تُبَّع، ثم لمَّا بناها ابن الزُّبَير؛ زاد فيها تسع أذرع، فكانت سبعًا وعشرين ذراعًا، وعلى ذلك هي الآن، ووقع في «مسلم» في (الحجِّ) عن عطاءٍ قال: (لمَّا احترق البيت زمن يزيد بن معاوية ... )، وساق الحديث إلى أن قال: (فزاد في طوله عشرة أذرع)، انتهى، والذي أعرف أنَّما زاد فيه تسعًا، قال السُّهيليُّ: وقال الأزرقيُّ: جعل إبراهيم طول بناء الكعبة تسع أذرع، وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضُها في الأرض اثنان وعشرون ذراعًا، وكانت غير مسقَّفة، ثم بنتها قريش في الجاهليَّة، وزادت في طولها في السماء تسع أذرع، فصار طولها ثماني عشرة [1] ذراعًا، ونقصوا من طولها في الأرض ستَّ أذرع وشبرًا تركوها في الحجر، فلم يزل ذلك كذلك حتَّى كان زمنُ عبد الله بن الزُّبَير، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وزاد في طولها في السماء تسع أذرع أخرى، فصار طولها في السماء سبعًا وعشرين، ثمَّ بناها الحَجَّاج،
[ج 2 ص 58]
فلم يغيِّر طولَها في السماء، والكعبة اليوم سبعة وعشرون ذراعًا، وأمَّا عرضها؛ فبين الركن الأسود والشاميِّ خمسة وعشرون ذراعًا، وبين اليمانيِّ والغربيِّ كذلك، وبين اليمانيِّ والأسود عشرون، وبين الشاميِّ والغربيِّ أحد وعشرون ذراعًا، والله أعلم، انتهى، وسأذكر الكلام على جدار المسجد الحرام حيث ذكره البُخاريُّ إن شاء الله تعالى.
وقال بعضهم: وكان بناؤها في الدهر خمس مَرَّاتٍ؛ الأولى: حين بناها شيث، والباقي كما قدَّمتُه ... إلى أن قال: وقد قيل: إنَّه بُنِي في أيام جُرهم مرَّة أو مرَّتين ... إلى أن قال: ولم يكن ذلك بنيانًا، وإنَّما كان إصلاحًا لما وَهَى ... إلى أن قال: وقد قيل أيضًا: إنَّ آدم هو أوَّل من بنى البيت، ذكره ابن إسحاق في غير رواية البكَّائيِّ، انتهى.

(1/7070)


ورأيت في «مناسك الحافظ محبِّ الدين الطَّبريِّ» حين ذكر بناء الكعبة، ذكر فيه خلافًا في أوَّل من بناه على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنَّ الله عزَّ وجلَّ وضعه لا ببناء أحد، ثمَّ ذكر في زمن وَضْعه إيَّاه على قولين، وقد استوعب ذلك، فإن أردته؛ فسارع إليه، وفيه: أنَّ قريشًا لما أرادوا وضع الركن؛ اختلفوا فيمن يرفعه ... إلى أن قال: فدخل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وهو غلام، فحكَّموه، وفي أوَّل هذا عن الزُّهريِّ: أنَّه لما بلغ عليه السلام الحلم؛ أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شررة؛ فذكره، وسيأتي جمع بين هذا وبين ما في «الصحيح» من كلام السُّهيليِّ.
وفي كلام بعض الحُفَّاظ: أنَّه عليه السلام كان عمره إذ ذاك خمسًا وعشرين سنة، وقد ذكرت ذلك قريبًا، وقد قدَّمتُ الاختلاف في عمره أيضًا في بنيان الكعبة في (باب كراهية التعرِّي) في أوائل هذا التعليق.
==========
[1] في (أ): (عشر).

(1/7071)


[حديث: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة]
3829# قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ): هذا هو محمود بن غيلان، وقد تَقَدَّم، و (عَبْدُ الرَّزَّاقِ): هو ابن همَّام الحافظ الكبير، مشهور جدًّا، و (ابْنُ جُرَيْج): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج.
قوله: (لَمَّا بُنِيَتِ الْكَعْبَةُ ... )؛ الحديث: قال ابن إسحاق: وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يحدِّث عمَّا كان يحفظه الله في صغره أنَّه قال: «لقد رأيتُني في غلمان من قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان؛ كلنا قد تعرَّى، وأخذ إزارًا وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة، فإنِّي لأُقبل معهم كذلك وأُدبر لكمني لاكم ما أَراه لكمة وجيعة، ثم قال: شُدَّ عليك إزارك، قال: فأخذته، فشددته عليَّ، ثمَّ جعلت أحمل الحجارة على رقبتي، وإزاري عليَّ من بين أصحابي»، قال السُّهيليُّ: وهذه القصَّة إنَّما وردت في الحديث الصحيح في حين بنيان الكعبة، فذكر هذا الحديث ... إلى أن قال: وحديث ابن إسحاق _إن صحَّ_ محمول على أنَّ هذا الأمر كان مرَّتين؛ في حال صغره وعند بنيان الكعبة، انتهى.
قوله: (وَعَبَّاسٌ): هو العبَّاس بن عبد المُطَّلب عمُّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي الصَّحابة من اسمه العبَّاس به ثمانية أشخاص، وبحذفه سبعة؛ فلهذا ميَّزتُه.
قوله: (يَقِيكَ): كذا في أصلنا، وفي نسخة هي في هامش أصلنا: (يَقِكَ)؛ بحذف حرف العلَّة، وهذه الجادَّة، وذاك جائز.
قوله: (وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ): (طَمَح)؛ بفتح الطاء والميم، وبالحاء المهملة: ارتفع.
قوله: (فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ): (شدَّ): مبنيٌّ للفاعل، والفاعل: هو، و (إزارَه): منصوب مفعول، كذا في أصلنا بلا خلاف.
==========
[ج 2 ص 59]

(1/7072)


[حديث: لم يكن على عهد النبي حول البيت حائط]
3830# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرةً أنَّه محمَّد بن الفضل الملقَّب بعَارم، وحاشاه من العَرامة، وقد قدَّمتُ ما هي.
قوله: (عن عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ): هذا مكيٌّ مولى آل قارظ بن شيبة الكنانيِّ، وقيل: مولى غيرِه من كنانة، يروي عن ابن عبَّاس، وابن عمر، والحسين، وسباع بن ثابت، وطائفة، وعنه: ابن جريج، وورقاء، وشعبة، وابن عيينة، وحَمَّاد بن زيد، وآخرون، وروى عنه: ابن أبي مُلَيْكَة، وهو أكبر منه، وثَّقه ابن المَدينيِّ، وابن معين، وجماعة، وكان مكثرًا، قال ابن عيينة: مات سنة (126 هـ)، وله ستٌّ وثمانون سنة رحمه الله، أخرج له الجماعة.
قوله: (حَتَّى كَانَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ، فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: جَدْرُهُ قَصِيرٌ، فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ): الجَدْر: بفتح الجيم، وإسكان الدال المهملة، وبالراء؛ أي: الحائط.
واعلم أنَّ الأزرقيَّ والماورديَّ وغيرهما من الأئمة _وفي كلام بعضِهم زيادة على بعض_[قالوا]: أمَّا المسجدُ الحرام؛ فكان فناءً حول الكعبة وفضاءً للطائفين، ولم يكن له على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبي بكر رضي الله عنه جدار يحيط به، فلمَّا استخلف عمر وكثر الناس؛ وسَّع المسجد، واشترى دورًا وهدمها، وزادها فيه، واتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه، فكان عمر رضي الله عنه أوَّل من اتخذ الجدار للمسجد الحرام، فلمَّا استخلف عثمان رضي الله عنه؛ ابتاع منازل ووسَّعه أيضًا بها، وبنى المسجد والأروقة، وكان عثمان رضي الله عنه أوَّل من اتخذ للمسجد الأروقة، ثمَّ إنَّ ابن الزُّبَير زاد في المسجد زيادة كثيرة، واشترى دورًا من جملتها دار الأزرق، واشترى ذلك البعض ببضعة عشر ألف دينار، ثم عمَّره عبد الملك بن مروان، ولم يزد فيه، لكن رفع جداره، وسقفه بالساج، وعمَّره عِمارة حسنة، ثمَّ إنَّ الوليد بن عبد الملك وسَّع المسجد، فحمل إليه أعمدة الحجارة والرُّخام، ثمَّ إنَّ المنصور زاد في المسجد وبناه، وجعل فيه عمد الرُّخام، وزاد فيه المهديُّ بعده مرَّتين؛ إحداهما: بعد سنة ستِّين ومئة، والثانية: بعد سنة سبع وستِّين ومئة إلى سنة تسع وستِّين، وفيها توفِّي المهديُّ، واستقرَّ على ذلك بناؤه إلى وقتنا هذا، وفي كلام بعضهم: أنَّ المأمون زاد فيه، وأتقن بنيانه بعد المهديِّ باثنتين وأربعين سنة، سنة اثنتين ومئتين، قال السُّهيليُّ: وهو على حاله إلى الآن.
[ج 2 ص 59]

(1/7073)


قوله: (أَيَّام الْجَاهِلِيَّةِ): تَقَدَّم أنَّ (الجاهليَّة) هي ما قبل الإسلام، وفي «المطالع»: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّة»، و «نذرت يومًا في الجاهليَّة»، و «كانت قريش تصومه في الجاهليَّة»: كلُّ ذلك كناية عمَّا كانت عليه العربُ قبل الإسلام، ومبعث النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من الجهل بالله ورسوله، وبشرائع الدين، والتمسُّك بعبادة غير الله عزَّ وجلَّ ... إلى آخر كلامِه، وكذا قاله غير واحد من العلماء، وهذا يؤخذ من عمل البُخاريِّ، فإنَّه ذكره قبل المبعث، ولم يذكر بينهما بابًا غير باب يتعلَّق بالجاهليَّة؛ وهو (القسامة في الجاهليَّة)، وقد تَقَدَّم الكلام على قوله تعالى: {الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب: 33] في (الأنبياء) في (إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم)، وفي أوَّل هذا التعليق في (باب المعاصي من أمر الجاهليَّة)، وعن الواحديِّ في قوله: {ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154]: زمان الفترة، وهو هو، وقال النَّوويُّ في «شرح مسلم» عند قول مسلم: (وهذا أبو عثمان النهديُّ وأبو رافع الصائغ، وهما ممَّن أدرك الجاهليَّة): إنَّ معناه: كانا رجلين قبل بعثة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: والجاهليَّة: ما قبل بعثة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، سُمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم، وقد نازعه في ذلك شيخنا العراقيُّ، فقال فيما قرأته عليه: وفيما قاله نظر، والظَّاهر: أنَّ المراد بإدراك الجاهليَّة: إدراك قومه أو غيرهم على الكفر قبل فتح مكَّة، فإنَّ العرب بادروا بالإسلام بعد فتح مكَّة، وزال أمر الجاهليَّة وخطب صلَّى الله عليه وسلَّم في الفتح بإبطال أمور الجاهليَّة إلَّا ما كان من سقاية الحاجِّ وسدانة الكعبة، قال: وقد ذكر مسلم في المخضرمين: يُسير بن عمرو، وإنَّما ولد بعد زمن الهجرة، وكان له عند موت النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم دون العشر سنين، فأدرك بعض زمن الجاهليَّة في قومه، والله أعلم، انتهى، ومما يدلُّ لما قاله شيخنا ما في هذا «الصحيح» في هذا الباب منفردًا به: قال ابن عبَّاس: (سمعت أبي يقول في الجاهليَّة: اسقنا كأسًا دهاقًا)، فهذا ابن عبَّاس رضي الله عنهما أطلق الجاهليَّة على زمان بعد المبعث بلا خلاف، ومن عرف مولد ابن عبَّاس؛ عرف ذلك، والله أعلم.

(1/7074)


[باب أيام الجاهلية]

(1/7075)


[حديث: كان عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية]
3831# قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ (يحيى) هذا: هو ابن سعيد القطَّان شيخ الحفَّاظ.
قوله: (كَانَ عَاشُورَاءُ): تَقَدَّم أنَّه بالمد والقصر، والاختلاف في أيِّ يوم هو، والصحيح: أنَّه عاشر المحرَّم.
قوله: (وَأَمَرَ): بفتح الهمزة والميم، وهذا ظاهرٌ.
==========
[ج 2 ص 60]

(1/7076)


[حديث: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض]
3832# قوله: (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّ هذا هو مسلم بن إبراهيم الأزديُّ الفراهيديُّ، وأنَّ هذه النسبة إلى جدِّه فُرهود، والنسبة إليه: فُرهوديٌّ وفَراهيديٌّ، وتَقَدَّم مترجمًا، و (وُهَيْب): هو ابن خالد، تَقَدَّم، و (ابْنُ طَاوُوس): هو عبد الله بن طاووس، تَقَدَّم.
قوله: (كَانُوا يَرَوْنَ): هو بفتح الياء، ويجوز أيضًا ضمُّها؛ أي: يعتقدون، وهو في أصلنا مضبوط بالأوَّل.
قوله: (إِذَا برأَ الدَّبَرُ): تَقَدَّم الكلام على (برأ)، وعلى (الدَّبر)، وعلى (عَفَا الأَثَرْ) في (الحجِّ).
قوله: (يُسَمُّونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا): كذا في أصلنا: مصروف، وهو الصواب، وفي نسخة: (صفر): غير مصروف، وقد تَقَدَّم الكلام عليه في (الحجِّ).
قوله: (أَيّ الْحِلِّ؟): يجوز في (أيّ) الرَّفع والنَّصْب، وكذا (الْحِلّ كُلّهُ) رفعهما ونصبهما.
==========
[ج 2 ص 60]

(1/7077)


[حديث: جاء سيل في الجاهلية فكسا ما بين الجبلين]
3833# قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو ابن المَدينيِّ الحافظ الجِهْبِذ، وأنَّ (سُفْيَان) بعده: هو ابن عيينة، و (عَمْرو) بعده: هو ابن دينار، و (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ): تَقَدَّم أنَّ ياء أبيه بالفتح والكسر، وأنَّ غير أبيه ممن اسمه المسيَّب لا يجوز فيه إلَّا الفتح، و (أبوه): هو المسيّب بن حزن المخزوميُّ، تاجرٌ، عنه: ابنه سعيد فقط، صحابيٌّ مشهور، ووالده حزن بن أبي وهب المخزوميُّ من الطلقاء، وعنه: ابنه المسيّب، قُتِل يوم اليمامة رضي الله عنه.
قوله: (فَكَسَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ)؛ أي: الذين بجانبي الوادي الذي فيه المسجد الحرام.
قوله: (قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شَأْنٌ): كذا في أصلنا: (لحديثٌ) على أنَّه خبر (إنَّ)، وفي أصلنا الدِّمَشْقيِّ نسخة في الهامش كذلك، وفي الأصل: (لحديثًا)، وهذا على نصب الجزأين، وهي لغة، والله أعلم.
قوله: (قَالَ سُفْيَانُ): هذا تَقَدَّم قريبًا في أوَّل الكلام على إسناد هذا الحديث أنَّه ابن عيينة، وقوله: (له شأن): هو ما جاء في رواية أخرى: أنَّ السيل كان يدخل المسجد، ويحيط بموضع البيت قبل أن يُبنى وهو ربوة ولا يعلوه، وسيلُ الحرم لا [1] يخرج إلى الحلِّ، ولا يدخل سيلُ الحرم الحلَّ، ولمَّا أراد عمر رضي الله عنه تجديد الحرم؛ دعا مَشْيُوخَاء كان يزعمون في الجاهليَّة، فسألهم عن حدود الحرم، فأخبروه، فنصب تلك الأعلام، وإنَّما أخبروه بالأماكن التي يخرج إليها السيلُ، انتهى، قاله شيخنا رحمه الله تعالى.

(1/7078)


[حديث: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب]
3834# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه محمَّد بن الفضل، وأنَّ لقبه عَارم، وتَقَدَّم ما العَارم، وتَقَدَّم (أَبُو عَوَانَةَ): أنَّه الوضاح بن عبد الله، وتَقَدَّم (بَيَان أَبُو بِشْرٍ): أنَّه بكسر الموحَّدة، وبالشين المعجمة، وهو أَحمسيٌّ كوفيٌّ، معلِّم ثقة، توفِّي في حدود أربعين ومئة، أخرج له الجماعة، وتَقَدَّم (قَيْس بْن أَبِي حَازِمٍ): أنَّه بالحاء المهملة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ): (أبو بكر): هو الصِّدِّيق عبد الله بن عثمان، وأمَّا المرأة؛ فجاء تسميتها في هذا الحديث: زينب، وفي «ثقات ابن حبان»: (زينب بنت أبي حَازم أخت قيس بن أبي حازم، قالت: دخلت على أبي بكر الصِّدِّيق وأنا مصمتة، فقال: تكلَّمي إنَّ هذا لا يصلح، إنَّ هذا من عمل الجاهليَّة، قالت: فتكلَّمت، قاله بيان، عن قيس، عن أخته) انتهى لفظ ابن حبان، فهذه هي، والله أعلم، وقال بعض الحُفَّاظ العصريِّين: هي زينب بنت عوف أو بنت جابر، وقيل: بنت المهاجر بن جابر، انتهى، وما ذكرته أوَّلًا أحسن ممَّا قاله هذا الحافظ، والله أعلم.
قوله: (لاَ تَكَلَّمُ): هو محذوف إحدى التاءين، وهو فعل مضارع مرفوع.
قوله: (قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً): هو بكسر الميم، كذا في أصلنا، وفي نسخة الدِّمياطيِّ: بفتحها بالقلم، وفي «النِّهاية» حين ذكر هذا الحديث قال: أي: ساكتة لا تتكلَّم.
قوله: (هَذَا لاَ يَحِلُّ، هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ): اعلم أنَّه يكره صمت يوم إلى الليل عن الكلام مطلقًا حتَّى عمَّا يَعنيه، ويصير كلامه بذلك ككلام الأخرس؛ لحديث في «سنن أبي داود» عن عليٍّ رضي الله عنه قال: حفظتُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يُتْمَ بعد احتلام، ولا صُمَاتَ يوم إلى الليل»، سكت عليه أبو داود؛ فهو محتجٌّ به عنده، ويعضده قصَّة أبي إسرائيل، وهذه القصَّة التي هنا مع الصِّدِّيق، وهي من أفراد البُخاريِّ، وأبعد المتولِّي من الشافعيَّة، فقال: له أصل في شرع مَنْ قبلنا؛ وهي قصة مريم وزكريا عليهما السلام {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26]؛ أي: صمتًا، فمن قال من أصحابنا: شرع من قبلنا شرع لنا عند عدم النهي؛ جعل ذلك قربة، انتهى، لكن قد جاء النهي عنه، فطاح هذا الكلام، وقال ابن يونس: إن قلنا: شرع لنا؛ لم يكره، ولكن لا يستحبُّ.
[ج 2 ص 60]

(1/7079)


واعلم أنَّ هذه الكراهة كذا أطلقها الشافعيَّة، ولا يطلقون إلَّا كراهة التنزيه، وينبغي أن تكون للتحريم؛ لقصَّة أبي بكر رضي الله عنه هذه مع زينب الأحمسيَّة، وللنهي المذكور في «سنن أبي داود»، وقال الخطَّابيُّ: (كان ذلك نسكَ الجاهليَّة، فنُهوا عنه)، وقال الحافظ محبُّ الدين الطَّبريُّ: لم يؤثر ذلك عن الشارع، ولا عن أصحابه، ويحمل ما ورد في الباب إلى الصمت عمَّا سوى ذكر الله وما لا يعنيه، فلو صمت عما سوى الذكر، وتكلَّم فيما لا بد له منه؛ ككلام الأخرس؛ فالظَّاهر الكراهة؛ لأنَّه روي النهي عن التخارس، والتعارج، والتعامي، ويحتمل ألَّا يكره؛ لخروجه بالذكر عن مطلق الصمت، والله أعلم.
قوله: (قَالَتْ: أَيِّ الْمُهَاجِرِينَ؟): (أيِّ): بالجرِّ.
قوله: (إِنَّكِ لَسَؤُولٌ): (إنَّكِ)؛ بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب لمؤنث، والسَّؤُول: كثيرة السُّؤال، والرَّجُل: سَؤُولَةٌ.
قوله: (فَهُمْ أُولَئِكِ): هو بكسر الكاف خطاب لمؤنث، وهذا ظاهرٌ.

(1/7080)


[حديث: أسلمت امرأة سوداء لبعض العرب]
3835# قوله: (حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ): (المَغْراء) بفتح الميم، وإسكان الغين المعجمة، ثمَّ راء، وفي آخره همزة ممدودة.
قوله: (أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ): هذه المرأة تَقَدَّم [أنِّي] لا أعرف اسمها.
قوله: (وَكَانَ لَهَا حِفْشٌ): تَقَدَّم أنَّه بالحاء المهملة المكسورة، ثمَّ فاء ساكنة، ثمَّ شين معجمة، قال الشافعيُّ: هو البيت القريب السَّمْك، وقال مالك: هو الصغير الخَرِب، وقد تَقَدَّم في (المساجد).
قوله: (فَتَحَدَّثُ): هو مرفوع محذوف إحدى التاءين؛ أي: تتحدَّث، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (وَيَوْم الْوِشَاحِ): تَقَدَّم الكلام على (يوم) أنَّه بالرَّفع والنَّصْب، وتَقَدَّم الكلام على (الوشاح)، وعلى (التَّعَاجِيبِ) في (المساجد).
قوله: (الْحُدَيَّا): تَقَدَّم أنَّها بضمِّ الحاء وفتح الدال المهملتين، وزان: الثُّرَيَّا والحُمَيَّا، طائر معروف، تَقَدَّم.
قوله: (فِي قُبُلِي): هو بضمِّ القاف والموحَّدة؛ وهو فرجُها.
قوله: (حَتَّى وَازَتْ بِرُؤُسِنَا)؛ أي: قابلت برؤوسنا، وفي (وازت) ردٌّ لقول الجوهريِّ: وقد آزيته؛ أي: حاذيته، ولا تقل: وازيته، انتهى، وقد نصَّ على جوازه غير الجوهريِّ.
==========
[ج 2 ص 61]

(1/7081)


[حديث: أن القاسم كان يمشي بين يدي الجنازة ولا يقوم لها]
3837# قوله: (حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن وهب، أحد الأعلام، وقد تَقَدَّم مترجمًا، و (عَمْرٌو) بعده: هو عمرو بن الحارث المصريُّ، أحد الأعلام، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (أَنَّ الْقَاسِمَ كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَازَةِ): (القاسم) هذا: أحد الفقهاء السبعة، وهو القاسم بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق، ومسألة المشي أمامها أو خلفها معروفة.
قوله: (وَلاَ يَقُومُ لَهَا): مسألة القيام للجنازة: قال الشافعيُّ وأصحابه: إذا مرت به جنازة ولم يُردِ الذهابَ معها؛ لم يقم لها، نصَّ أكثر أصحابنا على كراهة القيام، ونقل المحامليُّ إجماع الفقهاء عليه، وانفرد صاحبُ «التتمَّة» باستحباب القيام؛ للأحاديث الصحيحة فيه، قال الجمهور: والأحاديث منسوخة، قال النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»: المختار استحبابه، وكذا في «شرح مسلم»، وهو الذي يظهر؛ لأنَّ حديث عليٍّ في «مسلم» يدل على نسخ الوجوب؛ وهو: (قام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقمنا، وقعد فقعدنا)، وكان قد تَقَدَّمه أمرٌ بالقيام لها، والله أعلم، وقد تَقَدَّمت المسألة في (الجنائز).
قوله: (كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ): (كنتِ) (أنتِ)؛ بكسر التاء فيهما، و (أهلكِ)؛ بكسر الكاف، يخاطب الجنازة، وقوله: (ما أنت) [ ... ] [1].
==========
[1] بياض في (أ).
[ج 2 ص 61]

(1/7082)


[حديث: إن المشركين كانوا لا يفيضون من جمع حتى تشرق الشمس]
3838# قوله: (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه بالموحَّدة، والسين المهملة، وتَقَدَّم أنَّه ليس في الكتب السِّتَّة عمرو بن عيَّاش؛ بالمثنَّاة تحت، والشين المعجمة، ولا عُمر بن عبَّاس؛ بضمِّ العين، وحذف الواو، وعبَّاس؛ بالموحَّدة، والسين المهملة، و (عَبْدُ الرَّحْمَن) بعده: هو ابن مهديٍّ الإمام، أحد الأعلام، و (سُفْيَانُ) بعده: يحتمل أنَّه الثوريُّ، وبيان ذلك: أنِّي نظرتُ في ترجمة ابن مهديٍّ، فرأيته يروي عن السفيانين، فنظرت في ترجمة أبي إسحاق _وهو عمرو بن عبد الله السَّبِيعي_ فرأيت في الرواة عنه ذكروا الثوريَّ، قال عبد الغنيِّ في «الكمال»: وهو أثبت الناس فيه، وقد روى عنه أيضًا ابن عيينة، ويحتمل أنَّه ابن عيينة، ولم أر أحدًا نصَّ على أيِّهما هو.
قوله: (يُفِيضُون): هو بضمِّ أوله، رُباعيٌّ، قال الله تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاس} [البقرة: 199]، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (مِنْ جَمْعٍ): تَقَدَّم أنَّها بفتح الجيم، وإسكان الميم؛ وهي المزدلفة، وهو قُزح، وهو المشعر الحرام؛ سُمِّيت جَمْعًا؛ لاجتماع الناس بها، وقال الواحديُّ: لجمعهم بين المغرب والعشاء، وقيل: لأنَّ آدم وحواء اجتمعا بها، وفي «المطالع»: لجمع الشعائر [1] فيها، والله أعلم، وقد تَقَدَّم.
قوله: (حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ): هو بفتح أوله، وضمِّ الراء: تَطلع، و (تُشرِق) أيضًا: بضمِّ أوَّله، وكسر الراء: تضيء، وبهما ضُبط في أصلنا، وقد تَقَدَّم، وقال شيخنا عن ابن التين هنا: إنَّه بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه، كذا ضبط، قال: والمعروف في المثل: (أَشرِق ثَبِيْر كيما نُغِير)، وهي إضاءة الشمس على ثبير، انتهى.
و (ثَبِير): تَقَدَّم ضبطه، وأنَّه جبل المزدلفة، وتَقَدَّم في (الحجِّ) أنَّ السُّهيليَّ قال: قائلُ: (أشرق ثبير): هو أبو سيَّارة، واسمه عُميلة بن الأعزل في قول ابن إسحاق، وقال غيره: اسمه العاصي، قاله الخطَّابيُّ، واسم الأعزل خالد، ذكره السُّهيليُّ عن الأصبهانيِّ، وقد تَقَدَّم ذلك.
==========
[1] كتب في هامش (أ): (في «المطالع»: العشائر)، وفي «المطالع» (ق/81): (العشاءين).
[ج 2 ص 61]

(1/7083)


[حديث: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقا]
3839# 3840# قوله: (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ): هذا هو ابن راهويه الإمام، أحد الأعلام، و (أَبُو أُسَامَة): حَمَّاد بن أسامة، و (يَحْيَى بْنُ الْمُهَلَّبِ): يقال له: أبو كُدَينة، بجليٌّ، يروي عن حُصَين ومغيرة، وعنه: عَفَّان ومحمد بن الصلت، ثقة، أخرج له البُخاريُّ، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وثَّقه ابن معين وأبو داود، ليس له في «البُخاريِّ» إلَّا هذا، و (حُصَيْنٌ): تَقَدَّم أنَّ الأسماء
[ج 2 ص 61]
بالضمِّ، والكنى بالفتح، وهذا هو حُصَين بن عبد الرحمن، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (يَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: اسْقِنَا كَأْسًا دِهَاقًا): تَقَدَّم أنَّ هذا ممَّا يدل لشيخنا العراقيِّ في أنَّ الجاهليَّة هي ما قبل الفتح، وابن عبَّاس وُلِد بعد المبعث _بلا خلاف_ بسنتين، وقد اختلف في سنِّه يوم توفِّي صلَّى الله عليه وسلَّم على أقوال ستأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: (اسْقِنَا): يجوز فيه الثلاثيُّ والرُّباعيُّ، وهما لغتا القرآن، وهما لغتان ذكرهما غير واحد، يقال: سقى الله الأرض وأسقاها، وقال آخرون: سقيته: ناولته، وأسقيته: جعلت له سقيًا يشرب منه.

(1/7084)


[حديث: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد ألا كل شيء ما خلا]
3841# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه الفضل بن دُكَين الحافظ، وتَقَدَّم أنَّ دُكَينًا لقب، و (سُفْيَانُ): يحتمل أن يكون الثوريَّ، وأن يكون ابن عيينة، فإنَّ أبا نعيم روى عنهما، وكذا رويا عن عبد الملك؛ هو ابن عُمير، والله أعلم، وابن ماجه رواه عن محمَّد بن الصَّبَّاح _وهو الجَرْجَرَائي_، عن ابن عيينة، عن عبد الملك نحوه، ولم يذكر (وكاد أمية ... ) إلى آخره، و (أبو سَلَمَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن عبد الرحمن بن عوف أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر، واسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، و (أبو هُرَيْرَةَ): عبد الرحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا، تَقَدَّم مِرارًا.
قوله: (كَلِمَةُ لَبِيدٍ): تَقَدَّم أنَّه لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان _بالعين المهملة بلا خلاف_ ابن مضر بن نزار بن معدِّ بن عدنان، كنيته أبو عَقِيل_ بفتح العين وكسر القاف_ العامريُّ، كذا نسبه ابن أبي خيثمة في «تاريخه»، وَفَد لبيد على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأسلم، وحسُن إسلامه، وكان من فحول الشعراء، وهو القائل:
~…أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ… ....
وكان من المعمَّرين، عاش مئة وأربعًا وخمسين سنة، وقيل: مئة وسبعًا وخمسين سنة، وقال السمعانيُّ: مات أوَّل خلافة معاوية، وله مئة وأربعون سنة، ولم يقل شعرًا بعد إسلامه، وكان يقول: أبدلني الله به القرآن، قال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلَّا قوله:
~…الحمدُ لله إذ لم يأتني أجلي…حتَّى اكتسيتُ من الإسلام سِربالا
وقيل: إنَّ هذا البيت لِقَردة بن نفاثة السَّلُوليِّ، قال أبو عمر في «الاستيعاب»: وهو عبديٌّ [1]، قال: وقال غيره: بل البيت الذي قاله في الإسلام قولُه:
~…ما عاتب المرءَ الكريمَ كنفسِه…والمرءُ يصلحُه القرينُ الصالحُ
وقال جمهور أصحاب الأخبار والسير: لم يقل شعرًا منذ أسلم، وكان شريفًا في الجاهليَّة والإسلام، توفِّي في خلافة عثمان، وقيل: في أوَّل خلافة معاوية، وقد قدَّمتُ هذا، والأوَّل أصحُّ، وقال: القول بأنَّه توفِّي في خلافة معاوية، قالوا: إنَّه اعتزل الفتن، ووقع في كلام النَّوويِّ في «تهذيبه»: أنَّه اعتزل الفتن، وأنَّه توفِّي في خلافة عثمان، وإنَّما يتمشَّى هذا على القول بأنَّه توفِّي في أوَّل خلافة معاوية، والله أعلم.
قوله: (مَا خَلاَ اللهَ): الاسم الجليل: منصوب على الاستثناء، و (بَاطِلٌ): معناه: مضمحلٌّ فانٍ.

(1/7085)


قوله: (وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ): هو أميَّة بن أبي الصلت عبدِ الله بن ربيعة بن عوف بن عُقدة بن غِيرة _بكسر الغين المعجمة_ ابن عوف بن قسيٍّ _وهو ثقيف_ الثَّقَفيُّ، كان أمية يتعبد في الجاهليَّة، ويؤمن بالبعث، وينشد في إثباته الشعر المليح، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ثبت في «مسلم» عن الشَّريد بن سويد رضي الله عنه قال: ردفت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يومًا ... فقال: «هيه»، ثم أنشدته بيتًا، فقال: «هيه»، حتَّى أنشدته مئة بيت، فقال: «إنَّه كاد ليسلم»، وفي رواية: «فلقد كاد يسلم في شعره»، وسيجيءُ في (كتاب الأدب): أنَّه عليه السلام قال لأخته الفارعة كلامًا ينبغي لك أن تقف عليه هناك، والله أعلم.
وكنية أميَّة أبو عثمان، ويقال: أبو القاسم، قال شيخنا: قال الكلاباذيُّ: كان يهوديًّا، مات في حصار رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الطائف.

(1/7086)


[حديث: كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج]
3842# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قال: حَدَّثَنِي أَخِي): أمَّا (إسماعيل)؛ فقد تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن أبي أويس عبد الله، وأنَّه ابن أخت مالك الإمام، وأخوه: تَقَدَّم أنَّه عبد الحميد بن أبي أويس ابن أخت مالك أيضًا، وقد تَقَدَّم مترجمًا وما قاله الأزديُّ فيه، وهو مردود، و (سُلَيْمَان) بعده: هو ابن بلال، تَقَدَّم، وكذا (يَحْيَى بْن سَعِيدٍ): هو الأنصاريُّ، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ): هذا الغلام لا أعرف اسمه.
قوله: (يُخْرِجُ لَهُ الْخَرَاجَ): (يُخْرِج): بضمِّ أوله، وإسكان ثانيه، وكسر ثالثه مخفَّفًا، و (الخراج): هو شيء يجعله السيد على عبده، فيقوم له بذلك الشيء، وما فضل من غلَّته؛ يأخذ العبدُ فينتفع به.
قوله: (كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ): هذا الإنسان أيضًا لا أعرفه.
قوله: (وَمَا أُحْسِنُ الْكهَانَةَ): تَقَدَّم الكلام على (الكهَانة)، وما هي، وأنَّها ثلاثة أنواع، و (الكهَانة) هنا: بفتح الكاف، ويصحُّ فيها الكسر، يقال: كَهَن يَكْهُنُ كِهَانةً؛ مثل: كتَب يَكْتُبُ كِتَابةً؛ إذا تكَهَّن، وإذا أردت أنَّه صار كاهنًا؛ قلت: كَهُنَ _ بالضمِّ_ كَهانةً؛ بالفتح، قاله الجوهريُّ، وهي في أصلنا: بفتح الكاف بالقلم.
قوله: (فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ): (قاء)؛ بهمزة في آخره ممدود.
تنبيه: إذا أكل الشخص شيئًا حرامًا أو شرب حرامًا نجسًا ومحرَّمًا، مُكرَهًا عليه أو مختارًا؛ وجب عليه أن يتقيَّأه في الأصحِّ المنصوص، قاله النَّوويُّ في «شرح المهذَّب»، ونقل شيخنا في «شرح المنهاج» له عن الرُّوْيانيِّ: أنَّ ظاهر المذهب مقابلُه.

(1/7087)


[حديث: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة]
3843# قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو ابن سعيد القطَّان شيخ الحفَّاظ، و (عُبَيْد الله) بعده: هو عُبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخَطَّاب، تَقَدَّم مِرارًا.
قوله: (إِلَى حَبَلِ الْحَبَلَةِ): تَقَدَّم الكلام عليه، وقد فسَّره في الحديث هنا، والله أعلم.
[ج 2 ص 62]
قوله: (أَنْ تُنْتَجَ): هو بضمِّ التاء المثنَّاة فوقُ أوَّله، وسكون النون، وفتح المثنَّاة فوق الثانية، مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله؛ كذا سُمِع، وقد تَقَدَّم.
قوله: (نُتِجَتْ): هو بضمِّ أوَّله، وكسر المثنَّاة فوقُ ثانيه، مبْنيٌّ أيضًا.

(1/7088)


[حديث: كنا نأتي أنس بن مالك فيحدثنا عن الأنصار]
3844# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه محمَّد بن الفضل السدوسيُّ عَارم، وأنَّ عَارمًا لقب، وتَقَدَّم ما العَارم، و (مَهْدِيٌّ) بعده: هو ابن ميمون.
==========
[ج 2 ص 63]

(1/7089)


[القسامة في الجاهلية]
قوله: (بَاب الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ): (القَسامة)؛ بفتح القاف: اسم للأَيمان، وقيل: للأولياء، وسأذكر ذلك مطوَّلًا في الدِّيَات.
فائدة: أوَّل من قضى بها الوليدُ بن المغيرة في الجاهليَّة، فأقرها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الإسلام.
==========
[ج 2 ص 63]

(1/7090)


[حديث: إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم]
3845# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن عمرو بن أبي الحَجَّاج، وأنَّه بفتح الميمين، بينهما عين مهملة، و (عَبْدُ الْوَارِث) بعده: تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن سعيد أبو عبيدة الحافظ، وتَقَدَّم مترجمًا، و (قَطَنٌ أَبُو الْهَيْثَمِ [1]) بعده: هو بفتح القاف، والطاء المهملة، ثمَّ نون، وهو قَطَن بن كعب أبو الهيثم القُطَعيُّ _بضمِّ القاف، وفتح الطاء المهملة، ينسب إلى قُطيعة؛ بضمِّ القاف_ ابن عبس بن بغيض بن ذُبيان، وثَّق قَطَنًا هذا ابنُ معين وأبو زرعة، قال الذَّهبيُّ في «ميزانه»: قَطَن أبو الهيثم، قال الدراقطنيُّ: ليس بذاك، أخرج له البُخاريُّ والنَّسائيُّ، و (أَبُو يَزِيد) بالمثنَّاة تحتُ وبالزاي (الْمَدَنِيُّ): هو يروي عن أبي هريرة، وأسماء بنت عميس، وابن عبَّاس، وابن عمر، وعكرمة، وغيرهم، وعنه: أيُّوب السَّختيانيُّ، وقَطَن بن كعب، ومبارك بن فَضالة، وسعيد بن أبي عروبة، وجَرِير بن حَازم، وجماعة، وثَّقه ابن معين وغيره، وقال أبو زرعة: لا أعرف له اسمًا، ليس له في «البُخاريِّ» سوى هذا، أخرج له البُخاريُّ والنَّسائيُّ، وهو هنا في أصلنا: (المدنيُّ)، ورأيتُ غير واحد قد نسبه (المدينيُّ)، وفي «البُخاريِّ»: (المدنيُّ)، وهذا قريب، قال بعضهم: إنَّ النسبة إلى مدينة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: مدنيٌّ ومدينيٌّ، قال ابن الأثير في «لُبابه»: وأكثر ما ينسب إليها بحذف الياء التي قبل النون، وعلي ابن المَدينيِّ ممَّن نسب إلى القليل، انتهى، وأمَّا الجوهريُّ؛ فإنَّه قال: وإذا نسبت إلى مدينة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم؛ قلت: مدنيٌّ، وإلى مدينة منصور: مَدِينيٌّ، وإلى مدائن كسرى: مدائنيٌّ؛ للفرق بين النسب؛ لئلا تختلط، وإلى مَدْيَنَ مدينة شعيب: مَدْيَنيٌّ، والله أعلم.
قوله: (لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ): قال الدِّمياطيُّ: إنَّما كانت القسامة في بني المُطَّلب، ولكن لما كانت بنو هاشم وبنو المُطَّلب نِدٌّ واحد، وشيء واحد في الإسلام والجاهليَّة؛ قال: بنو هاشم، انتهى.

(1/7091)


قوله: (كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى): اعلم أنَّ السفر كان إلى الشام، كذا ذكره الزُّبَير بن بكار في كتاب «الأنساب»، وزاد: أنَّهم تحاكموا إلى الوليد بن المغيرة، فقضى أن يحلف خمسون رجلًا من بني عامر بن لؤيٍّ عند البيت: ما قتله خِداش، فحلفوا إلَّا حويطب بن عبد العزَّى، فإنَّ أمَّه افتدت يمينه، قال ابن قُرقُول: (استأجر رجلًا من قريش): كذا لهم، وعند الأصيليِّ وحده: (استأجره رجل من قريش)، وهو الصوابُ، وعليه يدلُّ بقيَّة الحديث؛ فتأمَّلْه، انتهى، وبخطِّ بعضهم: (عن أبي ذرٍّ: صوابه: استأجره رجل)، انتهى، وكذا رأيت ذلك عن الصغانيِّ في حاشية، وهما نسختان في أصلنا: (استأجره رجل) (استأجر رجلًا)، قال الدِّمياطيُّ الحافظ: المستأجِر _يعني: بكسر الجيم_: هو خداش بن عبد الله بن قيس بن عبد ودٍّ، والمستأجَر_يعني: بفتح الجيم_: هو عمرو بن علقمة بن المُطَّلب بن عبد مناف، انتهى.
وقال ابن شيخنا البُلقينيِّ: ذكر الزُّبَير: وكان أبو طالب مِن أشدِّ مَن طلب خداش بن عمرو بن شعبة بن قيس بن عبد ودِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيٍّ بدم عمرو بن علقمة بن المُطَّلب بن عبد مناف، انتهى.
والفخذ: فيه لغات تَقَدَّمت في أوَّل هذا التعليق، والفخذ في العشائر أقلُّ من البطن.
قوله: (فَمَرَّ بِه رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ): هذا الرجل لا أعرف اسمه.
قوله: (قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ): هو بضمِّ الجيم، وكسر اللام، مفرد، والجمع: الجَوالِق؛ بفتح الجيم، والجوالِيق؛ بزيادة ياء، بكسر اللام فيهما.
واعلم أنَّ الجيم والقاف لا يجتمعان [في كلمة] واحدة من كلام العرب إلَّا أن يكون معربًا أو حكاية صوت؛ نحو: الجردقة؛ وهي الرغيف، والجرموق؛ الذي يلبس فوق الخف، وألفاظ أخرى.
قوله: (عُرْوَةَ جُوَالِقِي): هو بضمِّ الجيم، وكسر اللام، مفرد، وكذا (عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ).
قوله: (فَقَالَ: أَغِثْنِي): هو بقطع الهمزة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (لاَ تَنْفِر الإِبِلُ): (تَنْفِر): يجوز فيه الجزم والرَّفع، فإن جزمته؛ فحرِّكْه بالكسرة؛ لالتقاء الساكنين.
قوله: (عُقِلَتِ الإِبِلُ): (عُقلت): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (الإبلُ): مرفوعٌ نائبٌ مناب الفاعل، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (لَمْ يُعْقَلْ): هو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه.
قوله: (فَحَذَفَهُ بِعَصًا): (حذفه)؛ بالحاء المهملة، والذال المعجمة؛ أي: رماه بها، والحذف: الرمي إلى ناحية الجانب، كذا في «المطالع»، وفي «النِّهاية»: (فحذفه به)؛ أي: ضربه به عن جانب، والحذف يستعمل في الضرب والرمي، انتهى، وفي «الصحاح»: حذفته بالعصا؛ رميته بها.
قوله: (فَمَرَّ [بِهِ] رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ): هذا الرجل لا أعرف اسمه.
قوله: (فَكَتَبَ): من الكتابة، كذا في أصلنا، و (فكنت) في هامش أصلنا، وعليها: (صح)، قال ابن قُرقُول: (وكتب: كذا لهم بالباء، وعند الحموي والمستملي: «وكنت»؛ بالنون)، انتهى.

(1/7092)


قوله: (فِي عِقَالٍ): (في) هنا: سببيَّة، وفيه ردٌّ على من أنكر مجيئها سببيَّة.
قوله: (وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ): هو بفتح الجيم، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي): (تجيز)؛ بالجيم والزاي: كذا في أصلنا، وذكر ابن الأثير في «نهايته» في الجيم مع الراء، وقال: أي: تؤمنه منها، ولا تستحلفه، وتحول بينه وبينها، قال: وبعضهم يرويه بالزاي؛ أي: تأذن له في ترك اليمين وتجيزه، انتهى، وأمُّه ستأتي تسميتها ومناقبها.
قوله: (ابني): هو حويطب بن عبد العزَّى، واسم أمِّه التي افتدته زينب بنت علقمة من بني عامر بن لؤيٍّ، انتهى، كذا رأيته في هامش أصلنا بخطِّ بعض فضلاء الحنفيَّة، ومن عادته أنَّه ينقل ما يكتبه في الحواشي من نسخة الدِّمياطيِّ، ويعلِّم عليه: (د)، وهذه لم يعلِّم عليها شيئًا، وقال ابن شيخنا البُلقينيِّ: واسم أحد الرجلين اللذين افتديا أيمانهما حويطب بن عبد العزَّى، وهو ابن المرأة المذكورة في الحديث، قاله الزُّبَير في «الأنساب»، ولم يُسمِّ أمَّه، قال: وفي «طبقات ابن سعد»: أنَّ أمَّ حويطب بن عبد العزَّى زينب بنت علقمة بن غزوان بن يربوع بن الحارث، وهي من بني عامر بن لؤيٍّ، انتهى.
وهذه الحاشية فيها نظر، وكذا كلام ابن شيخنا؛ لأنَّ (زينب بنت علقمة من بني عامر بن لؤيٍّ) كيف يجتمع مع قوله في المتن: (فأتته امرأة من بني هاشم)؟ وكذا قوله: (قد ولدت لرجل منهم)؛ أي: من بني هاشم، لكن هذا يمكن تأويله؛ أي: قد ولدت له غير هذا الولد الذي هو حويطب بن عبد العزَّى؛ لأنَّ حويطبًا هذا عامريٌّ، وأيضًا
[ج 2 ص 63]
الأوَّل يمكن تأويله بأن يقال: فأتته امرأة من بني هاشم؛ أي: امرأة كانت متزوجة برجل من بني هاشم في وقتٍ مَا، قد ولدت له غير هذا الولد الذي هو حويطب بن عبد العزَّى، وفي هذا بُعد كثير، والله أعلم.
وحويطب بن عبد العزَّى من مُسْلِمة الفَتْح، وكان من المؤلَّفة، ثم حسن إسلامه، قرشيٌّ عامريٌّ، كنيته أبو محمَّد، وقيل: أبو الأصبغ، شهد حُنينًا، ثم حُمِد إسلامه، وعُمِّر مئةً وعشرين سنة، وقد ذكرته فيمن عاش مئة وعشرين سنة _ستِّين في الجاهليَّة، وستِّين في الإسلام_ مع نظرائه في أوائل هذا التعليق، توفِّي سنة (54 هـ)، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، والنَّسائيُّ.

(1/7093)


قوله: (وَلاَ تُصْبَرُ يَمِينُهُ حَيْثُ تُصبرُ الأَيْمَانُ): وكذا المكان الثاني، قال ابن قُرقُول: ويمين الصبر: هي التي يلزم ويجبر عليها حالفُها، ومنه: لا تُصبَر على اليمين حيث تُصبَر الأيمان؛ بالتخفيف، ولأبي الهيثم: (تُصبَّر)؛ بالشدِّ، انتهى، وفي أصلنا: (تَصْبُر) في المكان الأوَّل: بفتح التاء، وضمِّ الموحَّدة، و (يمينُه)؛ بالرَّفع، وفي نسخة في هامش أصلنا: (تُصبَّر)؛ بالشدِّ كما لأبي الهيثم، وعليها (صح)، وأمَّا أنا؛ فلا أحفظها؛ أعني: المُخَفَّفة إلَّا (تُصْبَر): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (يمينُه)؛ بالرَّفع نائب مناب الفاعل، والله أعلم، فيجوز ما ضبط في الأصل، وفي الثاني ضبط في الأصل على ما أحفظه، وفي الهامش: بالتشديد بالقلم.
وقوله: (حيث تُصبر الأَيمان): هو بين الركن والمقام.
قوله: (فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ): هذا الرجل لا أعرفُه.
قوله: (يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ): (كلَّ): منصوب مفعول، و (بعيران): الفاعِلُ.
قوله: (فَاقْبَلْهُمَا): هو بوصل الهمزة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (وَجَاءَ ثَمَانِيةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا): هؤلاء الثمانية والأربعون لا أعرف أحدًا منهم، والله أعلم.
قوله: (تَطْرِفُ): هو بفتح أوله، وكسر ثالثه، يقال: طَرَفَ بصرُه يطرِف طرفًا؛ إذا أطبق أحد جَفنيه على الآخر.
==========
[1] في هامش (ق): (قطن بن كعب القُطَعي البصري، انفرد به البخاري).

(1/7094)


[حديث: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله في دخولهم ... ]
3846# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة.
قوله: (كَانَ يَوْمُ بُعَاثَ): تَقَدَّم الكلام على (بُعاث)، والاختلاف فيه، وأين هو، ومتى كان بما فيه.
قوله: (افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ): تَقَدَّم، وكذا (السَّرَوَات)؛ وهم الأشراف، وما قاله فيه السُّهيليُّ، وكذا (وَجُرِّحُوا)، وهو في أصلنا هنا: من الجراح، وتَقَدَّمت الروايات فيه في أوَّل (مناقب الأنصار)، وأنَّ ابن قُرقُول قال: (أصوبُه: بجيمين).
==========
[ج 2 ص 64]

(1/7095)


[معلق ابن وهب: ليس السعي ببطن الوادي بين الصفا والمروة سنة ... ]
3847# قوله: (وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ ... ) إلى آخره: أمَّا (ابن وهب)؛ فهو عبد الله بن وهب أحد الأعلام، و (عَمرو): هو ابن الحارث بن يعقوب أبو أميَّة المِصريُّ، أحد الأعلام، تَقَدَّم، وهذا تعليق بصيغة جزم، فهو صحيح عنده، والله أعلم، وهذا التعليق ليس في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وشيخنا لم يخرِّجْه.
قوله: (إِلاَّ شَدًّا): هو بفتح الشين المعجمة، وتشديد الدال المهملة؛ أي: جريًا واحضارًا.
==========
[ج 2 ص 64]

(1/7096)


[حديث: يا أيها الناس اسمعوا مني ما أقول لكم وأسمعوني ما تقولون]
3848# قوله: (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ): هذا هو المسنديُّ الحافظ، وهو مولى البُخاريِّ من فوق، وقد قدَّمتُ لِمَ قيل له: المسنديُّ، و (سُفْيَانُ) بعده: هو سفيان بن عيينة فيما يظهر، و (مُطَرِّفٌ) بعده: هو ابن طريف الكوفيُّ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى والشَّعْبيِّ، وعنه: عبثر وابن فُضَيل، ثقة إمام عابد، توفِّي سنة (143 هـ)، أخرج له الجماعة.
قوله: (سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ): هو بفتح الفاء، وبعضهم سكَّنها من هذا الرجل، واسمه سعيد بن يُحْمِد؛ بضمِّ المثنَّاة تحت، وإسكان الحاء مهملةً، ثمَّ ميم مكسورة، ثمَّ دال مهملة، قال الدارقطنيُّ: وأصحاب الحديث يقولون: (يَحمد)؛ بفتح الياء، انتهى، وقيل: أحمد، الهَمْداني؛ بإسكان الميم، وبالدال المهملة، إلى القبيلة، وثَّقه ابن معين وغيره، قيل: مات سنة اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة ومئة، أخرج له الجماعة.
قوله: (اسْمَعُوا): هو بهمزة وصل، فإن ابتدأت بها؛ كسرتها، فعل أمر.
قوله: (وَأَسْمِعُونِي): هو بقطع الهمزة، وكسر الميم، فعل أمر من الرُّباعيِّ.
قوله: (مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ): هو بكسر الحاء، وإسكان الجيم، هذا مما لا خلاف فيه، ولبعض العلماء المصنِّفين في ألفاظ «المهذَّب»: أنَّه يقال أيضًا بفتح الحاء؛ كحَجْر الإنسان، وفيه نظر، وقد تَقَدَّم، وقيل: (الحِجْر): الحطيم، وهذا قول فيه ذكره البُخاريُّ.
قوله: (وَلاَ تَقُولُوا: الْحَطِيمُ): هو الموضع المعروف بالمسجد الحرام بقرب الكعبة المكرَّمة، قال ابن جريج: الحَطِيم: ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم، والحِجْر سُمِّي حَطِيمًا؛ لأنَّ الناس يزدحمون فيه على الدعاء، ويحطم بعضُهم بعضًا، والدعاء فيه مستجاب، قال: وقلَّ من حلف هناك إثمًا إلَّا عُجِّلت عقوبتُه، ويقال للحِجْر: حَطِيم، حكاه البُخاريُّ في هذا «الصحيح»، والله أعلم.

(1/7097)


[حديث: رأيت في الجاهلية قردةً اجتمع عليها قردة قد زنت]
3849# قوله: (حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ... ) إلى آخره: ورأيت في نسخة: (حدَّثنا نُعيم) فقط، وفي أخرى حاشية دار الذهب، ولفظها: (الصواب: أبو نعيم)، قال: وليس عنده _أي: في نسخة دار الذهب_: ابن حَمَّاد، قال ابن قُرقُول: وفي (أيام الجاهليَّة): (حدَّثنا نعيم: حدَّثنا هشيم، عن حُصَين) في رجم القردة، قال القابسيُّ: (الصواب: أبو نعيم)، قال: قال أبو ذر: هو نعيم بن حَمَّاد وغير ذلك خطأ، انتهى، وذكره المِزِّيُّ في «أطرافه» في (المراسيل والموقوفات) فقال: البُخاريُّ في (أيام الجاهليَّة) (عن نعيم بن حَمَّاد ... ) إلى آخره، لم يذكر فيه خلافًا إلَّا أنَّه قال: وهو في بعض النسخ _يعني: من «البُخاريِّ» _ في الحاشية، انتهى، وهو كذلك في أصلنا الذي سمعنا فيه على العراقيِّ في الحاشية، ولكن في آخره (صح)، وهو في أصلنا الدِّمَشْقيِّ في الأصل.
و (هُشَيْمٌ) هذا: هو ابن بَشير أبو معاوية السُّلميُّ الواسطيُّ، حافظ بغداد، تَقَدَّم، و (حُصَيْن): تَقَدَّم أنَّ الأسماء بالضمِّ، والكنى بالفتح، وهذا حُصَين بن عبد الرحمن، و (عَمْرو بْن مَيْمُون) هذا: هو الأوديُّ الكوفيُّ أبو يحيى، ويقال: أبو عبد الله، أدرك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عن عمر، ومعاذ، وأبي ذرٍّ، وعائشة، وابن مسعود، وطائفة، توفِّي سنة (174 هـ)، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة.
[ج 2 ص 64]
قوله: (فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ): قال ابن عبد البَرِّ في «الاستيعاب» في ترجمة عمرو بن ميمون الذي رأى رجم القردة ورجَمها معهم ما لفظُه: وهو الذي رأى الرجم في الجاهليَّة من القردة إن صحَّ؛ لأنَّ رواته مجهولون، وقد ذكره البُخاريُّ عن نعيم، عن هشيم، عن حُصَين، عن عمرو بن ميمون الأوديِّ مختصرًا، قال: (رأيت في الجاهليَّة قردة زنت، فرجموها_يعني: القردة_ فرجمتها معهم)، رواه عباد بن العوَّام عن حُصَين، كما رواه هشيم مختصرًا، وأمَّا القصَّة بطولها؛ فإنَّها تدور على عبد الملك بن مسلم عن عيسى بن حطَّان، وليسا ممَّن يحتجُّ بهما، وهذا عند جماعة من أهل العلم منكر؛ إضافة الزنى إلى غير مكلَّف، وإقامة الحدود في البهائم، ولو صحَّ؛ لكانوا من الجنِّ؛ لأنَّ العبادات في الجنِّ والإنس دون غيرهما، وقد كان الرجم في التوراة، انتهى.
وقال شيخنا الشارح في (الطهارة) في ترجمة عمرو بن ميمون: (هو الأوديُّ الذي رجم القردة، كما ذكره البُخاريُّ في بعض نسخه، وهي منكرة) انتهى.
تنبيه: لهم أيضًا: عمرو بن ميمون، لكنَّ جدَّه اسمه مهران، رَقِّيٌّ، وهو ابن بنت سعيد بن جبير، أخرج له أيضًا الجماعة، ولهم: عمرو بن ميمون القناد عن عبد الرحمن بن مَغْراء، قال أبو حاتم: حديثه منكر، هذا ليس له شيء في الكتب السِّتَّة.

(1/7098)


[حديث: خلال من خلال الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة]
3850# قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو ابن المَدينيِّ الحافظ الجِهْبِذ، وتَقَدَّم أنَّ (سُفْيَان) بعده: هو ابن عيينة، و (عُبَيْد الله): هو ابن أبي يزيد اللَّيْثيُّ المكِّيُّ.
تنبيه: في أصلنا: (عبيد الله عن أنس ... )؛ فذكر الحديث الموقوف: (خلال من خلال الجاهليَّة)، وفي الهامش: (ابن عبَّاس)، وعليه (صح)، ومكتوب تجاهه: عوض أنس بن مالك، فنظرت ترجمة من يقال له: عبيد الله عن أنس؛ فوجدت واحدًا فقط، وهو عُبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس، ولم أر هذا الموقوف فيها، ونظرت ترجمة عبيد الله بن أبي يزيد اللَّيْثيِّ المكِّيِّ عن ابن عبَّاس؛ فرأيت الموقوف فيها، فالصواب إذن: (ابن عبَّاس) لا (أنس)، والله أعلم، وراجعت أصلنا الدِّمَشْقيَّ؛ فرأيته لابن عبَّاس بلا خلاف.
تنبيه: من يقال له: عُبيد الله، ويروي عن ابن عبَّاس في الكتب السِّتَّة أو بعضها: هذا عُبيد الله بن أبي يزيد اللَّيْثيُّ المكِّيُّ، وعُبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهذا مكثر عنه، وعُبيد الله بن أبي بُردة، ويقال: ابن المغيرة بن أبي بُردة، والله أعلم.
قوله: (وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ): الناسي: قال بعض الحُفَّاظ العصريِّين: هو عُبيد الله، انتهى.
قوله: (قَالَ سُفْيَانُ): تَقَدَّم أعلاه أنَّه ابن عيينة، وهو المذكور في السند.
قوله: (بِالأَنْوَاءِ): هي جمع نَوء، وقد تَقَدَّم الكلام عليه مطوَّلًا؛ فانظره إن أردته.
==========
[ج 2 ص 65]

(1/7099)


[باب مبعث النبي صلى الله عليه وسلم]
(بابُ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ... إلى (باب هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ).
تنبيه: تَقَدَّم في أوَّل هذا التعليق في شهر المبعث أقوال؛ الأكثرون على أنَّه في ربيع الأوَّل، وقيل: رمضان، وقيل: رجب.
تنبيه ثانٍ: سيأتي قريبًا كم سنُّه صلَّى الله عليه وسلَّم حين بعث، وقد تَقَدَّم.
قوله: (مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللهِ): يجوز في (محمَّد) الجرُّ على البدل من (النَّبيِّ) المجرور، ويجوز رفعه على أنَّه خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: هو محمَّد، وهذان ظاهران.
قوله في نسبه الكريم الشريف: (ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ): اعلم أنَّه يُدعى شيبة الحمد، واسمه عامر في قول ابن قتيبة، وشيبة في قول ابن إسحاق، وهو قول الجمهور، قال السُّهيليُّ: وهو الصحيح، وسُمِّي عبد المُطَّلب؛ لأنَّ عمَّه المُطَّلب أردفه خلفه حين أتى به صغيرًا من المدينة، فكان يقال: من هذا؟ فيقول: عبدي.
ترجمة عبد المُطَّلب معروفة؛ منها: أنَّه حرَّم الخمر في الجاهليَّة، وقد فعل جماعة مثله، سأذكرهم إن شاء الله تعالى وقدَّره في (الأشربة).
قوله في نسبه الشريف: (ابْن هَاشِم): اعلم أنَّ عبد شمس كان تلوًا لهاشم، ويقال: كانا توءمين، فولد هاشم ورجله في جهة عبد شمس ملتصقة، فلم يُقدَر على نزعها إلَّا بدم، فكانوا يقولون: ستكون بين ولديهما دماء، فكانت تلك الدماء ما وقع بين بني هاشم وبني أميَّة بن عبد شمس، والله أعلم.
واسم هاشم عمرو، وكنية هاشم _على ما رأيته بخطِّ شيخنا الأستاذ أبي جعفر الأندلسيِّ_ أبو نضلة؛ كُنِّي بولده نضلة، وقيل: أبو أسد؛ كُنِّي بولده أسد، وقيل: أبو ثريد؛ لإطعامه الثريد، انتهى.
قوله في نسبه الشريف: (ابْن عَبْدِ مَنَاف): (مناف): اسم صنم، قال أبو ذرِّ في «حواشيه على السيرة»: أُضيف إليه (عبد) كما يقولون: عبد يعقوب، وعبد العُزَّى، وعبد اللات، انتهى، واسم عبد مناف: المغيرة، وكان يقال له: قمر البطحاء.
قوله في النسب الشريف: (ابْن قُصَيٍّ [1]) اسم (قصيٍّ) زيد، قال بعضهم: وقال الشافعيُّ: اسمه يزيد، فيما حكاه الحاكم أبو أحمد، انتهى، وقال أبو ذرٍّ: واسمه مجمِّع، وفي أوائل «الاستيعاب» لابن عبد البَرِّ: وقد قيل: يزيد، و (قُصَيٌّ) تصغير: قَصِيٍّ؛ أي: بعيد؛ لأنَّه بعد عن عشيرته في بلاد قضاعة حين احتملته أمه فاطمة مع رابِّه ربيعةَ.
قوله في نسبه الشريف: (ابْنِ كِلاَب): قال مغلطاي في «سيرته الصغرى»: اسم (كلاب) حكيم، وقيل: عروة، انتهى، وقيل غير ذلك، قال بعضهم: ولُقِّب كلابًا؛ لمحبته الصيد، وكان أكثر صيده بالكلاب، انتهى.
قوله في النسب الشريف: (ابْن لُؤَيٍّ): بهمزٍ عند الأكثرين، وقيل: بتركه.

(1/7100)


قوله في النسب الشريف: (ابْن فِهْر): اعلم أنَّ اسم (فهر) قريش، وفهر لقب، وقيل: بالعكس، وقيل: قريش هو النضر بن كنانة، واسم النضر قيس، كذا قال بعضُهم، فمن كان من ولده؛ فقرشيٌّ، وإلا؛ فلا، هذا قول أكثر النسابين، كذا قال بعض، وقيل: إنَّه إلياس، وقيل: مضر، وسُمِّي قريشًا؛ لأنَّه كان يقرش عن خلِّة الناس وحاجتهم، فيسدُّها بماله، والتقريش: التفتيش، وقيل: التجمُّع، وقيل: إنَّ (قريشًا) تصغير قرش؛ وهو حوت في البحر يأكل حيتان البحر، سُمِّيت به القبيلة أو أبوها.
قوله في النسب الشريف: (ابْن مُدْرِكَةَ): اسم (مدركة) عمرو، وقيل: عامر.
قوله في النسب الشريف: (ابْن إِلْيَاس): اسمه حبيب، كذا قاله بعضٌ، وهو بكسر الهمزة عند ابن الأنباريِّ وطائفةٍ، وقيل: إنَّه بهمزة وصلٍ، قال السُّهيليُّ: والذي قاله ابن الأنباريِّ أصحُّ، انتهى، وقال بعضُ مشايخي في القول الذي أنَّه بهمزة وصل: صحَّحه المحققون، انتهى، وهو بالمثنَّاة تحت، وله أخٌ بالنون، كذا قاله ابن ماكولا وغيره، قال السُّهيليُّ: ويذكر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تسبُّوا إلياس، فإنَّه كان مؤمنًا»، انتهى، ولا أدري ما حال هذا الحديث.
قوله في النسب الشريف: (ابْن مُضَر): (مضر): غير مصروف؛ لأنَّه معدول عن (ماضر)، واعلم أنَّه [2] يقال له: مضرُ الحمراءِ، ويقال لأخيه: ربيعةُ الفَرَسِ؛ بالإضافة فيهما، وذلكَ لأنَّ أباهما أوصى لمضرَ بقبَّة حمراء، ولربيعة بفَرَس، وقيل: إنَّما قيل له: مضر الحمراء، وقيل لأخيه:
[ج 2 ص 65]
ربيعة الفرس؛ لأنَّهما لمَّا اقتسما الميراث؛ أُعطي مضرُ الذهبَ، وهو يؤنث [3]، وأُعطِيَ ربيعةُ الخيلَ، وقيل: إنَّما يقال له: مضر الحمراء لبياضه، والعرب تسمِّي الأبيض أحمر، والله أعلم، وفي حديث: «لا تسبُّوا ربيعة ولا مضر؛ فإنَّهما كانا مؤمنين»، ذكره السُّهيليُّ عن الزُّبَير بن أبي بكر، ولا أدري أنا ما حالُه، والله أعلم.
قوله في النسب الشريف: (ابْن نِزَار): هو بكسر النون، مشتقٌّ من النزر؛ وهو القليل، سُمِّي به؛ لأنَّ أباه حين وُلد له نزار ونظر إلى النور الذي بين عينيه _وهو نور النُّبوَّة الذي كان ينتقل في الأصلاب إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم_؛ فرح فرحًا شديدًا، ونحر وأطعم، وقال: إنَّ هذا كلَّه نزرٌ بحقِّ هذا المولود، فسُمِّي نزارًا لذلك.
قوله في النسب الشريف: (ابْن مَعَدٍّ): هو بفتح الميم والعين وبالدال المُشدَّدة المهملتين، قال الجوهريُّ: ومعدٌّ أبو العرب، وهو معدُّ بن عدنان، وكان سيبويه يقول: الميم من نفس الكلمة؛ لقولهم: تَمعدُد؛ لقلَّة (تمفْعَلَ) في الكلام، وقد خُولِف.

(1/7101)


قوله في النسب الشريف: (ابْن عَدْنَانَ): اعلم أنَّه إلى عدنان هو الصحيح المجمع عليه في نسبه صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهذا لم يزد البُخاريُّ عليه، وقد رُوِّينا عن ابن سعد: أخبرنا هشام: أخبرني أبي، عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا انتسب؛ لم يجاوز معدَّ بن عدنان بن أُدَد، ثمَّ يمسك، ويقول: «كذب النَّسَّابون»، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا} [الفرقان: 38]، وقال ابن عبَّاس: لو شاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يعلمه؛ لعلمه، وعن عائشة رضي الله عنها: (ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلَّا تخرُّصًا) انتهى؛ يعني: ظنًّا، وهشام في سند ابن سعد: هو ابن محمَّد بن السائب الكلبيُّ، لا يوثق به، وأبوه رُمِي بالكذب، وأبو صالح لم ير ابن عبَّاس، واسمه باذام، والله أعلم.
وما فوق عدنان مختلف فيه، ولا خلاف أنَّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله، وإنَّما الخلافُ في عدد من بين عدنان وإسماعيل من الآباء؛ فمُقِلٌّ ومُكثِرٌ، وكذلك من بين إبراهيم وآدم لا يعلم ذلك على حقيقته إلَّا الله عزَّ وجلَّ.
فائدة: اختلف العلماء في كراهة رفع النسب إلى آدم صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فذهب ابن إسحاق والطَّبريُّ والبُخاريُّ وغيرهم من العلماء إلى جوازه، وأمَّا مالك؛ فقد سُئِل عن الرجل يرفع نسبه إلى آدم، فكره ذلك، قيل له: فإلى إسماعيل؟ فأنكر ذلك أيضًا، وقال: ومن يُخبره به؟! وكره أيضًا أن يُرفَع في نسب الأنبياء؛ مثل أن يقول: إبراهيم بن فلان بن فلان، قال: ومن يخبره به؟! وقع هذا الكلام لمالك في الكتاب الكبير المنسوب إلى المعيطيِّ، وإنَّما أصله لعبد الله بن محمَّد بن حنين، وتمَّمه المعيطيُّ، فنُسِب إليه، قاله السُّهيليُّ.
قال الحافظ فتح الدين ابن سيِّد الناس: والذي رجَّحه بعضُ النَّسَّابين في نسب عدنان أنَّه ابن أُدِّ بن أُدَد بن اليسع بن الهَمَيْسع بن سلامان بن نَبْت بن حَمَل بن قَيْذار بن الذَّبيح إسماعيل بن إبراهيم الخليل بن تارَح _وهو آزر_ بن ناحُوْر بن ساروح بن أرغُو بن فالَغ بن عابَر بن شالَخ بن أَرْفَخْشذ بن سام بن نوح بن لمَك بن مَتُّوْشَلَخ بن أخنُوخ _وهو إدريس النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم_ابن يَارْد بن مهلائيل بن قَيْنان بن أنوش بن شيث_وهو هبة الله_ بن آدم عليهما أفضل الصلاة والسلام.
واعلم أنَّ شيخنا الحافظ العراقيَّ قال في «سيرته»:
~…وبعده _أي: بعد عدنان [4]_ خُلْفٌ كثيرٌ جمُّ…أصحُّه حواه هذا النظمُ
ثمَّ ذكر في النظم بعد عدنان: ابن أُدَد، وبعضهم يزيد فيقول: عدنان بن أُدِّ بن أُدَد بن مقوَّم بن ناحور بن تيرح بن يعرُب بن يشجُبَ بن نابت بن إسماعيل، والباقي مثل ما ذكرتُه غير أنَّه قال في فالَغ: فالَخ؛ بالخاء المعجمة، وفي عابر: عيبر، وفي لامك: لمك، وفي أخنوخ: خنوخ؛ بغير همزة، وفي يارد: يرد، وفي مهلائيل: مهليل، وفي قينان: قينن، وفي أنوش: يانش، والله أعلم.

(1/7102)


فقوله في النسب: (ابن أُدَد)؛ هو مصروف، قال ابن السَّرَّاج: هو من الوُدِّ، فانصرف؛ لأنَّه مثل: ثُقَب، وليس معدولًا؛ كعُمَر، وهو معنى كلام سيبويه، انتهى كلام السُّهيليِّ.
وقوله فيه: (ابن اليسع): هو اسم من أسماء العجم، أدخل عليه الألف واللَّام، وهما لا يدخلان على نظائره _كيعمر، ويزيد، ويشكر_ إلَّا في ضرورة الشعر.
وقوله فيه: (ابن الهَمَيْسَع): قال الجوهريُّ في «صحاحِه»: (الهَمَيْسَع؛ بالفتح _يعني: فتح الهاء_: الرجل القويُّ، زعموا، واسم الرجل أيضًا)، انتهى، والهَميسع تفسيره: الصَّرَّاع.
وقوله فيه: (ابن نَبْت): هو بفتح النون، وسكون الموحَّدة، ثمَّ مثنَّاة فوق في آخره.
وقوله فيه: (ابن حَمَل): هو بفتح الحاء المهملة والميم، وباللَّام.
وقوله فيه: (ابن الذبيح إسماعيل): هذه المسألة اختُلف فيها على قولين، ورأيت المحبَّ الطَّبريَّ حكى عن أكثر أهل العلم: أنَّه إسحاق، كذا قال، وقال ابن القَيِّم شمس الدين: وإسماعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصَّحابة والتابعين ومن بعدَهم، وأمَّا القول بأنَّه إسحاق؛ فباطل من أكثر من عشرين وجهًا، قال: وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدَّس الله روحه يقولُ: هذا القولُ إنَّما هو متلقًّى عن أهل الكتاب مع أنَّه باطل بنصِّ كتابهم، فإنَّ فيه: إنَّ الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيدَهُ، ولا يشكُّ أهلُ الكتاب مع المسلمين أنَّ إسماعيلَ هو بكر أولاده، والذي غرَّ أصحاب هذا القول أنَّ التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم؛ لأنَّها تناقض قوله: اذبح ابنك بكرك ووحيدَك، ولكنَّ اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف، فأحبُّوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم، ويحتازوه دون العرب، ويأبى الله إلَّا أن يجعل فضله لأهلِه، ثمَّ شرع يستدلُّ لذلك في كلام طويل نحو ثلاثة أوراق ونصف، وقد تَقَدَّم هذا في إسماعيل وأمِّه هاجر.
فائدة: تفسير (إسماعيل): مطيع الله.
وقوله فيه: (ابن تارَح): هو بالمثنَّاة فوق، وبعد الألف راء مفتوحة، ثمَّ حاء مهملة، وقيل: إنَّ تارح لقب، وآزر الاسم، وقيل: بالعكس، قال الإمام السُّهيليُّ: وآزر: معناه: يا أعوج، وقيل: هو اسم صنم، وانتصب في التلاوة على إضمار الفعل، وقيل: هو اسم لأبيه كان يسمى تارح وآزر، وهذا هو الصحيح؛ لمجيئِه في الحديث منسوبًا إلى آزر.
قال الإمام شهاب الدين السمينُ في «إعرابه»: وإعرابه _يعني: {آزر} _ حينئذٍ _يعني: في التلاوة_ على أوجه؛ أحدها: أنَّه بدل من (أبيه)، أو عطف بيان له إن كان {آزر} لقبًا، وإن كان صفة بمعنى: المخطئ، كما قاله الزَّجَّاج، أو المعوجُّ، كما قاله الفرَّاء، أو الشيخ الهَرِم، كما قاله الضَّحَّاك؛ فيكون نعتًا لـ (أبيه) أو حالًا منه؛ بمعنى: وهو في حال اعوجاج أو خطأ، وينسب للزَّجَّاج، وإن قيل: إنَّ {آزر} اسم صنم كان يعبده أبوه؛ فيكون ذاك عطف بيان لـ (أبيه)، أو بدلًا، أو يكون على حذف مضاف؛ أي: لأبيه عابد [5] آزر، ثمَّ حذف
[ج 2 ص 66]

(1/7103)


المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وعلى هذا فيكون (عابد) صفة لـ (أبيه)، أُعرِب هذا بإعرابِه، أو يكون منصوبًا على الذم، و {آزر}: ممنوع من الصرف، واختلف في علَّة منعه؛ فقال الزمخشريُّ: والأقربُ أن يكون وزن {آزَر}: (فاعَل)؛ كعابَر، وشالَخ، وفالَغ؛ فعلى هذا هو ممنوع؛ للعلميَّة والعجمة، وقال أبو البقاء: وزنه (أفعل)، ولم ينصرف؛ للعجمة والتعريف على قول من لم يشتقَّه من الأزر أو الوزر، ومن اشتقَّه من واحد منهما؛ قال: هو عربيٌّ، ولم يصرفه؛ للتعريف ووزن الفعل، وهذا الخلاف يشبه الخلاف في آدم، وقد تَقَدَّم ذلك، وأنَّ اختيار الزمخشريِّ فيه أنَّه (فاعَل)؛ كعابَر ... إلى آخر كلامه، وهو كلام طويل جدًّا، فإن أردته؛ فانظره من «إعرابه»، والله أعلم.
وقوله فيه: (ابن نَاحُوْر): هو بالنون، وبعد الألف حاء مهملة مضمومة، ثمَّ واو ساكنة، ثمَّ راء.
قوله فيه: (ابن ساروح): هو بمهملات.
وقوله فيه: (ابن أرغُو): هو بغين معجمة مضمومة، وفي بعض النسخ: إعجام الغين بالقلم، قال مغلطاي: راغوا، ويقال: أرغُو؛ ومعناه: قاسم، انتهى، ويقال: راعُو؛ بعين مهملة مضمومة، وكذا قيَّده شيخنا في شرح هذا الكتاب.
وقوله: (ابن فالَغ): الذي أحفظه أنَّه بفاء، وبعد الألف لام مفتوحة _وكذا قيَّدها بالفتح الزمخشريُّ فيما تَقَدَّم، وكذا قيَّده أيضًا بعضُ النحاة_ ثمَّ غين معجمة، قال السُّهيليُّ: ومعناه: القسَّام، وقد تَقَدَّم أنَّ في نظم شيخنا العراقيِّ في (فالَغ) قال: فالَخ؛ بالخاء المعجمة، وقال مغلطاي: فالَخ، ويقال: فالَغ، انتهى، قال السُّهيليُّ: وذكر الطَّبريُّ أنَّ بين فالَغ وعابَر أبًا اسمه قينن، أُسقِط اسمه في التوراة؛ لأنَّه كان ساحرًا، انتهى، وقد انتقد ذلك عليه ابنُ دحية الحافظ عمر بن الحسن، فقال _كما رأيته عنه_: بل هو في التوراة بإجماعهم، انتهى.
وقوله فيه: (ابن عابَر): هو بعين مهملة، وبعد الألف موحَّدة مفتوحة، كذا أحفظه، وكما ضبطه الزمخشريُّ كما تَقَدَّم قريبًا، وكذا الذَّهبيُّ في «المشتبه» له، وسبقه إلى ذلك الأمير أبو نصر بن ماكولا، فذكره بالعين المهملة وبالموحَّدة، وهي مفتوحة بالقلم، كذا بخطِّ ابن خليل الحافظ، وفي نظم شيخنا العراقيِّ وكذا في كلام شيخنا الشارح: أنَّه عيبر، وفي «سيرة مغلطاي الصغرى»: عابر، وهو هود عليه السلام، انتهى.
وقوله: (ابن شالَخ): هو بشين معجمة، وبعد الألف لام [مفتوحة]؛ كذا قيَّده الزمخشريُّ كما نقلته قُبيل هذا، ثمَّ خاء معجمة، قال بعض مشايخي: وشالَخ؛ كهاجَر: جدُّ إبراهيم، انتهى، وكذا رأيته في «حواشي المقرَّب» لابن برِّيٍّ في الكلام على آدم: هل هو (أفعل) أو (فاعَل)؛ كشالَخ؟ فهذا صرَّح أيضًا في فتح لامه، قال السُّهيليُّ عن ابن هشام: وشالَخ: معناه: الرسول أو الوكيل.

(1/7104)


وقوله: (ابن أَرْفَخْشذ): هو براء ساكنة بعد الهمزة المفتوحة، ثمَّ فاء، ثمَّ خاء ساكنة ثمَّ شين معجمتين، ثم ذال الظَّاهر أنَّها مثلهما، وكذا رأيتها معجمة في «سيرة مغلطاي» بالقلم في نسخة صحيحة، قال: ويقال: الفخشذ، ويقال: الفشخذ، انتهى، قال السُّهيليُّ: وتفسيره: مصباح مضيء، و (شاذ) _ مخفَّف_ بالسريانيَّة: الضياء.
وقوله فيه: (ابن نوح): قال السُّهيليُّ عن ابن هشام في غير «السيرة»: واسمه عبد الغفَّار، وقال غيره: اسمه يسكن، وقيل: يشكر، وقال آخر: اسم [6] أمِّه سمحاء بنت أنوش، وقد تَقَدَّم هذا، ويجوز صرفه وعدمه.
وقوله فيه: (ابن لمك): كذا رأيته، وكذا نظمه شيخنا العراقيُّ كما تَقَدَّم، وقال بعض مشايخي: لامك، وكذا: لمك في كلام ابن سيِّد الناس، ولامك: بفتح الميم وكسرها.
وقوله فيه: (ابن مَتُّوْشَلَخ): هو بميم مفتوحة، ثمَّ مثنَّاة فوق مشدَّدة، ثمَّ واو ساكنة، ثمَّ شين معجمة ثمَّ لام مفتوحتين، ثمَّ خاء معجمة، وفي «تاريخ صاحب حماة» كما رأيته فيه: هو بتاء مثنَّاة من فوقها، وقيل: مثلَّثة، وآخره حاء مهملة، انتهى، ويقال: متوَشْلخ، قال السُّهيليُّ: وذكره الناشئ في قصيدته أنَّه مُتَوَشْلخ، وتفسيره: مات الرسول؛ لأنَّ أباه كان رسولًا، وهو خنوخ، وقال ابن إسحاق وغيره: هو إدريس.
وقوله فيه: (ابن خنُوخ): وهو إدريس، هو بالخاء المعجمة، وقيل: المهملة، ثمَّ نون مضمومة، ثمَّ واو، ثمَّ خاء معجمة، قال بعض مشايخي: خنوخ؛ بخاءين معجمتين، أو أخنوخ؛ يعني: بخاءين أيضًا بزيادة همزة في أوله: إدريس عليه السلام، وقال غيره من مشايخي: حنوخ، ويقال: أحنخ، ويقال: أهيخ، ثُمَّ قال: وخنوخ: سُريانيٌّ، وتفسيره بالعربيِّ: إدريس، انتهى، وكذا قال مغلطاي، وكأنَّه أخذه منه، وقد تَقَدَّم الكلام في إدريس هل هو في عمود النسب الشريف أم لا في أوَّل الكتاب وفي حديث الإسراء؛ فلينظر فيهما.
وقوله فيه: (يَارْد): وقيل فيه: يَرْد، وهو بمثنَّاة تحت مفتوحة، ثُمَّ راء ساكنة، ثُمَّ دال مهملة، قال السُّهيليُّ: وتفسيره _أي: تفسير يَرْد_: الضابط، وحكى صاحب حماة في «تاريخه» في الراء الإعجامَ، بل اقتصر عليه.
وقوله فيه: (ابن مهلائيل): قال السُّهيليُّ: وتفسيره: الممدح.
وقوله فيه: (ابن قَيْنان) هو بقاف مفتوحة أوَّله، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ نون، وقيل فيه: قينن، قال السُّهيليُّ: وتفسيره: المستوي، كذا رأيته في نسختين من «الروض»، وفي كلام مغلطاي في «سيرته»: المستولي، كذا رأيته في نسخة صحيحة مقروءة عليه، ورأيت في كلام شيخنا ابن الملقِّن: أنَّ قينن هو الذي بنى أنطاكيَّة، انتهى.
وقوله فيه: (ابن أنوش): هو بالنون، والشين المعجمة، وقيل فيه: يانش، وقيل: آنُش، قال السُّهيليُّ: ومعناه _أي: معنى أنوش_: الصادق، وهو بالعربية: آنُش.
وقوله فيه: (ابن شيث هو هبة الله): قال السُّهيليُّ: وتفسيره _أي: تفسير شيث_: عطيَّة الله، وقال أيضًا السُّهيليُّ: ابن شيث، وهو بالسريانيَّة: شاث، وبالعبرانيَّة: شيث.
==========

(1/7105)


[1] في هامش (ق): (ويسمى: زيدًا، ويُدعى: مجمعًا).
[2] في (أ): (أن).
[3] يعني: تأنيث (الحمراء)، ولم يقل: (مضر الأحمر).
[4] زيد في (أ): (وبعده).
[5] في (أ): (عابدًا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[6] في (أ): (اسمه)، ولعل المثبت هو الصواب.

(1/7106)


[حديث: أنزل على رسول الله وهو ابن أربعين فمكث ثلاث عشرة سنةً]
3851# قوله: (حَدَّثَنَا النَّضْرُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بالضاد المعجمة، وأنَّ نصرًا الذي هو بالصاد المهملة لا يأتي بالألف واللام بخلاف هذا؛ فإنَّه لا يأتي إلَّا بهما، وهو النضر بن [شميل].
قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ): هو أحمد بن عبد الله بن أيُّوب، أبو الوليد بن أبي رجاء الحنفيُّ الهرويُّ، وقيل: أحمد بن أبي رجاء عبد الله بن واقد بن الحارث، عن ابن عيينة، ويحيى القطَّان، وأبي أسامة، والنضر بن شميل، وجماعة، وعنه: البُخاريُّ، وإسحاق الكوسج، والدارميُّ، وأبو حاتم وقال: صدوق، وآخرون، قال الحاكم: إمام عصره بهراةَ في الفقه والحديث، طلب مع أحمد ابن حنبل، وكتب بانتخابه، قيل: مات في نصف جمادى الآخرة سنة (232 هـ)، أخرج له البُخاريُّ فقط، وتَقَدَّم أعلاه أنَّ (النَّضْر) هو ابن شميل، و (هِشَام) هذا: هو ابن حسان القردوسيُّ البصريُّ، تَقَدَّم مترجمًا، وهو حافظ.
قوله: (أُنْزِلَ عَلَى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (أُنزِل): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله.
قوله: (وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سنة): اعلم أنَّ هذه المسألة اختُلف فيها؛ فعن ابن عبَّاس وجبير بن مطعم وقباث بن أشيم وعطاء وسعيد بن المُسَيّب الذهابُ إلى هذا القول، وهو صحيح عند أهل السِّيَر والعلم بالأثر، والأربعون سنُّ الكمال، قال ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهَدْي» في (المبعث): قيل: ولها يُبعَث الرسل؛ يعني: لأربعين سنة، قال: وأمَّا ما يذكر عن المسيح أنَّه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنة؛ فهذا لا يُعرف
[ج 2 ص 67]
به أثر متَّصل يجب المصير إليه، انتهى، وقد تَقَدَّم بزيادة ذكرتها في (باب صفة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم)؛ فانظرها، فإنَّها تَرُدُّ ما ذكر في سنِّه ورفعه، والله أعلم، وقيل: كان سنُّه صلَّى الله عليه وسلَّم يوم بعث أربعين سنة ويومًا، وذكر بعضُهم: قيل: وعشرة أيام، وقال السُّهيليُّ: وقد روي: أنَّه نُبِّئ لأربعين وشهرين من مولده، انتهى، وفي المسألة قول خامس: حكى القاضي عياض عن ابن عبَّاس وسعيد بن المُسَيّب روايةً شاذَّة: أنَّه عليه السلام بُعِث على رأس ثلاث وأربعين سنة، وصوَّب الشيخ محيي الدين النَّوويُّ أنَّه نُبِّئ على رأس الأربعين، قاله في «شرح مسلم».
فحصل في المسألة خمسة أقوال: أربعون، أربعون ويوم، أربعون وعشرة أيام، أربعون وشهران، ثلاث وأربعون سنة وهذا أضعفها، والله أعلم، وأضعف منه ما حكاه مغلطاي في «سيرته الصغرى» عن العُتقيِّ: أنَّه كان ابن خمس وأربعين_يعني: حين نزل القرآن_ لسبع وعشرين من رجب، قاله الحسين، انتهى.

(1/7107)


قوله: (فَمَكَثَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ): هذا هو القول الصحيح أنَّه عليه السلام عاش ثلاثًا وستين سنة، وقيل: ستين، وقيل: خمسًا وستين، وقيل غير ذلك ممَّا تَقَدَّم، ونُبِّئ على رأس الأربعين، كما تَقَدَّم أعلاه على الصحيح، فمكث بمكَّة ثلاث عشرة سنة بعد النُّبوَّة على الصحيح، ثُمَّ هاجر، فأقام بالمدينة عشرًا، وإقامته بالمدينة عشرًا [1] لا خلاف فيها، وإنَّما الخلاف في إقامته بمكَّة بعد النُّبوَّة، وقدَّمتُ أنَّ في «سيرة شيخنا العراقيِّ» أنَّ القولين _وهما: إقامته بمكَّة بعد النُّبوَّة عشرًا، أو خمس عشرة_ قولان واهِنان بمرَّة.
وقال السُّهيليُّ في «روضه» لمَّا ذكر فترة الوحي، وأنَّها كانت سنتين ونصفًا؛ قال: وقد جاء ذلك في بعض الأحاديث المسندة، ثُمَّ قال: فمن ههنا يتَّفق ما قاله أنس بن مالك: أنَّ مكثه بمكَّة كان عشر سنين، وقولَ ابن عبَّاس: ثلاث عشرة، وكان قد ابتُدِئ بالرؤيا الصادقة ستة أشهر، فمن عدَّ مدَّة الفترة، وأضاف إليها الأشهر السِّتَّة؛ كانت كما قال ابن عبَّاس، ومن عدَّها من حين حمي الوحي وتتابع؛ كان كما في حديث جابر: كانت عشر سنين.
ووجه آخر في الجمع بين القولين أيضًا، وهو أنَّ الشَّعْبيَّ قال: وُكِّل إسرافيل بنبوِّة محمَّد عليه السلام ثلاث سنين، ثُمَّ جاءه جبريلُ بالقرآن ... إلى أن قال: وإذا صحَّ؛ فهو أيضًا وجه في الجمع بين الحديثين، والله أعلم، انتهى.
وقال بعض الحُفَّاظ: وكان عمره إذ تُوفِّي ثلاثًا وستين فيما ذكره البُخاريُّ، وثبَّته ابن سعد وغيره، وفي «مسلم»: خمس وستون، وصحَّحه أبو حاتم في «تاريخه»، وفي «الإكليل»: ستون، وفي «تاريخ ابن عساكر»: ثنتان وستون ونصف، وفي كتاب ابن شبَّة: إحدى أو اثنتان أو أُراه بلغ ثلاثًا وستين، وجمع بأنَّ من قال: خمسًا؛ حسب السنة التي ولد فيها والتي قبض فيها، ومن قال: ثلاثًا _وهو المشهور_؛ أسقطهما، ومن قال: ستين؛ أسقط الكسور، ومن قال: ثنتين وستين ونصفًا؛ كأنَّه اعتمد على حديث في «الإكليل» _وفيه كلامٌ_: «لم يكن نبيٌّ إلَّا عاش نصف عمر أخيه الذي قبله»، وقد عاش عيسى عليه السلام خمسًا وعشرين ومئة، ومن قال: إحدى أو اثنتين؛ فشكَّ ولم يتيقَّن، وكل ذلك إنَّما نشأ من الاختلاف في مقامه بمكَّة بعد البعثة على ما تَقَدَّم، انتهى.
وقال شيخنا الشارح في «فضائل القرآن»: ووقع في «ابن التين»: (ميكائيل) بدل (إسرافيل)، والمشهور: أنَّ جبريل ابتدأه بالوحي، انتهى، وقد قدَّمتُ كلَّ ذلك، وقدَّمتُ أيضًا في (ابتداء الوحي) ما قاله الشَّعْبيُّ، وتعقَّبتُه بكلام ابن عبد البَرِّ، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (عشر)، ولعل المثبت هو الصواب.

(1/7108)


[باب ما لقى النبي وأصحابه من المشركين بمكة]
قوله: (بابُ مَا لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ): اعلم أنَّ ابن سيِّد الناس فتح الدين الحافظ ذكر في «سيرته الكبرى» أشياء مما لقي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من أذى قومه في ترجمة مفردة؛ فراجعها إن شئت.
وقال الإمام السُّهيليُّ في «روضه»: فصلٌ: ما لقي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من قومه، ذكر ابن إسحاق، والواقديُّ، والتيميُّ، وابن عقبة، وغيرهم في هذا الباب أمورًا كثيرة تتقارب ألفاظُها ومعانيها، وبعضُهم يزيد على بعض؛ فمنها: حَثْوُ سفهائهم التراب على رأسِه، ومنها: أنَّهم كانوا ينضدون الفرث والأفحاث والدماء على بابه، ويطرحون رحم الشاة في بُرمته، ومنها: بصق أميُّة بن خلف في وجهه، انتهى.
وقال ابن عبد السلام في «تفسيره» في سورة الفرقان: (كان عقبة بن أبي مُعَيْط يأتي مجلس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فحمله أميَّة إلى أن بصق في وجه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فعاد بصاقه في وجهه، فأثَّر فيه ... ) إلى أن قال: (فقتل ببدر صبرًا)، وكذا قال غيره ممَّن تَقَدَّمه، فقوله: (قتل ببدر)؛ فيه نظر، وإنَّما قتل بعرق الظُّبية بمضيق الصفراء، فيحتمل أنَّهما فعلا ذلك.
قال السُّهيليُّ: ومنها: وطءُ عقبة بن أبي مُعَيْط على رقبته وهو ساجد عند الكعبة حتَّى كادت عيناه تبرزان، ومنها: أخذهم بمخنقه حين اجتمعوا له عند الحجر، وقد ذكره ابن إسحاق، وزاد غيره في الخبر: أنَّهم خنقوه خنقًا شديدًا، وقام أبو بكر دونه، فجبذوا رأسه ولحيته حتَّى سقط أكثر شعره، وأمَّا السبُّ، والهجاء، والتلقيبُ، وتعذيبُ أصحابه وأحبَّائه وهو ينظر؛ فقد ذكر ابن إسحاق ما في الكتاب، وقد قال أبو جهل _لعنه الله_ لسُميَّة أمِّ عَمَّار بن ياسر: ما آمنتِ بمحمَّد إلَّا أنَّك عشقتيه لجماله، ثُمَّ طعنها بالحربة في قُبُلها حتَّى قتلها، والأخبار في هذا المعنى كثيرة، انتهى.
سؤال يقال فيه: إنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُروى عنه: «ما أُوذي أحد ما أوذيتُ» _وسيأتي الكلام على هذا الحديث_ وقد بلغنا قتل بعض الأنبياء وأذاهم أكثر ممَّا ذُكِر في أذاه عليه السلام؟
والجوابُ: أنَّه أطلع اللهُ رسولَه صلَّى الله عليه وسلَّم على ما جرى للأنبياء قبله، فيحمل ما أُوذوا به فوق ما أُوذي به، فصار ما أوذي به أكثر.
وجواب آخر قلته أنا وهو: أنَّ الرجلَ العظيمَ الكبيرَ الجليلَ إذا أُوذي بأدنى شيءٍ؛ كان كبيرًا باعتبار مقامه عند الناس، فما ظنُّك بمن هو عند ربه بالمقام الأعلى؟! وإذا كان كذلك؛ فأُوذي بما هو أعظم من أذاهم، والله أعلم.

(1/7109)


تنبيه: حديث: «ما أُوذي نبي ما أوذيتُ» ذكر الذَّهبيُّ في «ميزانه» في ترجمة محمَّد بن سليمان بن هشام أبي جعفر الخزَّاز المعروف بابن بنت مطر _وهو وضَّاع_ ما لفظه: قلتُ: ومن أكاذيبه: حدَّثنا وكيع، عن مالك، عن الزُّهريِّ، عن أنس مرفوعًا: «ما أوذي أحد ما أوذيت»، انتهى، وذكره في ترجمة يوسف بن محمَّد بن المنكدر _وهو متروك، قاله النَّسائيُّ، وقال أبو زرعة: صالح الحديث_ في جملة أحاديث أُنكِرت عليه، وقد ذكر له الذَّهبيُّ عدَّة أحاديث، ثُمَّ قال في آخرها: قال ابن عَديٍّ: لا أعلم ليوسف غير هذه الأحاديث التي ذكرتها، وأرجو أنَّه لا بأس به، انتهى.
==========
[ج 2 ص 68]

(1/7110)


[حديث: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد]
3852# [قوله]: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن الزُّبَير، وأنَّه أوَّل شيخ حدَّث عنه البُخاريُّ في هذا «الصحيح»، وتَقَدَّم الكلام على نسبته هذه لماذا في أوَّل هذا التعليق، وتَقَدَّم أنَّ (سُفْيَان) بعده: هو ابن عيينة، و (بَيَانٌ وَإِسْمَاعِيلُ)، أمَّا (بيان)؛ فهو ابن بشر المؤدِّب، تَقَدَّم مترجمًا، وهو مصروف؛ لأنَّ نونه أصليَّة، وأمَّا (إسماعيل)؛ فهو ابن أبي خالد، تَقَدَّم أيضًا مترجمًا، و (قَيْس): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن أبي حَازم؛ بالحاء المهملة، و (خَبَّاب): تَقَدَّم أنَّه بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الموحَّدة، وبعد الألف موحَّدة أيضًا، وهو ابن الأرتِّ؛ بالمثنَّاة فوق، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً): (متوسِّدٌ): مرفوع مُنَوَّن خبر المبتدأ الذي [هو] (هو)، و (بردةً): منصوب مُنَوَّن مفعول اسم الفاعل؛ وهو (متوسِّدٌ)، وهذا ظاهرٌ، والبردة معروفة.
قوله: (وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ): (محمرٌّ): مرفوع مُنَوَّن، و (وجهُه): مرفوع، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ): هو بكسر الميم، قال ابن قُرقُول: بكسر الميم للقابسيِّ، ولغيره: (بأمشاط)، وهو المعروف، انتهى، أمَّا (مِشاط)؛ بكسر الميم؛ فهو إمَّا جمع مِشْط؛ بكسر الميم؛ كذِئب وذئاب، وبِئر وبئار، وإمَّا جمع مَشْط؛ بفتح الميم؛ ككَلْب وكِلاب، ومُشط أيضًا الذي هو بضمِّ الميم: يقال في جمعه: مِشاط؛ بكسر الميم؛ كرُمح ورِماح، وزُجٍّ وزِجاج، وخُفٍّ وخِفاف، قاله الصغانيُّ في «شوارد اللُّغات»، ولم يذكر الجوهريُّ إلَّا (الأمشاط)، وفي المشط لغات تأتي في (باب السحر) في قوله: «في مشط ومشاطة» إن شاء الله تعالى.
[ج 2 ص 68]
قوله: (وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ): هو مجوَّد في أصلنا بالنون بالقلم، وكان بالياء، فحُوِّل إلى النون، و (المِئْشار)؛ بالهمزة الساكنة قبلها الميم المكسورة وتُسَهَّل: هو المنشار؛ بالنون، يقال: أشرت الخشبة أشرًا، ووشرتها وشرًا؛ إذا شققتَها؛ مثل: نشرتها نشرًا، ويجمع المئشار على مآشير ومواشير، وهو معروف، وقد تَقَدَّم أيضًا الكلام عليه، ومقتضى كلام النَّوويِّ في «شرح مسلم» أن تكون اللُّغات التي فيه رواياتٍ أيضًا، والله أعلم.
قوله: (عَلَى مفْرقِ رَأْسِهِ): المفرق؛ بفتح الميم وكسرها، وكسر الراء وفتحها: وسط الرأس، وهو الذي يفرق فيه الشعر، وكذلك (مفرق الطريق) فيه اللُّغات الأربعُ.
قوله: (وَلَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الأَمْرَ): (يُتِمَّنَّ): رُباعيٌّ، مضموم الأوَّل، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ): تَقَدَّم الكلام عليهما.
قوله: (زَادَ بَيَانٌ): هو بيان بن بشر المؤدِّب المذكور في السند، وقد تَقَدَّم مترجمًا قبل ذلك، وهو معروفٌ، وهذا ظاهرٌ، وقد تَقَدَّم قريبًا.
قوله: (وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ): (والذئبَ): منصوب على العطف على الاسم الجليل.

(1/7111)


[حديث: قرأ النبي {النجم} فسجد فما بقي أحد إلا سجد]
3853# قوله: (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عمرو بن عبد الله السَّبِيعيُّ، وقد تَقَدَّم مترجمًا، وكذا (الأَسْوَد): تَقَدَّم أنَّه ابن يزيد النَّخَعيُّ، و (عَبْد اللهِ): هو ابن مسعود بن غافل الهذليُّ رضي الله عنه.
قوله: (إِلاَّ رَجُلٌ رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى ... )؛ الحديث: هذا الرجل تَقَدَّم أنَّه أميَّة بن خلف، وقيل: غيره، وقد قدَّمتُ ذلك في (باب سجود القرآن)، وسيأتي التصريح بأنَّه أميَّة في (التفسير) في (النجم).
==========
[ج 2 ص 69]

(1/7112)


[حديث: اللهم عليك الملأ من قريش أبا جهل بن هشام]
3854# قوله: (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بفتح الموحَّدة، وتشديد الشين المعجمة، وأنَّ لقبه بُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدَرٌ) ضبطًا، وأنَّه محمَّد بن جعفر مرارًا، وكذا تَقَدَّم (أَبو إِسْحَاقَ) أنَّه عَمرو بن عبد الله السَّبِيعيُّ، و (عَمْرو بْن مَيْمُونٍ): تَقَدَّم أنَّه الأوديُّ، لا عمرو بن ميمون بن مهران الرَّقِّي، و (عَبْد اللهِ): هو ابن مسعود بلا مرية، وعجبٌ من الداوديِّ في قوله: ذكر أنَّه (عن عبد الله)، وإنَّما تصح الرواية (عن ابن عمر)، وليس ابن عمر، وابن التين حيث قال: (الظَّاهر أنَّه ابن مسعود؛ لأنَّه في الأكثر يطلقونه كذلك)، انتهى، نبَّه عليه شيخنا، انتهى، وقد صرَّح البُخاريُّ في (كتاب الصلاة) بأنَّه ابن مسعود.
قوله: (إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ): تَقَدَّم الكلام عليه، وأنَّه قتل صبرًا بمضيق الصفراء عند عرق الظُّبية.
قوله: (بِسَلَى جَزُورٍ): تَقَدَّم الكلام عليه في (الطهارة).
قوله: (أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ): تَقَدَّم أنَّه عمرو بن هشام بن المغيرة، وكذا على (عُتْبَة بْن رَبِيعَةَ، وَشَيْبَة بْن رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّة بْن خَلَفٍ)، وأنَّه الصواب من أحد الشكَّين، وقد استوعبهم في (الطهارة) غير أنَّه نسي السابع، وهو عُمارة بن الوليد، وقد قدَّمتُ ماذا جرى له.
==========
[ج 2 ص 69]

(1/7113)


[حديث ابن أبزى: سل ابن عباس عن هاتين الآيتين]
3855# قوله: (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو جَرِير بن عبد الحميد الضَّبِّيُّ، وتَقَدَّم مترجمًا، و (مَنْصُور): تَقَدَّم مرارًا أنَّه ابن المعتمر، و (الْحَكَم): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن عتيبة الإمام، وتَقَدَّم مترجمًا، وما غلط فيه البُخاريُّ.
قوله: (أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى): هو بفتح الهمزة، ثُمَّ موحَّدة ساكنة، ثُمَّ زاي، مقصور، وقد تَقَدَّم أنَّه خزاعيٌّ مختلَف في صحبته، يروي عن أبي بكر وعمر، وعنه: ابناه عبد الله وسعيد، وأبو إسحاق، وُلِّيَ خراسان لعليٍّ رضي الله عنه، وقد عدَّه صحابيًّا ابنُ عبد البَرِّ، وفي «التجريد» الجزم بصحبته في ترجمته وفي ترجمة والده أَبْزَى وغير من ذكرت، وفي «المطالع» لابن قُرقُول: أنَّه لم يدرك النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قوله: ({وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}): كذا في أصلنا، والتلاوة: {ولا يقتلون} [الفرقان: 68]، ويأتي فيه ما تَقَدَّم في قوله: و {يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران: 64]، وقد تَقَدَّم ذلك في أوَّل هذا التعليق، والله أعلم.
قوله: (فَالرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ): قيل: هذه الآية منسوخة بقوله: {خَالِدِينَ فِيهَا [1] مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ} [هود: 107]، وأمَّا قول ابن عبَّاس: (إذا عرف شرائع الإسلام)؛ فلعلَّه ذكره تغليظًا على ظاهر الآية، وقيل: معنى الآية: أن يقتله مستحلًّا لقتله، فيكون كافرًا يستوجب الخلود، وقيل: نزل هذا بمكَّة؛ الذي في (الفرقان)، وأنزل: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} [الزمر: 53]، ثُمَّ أُنزِلت بالمدينة بعد ثماني سنين: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا} [النساء: 93] مبهمة لا مخرج لها، والمسألة معروفة طويلة، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 116]، والله عزَّ وجلَّ يغفر كلَّ ذنب إلَّا الشرك به، والله تعالى أعلم.
==========
[1] زيد في (أ): (أبدًا).
[ج 2 ص 69]

(1/7114)


[حديث: بينا النبي يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط]
3856# قوله: (حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه بالمثنَّاة تحت، وبالشين المعجمة، الرَّقَّام، وتَقَدَّم مترجمًا، و (الْوَلِيدُ) بعده: ابن مسلم، هو إمام أهل الشام، تَقَدَّم، و (الأَوْزَاعِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، وتَقَدَّم مترجمًا، وأنَّه أفتى في سبعين ألف مسألة، و (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بالثاء المُثلَّثة المكسورة، وفتح الكاف، و (ابْن عَمْرو بْنِ الْعَاصِي): هو عبد الله، وهذا معروف.
قوله: (أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ): (أشدِّ): مجرور؛ لأنَّه مضاف.
قوله: (فِي حِجْرِ الْكَعْبَةِ): تَقَدَّم أنَّه بكسر الحاء، وإسكان الجيم، وأنَّ بعض العلماء قال: إنَّه بفتح الحاء؛ كحَجْر الإنسان، وفيه نظر.
قوله: (خَنقًا شَدِيدًا): تَقَدَّم الكلام عليه، وأنَّه بكسر النون وتُسكَّن؛ فانظره في (مناقب عمر رضي الله عنه).
[ج 2 ص 69]
قوله: (تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ ... ) إلى آخره: الضمير في (تابعه) يعود على يحيى بن أبي كَثِير، و (ابن إسحاق): هو محمَّد بن إسحاق بن يسار صاحب «المغازي»، تَقَدَّم أنَّ البُخاريَّ أخرج له متابعة؛ كهذا، وأخرج له مسلم مقرونًا، وقد اختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسن وفوق الحسن، وقد قدَّمتُ ذلك، و (يحيى بن عروة): هو ابن الزُّبَير، يروي عن أبيه، وعنه: ابنه محمَّد، وأخوه هشام، وابن إسحاق، ثقة، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، قال النَّسائيُّ: ثقة، وقال أبو حاتم: كان أعلم من أخيه هشام، ومتابعة ابن إسحاق لم أرها في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، وقال شيخنا: رويناها في «سيرته» أخرجها البزَّار عن أبي طلحة موسى بن عبد الله: حدَّثنا بكر بن سليمان، عن محمَّد بن إسحاق عنه، انتهى.
قوله: (وَقَالَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ ... ) إلى آخره: (عَبْدة) هذا: بإسكان الموحَّدة، وهو عَبْدة بن سليمان أبو محمَّد الكلابيُّ المقرئ، اسمه عبد الرحمن، تَقَدَّم، أخرج له الجماعة، و (هشام): هو ابن عروة، وأبوه عروة بن الزُّبَير.
(قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِي): هذا التعليق أخرجه النَّسائيُّ في (التفسير) عن هنَّاد بن السَّرِيِّ، عن عَبْدة بن سليمان، عن هشام به.

(1/7115)


قوله: (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِي): (محمَّد بن عمرو) هذا: هو محمَّد بن عمرو بن علقمة بن وقَّاص اللَّيْثيُّ المدنيُّ، أبو عبد الله، ويقال: أبو الحسن، أحد أئمة الحديث، عن أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وطائفة، وعنه: موسى بن عقبة وهو أكبر منه، وشعبة، ومالك، والسفيانان، وخلق، قال الجوزجانيُّ: ليس بقويٍّ، وقال أبو حاتم: صالح الحديث يكتب حديثه، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، وقال مرَّة: ثقة، توفِّي سنة أربع وأربعين ومئة، وقال الفلَّاس: سنة خمس، روى له أصحاب «السنن»، والبُخاريُّ مقرونًا ومتابعة، ومسلم في المتابعات، وله ترجمة في «الميزان» قال فيها: إنَّه حسن الحديث، وذكر كلام الناس فيه.
و (أبو سلمة): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله، ويقال: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر، قال في هذا: (حدَّثني عمرو بن العاصي)، والحاصل: أنَّ الرواة اختلفوا؛ فمنهم: من جعله من مسند عمرو، ومنهم: من جعله من مسند ابنه عبد الله بن عمرو بن العاصي، ولا يمتنع أن يكون كلاهما روياه ورأياه [1]، والله أعلم، قال شيخنا في تعليق محمَّد بن عمرو: أخرجه أبو القاسم في «معجمه» عن عبد بن عباد: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمَّد به.
==========
[1] في (أ): (وريأه).

(1/7116)


[باب إسلام أبي بكر الصديق]
قوله: (بابُ إِسْلاَم أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): اعلم أنَّه اختُلف في أوَّل الصَّحابة إسلامًا [1] بين السلف على أقوال؛ أحدها: أبو بكر الصِّدِّيق، وهو قول ابن عبَّاس، وحسان بن ثابت، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعيِّ في جماعة آخرين، ويدلُّ له ما رواه مسلم في «صحيحه» من حديث عمرو بن عبسة في قصَّة إسلامه وقولِه للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: «حرٌّ وعبدٌ»، قال: (ومعه يومئذٍ بلال وأبو بكر)، وقد روى الحاكم في «المستدرك»: سُئل الشَّعْبيُّ: من أوَّل من أسلم؟ فاستشهد بقول حسان بن ثابت:
~…إذا تذكَّرت شجوًا من أخي ثقة… .....
إلى أن قال:
~… ..... …وأوَّل الناس منهم صدَّق الرُّسلا
والقول الثاني: أوَّلهم إسلامًا عليٌّ، روي ذلك عن زيد بن أرقم، وأبي ذرٍّ، والمقداد بن الأسود، وأبي أيُّوب، وأنس بن مالك، ويعلى بن مرَّة، وعفيف الكنديِّ، وخزيمة بن ثابت، وسلمان الفارسيِّ، وخبَّاب بن الأرتِّ، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد، وأنشد المرزُبانيُّ لخزيمة بن ثابت في عليٍّ رضي الله عنه:
~…أليس أوَّلَ من صلَّى لقبلتهم…وأعلم الناس بالفرقان والسُّنن؟
وروى الحاكم في «المستدرك» من رواية مسلم الملائيِّ قال: نُبِّئ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الاثنين، وأسلم عليٌّ يوم الثلاثاء، وقال الحاكم في «علومه»: لا أعلم خلافًا بين أصحاب التواريخ أنَّ عليًّا أوَّلهم إسلامًا، قال: وإنَّما اختلفوا في بلوغِه، قال ابن الصلاح: واستُنكِر هذا من الحاكم.
والقول الثالث: أوَّلهم إسلامًا زيد بن حارثة، ذكره مَعْمَر عن الزُّهريِّ.
والقول الرابع: أوَّلهم إسلامًا [2] خديجة أمُّ المؤمنين، روي ذلك عن ابن عبَّاس والزُّهريِّ أيضًا، وهو قول قتادة ومحمَّد بن إسحاق في آخرين، وقال الشيخ محيي الدين النَّوويُّ: إنَّه الصواب عند جماعة من المحقِّقين، وادَّعى الثعلبيُّ المفسِّر اتفاق العلماء على ذلك، وأنَّ اختلافهم إنَّما هو فيمن أسلم بعدها.
وقال ابن عبد البَرِّ: اتفقوا على أنَّ خديجة أوَّل من آمن، ثُمَّ عليٌّ بعدها، وجمع بين الاختلاف في ذلك _بالنسبة إلى أبي بكر وعليٍّ_ بأنَّ الصحيح أنَّ أبا بكر أوَّل من أظهر إسلامه [3]، ثُمَّ روى عن محمَّد بن كعب القرظيِّ: أنَّ عليًّا أخفى إسلامه من أبي طالب، وأظهر أبو بكر إسلامه، ولذلك شُبِّه على الناس، قال أبو عمرو ابن الصلاح: والأورع أن يقال: إنَّ أوَّل من أسلم من الرِّجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان أو الأحداث عليٌّ، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن العبيد بلال، والله أعلم، وقد قدَّمتُ كلام شيخنا العراقيِّ في أوَّل هذا التعليق في ورقة بن نوفل أنَّه أوَّلُهم، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (إسلامه)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في (أ): (إسلامه).
[3] في (أ): (أسلم).
[ج 2 ص 70]

(1/7117)


[حديث: رأيت رسول الله وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر.]
3857# قوله: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَمَّادٍ): كذا في أصلنا الذي سمعنا فيه على العراقيِّ، هذا هو عبد الله بن حَمَّاد الآمُليُّ أبو عبد الرحمن الآمَوِيُّ؛ بالفتح، من أهل بلد آمَوَ، حافظ جوَّال، روى عن القعنبيِّ، وسعيد ابن أبي مريم، والطبقة، قال الذَّهبيُّ: فروى البُخاريُّ عن عبد الله، عن ابن معين، وحديثًا عن عبد الله عن سليمان بن عبد الرحمن، فقيل: هو هو، وقيل: هو عبد الله بن أُبيٍّ الخوارزميُّ، وعبد الله بن أُبيٍّ الخوارزميُّ القاضي روى عن أحمد ابن يونس، وسعيد بن منصور، وقتيبة، وإسحاق، وعبد الأعلى بن حَمَّاد، وطبقتهم، وعنه: البُخاريُّ في كتاب «الضعفاء» وغيره، روى البُخاريُّ: حدَّثنا عبد الله: حدَّثنا سليمان بن عبد الرحمن؛ فذكر حديثًا، فقيل: هو عبد الله بن حَمَّاد الآمُلي، ويحتمل أن يكون عبد الله بن أُبيٍّ هذا، فإنَّه مكثر عن سليمان، قال شيخنا العراقيُّ: (ويؤيِّد هذا الاحتمال أنَّ البُخاريَّ روى عنه في كتاب «الضعفاء الكبير» عدَّة أحاديث عن سليمان بن عبد الرحمن، وغيره سماعًا وتعليقًا) انتهى.
وفي أصلنا الدِّمَشْقيِّ: (حدَّثنا عبد الله بن حَمَّاد الآمُلي)، و (الآمُلي): بفتح الهمزة، وضمِّ الميم، إلى آمُل جيحون، وقال الغسانيُّ أبو عليٍّ: إنَّه منسوب إلى آمل؛ مدينة بطبرستان، انتهى، وتابعه القاضي عياض، وإنَّما هو منسوب إلى آمل جيحون كما قدَّمتُه، كذا هو مسمًّى منسوب إلى والده وبلده، قال ابن الصلاح: إنَّ البُخاريَّ روى عنه في «صحيحه»، قال شيخنا العراقيُّ: (وإنَّما روى في «صحيحه» عن عبد الله غير منسوب حديثين؛ أحدهما: عنه عن يحيى بن معين؛ يعني: هذا الحديث، والآخر: عنه عن سليمان بن عبد الرحمن، وموسى بن هارون البُرديِّ؛ فظنَّ بعضهم أنَّه عبد الله بن حَمَّاد الآمُليُّ؛ فذكره الكلاباذيُّ في «رجال البُخاريِّ»، قال المِزِّيُّ: ويحتمل أن يكون عبد الله بن أُبيٍّ القاضي الخوارزميَّ) انتهى، ثُمَّ ذكر شيخنا العراقيُّ ما قدَّمتُه عنه من ترجيح أحد الاحتمالين، انتهى.
وقال الغسانيُّ أبو عليٍّ: هكذا وقع (عبد الله) غير منسوب عند أبي محمَّد عن أبي أحمد، وكذلك للنسفيِّ عن البُخاريِّ، ونسبه [1] القابسيُّ عن أبي زيد فقال: حدَّثني عبد الله بن حَمَّاد، وكذلك نسبه أبو نصر، ونسبه ابن السكن فقال: حدَّثني عبد الله بن محمَّد، ولم يصنع شيئًا، انتهى.
وقد طرَّف المِزِّيُّ هذا الحديث، فقال: وفي (إسلام أبي بكر): عن عبد الله، عن يحيى بن معين، فلم ينسبه، ولم يزد على عبد الله، والله أعلم.
[ج 2 ص 70]

(1/7118)


[بعد المكرر] قوله: (عَنْ بَيَانٍ): تَقَدَّم قريبًا أنَّه ابن بشر الأحمسيُّ الكوفيُّ المعلِّم، وأنَّه مصروف؛ لأنَّ نونه أصليَّة، و (وَبرَةَ)؛ بفتح الموحَّدة وإسكانها: هو ابن عبد الرحمن المُسْلِيُّ؛ نسبة إلى مُسَيْلَة؛ بطنٍ من بني الحارث بن كعب، عن ابن عبَّاس والأسود، وعنه: بيان بن بشر ومسعر، ثقة، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وثَّقه ابن معين وغيره، وقال ابن سعد: توفِّي في ولاية خالدٍ القسريِّ.
قوله: (وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ): تَقَدَّم الكلام على هؤلاء الخمسة في (مناقب الصِّدِّيق رضي الله عنه).
قوله: (وَامْرَأَتَانِ): قال الدِّمياطيُّ: (المرأتان هما خديجة وأمُّ الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلاليَّة زوج العبَّاس) انتهى، وقد قدَّمتُ أنَّ فاطمة بنت الخطَّاب أخت عُمر رضي الله عنهما قيل: إنَّها أوَّل امرأة أسلمت بعد خديجة، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (ونسب)، ولعل المثبت هو الصواب.

(1/7119)


[باب إسلام سعد]
قوله: (بابُ إِسْلاَم سَعْدِ بْنِ أَبِيْ وَقَّاصٍ): تَقَدَّم الكلام على بقيَّة نسبه في مناقبه، وهو أحد العشرة رضي الله عنهم.
==========
[ج 2 ص 71]

(1/7120)


[حديث: ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه.]
3858# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ): قال الجيَّانيُّ في «تقييده»: وقال _يعني: البُخاري_ في (باب الأذان) وفي (إسلام سعد بن أبي وقَّاص): (حدَّثنا إسحاق _غير منسوب_ حدَّثنا أبو أسامة)، وقال في تفسير (التوبة) و (الأدب): (حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم: حدَّثنا أبو أسامة)، وقال في (الأطعمة): (حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظليُّ: حدَّثنا أبو أسامة)، وقال في تفسير (السجدة) وفي (العقيقة): (حدَّثنا إسحاق ابن نصر: حدَّثنا أبو أسامة)، وقال في (الأنبياء) في (باب {وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا}) [النساء: 125]: (حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر: حدَّثنا أبو أسامة، عن أبي حيَّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة: أُتي النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بلحم ... )؛ الحديث، هكذا لأبي عليِّ بن السكن، وأبي زيد المروزيِّ، والنسفيِّ، وقال في (العقيقة) أيضًا و (الأيمان والنذور) وفي (الاعتصام): (حدَّثنا إسحاق بن منصور: حدَّثنا أبو أسامة)، فتبين لنا من هذا أنَّ البُخاريَّ يروي عن إسحاق بن إبراهيم الحنظليِّ، وإسحاق ابن نصر السعديِّ، وإسحاق بن منصور الكوسج، عن أبي أسامة، فلا يخلو أن يكون البُخاريُّ إذا قال: (حدَّثنا إسحاق _غير منسوب_: حدَّثنا أبو أسامة)؛ يعني أحد هؤلاء الثلاثة الذين نسبناهم، وقد حدَّث مسلم عن إسحاق بن منصور الكوسج عن أبي أسامة، انتهى، وقد راجعت «الأطراف» للمِزِّيِّ؛ فلم أره نسب (إسحاق) في هذا الحديث.
و (أبو أسامة): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة، و (هَاشِمٌ): هو ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقَّاص الزُّهريُّ، يروي عن ابن المُسَيّب وعامر بن سعد، وعنه: أبو أسامة ومكِّيٌّ، ثقة، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن معين والنَّسائيُّ، قال البُخاريُّ عن مكِّيٍّ: سمعت منه سنة سبع وأربعين ومئة.
تنبيه: قال الذَّهبيُّ في «تذهيبه»: هاشم بن هاشم بن عتبة، ويقال: هاشم بن هاشم بن هاشم بن عتبة، قلت: وهذا أصحُّ، فإنَّ هاشم بن عتبة قُتل بصفِّين، ولا يمكن أن يكون هذا ولده لصلبه إلَّا ولد ولده، انتهى، وقد تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ.
و (سَعِيد بْن الْمُسَيّبِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ والده بفتح الياء وكسرها، وأنَّ غير والده ممن اسمه المسيَّب بفتح الياء فقط.
قوله: (مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ): (سعد) هذا: هو ابن أبي وقَّاص مالك بن أُهيب، أحد العشرة، وهذا ظاهرٌ، وكلامه هذا إن حمل على ظاهر؛ ففيه نظر، وقد قدَّمتُ تأويله في مناقبه.

(1/7121)


قوله: (وَلَقَدْ مَكثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلاَمِ): اعلم أنَّ أوَّل من أسلم قد اختُلِف فيه، وقد ذكرته في (إسلام الصِّدِّيق) قريبًا، ولمَّا أسلم أبو بكر؛ أسلم بدعائه عثمان بن عَفَّان، والزُّبَير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد هذا، وطلحة بن عبيد الله، فجاء بهم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قدَّمتُ في (مناقب سعد) كلام بعض الحُفَّاظ في ذلك، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 71]

(1/7122)


[باب ذكر الجن وقول الله تعالى: {قل أوحى إلي أنه استمع نفر من .. }]
قوله: (بابُ ذِكْر الْجِنِّ): تَقَدَّم الكلام على الجنِّ، وما يتعلَّق بهم، وأسماء الجماعة الذين استمعوا القرآن، والذين عُدَّ من الجنِّ في الصَّحابة، وسيجيء ذلك في (سورة الجنِّ).
==========
[ج 2 ص 71]

(1/7123)


[حديث: من آذن النبي بالجن ليلة استمعوا القرآن]
3859# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة.
قوله: (مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): هو بمدِّ الهمزة؛ أي: أعلم، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وكذا: (آذَنَتْ بِهِمْ).
قوله: (أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ): اعلم أنَّ هذه الشجرة كانت سَمُرة، كذا رواه أبو داود من طريق أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، وفي سماعه من أبيه مقال، والصحيح أنَّه لم يسمع منه، وقد قدَّمتُ ذلك، وسيجيء في سورة (الكوثر) إن شاء الله تعالى وقدَّره.
==========
[ج 2 ص 71]

(1/7124)


[حديث: ابغني أحجارًا أستنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة]
3860# قوله: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو التَّبوذكيُّ الحافظ، وقد تَقَدَّم الكلام على هذه [1] النسبة لماذا.
قوله: (إِدَاوَةً): تَقَدَّم أنَّها بكسر الهمزة، وأنَّ الجمع: أداوي، وتَقَدَّم ما هي.
قوله: (لِوَضُوئِهِ): تَقَدَّم [2] أنَّه بفتح الواو، ويجوز ضمُّها، وهو بالفتح: الماء، والضمِّ: الفعل، ويجوز العكس، وتَقَدَّم مطوَّلًا.
قوله: (اِبْغِنِي): تَقَدَّم الكلام على معنى (ابْغِنِي)، وعلى همزهِ، وأنَّه يقال بالقطع وبالوصل في (باب الاستنجاء بالحجارة)، قال شيخنا هنا عن الثلاثيِّ: إنَّه المراد بالحديث، والله أعلم.
قوله: (أَسْتَنْفِضْ بِهَا): أي: أتمسَّح، وقد تَقَدَّم في الباب المشار إليه أعلاه.
قوله: (أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ): تَقَدَّم أنَّها نَصِيبين الجزيرة، وقد قدَّمتُ أسماءهم، وأنَّهم سبعة _وقيل: تسعة_ في الباب المشار إليه، وسأذكرهم في سورة (الجنِّ) إن شاء الله تعالى.
قوله: (إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهِ طَعَامًا): تَقَدَّم الكلام على ذلك، وكلام من قال: إنَّهم لا يأكلون، وإنَّهم يكتفون بالشمِّ، وفيه نظر، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (هذا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في (أ): (بفتح).
[ج 2 ص 71]

(1/7125)


[باب إسلام أبي ذر]
[ج 2 ص 71]
قوله: (بابُ إِسْلاَم أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): تَقَدَّم الكلام عليه وعلى نسبه في غير مكان؛ منها في (المناقب)؛ فراجعه إن أردته، وقد تَقَدَّم فيها هذا الحديث، وذكرت هناك أنَّ فيه مخالفةً وتباعدًا؛ لحديث عبادة بن الصامت في إسلامه عند «مسلم»؛ فراجع ذلك، قال ابن عبد البَرِّ في «الاستيعاب» في ترجمته: قديم الإسلام، يقال: أسلم بعد أربعة، فكان خامسًا، ثُمَّ انصرف إلى بلاد قومه، فأقام بها حتَّى قدم على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وله في إسلامه خبر حسن روي من حديث ابن عبَّاس عنه، وروي من حديث عبد الله بن الصامت عنه، ثُمَّ ساقه من طريق ابن عبَّاس عنه، وذكر في اسمه: أنَّه أسلم بعد ثلاثة، ويقال: بعد أربعة، وقد قدَّمتُ ذلك في (المناقب)، قال أبو عمر: وقد روي عنه أنَّه قال: (أنا ربع الإسلام).

(1/7126)


[حديث: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري]
3861# قوله: (حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه بموحَّدة، وسين مهملة، و (الْمُثَنَّى) في السند: هو ابن سعيد الضُّبَعيُّ، ولم تكن ضُبيعة قومه إنَّما نزل فيهم، البصريُّ القسَّام القصير، عن أبي مِجْلَز وأبي المتوكِّل، وعنه ابن مهديٍّ وأبو الوليد، أخرج له الجماعة، وثَّقه أحمد وابن معين، وقال النَّسائيُّ: ليس به بأس، و (أَبُو جَمْرَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بالجيم والراء، وأنَّ اسمه نصر بن عمران الضُّبَعيُّ، وقد تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (مبعثُ): مرفوع فاعل، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (قَالَ لأَخِيهِ): أخو أبي ذرٍّ هذا: هو أنيس بن جنادة، صحابيٌّ رضي الله عنه، وقد صرِّح به في «مسلم».
قوله: (فَاعْلَمْ لِي): (اعلم): هو بهمزة وصل، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (وَحَمَلَ شَنَّةً): تَقَدَّم ضبط الشَّنَّة، وأنَّها القربة البالية.
قوله: (مَضْجَعِهِ): تَقَدَّم أنَّه بفتح الجيم، وأنَّ شيخنا الشارح نقل فيه الكسر في (الجنائز).
قوله: (أَمَا آن لِلرَّجُلِ): وفي رواية وصُحِّح عليها: (نال) عوض (آن)، وقد قدَّمتُ الكلام على ذلك في قصَّة إسلامه في (المناقب).
قوله: (فَإِذَا أَصْبَحْتَ): هو بتاء الخطاب، ويجوز فيه تاء المتكلِّم.
قوله: (يَقْفُوهُ)؛ أي: يتبعه، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ): تَقَدَّم أنَّ معناه: بينهم، وأنَّه بفتح النون.
قوله: (فَأَكَبَّ عَلَيْهِ): تَقَدَّم الكلام في (أكبَّ)، وأنَّه لازم، وأنَّه إذا تعدَّى؛ قلت: كبَّ، وأنَّ له إخوة في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (تِجَارِكُمْ): تَقَدَّم أنَّه يجوز (تِجار) و (تُجَّار) في أوَّل هذا التعليق في حديث هرقل.
==========
[ج 2 ص 72]

(1/7127)


[باب إسلام سعيد بن زيد]
قوله: (بابُ إِسْلاَم سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ): تَقَدَّم أنَّه سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، وبقيَّة نسبه تَقَدَّم في نسب أبيه زيد بن عمرو، كنيتُه أبو الأعور، وقيل: أبو ثور، أسلم قديمًا، وكان من المهاجرين الأوَّلين، ترجمته مشهورة، ومناقبه معروفة، ومنها: أنَّه مجابُ الدعوة، ومن العشرة المشهود لهم بالجنَّة، توفِّي بالعقيق، وقيل: بالمدينة سنة (50 هـ)، وقيل غير ذلك رضي الله عنه.
==========
[ج 2 ص 72]

(1/7128)


[حديث: والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم ... ]
3862# قوله: (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ (سفيان) هذا بعد قتيبة هو ابن عيينة، وذكرتُ مستندي في ذلك غيرَ مرَّةٍ، والله أعلم، وقد ذكر أنَّه ابن عيينة المِزِّيُّ في تطريفه هذا الحديث، و (إِسْمَاعِيل): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن أبي خالد، و (قَيْس): هو ابن أبي حَازم.
قوله: (لَقَدْ رَأَيْتُنِي): تَقَدَّم أنَّه بضمِّ التاء غيرَ مرَّةٍ؛ أي: رأيتُ نفسي.
قوله: (وَإِنَّ عُمَرَ): (إنَّ)؛ بكسر الهمزة، وهو ابن الخَطَّاب، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا ارْفَضَّ): هو بالراء هنا في أصلنا، والفاء، والضاد المعجمة المشدَّدة؛ أي: انهار وتفرَّق، وفي روايةٍ: (انقضَّ)، وسيأتي الكلام عليها في آخر إسلام عمر إن شاء الله تعالى.
==========
[ج 2 ص 72]

(1/7129)


[باب إسلام عمر بن الخطاب]
قوله: (بابُ إِسْلاَم عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ): تنبيه: اشترط أبو الفتح ابن سيِّد الناس في «سيرته» أنَّه يذكر فيها ما اقتضاه التأريخ من إيراد واقعة بعد أخرى لا ما اقتضاه الترتيب، وقد ذكر فيها: انشقاق القمر، ثُمَّ الهجرة إلى الحبشة المرَّتين، ثُمَّ ذكر بعد ذلك إسلامَ عمر، ثُمَّ دخول بني هاشم وبني المُطَّلب الشِّعب، ثُمَّ خبر أهل نَجْران، ثُمَّ وفاة خديجة وأبي طالب، ثُمَّ خروجه عليه السلام إلى الطائف؛ وذلك في ليالٍ [بقين] من شوَّال سنة عشر من النُّبوَّة، ثُمَّ ذكر إسلام الجنِّ في انصرافه عليه السلام من الطائف راجعًا إلى مكَّة حين يئس من خير ثقيف، مرَّ به النفر من الجنِّ وهو بنخلة، ثُمَّ خبر الطفيل بن عمرو الدوسيِّ، ثُمَّ حديث المَسْرَى، ثُمَّ المعراج، ثُمَّ عرضه عليه السلام نفسه على القبائل، ثُمَّ بدء إسلام الأنصار وذكر العقبة الأولى ثُمَّ الثانية، ثُمَّ إسلام سعد بن مُعاذ وأُسَيد بن الحُضَير، ثُمَّ العقبة الثالثة، وهذا خلافُ ما عمله البُخاريُّ؛ فاعلمه.
ثُمَّ اعلم أنَّ عمر أسلم بعد حمزة بثلاثة أيَّام فيما قاله أبو نعيم، كما نقله بعضُهم عنه، وقال محمَّد بن سعد: أسلم سنة ستٍّ، وكذا قيل في إسلام حمزة، وقيل في إسلام حمزة: سنة اثنتين، وأسلم عمر بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وقيل: بعد تسعة وثلاثين رجلًا وثلاث وعشرين امرأة، وقيل: بعد خمسة وأربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، وعن سعيد بن المُسَيّب: أنَّه أسلم بعد أربعين رجلًا وعشر نسوة، قال الزُّبَير: أسلم عُمر قبل دخوله عليه السلام دار الأرقم بعد أربعين رجلًا أو نيِّف وأربعين بين رجال ونساء، والله أعلم، انتهى.
والأرقم: هو ابن أبي الأرقم، صحابيٌّ مشهور، وداره بأسفل الصفا كان عليه السلام مختفيًا بها، قاله المحبُّ الطبريُّ، وتُسمَّى اليوم: دار الخيزُران، انتهى، والذي رويناه من طريق عمر أنَّه أسلم بعد دخوله عليه السلام دار الأرقم، والله أعلم.
وقد تَقَدَّم الكلام على نسب عمر رضي الله عنه في مناقبه؛ فانظره إن أردته.

(1/7130)


[حديث: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر]
3863# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بفتح الكاف، وكسر الثاء المُثلَّثة، وهذا ظاهرٌ عند أهله، و (سُفْيَانُ) بعده: هو الثوريُّ فيما يظهر، وقد ذكرت مستندي في ذلك فيما مضى، وذلك لأنَّ الحافظ عبد الغنيِّ في «الكمال» ذكر الثوريَّ في مشايخ محمَّد هذا، ولم يذكر ابن عيينة فيهم، وقال الذَّهبيُّ: إنَّه روى عن سفيان، وأطلق، فحملت المطلق على المقيَّد، والمِزِّيُّ في «أطرافه» في هذا الحديث أطلق سفيان، والله أعلم، و (إِسْمَاعِيل): هو ابن أبي خالد، و (قَيْس): هو ابن أبي حَازم.
[ج 2 ص 72]

(1/7131)


[حديث: بينما هو في الدار خائفًا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي]
3864# قوله: (حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن وهب أحد الأعلام، وتَقَدَّم مترجمًا، و (عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بعده: هو عمر بن محمَّد بن زيد العُمَريُّ، نزيل عسقلان، وكان ثقة جليلًا مرابطًا، من أطول الرِّجال، تَقَدَّم مترجمًا، أخرج له الجماعة إلا التِّرمذيَّ، وله ترجمة في «الميزان».
قوله: (إِذْ جَاءَهُ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ أَبُو عَمْرٍو): كذا في أصلنا هنا: (العاص)؛ بغير ياء، وقد تَقَدَّم أنَّ الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربيَّة، ويقع كثيرًا في كتب الحديث واللُّغة بحذفها، وهي لغة، وتَقَدَّم أنَّ النَّوويَّ قال: الصحيح أنَّ العاصي واليماني وابن الهادي وابن أبي الموالي بالياء، وهو العاصي بن وائل بن هاشم بن سُعَيد_بضمِّ السين، وفتح العين_ ابن سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤيِّ بن غالب السهميُّ، هَلك على كفره، أخذت رجلَه الشوكةُ، فهلك منها، وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى فيهم: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]، وكانوا ثمانية، فهلكوا بضروب من البلاء، ولم يُسلم منهم إلَّا الحكم بن أبي العاصي.
قوله: (عَلَيْهِ حُلَّةُ حِبَرَةٍ): تَقَدَّم الكلام على الحُلَّة ما هي، والحِبَرة؛ بكسر الحاء المهملة، وفتح الباء الموحَّدة: عَصْب اليمن، وقال الداوديُّ: ثوب أخضر، و (حبرة) مضاف إلى (حلة).
قوله: (مَكْفُوفٌ بِحَرِيرٍ)؛ أي: له كُفَّة من حَرِير، والكُفَّة؛ بضمِّ الكاف، قيل: وفتحها، وتشديد الفاء؛ وهي الطرَّة تكون من ديباج وشبهه، وفي «النِّهاية»: «لا ألبس القميص المكفَّف بالحَرِير»؛ أي: الذي عمل على ذيله وأكمامه وجيبه كفاف من حَرِير، وكُفَّة كلِّ شيء؛ بالضمِّ: طرَّته وحاشيته، وكلُّ شيء مستطيل: كُفَّة؛ ككُفَّة الثوب، وكلُّ مستدير: كِفَّة؛ بالكسر؛ ككِفَّة الميزان، وكذا قال غيره.
قوله: (أنْ أَسْلَمْتُ): (أن)؛ بالفتح مضبوطة في أصلنا، قال ابن قُرقُول: (زعم قومك أن سيقتلوني أن أسلمت)؛ بالفتح والكسر معًا، والفتح أوجه؛ أي: من أجل إسلامي؛ لأنَّه قد كان أسلم، ويصحُّ الكسر على حكاية قولهم وتهديدهم إيَّاه قبل إسلامه، انتهى.

(1/7132)


قوله: (أَمِنْتُ): هو بفتح الهمزة مقصورة، وكسر الميم، والتاء مضمومة تاء المتكلِّم، كذا في أصلنا بالقلم، من الأمن، وفي الهامش: (آمَنْتُ)؛ بمد الهمزة، وفتح الميم، وسكون النون، وضمِّ تاء المتكلِّم، كلُّه بالقلم، وفي أخرى: بفتح الهمزة، وكسر الميم، وفتح التاء على الخطاب، قال في «المطالع»: (آمَنت): كذا في كتاب الأصيليِّ بالمدِّ، وفتح الميم، ورواه الحُمَيديُّ: (أمِنْتَ)، من الأمن، وفَتَحَ تاء المخاطب، ومثله لأبي ذرٍّ غير أنَّه ضمَّ التاء، وهو الأظهر، فإنَّ عمر هو القائل لذلك، لمَّا قال له العاصي: (لا سبيل عليك)؛ قال عمر، فـ (بعد أن قالها) اعتراضًا من كلام الراوي، كأنَّه حكى أنَّ ذلك كان بعد قوله لعمر تلك الكلمة التي تضمَّنت الأمان بمعناها، انتهى.
قوله: (فَخَرَجَ الْعَاص): تَقَدَّم الكلام على يائه أعلاه، ونسبه، وكيف هلك.
قوله: (قَدْ سَالَ بِهِمُ الْوَادِي)؛ أي: امتلأَ؛ كامتلائه من السيل؛ أي: كثرتهم وسرعة مشيهم.
قوله: (الَّذِي صَبَأ): هو بفتح الصاد المهملة، وبالموحَّدة، ثُمَّ همزة مفتوحة؛ أي: خرج من دينِه إلى دين آخر، ويجوز ترك همزِه.
قوله: (فَكَرَّ النَّاسُ): (الناسُ): مرفوع فاعل (كرَّ)، والكرُّ: الرجوعُ، يقال: كرَّهُ وكرَّ بنفسه، يتعدَّى ولا يتعدَّى، وهو في أصلنا: (الناسُ): مرفوع.
==========
[ج 2 ص 73]

(1/7133)


[حديث: لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا: صبأ عمر]
3865# قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ هذا هو ابن المَدينيِّ الحافظ الجِهْبِذ، و (سُفْيَانُ) بعده: [تَقَدَّم] [1] مَرَّاتٍ أنَّه ابن عيينة.
قوله: (صَبَأَ عُمَرُ): تَقَدَّم أعلاه أنَّه يهمز ولا يهمز، وتَقَدَّم معناه.
قوله: (فَجَاءَ رَجُلٌ): هذا الرجل هو العاصي بن وائل السهميُّ والد عمرو، وسيجيء في هذا الحديث مسمًّى.
قوله: (مِنْ دِيبَاجٍ): تَقَدَّم الكلام على الديباج، وعلى جمعه.
قوله: (فَأَنَا لَهُ جَارٌ)؛ أي: هو في ذمامي وعهدي، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (تَصَدَّعُوا عَنْهُ)؛ أي: تفرَّقوا وانكشفوا.
==========
[1] زيد في (أ): (أنَّه).
[ج 2 ص 73]

(1/7134)


[حديث: لقد أخطأ ظني أو إن هذا على دينه في الجاهلية]
3866# قوله: (حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ): تَقَدَّم قريبًا وبعيدًا أنَّه عبد الله بن وهب أحد الأعلام، و (عُمَرُ) بعده: تَقَدَّم أنَّه عمر بن محمَّد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخَطَّاب، تَقَدَّم في أوَّل هذه الصفحة.
قوله: (قَطُّ): تَقَدَّم الكلام عليها بلغاتها في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ جَمِيلٌ): هذا الرجل هو سوَاد بن قارِب، وسوَاد: بتخفيف الواو، وقارِب: بالقاف، وبعد الألف راء مكسورة، ثُمَّ موحَّدة، أزديٌّ دَوسيٌّ، وقيل: سدوسيٌّ، صاحب الكهانة في الجاهليَّة، قال ابن عبد البَرِّ في «الاستيعاب»: قال أبو حاتم: له صحبة، وقال أبو عمر: كان يتكهَّن في الجاهليَّة، وكان شاعرًا، ثُمَّ أسلم، وداعَبَهُ عمر يومًا فقال: ما فعلت كهانتك يا سوَاد؟ فغضب، وذكر قصَّته وشعره.
قوله: (أَوْ إِنَّ): (أوْ)؛ بإسكان الواو، و (إنَّ)؛ بكسر الهمزة، مشدَّد النون، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (أَوْ [لَقَدْ] كَانَ كَاهِنَهُمْ): (أوْ)؛ بفتح الهمزة، وإسكان الواو، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (عَلَيَّ الرَّجُلَ): (عليَّ): جارٌّ ومجرور، و (الرجلَ): منصوب، ونصبه معروف.
قوله: (فَدُعِيَ لَهُ): (دُعِي): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله.
قوله: (اسْتُقْبِلَ بِهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ): (استُقبِل)؛ بضمِّ التاء، وكسر الموحَّدة: مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (رجلٌ): مرفوعٌ نائبٌ مناب الفاعل، و (مسلمٌ): صفة له.
[ج 2 ص 73]
قوله: (فَمَا أَعْجَبُ): (أعجبُ): مرفوع، ورفعه معروف.
قوله: (وَإِبْلاَسَهَا): هو بكسر الهمزة، والإبلاس: التحيُّر والدهشةُ.
قوله: (إِنْكَاسِهَا): كذا في أصلنا، وفي الهامش نسخة: (أنساكها)، قال ابن قُرقُول: (أنساكها)؛ أي: متعبَّداتها، جمع نُسُك، كذا لأبي ذرٍّ والنسفيِّ، وعند الأصيليِّ والقابسيِّ وعبدوس وبعض شيوخ أبي ذرٍّ: (ويأسها من بعد إنكاسها)؛ بكسر الهمزة، وعند ابن السكن: (من بعد إنساكها)، وكلاهما وَهمٌ.
قوله: (وَلُحُوقَهَا بِالْقِلاَصِ): (القِلَاص)؛ بكسر القاف، وتخفيف اللام، وفي آخره صاد مهملة: وهي فتيان الإبل، واحدُها: قلوص، وهي في النوق كالجارية في النساء.
قوله: (وَأَحْلاَسِهَا): هو بفتح الهمزة، وبالحاء والسين المهملتين، جمع حِلْس؛ وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القتب، وقال ابن قُرقُول بعد أن فسَّر الحِلْس: ومنه في (إسلام عمر رضي الله عنه): (ولحوقها بالقِلَاص وأحلاسها)؛ أي: ركوبها إيَّاها.
قوله: (إِذْ جَاءَ رَجُلٌ بِعِجْلٍ): هذا الرجل لا أعرف اسمه.

(1/7135)


قوله: (يَا جَلِيْح): هو بفتح الجيم، وكسر اللام، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ حاء مهملة، قال ابن الأثير: اسم رجلٍ قد ناداه، انتهى، ولعله أراد عمر؛ لأنَّه كان جَليحًا، وقال الإمام السُّهيليُّ في قوله: (يا آل ذَرِيح): وكأنَّه نداء للعجل المذبوح؛ لقولهم: دمٌ ذَرِيحيٌّ؛ أي: شديد الحُمرة، فصار وصفًا للعجل الذبيح من أجل الدم، قال: ومن رواه: (يا جَليح)، فمآله إلى هذا المعنى؛ لأنَّ العجل قد جُلِح؛ أي: كُشِف عنه الجلدُ، والله أعلم، وذكر قبله: (يا جَليح)، قال: سمعتُ بعض أشياخنا يقول: هو اسم شيطان، والجَليح في اللُّغة: ما تطاير من رؤوس النبات وخفَّ؛ نحو: القطن وشبهه، الواحدة: جَليحة، والذي وقع في «السيرة»: (يا ذريح)، وكأنَّه نداء للعجل، فذكر الكلام المُتَقدِّم.
قوله: (أَمْرٌ نَجِيْح)؛ أي: صواب.
قوله: (فَمَا نَشِبْنَا): هو بكسر الشين المعجمة في الماضي، وفتحها في المستقبل؛ أي: ما لبثنا وأحدثنا شيئًا حتَّى فعل هذا، وأصله من الحبس؛ أي: ما منعه مانع ولا شغله أمر آخر غيره.
قوله: (أَنْ قِيلَ: هَذَا نَبِيٌّ): (أَنْ)؛ بفتح الهمزة، وسكون النون، وهذا ظاهرٌ.

(1/7136)


[حديث: لو رأيتني موثقي عمر على الإسلام أنا وأخته وما أسلم]
3867# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى): هذا هو يحيى بن سعيد القطَّان شيخ الحفَّاظ، و (إِسْمَاعِيلُ) بعده: هو ابن أبي خالد، و (قَيْسٌ): هو ابن أبي حَازم.
قوله: (لَوْ رَأَيْتُنِي): تَقَدَّم قريبًا أنَّه بضمِّ التاء، كذا في أصلنا؛ أي: رأيت نفسي، والظَّاهر أنَّه يجوز في التاء الفتح.
قوله: (أَنَا وَأُخْتُهُ): هو بالمثنَّاة فوق، وهي فاطمة بنت الخطَّاب أخت عُمر، وزوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل الراوي هنا، وقد تَقَدَّم أنَّ بعضَهم قال: إنَّها أوَّل امرأة أسلمت بعد خديجة، وقد قدَّمتُ أنَّ أمَّ الفضل لبابة بنت الحارث زوجة العبَّاس أوَّل امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله عنهنَّ، ويجوز في (أخته) الرَّفع والنَّصْب، والنَّصْب على أنَّ الواو بمعنى: مع، والله أعلم.
قوله: (وَلَوْ أَنَّ أُحُدًا انْقَضَّ): كذا هو في أصلنا: بالقاف، قال ابن قُرقُول: وفي (إسلام عمر) وفي (الإكراه): (ولو أنَّ أُحُدًا انفضَّ لما صنعتم بعثمان؛ لكان محقوقًا أن ينفضَّ)؛ بالفاء: كذا للأصيليِّ، والحموي، والكافَّة، وفي رواية عن القابسيِّ: بالقاف، وبالفاء عنده في (الإكراه) بلا خلاف، ورواه بعضُهم: (ارفضَّ)، وقد تَقَدَّم في (الراء)، وقال في (الراء): إنَّ معنى (ارفضَّ): انهار، وخرق [1]، وتفرَّق، قال: وفي رواية: (انفضَّ) انتهى.
==========
[1] في «المطالع» (&): (وخرَّ).
[ج 2 ص 74]

(1/7137)


[باب انشقاق القمر]
قوله: (بابُ انْشِقَاق الْقَمَرِ): تَقَدَّم في (إسلام عمر) ما قاله ابن سيِّد الناس من التأريخ.
ثُمَّ اعلم أنَّ القمر انشقَّ مرَّة واحدة، وقد وقع في «مسلم» وغيره أنَّه انشقَّ مرَّتين، وقد تَقَدَّم الكلامُ عليها وكلامُ ابن قيِّم الجوزيَّة الحافظ شمس الدين قبيل (مناقب الصَّحابة)، وقد رأيت في «السيرة» التي نظمها شيخنا الحافظ العراقيُّ _وقد نظمها بعد خروجنا من القاهرة فيما يغلبُ على ظنِّي_ أنَّه انشقَّ مرَّتين، وأنَّ ذلك مجمعٌ عليه متواترٌ، ولفظه في ذلك:
~…وذاك مرَّتين بالإجماع…والنَّصِّ والتَّواترِ السَّماعي
وقد كتبت إليه من حلب في ذلك، وكتبت له كلام ابن قيِّم الجوزيَّة، فما رجع جوابُه عن ذلك، والله أعلم.
تنبيه: ما يقال: إنَّه دخل القمر في كمِّ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وخرج من الكمِّ الآخر؛ فباطل لا أصل له، كذا قال الشيخ محيي الدين النَّوويُّ في «فتاويه»، وصورة السؤال عنه: رجلان تنازعا في انشقاق القمر على عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال أحدهما: انشقَّ فرقتين؛ دخلت إحداهما في كمِّه، وخرجت من الكمِّ الآخر، وقال الآخر: بل نزل إلى بين يديه فرقتان ولم يدخل في كمِّه؟ قال: الجوابُ: الاثنان مخطئان، بل الصواب: أنَّه انشقَّ وهو في موضعه من السماء، وظهرت إحدى الشقَّتين فوق الجبل، والأخرى دونه، هكذا ثبت في «الصحيحين» من رواية ابن مسعود رضي الله عنه، انتهى، وقد تَقَدَّم.
تنبيه ثانٍ: ذكر الحليميُّ الفقيه الشافعيُّ: أنَّه انشقَّ في زمانه _أي: زمان الحليميِّ_، وكان ابن ليلتين، ورآه هو وجمع معه، قال: وما زلت أنظر إليهما حتَّى اتصلا كما كانا [1]، قال: وكان معي جماعة من الثقات شاهدوا ذلك، قال: وأخبرني من وثقت به وكان خبره عندي كعِياني: أنَّه رأى الهلال وهو ابن ثلاث منشقًّا بنصفين، انتهى، نقله القرطبيُّ في «تذكرته».

(1/7138)


[حديث: أن أهل مكة سألوا رسول الله أن يريهم آيةً فأراهم القمر ... ]
3868# قوله: (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ): (بِشْر): هو بكسر الموحَّدة، وبالشين المعجمة، وهذا ظاهرٌ عند أهله، و (المفضَّل): اسم مفعول من المشدَّد.
قوله: (أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ) إلى قوله: (الْقَمَرَ [شِقَّتَيْنِ]) [1]: قال بعض حُفَّاظ المِصريِّين من العصريِّين: في «دلائل النُّبوَّة» لأبي نعيم من حديث ابن عبَّاس أنَّ السائل الوليد بن المغيرة، وأبو جهل، والعاصي بن وائل، والعاصي بن هشام، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المُطَّلب، وابنُه زمعة، والنضر بن الحارث، وهم الذين قالوا: سحرهم، والمخاطب بقوله: «اشهدوا» أبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم، وابن مسعود، انتهى.
قوله: (حِرَاءً بَيْنَهُمَا): تَقَدَّم الكلام [على] (حراء)؛ وهو الجبل المشهور على ثلاثة أميال من مكَّة في جانبها الشماليِّ، وهو مشهور معروف.

(1/7139)


[حديث: انشق القمر ونحن مع النبي بمنى]
3869# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّ اسمه عبد الله بن عثمان بن جَبَلة بن أبي رَوَّاد، وأنَّ (عبدان) لقب، وتَقَدَّم مترجمًا، و (أَبُو حَمْزَةَ) بعده: تَقَدَّم أنَّه محمَّد بن ميمون السُّكَّريُّ، وقدَّمتُ أنَّما قيل له: السُّكَّريُّ؛ لحلاوة كلامه لا لغير ذلك، و (الأَعْمَش): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه سليمان بن مهران، و (إِبْرَاهِيم) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن يزيد النَّخَعيُّ، و (أَبُو مَعْمَر): تَقَدَّم أنَّه بميمين مفتوحتين، بينهما عين ساكنة، عبد الله بن سَخْبَرة، و (عَبْد اللهِ): هو ابن مسعود بن غافل الهذليُّ الصَّحابيُّ المشهور.
قوله: (وَقَالَ أَبُو الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ): هذا تعليق، و (أبو الضحى): مسلم بن صُبَيح، تَقَدَّم، و (عبد الله): هو ابن مسعود، وهذا التعليق لم أره في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجْه شيخنا.
قوله: (بِمَكَّةَ): وقد تَقَدَّم قريبًا جدًّا قبله: (بمنًى)، قال شيخنا: قال الداوديُّ: يحتمل أن تكون إحدى الروايتين وَهمًا [1]؛ للتَّضادِّ، انتهى، وفي هذا التوهيم نظرٌ، ومنًى من حواضر مكَّة، ففيه مجازٌ، والله أعلم.
قوله: (وَتَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ): الضمير في (تابعه) يعود على أبي الضحى، و (محمَّد بن مسلم): الظَّاهر أنَّه محمَّد بن مسلم الطائفيُّ المكِّيُّ، عن عَمرو بن دينار، وعبد الله بن أبي نَجِيح، وجماعة، و [عنه]: عبد الرحمن بن مهديٍّ، وعبد الرزاق، والقعنبيُّ،
[ج 2 ص 74]
وخلق كثير، قال أحمد ابن حنبل: ما أضْعَف حديثه! وقال ابن معين: ثقة لا بأس به، وإذا حدث من حفظه؛ يخطئُ، وقال البُخاريُّ: قال ابن مهديٍّ: كتبه صحاحٌ، وقال أبو داود: ليس به بأس، قيل: مات سنة (177 هـ)، له في «مسلم» حديث واحد، وقال ابن عديٍّ: لم أر له حديثًا منكرًا، له ترجمة في «الميزان»، وقد علَّق له البُخاريُّ، وأخرج له مسلم والأربعة، وقال الذَّهبيُّ وكذا ابن القَيِّم: استشهد به مسلم، ونقل ابن القَيِّم في «الهَدْي» عن ابن حزم: أنَّه ساقط ألبتَّة، قال ابن القَيِّم: ولم أر هذه العبارة فيه لغيره.
و (ابن أبي نَجِيح): هو عبد الله بن أبي نَجِيح، تَقَدَّم مترجمًا، و (أبو مَعْمَر): تَقَدَّم قريبًا أنَّه عبد الله بن سَخْبَرة، و (عبد الله): هو ابن مسعود، وهذا ظاهرٌ، وتعليق محمَّد بن مسلم لم أره في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجْه شيخنا، وأمَّا حديث أبي مَعْمَر عن عبد الله؛ فأخرجه البُخاريُّ، ومسلم، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ.
==========
[1] في (أ): (وهمٌ)، وكتب فوقها: (كذا).

(1/7140)


[حديث: أن القمر انشق على زمان رسول الله]
3870# قوله: (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ [1]): تَقَدَّم أنَّ (مضر) غير مصروف؛ لأنَّه معدول عن (ماضر).
==========
[1] في هامش (ق): («مضر»: غير مصروف؛ لأنَّه معدول عن ماضر، ولا أعلم فيه [الصرف]، وهذا من ضبط ابن الإمام عز الدين لا من ضبط عز الدين، والله أعلم).
[ج 2 ص 75]

(1/7141)


[حديث: انشق القمر]
3871# قوله: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه سليمان بن مهران أبو محمَّد الكاهليُّ القارئُ، وتَقَدَّم (إِبْرَاهِيمُ): أنَّه ابن يزيد النَّخَعيُّ، و (أبو مَعْمَر): تَقَدَّم أنَّه بميمين مفتوحتين، بينهما عين ساكنة، وأنَّ اسمه عبد الله بن سَخْبَرة، و (عَبْد اللهِ): هو ابن مسعود رضي الله عنه.

(1/7142)


[باب هجرة الحبشة]
قوله: (بابُ هِجْرَة الْحَبَشَةِ): تنبيه: تَقَدَّم في (إسلام عمر) شيء؛ فانظره.
فائدة: أوَّل من خرج إلى الحبشة مهاجرًا عثمان بن عَفَّان، ومعه امرأته رقية بنتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد قيل: إنَّ أوَّل من هاجر إليها حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودٍّ أخو سُهَيل بن عمرو، وقيل: سَليط بن عمرو، والله أعلم، وذكر ابن سيِّد الناس في (زوجاته عليه السلام) في أمِّ سلمة قال: وهما _يعني: أمُّ سلمة وزوجها أبو سلمة_ أوَّل من هاجر إلى أرض الحبشة، انتهى.
ثُمَّ اعلم أنَّ الهجرة إلى الحبشة كانت مرَّتين، فكان عددهم في المرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، وقيل: كانوا أحد عشر رجلًا وامرأتين، وعن كتاب «الاقتصار على صحاح الأخبار»: عشرة رجال وأربع نسوة، وأميرهم عثمان بن مظعون، وأنكر ذلك الزُّهريُّ، فقال: لم يكن لهم أمير، وكان مَخرَجُهم في رجب من السنة الخامسة من النُّبوَّة، ثُمَّ رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودهم مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند قراءة (النجم)، فلقوا من المشركين أشدَّ ما عهدوا، فهاجروا ثانية، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلًا _إن كان فيهم عَمَّار بن ياسر، ففيه خلاف بين أهل النقل_ وثماني عشرة امرأة؛ إحدى عشرة قرشيَّات وسبعًا غرباء، ولولا خوف الإطالة؛ لذكرت من هاجر المرَّتين بأسمائهم، ومن أراد ذلك؛ فعليه بالسِّيَر، وأجمع سيرة في هذا الباب وغيره مع التلخيص «سيرة أبي الفتح ابن سيِّد الناس اليعمريِّ الكبرى»، وقد صنَّف الحافظ شيخ شيوخنا علاء الدين مغلطاي سيرة صغيرة، وفيها فوائدُ رويتها عن بعض أصحابه، وفيها غرائبُ، وقد نظم شيخنا الحافظ العراقيُّ سيرة في ألف بيت _وظنِّي أنَّما ألَّفها بعد خروجنا من القاهرة_ مختصرة وفيها أيضًا فوائدُ.
قوله: (بَيْنَ لاَبَتَيْنِ): تَقَدَّم الكلام على اللَّابة، وأنَّها الحرَّة، وأنَّ الحرَّةَ أرضٌ تركبها حجارة سود.
==========
[ج 2 ص 75]

(1/7143)


[حديث: والله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله]
3872# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه المسنديُّ، وأنَّه مولى البُخاريِّ من فوق، وتَقَدَّم في أوَّل هذا التعليق لِمَ قيل له: المسنديُّ، وهو حافظ مشهور، تَقَدَّم مترجمًا، و (هِشَامٌ) بعده: تَقَدَّم أنَّه هشام بن يوسف الصنعانيُّ القاضي، وتَقَدَّم مترجمًا، و (مَعْمَرٌ): تَقَدَّم أنَّه بميمين مفتوحتين، بينهما عين ساكنة، وأنَّه ابن راشد، و (الزُّهْرِي): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم ابن شهاب، عالم مشهور، وتَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ): تَقَدَّم أنَّ (الخِيَار) بكسر الخاء المعجمة، ثُمَّ مثنَّاة تحت مُخَفَّفة، وفي آخره راء؛ كالخِيَار الذي يؤكل، وتَقَدَّم (الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ): أنَّه بكسر الميم، وإسكان السين، وأنَّه صحابيٌّ صغير، وأبوه صحابيٌّ أيضًا من مُسْلِمة الفَتْح.
قوله: (أَنْ تُكَلِّمَ خَالَكَ عُثْمَانَ فِي أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ): قد تَقَدَّم الوعد بهذا المكان في (مناقب عثمان)، وإنَّما كان عثمان خال عبيد الله بن عديِّ بن الخِيَار؛ لأنَّه عبيد الله بن عديِّ بن الخِيَار بن نوفل بن عبد مناف بن قصيٍّ القرشيُّ النوفليُّ؛ لأنَّ أمَّ عبيد الله أمُّ قِتَال _بكسر القاف، وبالمثنَّاة فوق المُخَفَّفة، وبعد الألف لام_ بنتُ أَسِيد _بفتح الهمزة، وكسر السين_ ابن أبي العيص بن أميَّة بن عبد شمس؛ فهو خاله؛ لأنَّ عثمان من رجال أميَّة بن عبد شمس، فهو خاله بهذا الاعتبار، وفي «إكمال ابن ماكولا» في (قِتَال): أمُّ قِتَال، فذكر غير واحدة، ثُمَّ قال: (وأمُّ قِتَال بنت أَسِيد بن علاج بن ثقيف، ولدت لعديِّ الأكبر بن الخِيَار بن نوفل بن عبد مناف عُبيدَ الله بن عديٍّ، وأَسِيدَ بن عديٍّ، وعبدَ الله بن عديٍّ، وفي «الإكمال» أيضًا في (أَسِيد) ما لفظه: (وعتَّاب وخالد ابنا أَسِيد بن أبي العيص بن أميَّة بن عبد شمس، لهما صحبة، وأختهما أمُّ قِتَال بنتُ أَسِيد، وهي أمُّ عُبيد الله بن عديِّ بن الخِيَار، انتهى، وقال شيخنا في «شرحه»: (أمُّه _يعني: أم عبيد الله بن عديِّ بن الخِيَار_ أمُّ قِتَال بنت أَسِيد بن أبي العيص بن أميَّة أخت عثمان) انتهى، وأمُّ قِتَال أمُّ عُبيد الله لا أعلم لها إسلامًا، والله أعلم.
قوله: (فِي أَخِيهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ): تَقَدَّم الكلام على الوليد بن عقبة في (مناقب عثمان)، وأنَّه أخو عثمان لأمِّه، أمُّهما أروى بنت كُريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمُّ أروى أمُّ حكيم البيضاء بنت عبد المُطَّلب بن هاشم، ويقال: إنَّها توءمة عبد الله بن عبد المُطَّلب، وقد اختُلف في ذلك، ولم يُختَلف أنَّها شقيقة عبد الله وأبي طالب والزُّبَير بَني عبد المُطَّلب.
قوله: (إِذْ جَاءَنِي رَسُولُ عُثْمَانَ): هذا الرسول لا أعرف اسمه.

(1/7144)


قوله: (آنِفًا): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه بمد الهمزة وقصرها، وهما قراءتان؛ ومعناه: الآن والساعة.
قوله: (وَكُنْتَ): هو بفتح التاء على الخطاب لعثمان، وكذا (وَآمَنْتَ)، و (هَاجَرْتَ)، و (صَحِبْتَ)، وكذا (وَرَأَيْتَ).
[ج 2 ص 75]
قوله: (الْهِجْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ): تَقَدَّم أنَّهما هجرة الحبشة والمدينة.
قوله: (هَدْيَهُ): تَقَدَّم أنَّ الهَدْي؛ بفتح الهاء، وإسكان الدال المهملة: الطريقة، والمذهب، والسمت.
قوله: (آدْرَكْتَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟): هو بفتح تاء الخطاب، تَقَدَّم أنَّ عبيد الله بن عديِّ بن الخِيَار تابعيٌّ، وقد روى عن عمر، وعثمان، والكبار، وكذا قوله: (كَمَا قُلْتَ).
قوله: (مَا خَلَصَ إِلَى الْعَذْرَاءِ فِي سِتْرِهَا): تَقَدَّم الكلام على (العذراء)، وأنَّ معناه: خلص إليَّ من علمه الشيءُ اليسيرُ.
قوله: (وَكُنْتُ): هو بضمِّ تاء المتكلِّم، وكذا (وَآمَنْتُ)، و (هَاجَرْتُ)، و (صَحِبْتُ)، وكذا (وَتَابَعْتُه)، وفي نسخة: (وبايعتُه)، وكذا (مَا عَصَيْتُهُ وَلاَ غَشَشْتُهُ)، وكذا في أبي بكر (مَا عَصَيْتُهُ)، وكذا (وَلاَ غَشَشْتُهُ)، وكذا في عمر، وكذا (ثُمَّ اسْتُخْلِفْتُ)، وهو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، وكذا قبلها: (اسْتُخْلِفَ عُمَرُ).
قوله: (فَجَلَدَ الْوَلِيدَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً): تَقَدَّم الكلام على هذه الرواية في (مناقب عثمان) مطوَّلًا؛ فانظره.
قوله: (وَقَالَ يُونُسُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ): أمَّا (يونس)؛ فهو ابن يزيد الأيليُّ، وأمَّا (ابن أخي الزُّهريِّ)؛ فهو محمَّد بن عبد الله بن مسلم، تَقَدَّما مترجمين، وهذا تعليق، وتعليق يونس أخرجه في (فضائل عثمان)، وتعليق ابن أخي الزُّهريِّ لم أره في شيء من الكتب السِّتَّة إلَّا ما هنا، ولم يخرِّجْه شيخنا.

(1/7145)


[حديث: إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره ... ]
3873# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى): (يحيى) هذا: تَقَدَّم مِرارًا أنَّه يحيى بن سعيد القطَّان شيخ الحفَّاظ.
قوله: (أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ وَأُمَّ حَبِيبَةَ): تَقَدَّم أنَّ (أمَّ سلمة): هند بنت أبي أميَّة حذيفة بن المغيرة المخزوميَّة، وتَقَدَّم بعض ترجمتها، وهي أمُّ المؤمنين، و (أمُّ حبيبة): تَقَدَّم أنَّها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، وتَقَدَّم بعض ترجمتها، وأنَّها أمُّ المؤمنين رضي الله عنهما.
قوله: (إِنَّ أُولَئِكِ): هو بكسر الكاف؛ لأنَّه خطاب لمؤنث، وكذا (تِيكِ)، وكذا (أُولَئِكِ [1])، وهذا ظاهرٌ.

(1/7146)


[حديث: قدمت من أرض الحبشة وأنا جويرية فكساني رسول الله]
3874# قوله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرةً أنَّه عبد الله بن الزُّبَير، وتَقَدَّم الكلام على هذه النسبة في أوَّل هذا التعليق، وتَقَدَّم أنَّ (سُفْيَان) بعده: هو ابن عيينة، وكذا تَقَدَّمت (أُمُّ خَالِدٍ بِنْتُ خَالِدٍ) وأنَّ والد خالد هو [1] سعيد بن العاصي، وأنَّها صحابيَّة صغيرة، وأنَّ اسمها أَمَةُ؛ بغير إضافة.
قوله: (خَمِيصَةً): تَقَدَّم ضبط الخميصة وما هي، وكذا تَقَدَّم الكلام على (سَنَاهْ، سَنَاهْ، قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: يَعْنِي حَسَنٌ حَسَنٌ)، وهو أنَّه في رواية: (سَنَّا سَنَّا)، وفي رواية: (سَنَّاه سَنَّاه)، وفي أخرى: (سَنَّهْ سَنَّهْ)، وكلُّه بفتح السين وتشديد النون إلَّا عند أبي ذرٍّ؛ فإنَّه خفَّف النون، إلَّا القابسي؛ فإنَّه كسر السين من (سِنَّا)، ومعنى هذه الكلمة: حسنة بالحبشية، وقال عكرمة: (سنا): الحسن، انتهى ما قاله ابن قُرقُول.
==========
[1] زيد في (أ): (بن).
[ج 2 ص 76]

(1/7147)


[حديث: إن في الصلاة شغلًا]
3875# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ): هذا هو الشيبانيُّ مولاهم، ختن أبي عوانة وراويته، له عن عكرمة بن عَمَّار وشعبة بن الحَجَّاج، وعنه: البُخاريُّ، والدارميُّ، والكُديميُّ، ثقةٌ متألِّهٌ، توفِّي سنة (215 هـ)، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، و (أَبُو عَوَانَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه الوضَّاح بن عبد الله، و (سُلَيْمَان) بعده: هو الأعمش سليمان بن مهران المشهور، و (إِبْرَاهِيم) بعده: هو ابن يزيد النَّخَعيُّ، و (عَبْد اللهِ): هو ابن مسعود.
قوله: (فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ؛ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا): تَقَدَّم الكلام على تحريم الكلام في الصلاة هل هو مكِّيٌّ أو مدنيٌّ مطوَّلًا؛ فانظره في (الصلاة).
قوله: (فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا): تَقَدَّم أنَّ في مثل هذا إذا كان مضعَّفًا الضمُّ عند سيبويه، والفتح عند غيره، في: «إنَّا لم نردّه عليك [1] إلَّا أنَّا حُرُمٌ»، وفي غيرها كـ «فلم يضرّه».
قوله: (إِنَّ فِي الصَّلاَةِ شُغْلًا): تَقَدَّم هناك.
قوله: (فَقُلْتُ لِإِبْرَاهِيمَ): القائل لإبراهيم هو الأعمش، و (إبراهيم): هو ابن يزيد النَّخَعيُّ المذكوران في السند، وهذا ظاهرٌ [2].
==========
[1] في (أ): (علينا)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] هذه الفقرة جاءت في (أ) متقدِّمة على قوله: (فلم يردَّ علينا)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[ج 2 ص 76]

(1/7148)


[حديث: لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان]
3876# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة، وتَقَدَّم (بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ): أنَّه بضمِّ الموحَّدة، وفتح الراء، وتَقَدَّم (أبو بُرْدَةَ): أنَّه القاضي، وأنَّ اسمه الحارث أو عامر، وتَقَدَّم (أبو مُوسَى): أنَّه عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حَضَّار الأشعريُّ، كلٌّ منهم مترجمًا.
قوله: (بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (بلغَنا)؛ بفتح الغين: فعلٌ ماضٍ ومفعوله، و (مخرجُ)؛ بالرفع: فاعل، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ): (فوافَقْنَا): فعل وفاعله، و (جعفرَ): منصوب مفعول، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ): تَقَدَّم متى فتحت (خيبر)، وسيأتي، وتَقَدَّم مدرك الخلاف في ذلك، والله أعلم.
قوله: (هِجْرَتَانِ): الظَّاهر أنَّ الواحدة كونهم هاجروا من بلدهم، فألقتهم السفينة في الحبشة، ثُمَّ هاجروا من الحبشة إلى المدينة، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 76]

(1/7149)


[باب موت النجاشي]
قوله: (بابُ مَوْت النَّجَاشِيِّ): اعلم أنَّ البُخاريَّ إنَّما ذكر موته هنا؛ لأنَّه لمَّا ذكر هجرة الحبشة _وكان النَّجاشيّ إذ ذاك ملكها_؛ ناسب أن يذكر موته هنا، وسيأتي تاريخ وفاته، وقد تَقَدَّمت في (الجنائز)، والنَّجاشيُّ: اسم لكلِّ مَن مَلك الحبشة، وقد قدَّمتُ ذلك مع نظائره، وتَقَدَّم ضبطه، والاختلاف في اسمه، وقد أسلم في السنة السابعة من النُّبوَّة فيما يظهر لي، وقد ذكر ابن سيِّد الناس إسلامَهُ في قصة عمرو بن العاصي وعمارة بن الوليد حين بعثتهما قريش إليه من حديث ابن مسعود موقوفًا عليه بإسناده، وفيه تصديقه برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّه الذي بشَّر به عيسى في الإنجيل، ثُمَّ ذكر بعد ذلك ابن سيِّد الناس بيسير جدًّا: أنَّه لمَّا كان في ربيع الأوَّل _وقيل: المحرم_ سنة سبع من الهجرة إلى المدينة؛ كتب رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كتابًا إلى النَّجاشيِّ يدعوه فيه إلى الإسلام _وكذا قال ابن قيِّم الجوزيَّة في «الهَدْي» _ وبعث به مع عمرو بن أميَّة الضمريِّ، فالظَّاهر مع ما سيأتي أنَّه عليه السلام لم يعلم بإسلامه حين أسلم، ولكن يُعكِّر على هذا أنَّ الموقوف الذي ذكرته على ابن مسعود فيه رجوعُ ابن مسعود
[ج 2 ص 76]
من الحبشة إلى مكَّة، والظَّاهر: أنَّ ابن مسعود لمَّا رجع، وهاجر من هاجر المرَّة الثانية؛ بعثت قريش عَمرًا وعمارة، وكانت قصَّة النَّجاشيِّ، وابن مسعود إذ ذاك بمكَّة، فحُكِيَ له ما جرى لهما مع النَّجاشيِّ وتصديقه، فذكرها هو من قِبَل نفسه، ولم يسندها لأحد، وبهذا يتَّفق الكلام.
وفي سند الموقوف على ابن مسعود حُديجُ بن معاوية، وهو مختلَف فيه، وقد استنكرت منه لفظه، فإنَّه ذكر فيه الزكاة، ولفظُه: (قال جعفر: إنَّ الله تعالى أرسل فينا رسولًا، وأمرنا ألَّا نسجد لأحد إلَّا لله عزَّ وجلَّ، وأمرنا بالصلاة والزكاة)، فقوله: (الزكاة) فيها نكارة؛ لأنَّها إنَّما فُرضت على القول الصحيح بعد الهجرة في السنة الثانية كما قدَّمتُه في (الزكاة)، ولم تكن فُرِضت حين هذه القصَّة _والله أعلم_ إلَّا أن تُحمَل الزكاة على غير الشرعيَّة.
وقد راجعت «سيرة مغلطاي الصغرى»؛ فوجدته قد ذكر فيها: أنَّ النَّجاشيَّ أسلم في السنة السابعة، وتوفِّي في السنة التاسعة، وقد كتب بعض الفضلاء من الحنفيَّة ممَّن قرأها عليه تجاه (السنة السابعة): أي: من النُّبوَّة، وتجاه (في السنة التاسعة): أي: من الهجرة، والظَّاهر أنَّ هاتين الحاشيتين من مغلطاي، فإنَّ هذا الفاضل ما يَعرف السِّيَرَ، فالوفاة معروفة، والإسلام قد صرَّح غير واحد بأنَّه في السنة السابعة من الهجرة، والله أعلم.

(1/7150)


وقال ابن قيِّم الجوزيَّة في أوائل «الهَدْي» في (رسله وكتبه إلى الملوك): فأوَّلهم عمرو بن أميَّة الضمريُّ بعثه إلى النَّجاشيِّ، فعظَّم كتابه، ثُمَّ أسلم، وشهد شهادة الحق، وصلَّى عليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، هكذا قال جماعة منهم الواقديُّ وغيره، وليس كما قال هؤلاء، فإنَّ أصحمة النَّجاشيَّ الذي صلَّى عليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليس هو الذي كتب [إليه]، وهذا الثاني لا يعرف إسلامُه بخلاف الأوَّل، فإنَّه مات مسلمًا، ثُمَّ ذكر حديث «صحيح مسلم»: كتب إلى كسرى، وقيصر، والنَّجاشيِّ، وليس بالنَّجاشيِّ الذي صلَّى عليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: وقال أبو محمَّد ابن حزم: إنَّ هذا النَّجاشيَّ الذي بعث إليه عمرو بن أميَّة لم يسلم، والأوَّل اختيار ابن سعد وغيره، والظَّاهر قول ابن حزم، انتهى.
ويعكِّر على هذا أنَّ النَّجاشيَّ الذي صلَّى عليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم توفِّي في السنة التاسعة، والكتابة كانت في السنة السابعة على ما قاله ابن القَيِّم، وسيأتي الخلاف فيها، فيكون على هذا لهم نجاشيَّان في الحبشة، وفيه نظر، اللَّهمَّ إلَّا يكونا في بلدين، أو أحدُهما دون الآخر أو فرعه، والله أعلم.
والنَّجاشيُّ أصحمة الذي أكرم الصَّحابة، وزوَّج النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أمَّ حبيبة، وأصدق عنه، وبعث جعفرًا وأصحابه؛ هو الذي صلَّى عليه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو تابعيٌّ، وقد عُدَّ في الصَّحابة توسُّعًا، وتوفِّي في السنة التاسعة من الهجرة في رجب، وقد نقل شيخنا هذا عن البيهقيِّ في «دلائله»: أنَّه توفِّي قبل الفتح، وهو غريب، كما قال شيخنا، والله أعلم.

(1/7151)


[حديث: مات اليوم رجل صالح فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة]
3877# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ): هذا سليمان بن داود العتكيُّ، أبو الربيع الزهرانيُّ الحافظ، نزيل بغداد، عن فُلَيح بن سليمان، ومالك، وابن عيينة، وابن المبارك، وطبقتهم، وعنه: البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، وابن راهويه، وأحمد ابن حنبل، والذُّهليُّ، وأبو زرعة، وأبو يعلى، وأبو القاسم البغويُّ، وخلق، وثَّقه ابن معين، وأبو حاتم، وجماعة، وأمَّا ابن خراش؛ فقال: تكلَّم الناس فيه، وهو صدوق، قال البغويُّ: مات في رمضان سنة (134 هـ)، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، وليس له ترجمة في «الميزان»، وهو يَرِدُ عليه، وكأنَّه لم يذكره؛ لأنَّه رأى ابن خراش منفردًا به، ولم ير أحدًا وافقه، أو أنَّه أغفله سهوًا، والله أعلم.
قوله: (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الإمام المشهور، وتَقَدَّم مترجمًا، و (عَطَاء) بعده: هو ابن أبي رَباح، و (جَابِر): هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريُّ.
قوله: (أَصْحَمَة): تَقَدَّم ضبطه والاختلاف فيه، وأنَّ معنى (أصحمة): عطيَّة، في (الجنائز) مطوَّلًا؛ فانظره.

(1/7152)


[حديث: أن نبي الله صلى على النجاشي فصفنا وراءه]
3878# قوله: (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ): هذا هو سعيد بن أبي عَروبة، وقد قدَّمتُ مَرَّاتٍ ما قاله صاحب «القاموس» في العروبة، و (عَطَاء) بعد قتادة: هو ابن أبي رَباح المُتَقدِّم.
==========
[ج 2 ص 77]

(1/7153)


[حديث: أن النبي صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعًا]
3879# قوله: (حدَّثنا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ): هو الحافظ الكبير المصنف أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة المشهور، و (يَزِيدُ) بعده: هو ابن هارون، و (سَلِيم بْن حَيَّانَ): تَقَدَّم أنَّه بفتح السين، وكسر اللام، وأنَّه فرد في الكتب السِّتَّة ومؤلفاتهم، و (حَيَّان): بالمثنَّاة تحت المُشدَّدة، و (سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ): (مِيناء)؛ بالمد والقصر، وقد تَقَدَّم.
قوله: (تَابَعَهُ عَبْدُ الصَّمَدِ): الضمير في (تابعه) يعود على يزيد بن هارون، وذلك لأنَّ البُخاريَّ أخرجه في (الجنائز) عن محمَّد بن سنان، قال: وقال يزيد بن هارون وعبد الصمد: (أصحمة)، وهنا عن أبي بكر ابن أبي شيبة _كما ذكرنا_ عن يزيد بن هارون؛ ثلاثتهم عن سَلِيم به، و (عبد الصمد) هذا: هو عبد الوارث أبو سهل الحافظ الحجَّة، تَقَدَّم مترجمًا.
==========
[ج 2 ص 77]

(1/7154)


[حديث أبي هريرة: استغفروا لأخيكم]
3880# 3881# قوله: (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا أَبِي): هذا هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريُّ، تَقَدَّم، و (صَالِح) المذكور بعد أبيه: هو ابن كَيْسان، و (الزُّهري): محمَّد بن مسلم، و (أَبُو سَلَمَةَ): هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزُّهريُّ، عبد الله، وقيل: إسماعيل، أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر، و (سعيد بْنُ المُسَيّبِ): تَقَدَّم أنَّ الياء في أبيه بالفتح والكسر، وأنَّ غيره ممن اسمه المسيَّب لا يجوز فيه إلَّا الفتح، و (أَبُو هُرَيْرَة): عبد الرحمن بن صخر على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.
تنبيه: في «أبي داود» في (الجهاد) (باب النُّور يرى عند قبر الشهيد)، وأخرج فيه حديث عائشة: قالت: (لمَّا مات النَّجاشيُّ كنَّا نتحدَّث أنَّه لا نزال نَرى على قبره نورًا) انتهى، في سند هذا الحديث: سلمة بن الفضل، قال البُخاريُّ: عنده مناكير، وقال أبو حاتم: محلُّه الصدق، وفيه: ابن إسحاق، وهو مشهور الترجمة، وحديثه حسن وفوق الحسن، وقد قدَّمتُ ذلك، والحديث موقوف.
وقد ذكر السُّهيليُّ في «روضه» هذا الحديث، ثُمَّ قال: وليس في هذا الحديث ولا غيره ما يدلُّ على أنَّ النَّجاشيَّ مات شهيدًا، وأحسبه أراد أن يشدَّ بهذا الحديث ما وقع في كتب التاريخ من أنَّ عبد الرحمن بن ربيعة أخا سليمان بن ربيعة الذي يقال له: ذو النور كان على باب الأبواب، فقتلته الترك زمن عمر رضي الله عنه، فهو لا يزال يُرى على قبره نور، ويعضد هذا حديث النَّجاشيِّ، يقول: وإذا كان النَّجاشيُّ _وليس بشهيد_ يُرى عنده نور؛ فالشهيد أحرى بذلك؛ لقول الله سبحانه: {وَالشُّهَدَاءُ [عِندَ رَبِّهِمْ] لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ}) [الحديد: 19] انتهى.
وعبد الرحمن هذا ذُكِر في الصَّحابة، وقد حمَّر عليه الذَّهبيُّ في «تجريده»؛ فهو عنده تابعيٌّ على الأصحِّ، لكن ذُكِر في عبد الرحمن: أنَّه استشهد في خلافة عثمان، وكذا قال أبو عمر فيه، فلعلَّ ما رأيته في «الروض» غلط، وذلك لأنَّ السُّهيليَّ كثيرًا يأخذ من أبي عمر، فلعلَّه سَبقٌ أو غلطٌ من ناسخ، والله أعلم.
قوله: (وَعَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ... ) إلى آخره: هذا معطوف على السند الذي قبله، فرواه البُخاريُّ عن زُهير بن حرب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح به، وليس تعليقًا، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 77]

(1/7155)


[باب تقاسم النبي على المشركين]
قوله: (بابُ تَقَاسُم الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): تنبيه: عمل ابن سيِّد الناس دخولَ بني هاشم وبني المُطَّلب الشِّعب بعد
[ج 2 ص 77]
إسلام عمر رضي الله عنه، وقد قدَّمتُ في (إسلام عمر رضي الله عنه) تنبيهًا؛ فانظره.
ثُمَّ اعلم أنَّ بني هاشم ومن معهم حُصِروا في شِعب أبي طالب ليلة هلال المحرَّم سنة سبع من حين نُبِّئ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان خروجهم في السنة العاشرة، وقيل: مكثوا في الشِّعب سنتين.
والتقاسُم: التحالف.

(1/7156)


[حديث: منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة]
3882# قوله: (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ): تَقَدَّم قريبًا جدًّا وبعيدًا مرارًا أنَّه الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم، وتَقَدَّم
قريبًا أيضًا وبعيدًا أنَّ (أَبَا سَلَمَةَ): عبد الله _وقيل: إسماعيل_ بن عبد الرحمن بن عوف.
قوله: (حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا): كذا في النسخ، وفيه تجوُّزٌ؛ أي: أراد الفتح، وسيجيء كذلك كما هنا في (باب أين ركز النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الراية يوم الفتح؟).
و (حُنينًا) كذا هنا وهناك، على إرادة الموضع، والله أعلم.
قوله: (حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ): هو من القَسم: اليمين؛ أي: تحالفوا؛ يريد: حين اجتمع المشركون من قريش على منابذة بني هاشم ومن معهم وإخراجِهم من مكَّة إلى الشِّعب، والقصَّة معروفة مشهورة، وشهرتها تغني عن ذكرها.
==========
[ج 2 ص 78]

(1/7157)


[باب قصة أبي طالب]
قوله: (بابُ قِصَّة أَبِي طَالِبٍ): تَقَدَّم أنَّ اسم [1] أبي طالب عبدُ مناف، وبه جزم السُّهيليُّ في «روضه»، وقيل: اسمه كنيته، وقال بعضهم: اسمه عمران، ولا يصحُّ، وقد تَقَدَّم، قال ابن إسحاق كما رواه زياد البكَّائيُّ عنه: إنَّ خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد، وكان هلاكُهما بعد عشر سنين من مبعثه عليه السلام، وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين، انتهى، وقال بعضهم: لمَّا أتت على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا؛ مات أبو طالب، انتهى، وقيل غير ذلك.
==========
[1] في (أ): (وفاة)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[ج 2 ص 78]

(1/7158)


[حديث: هو في ضحضاح من نار ولولا أنا لكان في الدرك ... ]
3883# قوله: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ: حَدَّثَنَا يَحْيَى): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه يحيى بن سعيد القطَّان شيخ الحفَّاظ، و (سُفْيَانَ) بعده: يحتمل أنَّه الثوريُّ، ويحتمل أن يكون ابن عيينة، فإنَّ القطَّان روى عنهما، و (عَبْدُ الْمَلِكِ): شيخ سفيان هو ابن عُمير، روى عنه: السُّفيانان.
قوله: (عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ): هذا هو عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المُطَّلب الهاشميُّ، لقبه: بَبَّةُ، حنَّكه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، حمَّره الذَّهبيُّ، روى عن عمِّ جدِّه العبَّاس بن عبد المُطَّلب، وعمر، وعثمان، وعنه: بنوه، وأبو إسحاق، والزُّهريُّ، مات سنة (84 هـ) هاربًا من الحَجَّاج، أخرج له الجماعة، وثَّقه ابن معين وابن المدينيِّ.
قوله: (يَحُوطُكَ): أي: يكلؤك ويرعاك.
قوله: (هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ): الضَّحضَاح؛ بضادين معجمتين مفتوحتين، بعد الأولى حاء وبعد ألف الثانية حاء مهملتان، وهو في الأصل: ما رقَّ من الماء على وجه الأرض ما يبلغ الكعبين، فاستعاره للنار.
فائدة: إن قيل: لم كان العذاب على أبي طالب في قدميه دون أن يجعل يديه في النار، أو رأسه، أو فخذه فقط؟
والجواب ما قاله السُّهيليُّ في «روضه» ولفظه: ومن باب النظر في حكمة الله تعالى ومشاكلته الجزاء للعمل: أنَّ أبا طالب كان مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بجملته متحزِّبًا له، إلَّا أنَّه كان مثبِّتًا لقدمِه على ملَّة عبد المُطَّلب حتَّى قال عند الموت: أنا على ملَّة عبد المُطَّلب، فسُلِّط العذاب على قدميه خاصَّة؛ لتثبيته إيَّاهما على ملَّة آبائه، ثبَّتنا الله على الصراط المستقيم، انتهى.
==========
[ج 2 ص 78]

(1/7159)


[حديث: أي عم قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله]
3884# قوله: (حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ): (محمود): هو ابن غيلان، و (عبد الرزاق): هو ابن همَّام الحافظ الكبير المشهور، وتَقَدَّم (مَعْمَرٌ): أنَّه بميمين مفتوحتين، بينهما عين مهملة، وأنَّه ابن راشد، و (الزُّهْرِي): محمَّد بن مسلم، و (ابْن الْمُسَيّبِ): سعيد، وتَقَدَّم أنَّه ياء أبيه بالفتح والكسر، وأنَّ غير أبيه ممَّن اسمه المسيَّب لا يجوز في يائه إلَّا الفتح، وقوله: (عَنْ أَبِيهِ): هو المسيّب.
وقوله: (أَنَّ أَبَا طَالِبٍ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ): تَقَدَّم متى توفِّي قريبًا، وتَقَدَّم في (الجنائز) أيضًا، وزعم الحاكم في «المدخل إلى الإكليل» بأنَّ من تفرَّد عنه راوٍ واحدٌ؛ لم يخرِّج له البُخاريُّ ولا مسلم في كتابيهما، وتبعه البيهقيُّ عليه، وقد قدَّمتُ ذلك مطوَّلًا، وقد غَلَّط الحاكمَ في ذلك جماعةٌ؛ منهم: محمَّد بن طاهر والحازميُّ، ونقض عليه ذلك بأنَّهما أخرجا حديث المُسَيّب هذا في وفاةِ أبي طالب مع أنَّه لا راوي له غير ابنه سعيد بن المُسَيّب وغيره من الأحاديث، والله أعلم.
قوله: (وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ): هو عدوُّ الله، تَقَدَّم الكلام عليه لعنه الله.
قوله: (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ): هو عبد الله بن أبي أميَّة بن المغيرة المخزوميُّ، أخو أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين، وأمُّه عاتكة بنت عبد المُطَّلب عمَّةُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كان شديدًا على الإسلام والمسلمين، معاديًا لرسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أسلم قُبَيل الفتح، ورُمِي يوم الطائف بسهم فقتله رضي الله عنه، وقد تَقَدَّم في (الجنائز).
قوله: (كَلِمَةً): منصوب مُنَوَّن بدل من (لا إله إلَّا الله)، ويجوز الرَّفع مع التنوين؛ أي: هي كلمةٌ.
قوله: (لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ [أُنْهَ] عَنْهُ): وفي نسخة: (عنك)، تَقَدَّم الكلام عليه في (الجنائز).
==========
[ج 2 ص 78]

(1/7160)


[حديث: لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة]
3885# قوله: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ): تَقَدَّم أنَّه ابن سعد الإمام الجواد، أحد الأعلام، و (ابْنُ الْهًادِي): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي اللَّيْثيُّ، وتَقَدَّم مترجمًا، وأنَّ الأصحَّ في كتابته بإثبات الياء مع ابن أبي الموالي، وابن العاصي، وابن اليماني، و (عَبْد اللهِ بْن خَبَّابٍ): تَقَدَّم أنَّه بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الموحَّدة، وفي آخره موحَّدة أخرى، و (أبو سَعِيد الْخُدْرِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه سعد بن مالك بن سنان، و (عَمُّهُ): تَقَدَّم أنَّه أبو طالب.
قوله: (لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي): تَقَدَّم الكلام على شفاعات النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والجواب عن قوله تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48].
قوله: (فَيُجْعَلَ): هو بفتح اللام جواب التَّرجِّي، ويجوز ضمُّه، وقد تَقَدَّم أنَّ التَّرجيَ إذا ورد في كلام الله أو رسوله أو أوليائه؛ فإنَّ معناها التحقيق، قاله بعض أهل المعرفة، ذكرت ذلك في (الجنائز)، و (الضَّحْضَاح): تَقَدَّم أعلاه.
قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بالحاء المهملة والزاي، وأنَّ اسمه سلمة بن دينار المدنيُّ، مولى بني مخزوم، أخرج له الجماعة، وله ترجمة في «الميزان»، تَقَدَّم، ولكن طال العهد به.
قوله: (وَالدَّرَاوَرْدِيُّ): هو عبد العزيز بن محمَّد الدَّرَاوَرْدِيُّ مولى جُهينة، وقيل: مولى قضاعة، ودَرَاوَرْد: قرية بخُراسان، وقيل: بفارس، جدُّه منها، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة، لكنَّ البُخاريَّ مقرونًا؛ كهذا المكان، له ترجمة في «الميزان»، تَقَدَّم.
[ج 2 ص 78]
قوله: (عَنْ يَزِيدَ): تَقَدَّم قريبًا أنَّه يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهادي، (بِهَذَا): أي: بهذا اللفظ والسند إلَّا أنَّه قال: «تغلي منه أمُّ دماغه».
قوله: (أُمُّ دِمَاغِهِ): أمُّ الدماغ: هي الجلدة التي تجمع الدماغ، ويقال أيضًا: أمُّ الرأس.

(1/7161)


[باب حديث الإسراء]
قوله: (بابُ حَدِيث الإِسْرَاءِ): اعلم أنَّه اختلف العلماء في المعراج والإسراء هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وأيُّهما كان قبل الآخر؟ كلُّ ذلك بزيادات تَقَدَّم في أوَّل (كتاب الصلاة) مطوَّلًا؛ فانظره، ومتى كان؟ وقال مغلطاي في أثناء كلامه في «السيرة»: (والصحيح: أنَّ الإسراء كان في اليقظة بجسده، وأنَّه مَرَّاتٍ، وأنَّه رأى ربَّه عزَّ وجلَّ بعين رأسه) انتهى، وتَقَدَّم كلام ابن القَيِّم وغيره.
==========
[ج 2 ص 79]

(1/7162)


[حديث: لما كذبني قريش قمت في الحجر فجلا الله لي بيت المقدس]
3886# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ): تَقَدَّم أنَّه بضمِّ الموحَّدة، وفتح الكاف، وأنَّه يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، نُسب إلى جدِّه، وتَقَدَّم (اللَّيْث): أنَّه ابن سعد، و (عُقَيْل): أنَّه ابن خالد، وأنَّه بضمِّ العين، وفتح القاف، وتَقَدَّم من يقال له: عُقَيل مثلُه اثنان: القبيلة عُقَيل ويحيى بن عُقَيل، هؤلاء في الكتب الثلاث: «البُخاريِّ»، و «مسلم»، و «الموطأ»، و (ابْنِ شِهَابٍ): تَقَدَّم أنَّه محمَّد بن مسلم، و (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ): عبد الله، وقيل: إسماعيل بن عبد الرحمن بن عوف، أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر.
قوله: (فِي الْحِجْرِ): تَقَدَّم أنَّه بكسر الحاء _وضبطه بعض العلماء بالفتح؛ كحَجْر الإنسان، وفيه نظر_ وإسكان الجيم، وهو معروف، نصف دائرة من جانبها الشماليِّ.
قوله: (فَجَلاَ اللهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ): (جَلَا)؛ بالجيم وتخفيف اللام؛ أي: كشف وأوضح، كذا ضبطه النَّوويُّ في «شرح مسلم»، وبتشديد اللَّام أيضًا، والتشديد لغة القرآن، قال الله تعالى: {لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [الأعراف: 187].
قوله: (فَطَفِقْتُ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّ الفاء فيها لغتان: الكسر والفتح، ومعناها: جعلت.
تنبيه هو فائدة: ذكر البيهقيُّ حديثًا: (أنَّه جاءه صلَّى الله عليه وسلَّم جبريلُ بدابَّة بيضاء حملني عليها حتَّى بلغنا أرضًا ذات نخلٍ، فأنزلني، فقال: صلِّ، فصلَّيتُ، فقال: أتدري أين صلَّيتَ؟ قلت: الله أعلم، قال: صليتَ بيثربَ، صليتَ بطيبة، ثُمَّ أنزله، فقال: صلِّ، فصلَّيتُ، فقال: أتدري أين صلَّيتَ؟ فقال كما قال في الأوَّل، فقال: صلَّيتَ بمَدْيَن عند شجرة موسى، ثُمَّ بلغنا أرضًا بدت لنا قصور الشام، فقال كما قال في الأوَّل، فصلَّيتُ، فقال كما قال، وردَّ عليه كما ردَّ في الأوَّل، فقال: صلَّيتَ ببيت لحم حيث وُلِد عيسى، ثُمَّ انطلق بي حتَّى دخلنا المدينة)؛ يعني: بيت المقدس، هذا مختصر، قال البيهقيُّ: هذا إسناد صحيح، انتهى.
وقد رأيت في كلام الحافظ تقيِّ الدين ابن تيميَّة قال ما لفظه: (وأمَّا ما يرويه بعضُ الناس في حديث المعراج أنَّه صلَّى في المدينة، وصلَّى عند قبر موسى، وصلَّى عند الخليل؛ فهذا من الأكاذيب الموضوعة) انتهى، وقال ابن القَيِّم في «الهَدْي»: وقد قيل: إنَّه نزل بيت لحم وصلَّى فيه، ولا يصحُّ عنه ذلك ألبتَّة، انتهى.

(1/7163)


ثُمَّ إنَّي رأيت في «ميزان الذَّهبيِّ» في ترجمة بكر بن زياد الباهليِّ: قال ابن حبان: دجَّال يضع الحديث، ثُمَّ ساق عنه، عن ابن المبارك، عن سعيد، عن قتادة، عن زُرارة، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: «مرَّ بي جبريلُ ببيت لحم، فقال: صلِّ ههنا ركعتين، فإنَّ هنا وُلِد أخوك عيسى، ثُمَّ أتى قبر إبراهيم، فقال: صلِّ هنا، ثُمَّ أتى الصخرة، فقال: مِنْ هنا عَرج ربك إلى السماء ... »؛ الحديث، وهذا شيء لا يشكُّ عوامُّ أصحاب الحديث أنَّه موضوع، فكيف بالبُزَّل في هذا الشأن، قال الذَّهبيُّ: قلت: صدق ابن حبان، انتهى.
وقد روى النَّسائيُّ في (الصلاة) من طريق أنس رضي الله عنه بسند صحيح: أنَّه عليه السلام قال له جبريل: «انزل فصلِّ، ففعلتُ، فقال: أتدري أين صلَّيتَ؟ صلَّيتَ بطيبة، وإليها المهاجَرُ، ثُمَّ قال: انزل فصلِّ، فصلَّيتُ، فقال: أتدري أين صلَّيتَ؟ صلَّيتَ بطور سيناء حيث كلَّم الله عزَّ وجلَّ موسى، ثُمَّ قال: انزل فصلِّ، فنزلتُ فصلَّيتُ، فقَال: أتدري أين صلَّيتَ؟ صلَّيتَ ببيت لحم حيث وُلد عيسى عليه السلام، ثُمَّ دخلتُ بيت المقدس، فجُمع لي الأنبياء، فقدَّمني جبريل حتَّى أممتهم، ثُمَّ صعد بي إلى السماء الدنيا ... »؛ فذكر الحديث، رواه النَّسائيُّ في (الصلاة) عن عمرو بن هشام الحرَّانيِّ، عن مَخْلَد بن يزيد، عن سعيد بن عبد العزيز، عن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك، عن أنس، فهذا إسناد صحيح، قال المِزِّيُّ: تابعه الوليد بن مسلم، ويحيى بن مسلم الوُحاظيُّ، وعبد الله بن صالح المصريُّ، عن سعيد، وقال أبو مسهر: عمرو بن أبي سلمة، عن يزيد ابن أبي مالك، عن بعض أصحابه، عن أنس بن مالك، انتهى، والله أعلم.
قوله: (عَنْ آيَاتِهِ)؛ أي: عن علاماتِهِ.
==========
[ج 2 ص 79]

(1/7164)


[باب المعراج]
قوله: (بَابُ المعْرَاجِ): (المعْرَاج)؛ بكسر الميم وفتحها، لغتان حكاهما الأخفش وغيره، وهو في اللُّغة: السُّلَّم، وجمع (المِعْرَاج): المعارج والمعاريج.
غريبة: ذكر الثعلبيُّ في «تفسيره» في سورة (سبحان) أسانيد له في حديث المعراج، وفيه: «فإذا معراج إلى السماء لم أر مثله حسنًا وجمالًا، لم ينظر الناظرون إلى شيء قطُّ أحسن منه، ومنه تعْرُجُ الملائكةُ، أصله على صخرة بيت المقدس، ورأسه ملصق بالسماء، إحدى عارضتيه ياقوتة حمراء، والأخرى زبرجدة خضراء، درجة من فضَّة، ودرجة من ذهب، ودرجة من زمرُّد مكلَّل بالدرِّ والياقوت ... » إلى آخر كلامه.

(1/7165)


[حديث: بينما أنا في الحطيم مضطجعًا إذ أتاني آت .. ]
3887# قوله: (حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ): تَقَدَّم أنَّه بضمِّ الهاء، وإسكان الدال، ثُمَّ موحَّدة مفتوحة، ثُمَّ تاء التأنيث، ولقبه هدَّاب، و (مَالِك بْن صَعْصَعَةَ): تَقَدَّم مترجمًا رضي الله عنه.
قوله: (عَنْ لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ): (ليلة) يجوز فيها النَّصْب والجر، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (أُسْرِيَ بِهِ): هو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه.
قوله: (بَيْنَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ، وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ): تَقَدَّم أنَّ (الحَطِيم): هو الموضع المعروف بالمسجد الحرام بقرب الكعبة المشرَّفة،
[ج 2 ص 79]
وتَقَدَّم قريبًا عن ابن جريج قال: الحَطِيم: ما بين الركن الأسود والمقام وزمزم، والحِجْر سُمِّي حَطِيمًا؛ لأنَّ الناس يزدحمون على الدعاء فيه، ويحطم بعضهم بعضًا، والدعاء فيه مستجاب، قال: و [قلَّ] من حلف هناك آثمًا إلَّا عُجِّلت عقوبته، انتهى.
وكون الإسراء بمكَّة هذا مما لا أعلم فيه خلافًا، إلَّا أنِّي رأيتُ في «تفسير ابن عبد السلام» العلَّامة عزِّ الدين عبد العزيز الشافعيِّ سلطان العلماء _كذا لُقِّبَ_ في سورة (سبحان) ما لفظه: وقيل: أُسري به مرتين؛ بمكَّة والمدينة في اليقظة والنوم، وهذا غريب جدًّا، وقد قدَّمتُ هذا أيضًا في (الإسراء)، إلَّا أنَّ قوله: (والمدينة في النوم) إن عنى به أنَّه رأى ربه في النوم بالمدينة؛ فهذا معروف، وإن أراد الإسراء المعروف؛ ففيه نظرٌ، والله أعلم.
قوله: (وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ): تَقَدَّم قريبًا ضبطًا، وهو معروف.
تنبيه: هنا ما رأيتَ، وقد تَقَدَّم في أوَّل (الصلاة): «فرج سقف بيتي وأنا بمكَّة»، وفي (الحجِّ): «فرج سقفي وأنا بمكَّة»، وقد روت عائشة وأمُّ سلمة وأمُّ هانئ وابن عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم _كما ذكره ابن سيِّد الناس في «سيرته» _: (من شعب أبي طالب إلى بيت المقدس)، وقال ابن فارس: (من زمزم إلى القدس)، وهنا: «بينا أنا في الحَطِيم_وربما قال_: في الحِجْر»، وقال ابن سعد في (المعراج) عن محمَّد بن عُمر _وهو الواقديُّ_، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة وغيره من رجاله: (أنَّه كان في بيته نائمًا [1] ظهرًا، أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت ربك، فانطلقا به إلى ما بين زمزم والمقام، فأُتِيَ بالمعراج) انتهى، وفي الحديث عن أمِّ هانئ: (إنَّه ما أُسري به إلَّا وهو في بيتي) في حديث ضعيف، وفي «الصحيح» كما تَقَدَّم: «فرج سقف بيتي وأنا بمكَّة».

(1/7166)


فينبغي أن يُجمَع بين هذه الروايات؛ وهي: شعب أبي طالب، وبيت أمِّ هانئ، وزمزم، والحَطِيم _وربما قال: الحِجْر_ وبيته؛ أمَّا الحِجْر؛ فقد ذكرت لك فيما تَقَدَّم أنَّ في هذا «الصحيح» أنَّه يقال له: الحَطِيم، فبقي الحَطِيم وزمزم، وهي متقاربات بعضها من بعض، فبقي شعب أبي طالب وغيره؛ كبيت أمِّ هانئ، وقد يكون بيتها في شعب أبي طالب، فيكونان [2] واحدًا، وإلَّا؛ فإن كان الإسراء مرَّتين أو أكثر؛ فلا إشكال، وإن كان مرَّة كما صحَّحه ابن القَيِّم؛ فكونه من شعب أبي طالب من كلام الصَّحابة الذين ذكرهم ابن سيِّد الناس، ولا أعلم صحَّة الإسناد إليهم ولا إلى بعضِهم، و «الحَطِيم» أو «الحِجْر» هو من كلامه صلَّى الله عليه وسلَّم، وسنده صحيح لا شكَّ فيه؛ فهو معتبر، وقد قدَّمتُ أنَّ الحِجْر يقال له: حَطِيم، فبقي هذا والرواية التي في «الصحيح»: «فرج سقف بيتي وأنا بمكَّة»، وبيته بيت سكنه بيت خديجة، وهو معروف بمكَّة، فإن كان الإسراء مرَّتين؛ فلا إشكال، وإلا؛ فاجمع بينهما، ويحتمل أنه احتُمِل من بيته وهو نائم، فجاؤوا به إلى المسجد، ففُعِلَ به ما فُعِل، والله أعلم، ومعذورٌ من يقول: إنَّ الإسراء مرَّتان أو مَرَّاتٌ.
قوله: (إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ _وَفِيْ رِوَايَةٍ: فَشَقَّ_ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ): مشهور أنَّه جبريل، وفي رواية: (جاءني رجلان)؛ هما جبريل وميكائيل، وقد قدَّمتُ الكلام على شقِّ البطن كم اتَّفق له من مرة، وإنكار بعضهم الشقَّ ليلة الإسراء، والردُّ عليه مطوَّلًا في أوَّل (الصلاة).
قوله: (مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ): الثُّغْرة؛ بضمِّ الثاء المُثلَّثة، ثُمَّ غين معجمة ساكنة، ثُمَّ راء، ثُمَّ تاء التأنيث: هي نقرة النحر التي بين الترقوتين.
قوله: (مِنْ قَصِّهِ [3]): هو بفتح القاف، وتشديد الصاد المهملة، ثُمَّ هاء الضمير؛ وهو وسط صدره، وهو القَصَصُ أيضًا، وهو المشاش المغروزة فيه طرف الأضلاع في وسط الصدر.
قوله: (أُتِيتُ): هو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، وفي آخره تاء المتكلِّم المضمومة.
قوله: (بِطَسْتٍ): تَقَدَّم ما في الطَّسْت من اللُّغات في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (مِنْ ذَهَبٍ): تَقَدَّم الكلام على ما استُنبط منه في أوَّل هذا.
قوله: (مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا): تَقَدَّم الكلام عليه _لأنَّ الإيمان معنًى وليس بجسم_ في (الصلاة).
قوله: (ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ ... ) إلى قوله: (هُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ): اعلم أنَّ (البراق): دابَّة دون البغل وفوق الحمار، كما هنا، سُمِّي براقًا؛ لسرعته، وقيل: لشدَّة صفائه وتلَأْلُئِه وبريقه، وقيل: لكونه أبيض، وقال القاضي عياض: سُمِّي بذلك؛ لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء؛ إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقد وُصِف في الحديث بأنَّه أبيض، وقد يكون من نوع الشاة البرقاء، وهي معدودة في البيض.

(1/7167)


واعلم أنَّ في كتاب «الاحتفال» لابن أبي خالد: (جاء في بعض الروايات: أنَّ البراق دون البغل، وفوق الحمار، وجهه كوجه الإنسان، وجسده كجسد الفرس، وقوائمه كقوائم الثور، وذنبه ذنب الغزال، لا ذكر ولا أنثى)، وكتاب «الاحتفال» هو في أسماء خيل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وفي «تفسير الثعلبيِّ»: «فإذا أنا بالبراق؛ دابَّة فوق الحمار، ودون البغل، خدُّه كخدِّ الإنسان، وذنبه كذنب البعير، وعُرفه كعُرف الفرس، وقوائمه كقوائم الإبل، وأظلافه كأظلاف البقر، صدره كأنَّه ياقوتة حمراء، وظهره كأنَّه درَّة بيضاء، وله جناحان في فخذيه، يمرُّ مثل البرق».
مسألة يسأل عنها كثيرًا: وهو أن يقال: هل ركب البراقَ أحدٌ قبل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؟
والجوابُ: نعم، وسيأتي ما يؤيِّده، وفي عبارة بعض مشايخي فيما قرأته عليه: وقد قيل: ركبه الأنبياء قبله أيضًا، وقيل: إنَّ جبريل ركب معه، انتهى، وقال الزُّبيديُّ في «مختصر كتاب العين» في اللُّغة وصاحبُ «التحرير»: هي دابَّة كان الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه يركبونها، قال الشيخ محيي الدين النَّوويُّ: وهذا الذي قالاه مِنِ اشتراك جميع الأنبياء فيها؛ يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى.
وقد قال ابن بَطَّالٍ كلامًا معناه: أنَّه ركبها الأنبياء، وأقرَّه السُّهيليُّ على ذلك، وقال ابن إسحاق في «سيرة ابن هشام»: إنَّه بلغه عن عبد الله أنَّه قال: وهي الدابَّة التي يُحمَل عليها الأنبياء قبله، انتهى.
وممَّا يُستَدلُّ أنَّ البراق ركبه غير نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم ما رواه الأزرقيُّ في «تاريخ مكَّة» عن ابن الزُّبَير في حجِّ إبراهيم البيتَ، وفي آخره: (وكان إبراهيم يحجُّه كلَّ سنة على البُراق) انتهى.
وقد ذكر السُّهيليُّ في أوَّل المولد من «الروض»: فاحتملها _يعني: هاجر_ على البراق، انتهى.
ونقل القرطبيُّ في «تذكرته» قبيل (أبواب الجنَّة) بيسير عن ابن عبَّاس، ومقاتل، والكلبيِّ في قوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ} [الملك: 2]: أنَّ الموت والحياة جسمان، فجعل الموت في هيئة كبش لا يمرُّ بشيء ولا يجد ريحه شيء إلَّا مات، وخلق الحياة على صورة فرس أنثى بلقاء، وهي التي كان جبريل والأنبياء عليهم السلام يركبونها، خَطْوُها مدُّ البصر، فوق الحمار، ودون البغل، لا تمرُّ بشيء يجد ريحها؛ إلَّا حيي ... إلى أن قال: حكاه الثعلبيُّ والقشيريُّ عن ابن عبَّاس، والماورديُّ عن مقاتل والكلبيِّ، انتهى، وفيها أيضًا قُبيل (باب صفة الجنَّة ونعيمها): (كما أنَّ البراق [دابَّة] يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه) انتهى، وهذا من تتمَّة كلام التِّرمذيِّ الحكيم.
وحديث: «فما ركبك أحد أكرم على الله من محمَّد» صريح في ذلك، وكلُّ هذا لا يردُّ على النَّوويِّ إلَّا أن يرِدَ بسند صحيح إلى صحابيٍّ
[ج 2 ص 80]

(1/7168)


أو إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وسيجيء ما يردُّ عليه هنا، وفي حفظي: (فما زايلا ظهر البراق حتَّى كذا وكذا)؛ يعني: النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم وجبريل وهو في «التِّرمذيِّ» في تفسير سورة (سبحان) من حديث حذيفة، وعنه زِرٌّ، وقد رواه النَّسائيُّ أيضًا في (التفسير)، وهذا ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم، وفي «الشفا» للقاضي عياض عن حذيفة: (فما زايلا ظهر البراق حتَّى رجعا)، وقد قدَّمتُه من عند التِّرمذيِّ والنَّسائيِّ، وسيأتي من عند أبي يعلى مثلُه، وهو في «المستدرك».
مسألة يَسأل الناس عنها كثيرًا: هل جبريل ركب خلفه أو قدَّامه؟ ولم أستحضر في ذلك شيئًا، وقد سُئِلت عنها، فقلت: الظَّاهر أنَّه ركب خلفه، واستندت في ذلك لحديث رواه أبو داود في «سننه»: «أنت أحقُّ بصدر دابَّتك إلَّا أن تجعله لي»، بوَّب عليه أبو داود: (باب ربُّ الدابَّة أحقُّ بصدرِها)، وسكت عليه؛ فهو صالح عنده، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم صاحبُها، وأخرجه التِّرمذيُّ من حديث بُرَيدة، وقال: حسن غريب.
وقد أخرج أحمد في «المسند»: (صاحب الدابَّة أولى بصدرِها) من حديث قيس بن سعد بن عبادة، ومن حديث عمر بن الخَطَّاب: (قضى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ صاحبَ الدابَّة أولى بصدرِها).
وقد روى الطبرانيُّ في «الأوسط» من رواية محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه: (أنَّ جبريل أتى النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالبراق، فحمله بين يديه ... )؛ الحديث، قال الطبرانيُّ: (لا يُروَى عن ابن أبي ليلى إلَّا بهذا الإسناد) انتهى، وهو معضل، ومحمَّد سيِّئ الحفظ، ثُمَّ إنِّي رأيت في «مسند أبي يعلى» حديثًا قال فيه أبو يعلى: حدَّثنا هدبة بن خالد وشيبان بن فروخ قالا: حدَّثنا حَمَّاد بن سلمة، عن أبي حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله: أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أُتيت بالبراق فركبته خلف جبريل ... »؛ فذكر الحديث، فهذان نقلان في المسألة، وهما متعارضان، وحديث أبي يعلى فيه أبو حمزة، وهو فيما إخاله القصَّاب، قال أحمد: متروك الحديث، وفيه كلام لغير أحمد بالتضعيف، ولو صحَّ؛ لجُمِع بينهما بأنَّ تارة ركب هذا ذهابًا أو إيابًا، والآخر كذلك، وهذا إذا قيل: إنَّ الإسراء مرَّة على ما صحَّحه بعضهم، كما تَقَدَّم، والله أعلم، وفيه التصريح بأنَّهما ركبا البراق، ورأيته في «المستدرك» في (كتاب الأهوال) في أواخره بالسند الذي ذكرته، ثُمَّ قال: تفرَّد به أبو حمزة ميمون الأعور، وذكر شيخنا في (ذكر الملائكة) من «شرحه»: في «صحيح ابن حبان»: أنَّ جبريل عليه السلام حمله على البراق رديفًا له، ورجعا، ولم يصلِّ فيه، ولو صلَّى فيه؛ لكانت سُنَّة، قال: وهو من أظرف ما يستدلُّ به على الإرداف، انتهى.

(1/7169)


تنبيه: جاء في الحديث: أنَّه شَمَسَ البراق حين ركبه سيدنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، قال ابن بَطَّالٍ: قيل في نفرته: كان ذلك لبُعد عهد البراق بالأنبياء، وطول الفترة بين عيسى ومحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال السُّهيليُّ: فيه معنًى آخر، ذكرته أنا في تعليقي على «سيرة ابن سيِّد الناس»؛ فانظره منه إن أردته، والله أعلم، وها أنا أذكره هنا: قال السُّهيليُّ لمَّا ذكر كلام ابن بَطَّالٍ: (وروى غيره في ذلك شيئًا آخر قال في روايته لحديث الإسراء: قال جبريل لمحمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم حين شَمَسَ به البراق: لعلَّك يا محمَّد مسست الصفراء اليوم؟ فأخبره عليه السلام أنَّه ما مسَّها، إلَّا أنَّه مرَّ بها فقال: «تبًّا لمن يعبُدُكِ من دون الله»، قال: وما شَمَسَ إلَّا لذلك، ذكر هذه الرواية أبو سعيد النيسابوريُّ في «شرف المصطفى»، والله أعلم، وقد جاء ذكر الصفراء في «مسند البزَّار»: وأنَّها كانت صنًما بعضه من ذهب، فكسرها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يوم الفتح) انتهى، وقد رأيت في «تفسير الثعلبيِّ» في سورة (سبحان): (أنَّ جبريل عاتب البراق في شماسه، فقالت البراق: إنَّه مسَّ الصفراء ... ) إلى آخره، والله أعلم، ويحتمل أن يكون مسَّها لكسرها فما مُكِّن، أو مسَّها لغير ذلك من المعاني اللَّائقة بِه؛ كالإنكار.
قوله: (أَبْيَض): يجوز فيه الرَّفع؛ أي: هو أبيض، خبر مبتدأ محذوف، ويجوز (أبيضَ)؛ بالفتح، وهو مجرور صفة لـ (دابَّةٍ) المجرورة، وعلامة الجرِّ فيه الفتحة؛ لأنَّه لا ينصرفُ.
قوله: (فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ): هذا هو الجارود بن أبي سبرة، واسمه سالم بن سلمة بن نوفل الهذليُّ البصريُّ، ويقال: الجارود بن سبرة، يروي عن أُبيِّ بن كعب، وطلحة بن عُبيد الله، وأنس بن مالك، وغيرهم، وعنه: حفيده رِبعيُّ بن عبد الله بن الجارود، وقتادة، وثابت، وعمرو بن أبي الحَجَّاج، قال أبو حاتم: صالح الحديث، أخرج له أبو داود، والبُخاريُّ في كتاب «القراءة خلف الإمام».
قوله: (يَا أَبَا حَمْزَةَ): تَقَدَّم أنَّه بالحاء المهملة، والزاي، وأنَّها كنية أنس بن مالك رضي الله عنه، كنَّاه بها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، والحَمْزَة: الرِّجْلَة، وكان يجتنيها، فقال عليه السلام له: «يا أبا حمزة»، وهذا معروف ظاهرٌ عند أهلِه.
قوله: (طَرْفِهِ): هو بإسكان الراء، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ): هو مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، وفي آخره تاء المتكلِّم المضمومة.

(1/7170)


قوله: (فَاسْتَفْتَحَ): تَقَدَّم أنَّ خازن السماء الدنيا اسمه إسماعيل، ومعنى إسماعيل: مطيع الله، وتَقَدَّم معنى قوله: (وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟)، وكذا في غير هذه السماء الدنيا، وقال السُّهيليُّ: ولو أراد بعثه إلى الخلق؛ لقالوا: أوَبُعِث؟ ولم يقولوا: (أُرسل إليه) مع أنَّه يبعُد أن يخفى على الملائكة بعثه إلى الخلق فلا يعلمون به إلَّا ليلة الإسراء، انتهى، وقال النَّوويُّ في هذا القول: إنَّه الصحيح، قال: ولم يذكر الخطابيُّ وغيره في «شرح البُخاريِّ» غيره، وجماعة من العلماء غيره، وإن كان القاضي عياض قد ذكر خلافًا أو إشارةً إلى خلاف في أنَّه استفهم عن أصل البعثة أو عمَّا ذكرته، انتهى.
وتَقَدَّم الكلام على رؤية هؤلاء الأنبياء دون غيرهم، وكلام ابن بَطَّالٍ وكلام السُّهيليِّ، وفي اختصاص كلِّ واحد منهم بهذه السَّماء التي [4] هو فيها، في أوَّل (الصلاة)؛ فانظره، فإنَّه كلام حسن لائق بعلم السُّهيليِّ.
قوله: (ثُمَّ صَعِدَ): تَقَدَّم أنَّه بكسر العين في الماضي، وفتحها في المستقبل، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (فإذا إِدْريسَ ... ) إلى آخر قوله: (والأَخِ الصَّالِحِ): تَقَدَّم الكلام على (إدريس) هل هو في عمود البيت الشريف أم [لا] بما فيه كفاية، والجوابُ عن هذا الحديث، وما جاء في رواية أنَّه قال فيها: (والابن الصالح) بما فيه كفاية.
قوله: (لأَنَّ غُلاَمًا بُعِثَ بَعْدِي): تَقَدَّم الكلام على إطلاق موسى صلَّى الله عليه وسلَّم ذلك على نبيِّنا، وأنَّ (الغلام) يقال للرجل المستحكم القوة، قاله ابن قُرقُول.
قوله: (ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى): (رُفِعتْ): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، والتاء في آخرها علامة التأنيث، و (سدرةُ): مرفوعٌ نائبٌ مناب الفاعل، وتَقَدَّم الكلام على الحكمة في كونها سدرة، في أوَّل (الصلاة).
قوله: (فَإِذَا نَبقُهَا): هو بالنون المفتوحة، ثُمَّ موحَّدة مكسورة وساكنة أيضًا، ثُمَّ قاف؛ وهو ثمر السدر، تَقَدَّم.
قوله: (هَجَرَ): (هَجَر) هذه: لا تنصرف؛ للعلميَّة والتأنيث، وهي بفتح الهاء والجيم: قرية بقرب المدينة المشرَّفة، كانت القلال تُعمل بها أوَّلًا، ثُمَّ عملت بالمدينة وغيرها، وليست هذه هَجَر التي بالبَحْرين، المدينة المعروفة، التي هي قصبة البَحْرين، وقد تَقَدَّمت.
قوله: (آذَانِ الْفِيَلَةِ): هو بكسر الفاء، وفتح المثنَّاة تحت، جمع فيل، وهو معروف، ويقال في جمعه أيضًا: أفيال وفيول.
قوله: (نَهرَانِ بَاطِنَانِ): النَّهر: بفتح الهاء وتسكَّن ... إلى أن قال: (فَنَهرَانِ فِي الْجَنَّةِ): هما: السلسبيل والكوثر، قال شيخنا في تفسير سورة (الكوثر) ما لفظه: (وفي «تفسير ابن عبَّاس»: قال عليه السلام: «لمَّا عُرِج بي؛ انتهيت إلى سدرة المنتهى؛ فإذا أربعة أنهار؛ نهران ظاهران: النيل والفرات، ونهران باطنان: الكوثر والسلسبيل») انتهى، ونقل شيخنا أيضًا عن ابن بَطَّالٍ: (أنَّ النهرين الباطنين إذا بُدِّلت الأرض؛ ظهرا إن شاء الله) انتهى.
[ج 2 ص 81]

(1/7171)


قوله: (ثُمَّ رُفِعَ لِي الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ): تَقَدَّم الاختلاف فيه في أيِّ سماء هو، أو الكعبة، في (ابتداء الخلق)؛ فانظره إن شئته.
قوله: (ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ): وسيجيء أنَّه أُتي بإناءين؛ إناء من خمر، وإناء من عسل، ولا تعارض إن كان الإسراء مرَّتين، وإن كان مرَّة كما صححه بعضُهم كما تَقَدَّم؛ فالظَّاهر أنَّه من باب مفهوم العدد، أو أنَّ الإناءين ببيت المقدس، والثلاثة الأواني فوق السماوات، وقد جاء ذلك أيضًا في «الصحيح»، وقد جاء أيضًا: أنَّ الثلاثة الأواني ببيت المقدس، فإن صحَّت؛ فيكون الراوي اختصر أو اقتصر؛ لكونه من باب مفهوم العدد، والله أعلم.
وقال شيخنا في (باب شرب اللبن) من (كتاب الأشربة) ما لفظه: وفي آخره _أي: آخر الحديث_: «فأُتِيتُ بثلاثة أقداح ... »؛ فذكرها، وقال الإسماعيليُّ: حديث الزُّهريِّ عن سعيد عن أبي هريرة: (بإناءين) أصحُّ إسنادًا من هذا، وذاك أولى من هذا، ولمَّا ذكر ابن التين هذه الرواية؛ قال: الذي في غيره: (بقدحين)، وزاد هنا: قدح العسل، وقد سلف، انتهى.
قوله: (هِيَ الْفِطْرَةُ): المراد بـ (الفطرة): الإسلام والاستقامة، وأمَّا قوله هنا: (هي الفطرة)، وفي رواية أخرى: (هُديت الفطرة)؛ فهو من باب الفأل؛ لأنَّ اللَّبن أوَّل ما يفتح الرضيع إليه فمه، فلذلك سُمِّي الفطرة؛ لأنَّه فَطَر جوفه؛ أي: شقَّه أوَّل شيء، والفطور: الشقوق، والله أعلم.
قوله: (ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلاَةً): يشبه _كما قال الخطابيُّ [5]_ أن يكون هذا أمرًا [6] غير مفروض حتمًا، إذ لو كان كذلك؛ لم يراجعا، وإنَّما راجعاه؛ لعلمهما بموضع الفتيا [7] والتخفيف، ومسألة الله، والشفاعة إليه، وكان لموسى مِن تَقَدُّم المعرفة بأمر المتعدِّين من الأمم ما لم يكن لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فخشي، فأشار من باب النصيحة عليه، وأرشده إليه من طلب التخفيف عن أمَّته، والله رؤوف بعباده، فنجح الطلب، وكمل ثواب الخمسين تفضُّلًا منه، والله يضاعف لمن يشاء.
قوله: (فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا): تَقَدَّم الجمع في الإسراء في أوَّل (الصلاة) بين هذا وبين: «وضع عني خمسًا خمسًا»، وبين: «وضع شطرها»؛ فانظره.
قوله: (أَرْضَى وَأُسَلِّمُ): (أُسلِّمُ)؛ بضمِّ الهمزة، وكسر اللام المُشدَّدة، رُباعيٌّ، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
فائدة: تَقَدَّم [ما] الحكمة في اعتناء موسى صلَّى الله عليه وسلَّم بهذه الأمَّة واللَّحِّ [8] على نبيِّها أن يشفع لها ويسأل ربَّه التخفيف عنها في أوَّل (الصلاة).
==========
[1] في (أ): (نائم)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[2] في (أ): (فيكونا)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[3] في هامش (ق): (يعني: من عظام صَدره).
[4] في (أ): (الذي)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[5] «أعلام الحديث» (3/ 1681).
[6] في (أ): (أمر)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[7] كذا في (أ)، وفي «أعلام الحديث» (3/ 1681): (البُقْيا).

(1/7172)


[8] في (أ): (والح)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.

(1/7173)


[حديث ابن عباس: في قوله تعالى {وما جعلنا الرؤيا التي أريناك}]
3888# قوله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الله بن الزُّبَير، وتَقَدَّم الكلام على هذه النسبة لماذا في أوَّل هذا التعليق، وتَقَدَّم أيضًا أنَّ (سُفْيَان) بعده: هو ابن عيينة، و (عَمْرٌو) بعده: هو ابن دينار المكَّيُّ الإمام، لا قهرمان آل الزُّبَير.
==========
[ج 2 ص 82]

(1/7174)


[باب وفود الأنصار إلى النبي بمكة وبيعة العقبة]
قوله: (بابُ وُفُود الأَنْصَارِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [بِمَكَّةَ]، وَبَيْعَة الْعَقَبَةِ): تنبيه: اعلم أنَّه أوَّل من قدم من الأنصار مكَّة اثنان؛ أسعد بن زُرارة، وذكوان بن عبد قيس، فأسلما، فلما كان العام المقبل في رجب؛ قَدِم منهم من سيأتي ذكرهم.
واعلم أنَّ الأنصار: بنو الأوس والخزرج، والأوس: الذئب، والخزرج: الريح أو الباردة منها، وقد قدَّمتُ نسبهم في مناقبهم.
واعلم أنَّ الله عزَّ وجلَّ لمَّا أراد إظهار دينه، وإعزاز نبيه، وإنجاز موعده له؛ خرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الموسم الذي لقي فيه النفرَ من الأنصار، فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدَّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام؛ وهم ستة من الخزرج، ثُمَّ من بني النجار؛ وهم: أسعد بن زُرارة، وعوف بن الحارث _وهو ابن عفراء_، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر بن حَدِيدة، وعقبة بن عامر، وجابر بن عبد الله بن رئاب، قال ابن عبد البَرِّ: (ومن أهل العلم بالسِّيَر من يجعل فيهم عبادة بن الصامت، ويسقط جابر ابن رئاب) انتهى، وقيل: كانوا ثمانية، وقيل: سبعة، فلمَّا كان العام المقبل؛ قدم مكَّة من الأنصار اثنا عشر رجلًا؛ منهم خمسة من السِّتَّة الذين ذكرتُهم: أبو أمامة أسعد، وعوف بن عفراء، ورافع بن مالك، وقطبة، وعقبة، ونقيبهم معاذ بن الحارث؛ وهو ابن عفراء أخو عوف المذكور، وذكوان بن عبد قيس، وعبادة بن الصامت، والعبَّاس بن عُبادة، ويزيد بن ثعلبة، وأبو الهيثم مالك بن التَّيِّهان، وعويم بن ساعدة، وعن «الإكليل» للحاكم: (أحد عشر رجلًا)، وهو في «المستدرك» في (هجرة الحبشة) أيضًا.
ثُمَّ خرج من الأنصار من المسلمين إلى الموسم مع حجَّاج قومهم من أهل الشرك ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان؛ نَسِيبة بنت كعب أمُّ عُمارة، وأسماء بنت عمرو بن عديٍّ، وقيل: كانوا سبعين رجلًا وامرأتين، وقال الحاكم: خمسة وسبعون نفسًا، وهذا موافق لما تَقَدَّم من أنَّهم بالمرأتين خمسة وسبعون رجالًا ونساءً.
وقال ابن عبد السلام الشيخ عزُّ الدين: (سبعون)، وقال: (إنَّها العقبة الثانية)؛ يعني بها: هذه الثالثة، وقصَّة بيعتهم معروفة ذكرها أهل السِّيَر، ولولا خوف الإطالة؛ لذكرتهم مع الاختلاف في بعضهم، وقد ذكرهم أحسن ذِكْر ابن سيِّد الناس الحافظ فتح الدين في «سيرته الكُبرى».

(1/7175)


فائدة هي تنبيه: أوَّل من بايع في هذه العقبة _وهي الثانية، وبعضهم يعدُّها ثالثة_ مختلف فيه؛ فبنو النجار يزعمون أنَّ أبا أمامة أسعد بن زرارة كان أوَّل من ضرب على يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبنو عبد الأشهل يقولون بل أبو الهيثم بن التَّيِّهان، ويقال: بل البراء بن معرور، فهذه ثلاثة أقوال في أوَّل المبايعين في هذه العقبة، وقد ذكر الحاكم في «المستدرك» في (معرفة الصَّحابة) في (البراء بن معرور) من طريق ابن إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: كان البراء بن معرور أوَّل من ضرب على يد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في البيعة ليلة العقبة ... ؛ وذكر الحديث، قال الذَّهبيُّ في «تلخيص المستدرك»: صحيح، انتهى، فيه عنعنة ابن إسحاق، والله أعلم.

(1/7176)


[حديث كعب بن مالك: ولقد شهدت مع النبي ليلة العقبة]
3889# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بضمِّ الموحَّدة، وفتح الكاف، وأنَّه يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، و (اللَّيْثُ) بعده: تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن سعد الإمام الجواد، و (عُقَيْل): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بضمِّ العين، وفتح القاف، وأنَّه ابن خالد، و (ابْن شِهَاب): هو محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ، العالم المشهور.
قوله: (ح): تَقَدَّم الكلام عليها كتابة ونطقًا في أوَّل هذا التعليق؛ فانظره إن أردته.
قوله: (وحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ): هذا هو أبو جعفر بن الطبريِّ، الحافظ المصريُّ، سمع ابن عيينة وابن وهب، وعنه: البُخاريُّ، وأبو داود، وابن أبي داود، وآخرون، كتب عن ابن وهب خمسين ألف حديث، قال صالح جزرة: كان رجلًا جامعًا يحفظ ويعرف الفقه، والنحو، والحديث، مات سنة (248 هـ)، وهو ثبت في الحديث، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، أخرج له البُخاريُّ، وأبو داود، والتِّرمذيُّ في «الشمائل»، والله أعلم، قال الذَّهبيُّ في «الميزان»: آذى النَّسائيُّ نفسه بكلامه فيه.
[ج 2 ص 82]
قوله: (حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ): هذا هو عنبسة بن خالد الأيليُّ، عن عمِّه يونس بن يزيد الأيليِّ وابن جريج، وعنه: أحمد بن صالح وجماعة، مات سنة (198 هـ)، روى له البُخاريُّ مقرونًا بغيره؛ كهذا، وأخرج له أبو داود، له ترجمة في «الميزان»، قال ابن القطَّان في تجريحه: وقال الفسويُّ: قال يحيى ابن بُكَيْر: إنَّما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن موضعًا للكتابة عنه، وأثنى عليه أبو داود، ووثَّقه غيره، و (يُونُسُ): تَقَدَّم أعلاه أنَّه ابن يزيد الأيليُّ، و (ابْنِ شِهَابٍ): تَقَدَّم قريبًا جدًّا أنَّه محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ.
قوله: (فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ): تَقَدَّم متى كانت تبوك، وهي في السنة التاسعة من الهجرة في رجب، وسيأتي ما في الشهر في مكانه.
قوله: (قال ابن بُكَيْر في حديثه): تَقَدَّم أنَّه يحيى ابن بُكَيْر.
قوله: (لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ): هذه هي العقبة الثالثة، وقد قدَّمتُ مَن شهد الأولى والثانية، وعِدَّة مَن حضر الثالثة.
قوله: (وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ، أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا): لا شكَّ أنَّ أهل بدر أفضل من أهل العقبة، وذلك لأنَّهم مغفور لهم، وهم من أهل الجنَّة، ولم يرد ذلك في أهل العقبة، وإن تَقَدَّم إسلامُ أهلِها على إسلام بعض من شهد بدرًا، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة: 54]، وقوله: (أَذْكَر) أي: أشهر.

(1/7177)


[حديث جابر: شهد بي خالاي العقبة]
3890# قوله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن المدينيِّ الحافظ الجهبذ المشهور، و (سُفْيَانُ) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن عيينة، و (عَمْرٌو) بعده: تَقَدَّم أنَّه ابن دينار الإمام المكيُّ، لا عمرو بن دينار قهرمان آل الزُّبَير.
قوله: (شَهِدَ [بِي] خَالاَيَ الْعَقَبَةَ): خالا جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريِّ، قال ابن عيينة _كما نقله البُخاريُّ عنه_ هنا: أحدهما: البراء بن معرور، انتهى، ويجيءُ بُعَيد هذا عن جابر أيضًا: (أنا، وأبي، وخالي من أصحاب العقبة)، وفي نسخة: (خالاي).
جابر هذا هوابن عبد الله بن عمرو بن حرام، وهذا غير المذكور في العقبة الأولى، ذاك جابر بن عبد الله بن رئاب، قال الدِّمياطيُّ الحافظ عند قوله: (وخالاي من أصحاب العقبة): وهو الصحيح؛ فإنَّ أباه عبد الله _وكان من النقباء_ وخالاه _وهما ثعلبة وعمرو ابنا عنمة_ شهدوا العقبة ومعهم جابر مع السبعين، انتهى، وقد نقل شيخنا في شرحه هذه الحاشية، فقال فيها: واعترض الدِّمياطيُّ بخطه، فقال: (هذا وهم؛ إنَّما خالاه ثعلبة وعمرو ابنا عنمة ... ) إلى آخر كلامه، انتهى، وقد تَقَدَّم الكلام على ثعلبة وعمرو ابني عنمة في هذا التعليق قبيل (كتاب الخصومات)، وبلغني عن ابن شيخنا البلقينيِّ: أنَّه رأى بدمشق في «مختصر تاريخ ابن عساكر»، ونقله في «مبهماته» عن «تاريخ دمشق» من حديث جابر قال: (حملني خالي الجدُّ بن قيس في السبعين راكبًا وفدوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الأنصار ... )؛ الحديث، قال: فهذا يعيِّن أحد الخالين المبهمين في «البُخاريِّ»، وتكون تسمية البراء بن معرور خالًا له وكذلك جدِّ بن قيس لأنَّهما قريبان لأمِّه، ولا نوهِّم ابن عيينة في قوله، انتهى، وهذا تعقُّب لكلام الدِّمياطيِّ في توهيم ابن عيينة، انتهى، ولم أرهم عدُّوا في أصحاب العقبة الجدَّ بن قيس، والجدُّ قد رُمِيَ بالنفاق، وقيل: إنَّه تاب منه، فالله أعلم، وقد استتر يوم الحديبية ببطن راحلته، وترجمته معروفة، وليس بأهل لهذا، والله أعلم، وسيأتي ما يشدُّ أنَّه الجدُّ بن قيس، وقول الدِّمياطيِّ وكذا في الحديث من عند ابن عساكر: أنَّهم سبعون، قد قدَّمتُ عددَهم والاختلافَ فيهم قريبًا، والله أعلم.
تنبيه: ذكر بعض حُفَّاظ العصر من المِصريِّين ما لفظه: وروى الطبرانيُّ في ترجمة جابر بإسناد حسن إليه قال: (شهد بي خالي جدُّ بن قيس العقبة).
==========
[ج 2 ص 83]

(1/7178)


[حديث جابر: أنا وأبي وخالي من أصحاب العقبة]
3891# قوله: (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ): هذا هو هشام بن يوسف الصنعانيُّ القاضي، تَقَدَّم مترجمًا، و (ابْنَ جُرَيْجٍ): عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج تَقَدَّم، و (عَطَاءٌ): هو ابن أبي رباح، و (جَابِرٌ): هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام، تَقَدَّموا.
==========
[ج 2 ص 83]

(1/7179)


[حديث: تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا]
3892# قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ): تَقَدَّم أنَّه محمَّد بن عبد الله بن مسلم، تَقَدَّم مترجمًا، وعمُّه محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ ابن شهاب، و (أَبُو إِدْرِيسَ عَائِذُ اللهِ): هو الخولانيُّ تَقَدَّم، و (عُبَادَة بْن الصَّامِتِ): تَقَدَّم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق وقريبًا أنَّه منهم، وتَقَدَّم بعض ترجمته.
قوله: (وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ): (العِصابة)؛ بكسرالعين: الجماعة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (تَعَالَوْا): هو بفتح اللَّام، ويجوز ضمُّها على لغة ذكرها الصغانيُّ في كتاب له مفرد، وأنَّه قُرِئَ بها شاذًا.
قوله: (فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا): تَقَدَّم الكلام عليه في أوائل هذا التعليق، وبُيِّنَ ما يعارضه وهو حديث أبي هريرة: (ما أدري الحدود كُفَّارات لأهلها أم لا؟) والله أعلم.

(1/7180)


[حديث: بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا ولا نسرق ولا نزني]
3893# قوله: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ): تَقَدَّم أنَّه ابن سعد العالم المشهور مرارًا، و (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ): بفتح الحاء المهملة، وكسر الموحَّدة، وهذا ظاهرٌ جدًّا عند أهله، و (أَبُو الخَيْر): بفتح الخاء المعجمة، وإسكان المثنَّاة تحت، وتَقَدَّم أنَّ اسمه مرثد بن عبد الله اليزنيُّ، و (الصُّنَابِحِيُّ [1]): هو عبد الرحمن بن عُسيلة بن عسْل بن عسال الصُّنابحيُّ، أبو عبد الله المراديُّ، وصنابح: بطن من مراد، قبض النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصُّنابحيُّ هذا بالجحفة، فقدم المدينة بعد خمس ليال أو نحوها، ثُمَّ نزل الشام، عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم مرسلًا، وعن أبي بكر، وعمر، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعاذ، وجماعة، وعنه: سويد بن غفلة، وابن محيريز، وأبو الخير مرثد، وأبو عبد الرحمن الحُبُليُّ، وعطاء، وطائفة، وثَّقه ابن سعد وغيره، توفِّي في خلافة عبد الملك، أخرج له الجماعة.
قوله: (إِنِّي مِنَ النُّقَبَاءِ): تَقَدَّم أنَّ النقباء كانوا اثني عشر رجلًا؛ تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، فمن الخزرج: أسعد بن زرارة، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، ورافع بن مالك بن العجلان، وعبد الله بن عمرو بن حرام، والبراء بن معرور، وسعد بن عبادة،
[ج 2 ص 83]
والمنذر بن عمرو، وعبادة بن الصامت المذكور في هذا الحديث القائل: (إنَّي من النقباء)، ومن الأوس: أُسَيد بن الحُضَير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، قال ابن هشام: وأهلُ العلم يعدُّون فيهم أبا الهيثم بن التَّيِّهان بدل رفاعة، وقد ذكرتهم في (كتاب الإِيمان) من هذا التعليق، وذكرت هناك [ما] يتعلَّق بالعقبات.
قوله: (وَلاَ نَعْصِيَ، بِالْجَنَّةِ إِنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ): قال ابن قُرقُول: كذا لأبي ذرٍّ، والنسفيِّ، وابن السكن، وللأصيليِّ وعند القابسيِّ: (ولا نقضي بالجنَّة)؛ أي: لا نحكم لأحد بالجنَّة من قبلنا ونقطع بذلك، قال القابسيُّ: وهو مُشْكِلٌ في كتاب أبي زيد، قال القاضي: الصواب: (نعصي)؛ كما تضمنته الآية: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12]، انتهى.
==========
[1] في هامش (ق): (عبد الرحمن بن عُسيلة تابعيٌّ، والصنابح بن الأعسر صحابيٌّ، قال ابن حِبَّان في «صحيحه»: الصنابح صحابيٌّ، والصنابحيُّ تابعيٌّ، وقيل: عبد الرحمن بن عُسيلة بن عسل بن عسال من المخضرمين، فإنَّه قبض صلَّى الله عليه وسلَّم وهو بالجحفة فقدم المدينة بعد خمس ليال أو ست، ثم نزل الشام، وأرسل عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، مات في خلافة عبد الملك).

(1/7181)


[باب تزويج النبي عائشة وقدومها المدينة وبناؤه بها]
قوله: (بابُ تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَائِشَةَ ... ) إلى آخر الترجمة: اعلم أنَّه اختلف العلماء على قولين؛ هل تزوَّج النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعد موت خديجة _وقد قدَّمتُ تاريخ وفاتها_ سودةَ بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي؟ وهذا هو الصحيحُ، ومن الناس من يقول: تزوج عائشة قبلها، وهذا في «مسلم» في بابٍ بوَّب عليه المبوِّب: (باب المرأة تهب يومها للأخرى) من كلام عائشة، قال النَّوويُّ: كذا ذكره مسلم من رواية يونس عن شريك: أنَّه عليه السلام تزوَّج عائشة قبل سودة، وكذا ذكره يونس أيضًا عن الزُّهريِّ، وعن عبد الله بن محمَّد بن عَقيل _وروي: عُقيل_ وخالد عن الزُّهريِّ: أنَّه تزوج سودة قبل عائشة، قال ابن عبد البَرِّ: هذا قول قتادة وأبي عُبيدة، قال النَّوويُّ قلت: قاله أيضًا ابن إسحاق، ومحمد بن سعد كاتب الواقديِّ، وابن قتيبة، وآخرون، انتهى، وقال الحافظ أبو محمَّد عبد المؤمن بن خلف الدِّمياطيُّ في حواشيه على «مسلم» في حديث عائشة هذا: المشهور عند أهل السِّيَر: أنَّ سودة أوَّل نسائه بعد خديجة، وماتت خديجة في رمضان سنة عشر، وتزوَّج سودة في شهر رمضان المذكور، وعائشة تزوَّجها في شوال بعد رمضان المذكور، وشريك بن عبد الله النَّخَعيُّ راوي هذا الحديث كثير الغلط والوهم لا يحتجُّ به فيما انفرد به، ولذلك تركه البُخاريُّ، ولم يخرِّج عنه شيئًا، انتهى، وقد علَّق لشريك البُخاريُّ، وروى له مسلم متابعة، وفيه مقال مذكور في مكانه.
ومن الناس من يجمع، فيقول: عقد على عائشة قبل سودة، ودخل على سودة قبلها، انتهى، وتزوَّج عليه السلام عائشة بمكَّة في شوال سنة عشر من النُّبوَّة، وقيل غير ذلك، وسيأتي قريبًا مع الصحيح في المسألة؛ وهو أنَّه تزوَّج بها قبل الهجرة بسنتين ونصف، قاله النَّوويُّ، والله أعلم، فلمَّا هاجر عليه السلام إلى المدينة؛ بعث زيد بن حارثة رضي الله عنهما وأبا رافع إلى مكَّة يأتيان بعياله؛ سودةَ، وأمِّ كلثوم، وفاطمة، وأمِّ أيمن، وابنها أسامة بن زيد، وخرج معهم عبدُ الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر؛ أمِّ رومان، وعائشة، وأسماء، فقدموا المدينة، فأنزلهم في بيت لحارثة بن النعمان، ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يبني مسجده، فلمَّا فرغ من بنائه بنى بيتًا لعائشة وبيتًا لسودة.

(1/7182)


وأعرس بعائشة في شوال على رأس ثمانية أشهر من مهاجره، وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية عشر، وهذا اقتصر عليه ابن عبد البَرِّ في «استيعابه»، وما ذكرته أوَّلًا كلام غيره، وقال النَّوويُّ في أوائل «تهذيبه»: إنَّه في الثانية، وقال في ترجمة عائشة فيه: إنَّه بنى بها في شوَّال سنة اثنتين، وقيل: بنى بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وهو ضعيف، وقد أوضحته في أوَّل «شرح البُخاريِّ»، انتهى، وقال في «الروضة» في (السير): إنَّه في الثانية، وقال مغلطاي: وبنى بعائشة على رأس تسعة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ثمانية عشر شهرًا في شوَّال، انتهى.
وقُبِض عليه السلام وهي بنت ثماني عشرة، ومكثت عنده تسع سنين وخمسة أشهر، ولم يتزوَّج بكرًا غيرها، يقال: إنَّها أتت منه بسقط اسمه عبد الله، ولا يثبت، وقد ذكر ابن الجوزيِّ في «موضوعاته» حديث إسقاطها، ثُمَّ قال: (موضوع، وداود بن المحبَّر يضع الحديث، وما ولدت قطُّ ولا أسقطت، وإنَّما كناها بابن أختها عبد الله بن الزُّبَير) انتهى، وتوفِّيت رضي الله عنها _وهي أفقه نساء الأمة_ سنة (58 هـ)، ودفنت بالبقيع، عاشت خمسًا وستين سنة رضي الله عنها.
==========
[ج 2 ص 84]

(1/7183)


[حديث: تزوجني النبي وأنا بنت ست سنين]
3894# قوله: (حدَّثنا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ): تَقَدَّم أنَّه بفتح الميم، ثُمَّ غين معجمة ساكنة، ثُمَّ راء، ثُمَّ همزة ممدودة، وتَقَدَّم (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ): أنَّه بضمِّ الميم، وإسكان السين المهملة، وكسر الهاء، وهذا ظاهرٌ عند أهله.
قوله: (تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ): كذا في «البُخاريِّ» و «مسلم»، وفي «مسلم» منفردًا به من حديثها: أنَّه تزوَّج بها وهي بنت سبع سنين، وكذا في غير «مسلم»، وجمع بينهما بأنَّها كان لها [1] ستُّ سنين ودخلت في السابعة، فتارة حسبت الكسر سنة، وتارة أسقطته، والله أعلم.
تنبيه: وقع في أصلنا الدِّمَشْقيِّ هنا في الأصل: تسع سنين، وقد كتب فوقه بعضُ مشايخنا الحلبيِّين بالحمرة: ستُّ، ولم يصحِّح، وهذه التي بالحمرة هي الصواب، وما في الأصل خطأٌ محضٌ، وممَّا يردُّ عليها الاتفاقُ على أنَّه تزوَّج بها قبل ذلك، وقوله فيه بعده: (فقدمنا المدينة ... ) إلى آخره، فما أرادت إلَّا العقدَ لا الدخولَ، والله أعلم، وكذا قولها في آخر الحديث: (وأنا يومئذٍ بنت تسع سنين)، وقد دخل بها في شوَّال بعد المقدم بثمانية أشهر كما تَقَدَّم.
قوله: (فَوُعِكْتُ): هو بضمِّ الواو، وكسر العين، مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، والتاء في آخره مضمومة للمتكلم، والوعك: الحمَّى، قاله أبو حاتم، وقال غيره: ألم الحمَّى، وقال يعقوب: وعكةُ الشيءِ [2]: دَفْعَتُه وشِدَّتُه، وقال غيره: هو إرعاد الحمَّى وتحريكُها إياه، وقال الأصمعيُّ: الوعك: شدَّة الحرِّ، مكان: حرِّ الحمَّى وشدَّتها، وقد تَقَدَّم.
قوله: (فَتَمَرَّقَ شَعَرِي): هو بتشديد الراء، يقال: مرق شعره، وتمرَّق، وانمرق؛ إذا انتثر وتساقط من مرض أو غيره، وفي «المطالع» في حديث الواصلة ما لفظه: (فتمزَّق شعرها)؛ بالزاي لهم، ومعناه: تمرَّط وتمعَّط؛ أي: انتتف وسقط من أجل المرض، وعند القابسيِّ وعبدوس وأبي الهيثم: (فتمرَّق)؛ بالراء، والمعنى واحد غير أنَّه _يعني: الذي بالزاي_ لا يستعمل في الشَّعر حال المرض، انتهى، وهذا ليس المكان الذي نحن فيه، ولم يذكر المكان الذي نحن فيه، والظَّاهر أنَّه عنده بالراء ليس إلَّا، وهو هنا في أصلنا بالزاي، وفي الهامش نسخة بالراء، وعليها علامة راويها، وقد قدَّمتُ لك من كلام ابن قُرقُول أنَّ المعنى واحد إلَّا أنَّ الذي بالزاي لا يستعمل في الشَّعر حال المرض، والله أعلم، ورأيت في نسخة صحيحة بالراء [3]، وفي هامشها نسخة بالزاي عكس ما في أصلنا، والله أعلم.
قوله: (فَوَفَى جُمَيْمَةً): (وفى): تَقَدَّم أنَّها بالتخفيف والتشديد؛ أي: طال وبلغ ذلك، و (جُميمة)؛ تصغير جُمَّة، وقد تَقَدَّم الكلام على الجمَّة، والوفرة، واللِّمَّة، وما قاله الجوهريُّ فيها.
[ج 2 ص 84]

(1/7184)


قوله: (فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رومَانَ): تَقَدَّم الكلام على (أمِّ رومان)، وأنَّ بعضهم سمَّاها دعد، وقيل: زينب، وأنَّه بضمِّ الراء، وفتحها، بنت عامر بن عويمر، وقيل: بنت عُمير بن عامر، من بني دهمان بن الحارث، أمُّ عائشة، تُوفِّيت في ذي الحجَّة سنة ستٍّ، وقيل: سنة أربع، وقيل: سنة خمس، ونزل عليه السلام في قبرِها، واستغفر لها، وكانت حيَّة في قصَّة الإفك، وتَقَدَّم كلام ابن القَيِّم في حديث الإفك في (الشهادات) في رواية مسروق عنها بما فيه كفاية، والله أعلم.
قوله: (أُرْجُوحَةٍ): (الأُرجوحة): بضمِّ الهمزة، قال ابن قُرقُول: يوضع وسطها على تلٍّ، ويكون طرفاها على فراغ، ثُمَّ يجلس على كل طرف غلام أو جارية، كلَّما نزل أحدهما؛ ارتفع الآخر، وقد جاء في هذا الحديث: (وأنا أرجح بين عَذْقين) وكأنَّها أراجيح [4] في حبل معلَّق بين نخلتين يدفع فيه، انتهى، وفي «النِّهاية» في حديث عائشة وزواجها أنَّها كانت على أرجوحة، وفي رواية: (مرجوحة)، الأرجوحة: حبل يُشَدُّ طرفاه في موضع عال، ثُمَّ يركبه الإنسان، ويحرَّك وهو فيه، سُمِّي به؛ لتحرُّكه، ومجيئه، وذهابه، انتهى، وفي «القاموس» لشيخنا مجد الدين: والمرجوحة: الأرجوحة؛ كالرُّجَاحَة، انتهى.
قوله: (وَمَعِي صَوَاحِبُ): هو بالرَّفع غير مُنَوَّن؛ لأنَّه لا ينصرف، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وصواحبها لا أعرفُهنَّ.
قوله: (حَتَّى أَوْقَفَتْنِي): قال شيخنا عن ابن التين: إنَّ المشهور في اللُّغة: وقفتني؛ ثلاثيٌّ، انتهى.
قوله: (بَعْضُ نَفَسِي): هو بفتح الفاء، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ): هؤلاء النسوة لا أعرف أسماءهنَّ رضي الله عنهنَّ.
قوله: (وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ): هو دعاء بالسعادة، وأصلُه من تفؤُّل العرب بالطير، وقد يكون بمعنى: القِسم والنصيب.
قوله: (فَلَمْ يَرُعْنِي إِلاَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي: لم أشعر، وإن لم يكن من لفظه، كأنَّه فاجأها بغتةً من غير موعدٍ ولا معرفةٍ، فراعها ذلك وأفزعها، وقد تَقَدَّم ذلك في قوله: (إلا رجل أخذ بمنكبي) في (مناقب عمر رضي الله عنه).
==========
[1] في (أ): (له)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في (أ) مضبوطًا: (وعكت الشيءَ)، والمثبت من «لسان العرب» مادة (وعك).
[3] في (أ): (بالزاي)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في (أ): (أراجب)، والمثبت من «المطالع» (ق/132).

(1/7185)


[حديث: أريتك في المنام مرتين]
3895# قوله: (حَدَّثَنَا مُعَلًّى): هو بالتنوين فيما يظهر، وهو ابن أسد العَمِّيُّ، أبو الهيثم الحافظ، أخو بهز بن أسد، عن أبي المنذر سلَّام القارئ، وسلَّام بن أبي مطيع، ووُهيب، وعنه: البُخاريُّ، وأبو حاتم، والكَجِّيُّ، ذو صلاح، توفِّي سنة (218 هـ)، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، وابن ماجه، قال العجليُّ: ثقة، كيِّس، معلِّم، وكان ثبتًا في الحديث، رجلًا صالحًا، وقال أبو حاتم: لم أعثر له على خطأ غير حديث واحد.
قوله: (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه مصغَّر، وأنَّه ابن خالد الكرابيسيُّ الحافظ، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ): سيجيء في كلامي في أوَّل (النكاح) أنَّه أُريَها متوفَّى خديجة من «الاستيعاب».
قوله: (أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ مَرَّتَيْنِ): اعلم أنَّ في «صحيح مسلم» من حديثها: «أريتك في المنام ثلاث مَرَّاتٍ، جاء بك الملك في سَرَقَة من حرير»، ووجه الجمع ذكرته في أوَّل (النكاح)، والله أعلم.
قوله: (فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ): (السَّرَقَة): بفتح السين المهملة والراء والقاف، وفي آخرها تاء التأنيث، والسَّرَقَة: الأبيض منه، والجمع: سَرَق، وسيأتي بزيادة في (كتاب النكاح).
قوله: (فَأكْشِفُ عَنْهَا): هو بقطع الهمزة، وهي همزة المتكلِّم، وهو مرفوع، فعل مستقبل.
قوله: (فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ؛ يُمْضِهِ): قال الشيخ محيي الدين النَّوويُّ: قال القاضي_يعني: عياضًا_: إن كانت هذه الرؤيا قبل النُّبوَّة وقبل تخليص أحلامه من الأضغاث؛ فمعناها: إن كانت رؤيا حق، وإن كانت بعد النُّبوَّة؛ فلها ثلاثة معانٍ؛ أحدها: المراد: إن كان تكون الرؤيا على وجهها وظاهرها لا تحتاج إلى تعبير وتفسير؛ فسيُمضيه الله تعالى وينجزه، فالشكُّ عائد إلى أنَّها رؤيا على ظاهرها لم تحتج إلى تعبير، وصُرِفَت عن ظاهرها.
الثاني: إن كانت هذه الزوجيَّة في الدنيا؛ يُمْضِها [1] الله تعالى، فالشكُّ في أنَّها زوجة في الدنيا أم في الجنَّة؟
الثالث: لم يشكَّ ولكن أخبر على التحقيق، وأتى بصورة الشكِّ، كما قال:
~… ....... … .... أأنتِ أمْ أمُّ سالم؟
وهو نوع من البديع عند أهل البلاغة يسمُّونه تجاهل العارف، وسمَّاه بعضُهم: مزج الشكِّ باليقين، انتهى لفظه.
وقد ذكرت من عند ابن حبَّان حديثًا يردُّ القول الثاني سيأتي في (النكاح)، وذكرتُ هناك كلامًا للسهيليِّ؛ فانظره إن أردته، وقد قدَّمتُ أنَّ الرؤيا كانت متوفَّى خديجة رضي الله عنها، وخديجة إنَّما توفِّيت بالاتفاق بعد النُّبوَّة، ففيه ردٌّ لقوله: إن كانت هذه الرؤيا قبل النُّبوَّة، والله أعلم.
قوله: (يُمْضِه): يجوز في هاء (يمضه) السكون والكسر، وهذا ظاهرٌ معروف.
==========
[1] في (أ): (يمضيها)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.
[ج 2 ص 85]

(1/7186)


[حديث: توفيت خديجة قبل مخرج النبي إلى المدينة بثلاث]
3896# قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة.
قوله: (تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاَثِ سِنِينَ): تَقَدَّم الاختلاف في وفاتها رضي الله عنها.
قوله: (فَلَبِثَ سَنَتَيْنِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَكَحَ عَائِشَةَ): كذا هنا، وهو موقوف على عروة بن الزُّبَير، وهو أحد الفقهاء السبعة على قول الأكثر، عالم مشهور، وقد عزاه المِزِّيُّ إلى مسلم أيضًا، وهذا اللَّفظ بعينه ليس في «مسلم»، ولأجل ذلك قال المِزِّيُّ به ما معناه: إنَّ حديث مسلم أتمُّ
[ج 2 ص 85]
من حديث البُخاريِّ، قال النَّوويُّ في «تهذيبه»: إنَّه عليه السلام تزوَّجها بمكَّة قبل الهجرة بسنتين في قول أبي عبيدة، وقال غيره: بثلاث سنين، وقيل: بسنة [1] ونصف أو نحوها، وقيل: بسنة، والأوَّل أصحُّ، انتهى، وقد قال في «شرح مسلم» ما ذكرته لك في تزويجه عليه السلام خديجة؛ فانظره، والله أعلم، وعن الدِّمياطيِّ ما لفظه: الصواب: أنَّ خديجة ماتت في رمضان سنة عشر، وتزوَّج سودة بعدها في رمضان المذكور، ثُمَّ تزوَّج عائشة في شوَّال سنة عشر، انتهى، وقد تَقَدَّم ذلك قريبًا.
قوله: (وَهْيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ): تَقَدَّم ما في «مسلم» قريبًا، وذكرت فيه جمعًا، والله أعلم.
==========
[1] في (أ): (سنة)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.

(1/7187)


[باب هجرة النبي وأصحابه إلى المدينة]
(بابُ هِجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ) ... إلى (بابُ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الْمَدِينَةَ).
تنبيه: كانت الهجرة بعد العقبة بشهرين وليال، وقال الحاكم: بثلاثة أشهرأو قريبًا منها.
فائدة: في التِّرمذيِّ من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إنَّ الله أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاء الثلاثة نزلت؛ فهي دار هجرتك؛ المدينة، أو البحرين، أو قنسرين»، قال التِّرمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلَّا من حديث الفضل بن موسى، تفرَّد به أبو عَمَّار، انتهى، وفي «الإكليل» للحاكم زيادة: فاختار المدينة، قال الذَّهبيُّ في ترجمة غيلان بن عبد الله العامريِّ المذكور في سند التِّرمذيِّ في «الميزان»: إنَّه ما عَلِم عنه راويًا سوى عيسى بن عُبيد الكنديِّ، ثُمَّ قال: حديثه منكر، ما أقدم التِّرمذيُّ على تحسينه؛ بل قال: غريب، ثُمَّ ذكر هذا الحديث الذي ذكرته آنفًا، وقد ذكر ابن حبَّان هذا الشخص في «ثقاته»، وذكر له حديثًا في الهجرة غير هذا، والله أعلم، وأمَّا في «تلخيص المستدرك»؛ فقال الحاكم في هذا الحديث: صحيح، ولم يتعقَّبه الذَّهبيُّ، بل أقرَّه على ذلك.
تنبيه: جاء في حديث موضوع _كما قاله ابن عبد البَرِّ_ في المدينة: وهي أحبُّ البلاد إلى الله، انتهى.
فائدة: رأيت في «المستدرك» وعقَّبه بأنَّه صحيح غريب: عن عليٍّ رضي الله عنه: أنَّه عليه السلام قال لجبريل: «من يهاجر معي؟»، قال: أبو بكر، وقال مغلطاي في «سيرته الصغرى»: إنَّ جبريل أمر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن يستصحب أبا بكر، وكأنَّه أخذه من حديث «المستدرك»، واعلم أنَّ هجرته صلَّى الله عليه وسلَّم كانت في ربيع الأوَّل يوم الاثنين، وقيل: في صفر.
قوله: (فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوِ الهَجَرُ): وَهَل إلى الشيء يهِل _بالكسر_ وهْلًا؛ إذا ذهب وهمه إليه، وقد تَقَدَّم، و (اليمامة): تَقَدَّم الكلام عليه، وكذا (هجر)، والله أعلم.
قوله: (يَثْرِبُ): تَقَدَّم الكلام على (يثرب)؛ فانظره، وقد خاطبهم النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هنا بما يعرفون، وإلَّا فقد نهى عن تسميتها بذلك، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 86]

(1/7188)


[حديث: هاجرنا مع النبي نريد وجه الله]
3897# قوله: (حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرة أنَّه عبد الله بن الزُّبَير، وتَقَدَّم الكلام على نسبته هذه، وأنَّه أوَّل شيخ حدَّث عنه البُخاريُّ في هذا «الصحيح»، و (سُفْيَانُ) بعده: تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن عيينة، و (الأَعْمَشُ): تَقَدَّم أيضًا أنَّه سُليمان بن مهران، أبو محمَّد الكاهليُّ القارئ، و (أَبُو وَائِل): تَقَدَّم كذلك أنَّه شقيق بن سلمة، و (خَبَّابُ): تَقَدَّم غيرَ مرَّةٍ أنَّه بفتح الخاء المعجمة، وتشديد الباء الموحَّدة، وبعد الألف موحَّدة أخرى، وهو ابن الأرتِّ؛ بمثنَّاة فوق مشدَّدة، وإيَّاك أن تجعلها مثلَّثة، وقد تَقَدَّم بعض ترجمته رضي الله عنه.
قوله: (مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ): تَقَدَّم الكلام عليه رضي الله عنه.
قوله: (يَوْمَ أُحُدٍ): تَقَدَّم متى كانت وقعة أُحُد، وهي في شوَّال سنة ثلاث يوم السبت، وسيأتي ذلك في بابه.
قوله: (وَتَرَكَ نَمِرَةً): تَقَدَّم أنَّها بكسر الميم، وهي شملة مخطَّطة من صوف، قيل: فيها أمثال الأهلَّة.
قوله: (بَدَا): هو معتلٌّ غير مهموز، وهذا ظاهرٌ، ومعناه: ظهر.
قوله: (مِنْ إِذْخِرٍ): تَقَدَّم أنَّه بكسر الهمزة، وإسكان الذال وكسر الخاء المعجمتين، ثُمَّ راء، وأنَّه نبت طيِّب الرائحة.
قوله: (وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ): تَقَدَّم، وكذا (يَهْدبُهَا)، وأنَّه بضمِّ الدال المهملة وكسرها.

(1/7189)


[حديث: الأعمال بالنية]
3898# قوله: (عَنْ يَحْيَى): تَقَدَّم أنَّه ابن سعيد الأنصاريُّ، قاضي السَّفَّاح، وتَقَدَّم مترجمًا في أوَّل هذا التعليق.
قوله: (إِلَى دُنْيَا): تَقَدَّم أنَّها غير مُنَوَّنة، وأنَّها الرواية، وأنَّه يجوز في لغة بتنوينها، وكذا (المرأة): تَقَدَّم تسميتها من عند ابن دحية في أوَّل هذا التعليق.
==========
[ج 2 ص 86]

(1/7190)


[حديث: لا هجرة بعد الفتح]
3899# 3900# قوله: (حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه عبد الرحمن بن عمرو، وتَقَدَّم الكلام على نسبته هذه لماذا، وأنَّه أفتى في سبعين ألف مسألة، وتَقَدَّم (عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ): أنَّه بإسكان الموحَّدة، و (مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ): بفتح الجيم، وإسكان الباء الموحَّدة؛ عالم مفسِّر مقرئ مشهور.
قوله: (لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ): تَقَدَّم؛ أي: لا هجرة من مكَّة؛ لأنَّها صارت دار إسلام، أو لا هجرة فضيلتها كفضيلة الهجرة من مكَّة.
قوله: (قال: وَحَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ): قائل ذلك هو يحيى بن حمزة، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وقد روى هذا البُخاريُّ بسند الذي قبله؛ وهو عن إسحاق بن يزيد الدِّمَشْقيِّ عن يحيى بن حمزة به.
قوله: (مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ): (يُفتَن): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعلُه.
==========
[ج 2 ص 86]

(1/7191)


[حديث: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليَّ أن أجاهدهم فيك ... ]
3901# قوله: (حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ): هو عبد الله بن نُمير.
قوله: (أَنَّ سَعْدًا): هو سعد بن معاذ الأنصاريُّ الأوسيُّ، تَقَدَّم بعض ترجمته في مناقبه، وأنَّه في الأنصار كالصِّدِّيق في المهاجرين.
قوله: (وَقَالَ أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ): (أبان): هذا العطار البصريُّ، عن الحسن، وأبي عمران الجونيِّ، وعدَّة، وعنه: القطَّان، وعَفَّان، وهدبة، قال أحمد: ثبت في كل المشايخ، له ترجمة في «الميزان»، وصحَّح عليه، أخرج له البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والتِّرمذيُّ، والنَّسائيُّ، قال ابن معين والنَّسائيُّ: ثقة، توفِّي في سنة بضع وستين ومئة، وتعليق أبان هذا عن هشام به لم أره في شيء من الكتب السِّتَّة، وأمَّا حديث عبد الله بن نمير عن هشام الذي قبل التعليق؛ أخرجه البُخاريُّ، ومسلم، وأبو داود، والنَّسائيُّ، ولم يخرِّج التعليق شيخنا.
==========
[ج 2 ص 86]

(1/7192)


[حديث: بعث رسول الله لأربعين سنةً فمكث بمكة ثلاث عشرة ... ]
3902# قوله: (حَدَّثَنَا رَوْحٌ): هذا هو روح بن عُبادة، وكذا هو في نسخة منسوبًا إلى أبيه، القيسيُّ أبو محمَّد الحافظ تَقَدَّم.
[ج 2 ص 86]
قوله: (حَدَّثَنَا هِشَامٌ): هذا هو هشام بن حسان القُردوسيُّ البصريُّ، تَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (بُعِثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): (بُعِث): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (رسولُ): مرفوعٌ نائبٌ مناب الفاعِل.
قوله: (لِأَرْبَعِينَ سَنَةً): تَقَدَّم الاختلاف في ذلك، وأنَّ هذا هو الصحيح، وصوَّبه بعضهم كما تَقَدَّم، وكذا تَقَدَّم قوله: (فَمَكُثَ بِمَكَّةَ ثَلاَثَ عَشْرَةَ): أنَّ الصحيح أنَّه عاش ثلاثًا وستِّين، وقيل: عاش ستِّين، وقيل: خمسًا وستِّين، وقيل غير ذلك، فأقام بعد النُّبوَّة بمكَّة ثلاث عشرة، وقد تَقَدَّم جمع السُّهيليِّ، وجمع آخر، وتَقَدَّم أنَّ شيخنا العراقيَّ قال عن القولين اللذين هما: ستُّون، وخمس وستُّون:
~… ..... …قولان وهَّنوهما بمرَّة
وأقام بالمدينة عشرًا بالاتفاق في هذه، والله أعلم.
قوله: (ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ): (أُمِر): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله.

(1/7193)


[حديث: إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء]
3904# قوله: (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن أبي أويس، وهو ابن أخت مالك الإمام صاحب الأتباع، وتَقَدَّم (أَبُو النَّضْر)، تقدَّم مِرارًا أنَّه بالضاد المعجمة، وأنَّه لا يشتبه بـ (نصر) الذي هو بالمهملة، وذلك لأنَّ الذي بالإعجام لا يأتي إلَّا بالألف واللَّام بخلاف (نصر) المهمل، فإنَّه لا يأتي بهما، وهذا أبو النضر تَقَدَّم مِرارًا أنَّه سالم بن أبي أميَّة، وقد تَقَدَّم مترجمًا، و (أبو سَعِيد): سعد بن مالك بن سنان الخدريُّ، تَقَدَّم مِرارًا.
قوله: (مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا): زهرتها: غضارتها ونعيمها، كزهرة النبات، وهو حسنه ونوَّاره.
قوله: (فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا): تَقَدَّم الكلام على التفدية بالأب، أو الأمِّ، أو بهما، وأنَّه جائزٌ، ويأتي في (أُحُد).
قوله: (هُوَ الْمُخَيَّر): تَقَدَّم أنَّه يجوز في (المخيَّر) هنا النَّصْب والرَّفع، وهما معروفان، وكذا قوله: (وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا)، والراجح: النَّصْب.
قوله: (إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ): تَقَدَّم الكلام عليه.
قوله: (إِلاَّ خُلَّةَ الإِسْلاَمِ): تَقَدَّم الكلام عليه في (مناقب الصِّدِّيق).
قوله: (إِلاَّ خَوْخَة أَبِي بَكْرٍ): (خَوخة): يجوز فيها النَّصْب والرَّفع، وقد تَقَدَّم الكلام على الأحاديث التي فيها: «إلَّا باب عليٍّ» بما فيه كفاية، والله أعلم.

(1/7194)


[حديث: إني أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين]
3905# 3906# قوله: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بضمِّ الموحَّدة، وفتح الكاف، وأنَّه يحيى بن عبد الله بن بُكَيْر، نُسب إلى جدِّه، و (اللَّيْثُ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن سعد الإمام الجوادُ، و (عُقَيْل): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه ابن خالد، و (ابْنُ شِهَابٍ): هو الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم.
قوله: (أَبَوَيَّ قَطُّ إِلاَّ وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ): أبواها الصِّدِّيق أبو بكر وأمُّ رومان دعد، وقيل: زينب، تَقَدَّما، وتعني بـ (الدين): دين الإسلام، وقد تَقَدَّم ذلك، و (قطُّ): تَقَدَّم الكلام عليها بلُغاتها.
قوله: (فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونُ): (ابتُلي): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (المسلمون): مرفوعٌ نائبٌ مناب الفاعل.
قوله: (حَتَّى إذا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ [1]): تَقَدَّم الكلام عليه مطوَّلًا، وما رواه ابن إسحاق في ذلك معارضًا لهذا الكلام، وتَقَدَّم الكلام على (ابن الدَّغِنَة) ضبطًا، وأنَّ اسمه مالك، وقال بعض حُفَّاظ العصر: أو الحارث، وأنَّه هلك على كُفره، وأنَّ بعضهم قال: رَبيعة بن رُفيع، وتَقَدَّم توهيمه، وقد ذكرته مطوَّلًا ضمن (كتاب الحوالات)، وتَقَدَّم الكلام على (الْقَارَةِ): القبيلة المعروفة، وهي بتخفيف الراء.
قوله: (لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ): (يَخرُج): بفتح أوله، وضمِّ ثالثه، مبنيٌّ للفاعل، و (يُخرَج) الثانية مبنيَّة للمفعول، وهذا ظاهرٌ، و (تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ): تَقَدَّم الكلام عليه في أوَّل هذا التعليق، وكذا (فَأَنَا لَكَ جَارٌ).
قوله: (أَنْ يفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا): (يفتن): بفتح أوَّله ثلاثيٌّ، ويجوز رُباعيٌّ، وهما لغتان، و (نساءَنا): منصوب مفعول، وهذا ظاهرٌ، و (أبناءَنا): معطوف عليه.
قوله: (ثُمَّ بَدَا): تَقَدَّم أنَّه معتلٌّ غير مهموز؛ أي: ظهر، وهذا ظاهرٌ، وتَقَدَّم (الفَنَاء) ما هو ضبطًا ومعنًى.
قوله: (مَسْجِدًا): هذا المسجد هو أوَّل مسجد بُنِيَ في هذه الأمَّة أمَّة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وثانيه: مسجد قباء، والثالث: مسجد المدينة المشرَّفة.
قوله: (فيتقصَّف): هو بالقاف، والصاد المهملة المُشدَّدة، وبالفاء، قال ابن قُرقُول: (فيتقصَّف)، وفي رواية القابسيِّ: (تتقصَّف)؛ بمثنَّاتين فوق؛ أي: يزدحمن، وقال في القاف مع الذال المعجمة: «فتتقذَّف عليه نساء المشركين»، كذا للمروزيِّ والمستملي، وعند غيرهما من شيوخ أبي ذرٍّ: (فينقذفُ)، وعند الجرجانيِّ: (فيتقصَّف)، وهو المعروف.
قوله: (وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ): (أشراف): منصوبٌ مفعولُ (أفزع)، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (أَجَرْنَا): هو بالراء، وهذا ظاهرٌ، وكذا (بِجوَارِكَ) غير أنَّ فيه لغتين: جِوار؛ بالكسر، وجُوار؛ بالضم، وقد تَقَدَّم.

(1/7195)


قوله: (أَنْ يفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا): تَقَدَّم الكلام على (يفتن) أعلاه، وأنَّه ثلاثيٌ ورُباعيٌّ، وأنَّ (نساءَنا): منصوب، و (أبناءَنا): معطوف عليه، وفي نسخة (يُفتَن نساؤنا وأبناؤنا): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (نساؤنا): بالرَّفع نائب مناب الفاعل، و (أبناؤنا): معطوف عليه، وهذا ظاهرٌ.
[ج 2 ص 87]
قوله: (ذِمَّتَكَ): أي: أمانك وعهدك، وقد تَقَدَّم، وكذا تَقَدَّم (أَنْ نُخْفِرَكَ)، وكذا (الاِسْتِعْلاَنَ): تَقَدَّم أنَّه منصوب مفعول اسم الفاعل؛ وهو (مُقِرِّين)، وكذا قوله: (فَإِمَّا): أنَّه بكسر الهمزة، وتشديد الميم، وكذا الثانية، وهذا ظاهرٌ جدًّا، وكذا (أُخْفِرْتُ): أنَّه مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، وفي آخره تاء المتكلِّم المضمومة، ومعناه: نُقِضَ عهدي، وكذا تَقَدَّم (اللَابَتَان): وأنَّهما الحرَّتان، وأنَّ الحرَّة: أرض تركبها حجارة سود، و (قِبَل): تَقَدَّم أنَّه بكسر القاف، وفتح الموحَّدة في الموضعين، وكذا تَقَدَّم الكلام على (رسْلِكَ)، وأنَّه بفتح الراء وكسرها باختلاف المعنى، فمعنى الكسر: التؤدة، والفتح: اللِّين والرفق، وأصله: السَّيْر اللَّيِّن.
وكذا تَقَدَّم الكلام على قوله: (وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ): تَقَدَّم أنَّ إحداهما _وهي التي أخذها عليه السلام بالثمن_ أنَّها القصواء، وفي هذا «الصحيح»: أنَّها الجدعاء، وتَقَدَّم كم كان الثمن، وما الحكمة في أنَّه لا يأخذها إلَّا بالثمن، وسأذكره قريبًا إن شاء الله تعالى.
وتَقَدَّم الكلام على (وَرَقَ السَّمُرِ): وأنَّه بفتح السين، وضمِّ الميم، وأنَّه ضرب من شجر الطلح، الواحدة: سَمُرة، و (الْخَبَطُ): أنَّه بفتح الخاء المعجمة والموحَّدة، وبالطاء المهملة، وهو ورق السَّمُر، كما في الرواية، وقال بعضهم: كذا وقع: (السَّمُر؛ وهو الخبط)، وفيه نظر، فقد فرَّق بينهما أبو حنيفة في «نباته» وأبو زياد، وكذا تَقَدَّم الكلام على (نَحْرِ الظَّهِيرَة) وأنَّه حين تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع، وقال يعقوبُ: هو أوَّلها.
قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ): تَقَدَّم أنَّ (ابن شهاب): هو الزُّهريُّ محمَّد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب العالم المشهور، و (قال) من المُدَلِّس بمنزلة (عَنْ) و (أَنَّ)، والله أعلم، وقد احتمل الأئمة تدليسه، وذلك إمَّا لإمامته، أو لقلة تدليسه في جنب ما روى، أو لأنَّه لا يدلِّس إلَّا عن ثقةٍ، والله أعلم.
قوله: (قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ): هذا القائل لا أعرف اسمه، قال بعض الحُفَّاظ العصريِّين: يحتمل أن يفسَّر بعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر.

(1/7196)


قوله: (مُتَقَنِّعًا): التقنُّع: هو تغطية الرأس من داء ونحوه، قاله ابن قُرقُول، وقال ابن القَيِّم في كتاب «الهَدْي» ما لفظه: وأمَّا الطيلسان؛ فلم ينقل عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لبسه، ولا أحدٌ من الصَّحابة، بل قد ثبت في «صحيح مسلم» من حديث النَّوَّاس بن سمعان عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أنَّه ذكر الدَّجَّال، فقال: «يخرج معه سبعون ألفًا من يهود أصبهان عليهم الطيالسة»، ورأى أنسٌ رضي الله عنه جماعةً عليهم الطيالسة، فقال: (ما أشبههم بيهود خيبر!)، ومن ههنا كره لبسها جماعةٌ من السلف والخلف؛ لما روى أبو داود والحاكم في «المستدرك» عن ابن عمر عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «من تشبَّه بقومٍ؛ فهو منهم»، وفي التِّرمذيِّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «ليس منَّا مَن تشبَّه بغيرنا»، وأمَّا ما جاء في حديث الهجرة: (أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جاء إلى أبي بكرٍ متقنعًا بالهاجرة)؛ فإنَّما فعله النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تلك الساعة؛ ليختفي بذلك، ففَعَله للحاجة ولم تكن عادته التقنُّع، وقد ذكر أنسٌ رضي الله عنه أنَّه كان يُكثر القناع، وهذا إنَّما كان فَعَله _والله أعلم_ للحاجة من الحرِّ ونحوه، وأيضًا فليس التقنُّع هو التَّطيلُس، انتهى.
وقد ذكر الشيخ محيي الدين النَّوويُّ في «تهذيبه» في (بدع) عن أبي محمَّد بن عبد السلام الشافعيِّ المعروف أنَّه قال: (البدعة منقسمة إلى واجبةٍ، ومحرَّمةٍ، ومندوبةٍ، ومكروهةٍ، ومباحةٍ ... ) إلى أن قال: (وللبدع المباحة أمثلةٌ منها كذا وكذا ... ) إلى أن قال: (ولبس الطيالسة، وتوسيع الأكمام، وقد يختلف في بعض ذلك)؛ يعني: في بعض مجموع ما ذكره من الأمثلة، قال: (فيجعله بعضُ العلماء من البدع المكروهة، ويجعله آخرون من السنن المفعولة في عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فما بعده ... ) إلى آخر كلامِه.
وقد نقل شيخنا الإمام غياث الدين ابن العاقوليِّ في كتابه «الرصف» ترجمةً في ملابسه صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: الطيلسان: عن عبد السلام بن حرب: حدَّثني موسى الحارثيُّ ومن بني أميَّة قال: وُصِف لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الطيلسان، فقال: «هذا ثوب لا يؤدَّى شكرُه»، أخرجه ابن سعدٍ، انتهى.
وقد رأيت في «الكفاية» للعلَّامة الفقيه نجم الدين ابن الرَّفعة المصريِّ الشافعيِّ ما لفظه: (فقد يكون الشيء مروءة لقومٍ، وتَرْكُه مروءة لآخرين، فإنَّ السوقيَّ لو تطيلس؛ كان تاركًا للمروءة، وهو من الفقيه مروءة) انتهى، فمفهومه: أنَّ ترك الطيلسان للفقيه ترك مروءة، وهذا تباين كبير بين كلامه وكلام ابن القَيِّم، وكذا كلام ابن عبد السلام: أنَّه من البدع المباحة، والله أعلم.
قوله: (فِدًى لَهُ أَبِي وَأُمِّي): تَقَدَّم الكلام عليه.
قوله: (فَأَذِنَ لِي): هو بفتح الهمزة، مبنيٌّ للفاعل.
قوله: (أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ): (أَخرِج): بفتح الهمزة، وكسر الراء، فعل أمرٍ، وهذا ظاهرٌ جدًّا.

(1/7197)


قوله: (الصَّحَابَة): كذا في نسخةٍ في هامش أصلنا، وفي الأصل: (الصُّحبةَ)، و (الصَّحابة): منصوبةٌ ومرفوعةٌ، و (الصُّحبةَ) منصوبةٌ فقط، كذا في أصلنا، وينبغي أن يجيء فيها ما جاء في (الصَّحابة)، والله أعلم.
قوله: (بِالثَّمَنِ): تَقَدَّم أعلاه أنَّ الراحلة التي هاجر عليها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم القصواء، كذا قاله غير واحدٍ، وفي هذا «الصحيح» في (غزوة الرَّجيع): أنَّها الجدعاء، وكذا قال مغلطاي في «سيرته»، وقد اختُلِف في القصواء والجدعاء والعضباء؛ هل هنَّ ثلاث، أو اثنتان، أو واحدة؟ على أقوال.
فائدةٌ: قال السُّهيليُّ: (سُئِل بعض أهل العلم: لِمَ لم يقبلها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا بالثمن؟) انتهى، واعلم أنَّ الثمن كان أربع مئة درهمٍ، كما تَقَدَّم، قال السُّهيليُّ: (وقد أنفق أبو بكرٍ من ماله عليه ما هو أكثر من هذا، فقبله، وقد قال عليه السلام: «ليس من أحد أمنَّ عليَّ في أهلٍ ومالٍ من أبي بكرٍ»، وقد دفع إليه حين بنى بعائشة ثنتي عشرة أوقيَّةً ونشًّا، فلم يأبَ من ذلك.
فقال المسؤول:
[ج 2 ص 88]
إنَّما ذلك لتكون هجرته إلى الله بنفسه وماله؛ رغبةً منه عليه السلام في استكمال فضل الهجرة إلى الله عزَّ وجلَّ، وأن تكون الهجرة والجهاد على أتمِّ أحوالها، وهو قولٌ حسنٌ، حدَّثني بهذا بعض أصحابنا عن الفقيه الزاهد ابن اللَّوَّان) انتهى، ورأيت في حاشية نسخةٍ من «الرَّوض» عن ابن دحية تجاه: (بعض أصحابنا): أنَّه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزيُّ، عُرف بابن قُرقُول، وقد قدَّمتُ ذلك كلَّه.
فائدةٌ: في «صحيح أبي حاتم» عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنفق أبو بكرٍ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أربعين ألفًا، كذا عزاه إلى أبي حاتمٍ المحبُّ الطبريُّ في «أحكامه» في (الزكاة)، وفي «تذهيب الذَّهبيِّ»: عن عروة: أنَّ أبا بكرٍ أسلم وله أربعون ألف دينارٍ، وقد قدَّمتُ ذلك أيضًا.
قوله: (أَحَثَّ الْجهَازِ): هو بالثاء المُثلَّثة؛ أي: أعجل وأسرع، و (الجهَاز): هو بفتح الجيم وكسرها.
قوله: (سُفْرَةً): تَقَدَّم أنَّ (السفرة) طعام المسافر، وتَقَدَّم (الْجِرَاب) بالكسر، وتفتح لُغيَّةٌ حكاها النَّوويُّ، وتَقَدَّم (النِّطَاق) ما هو، وكذا قوله: (سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَينِ) تَقَدَّم، وكذا (ثَوْر) أنَّه جبل في حواضر مكَّة، وأنَّه بالثاء المُثلَّثة، وكذا قوله: (فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ)، وفي نسخةٍ: (فمكثا)، و (كَمن): بفتح الميم على الفصيح، ويقال: بكسرها، وقد قيل: بضع عشرة ليلةً، وأنَّه جاء ذلك في حديثٍ مرسل، قال ابن عبد البَرِّ: وهذا غير صحيح عند أهل العلم بالحديث، قال: والأكثر ما قاله مجاهدٌ؛ يعني: (مكثا فيه ثلاثًا)، انتهى.
قوله: (ثَقِفٌ لَقِنٌ): أما (ثَقِفٌ): فبالثاء المُثلَّثة، وكسر القاف وتُسكَّن، ثُمَّ فاء، و (لَقِنٌ): بفتح اللَّام، ثُمَّ قاف مكسورة وتُسكَّن، ثُمَّ نون، ومعنى (ثَقِفٌ): فَطِنٌ مدركٌ لحاجته بسرعةٍ، و (لَقِنٌ): حافظٌ.

(1/7198)


قوله: (فيَدَّلِجُ): تَقَدَّم أنَّه بفتح المثنَّاة تحت، وفتح الدال المهملة المُشدَّدة، ويجوز (فيُدْلج): بضمِّ المثنَّاة، وإسكان الدال، وقد تَقَدَّم الكلام على (أدْلج)، و (ادَّلج).
قوله: (بسَحَرٍ): (السحر): قُبيل الفجر؛ كذا في «الصحاح»، وهو مصروفٌ، وقد تَقَدَّم ما قاله غيرُه.
قوله: (يُكَادَان بِهِ): كذا في أصلنا، وفي الهامش من أصلنا: (يُكتادان)، وعليها (صح)، وكلاهما مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، والكيد هنا: المكر، واكتاد: افتعل، من الكيد، وهما يتكايدان، ولا تقل: يتَكادان.
قوله: (عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ): صحابيٌّ معروفٌ، قُتِل يوم بئر معونة، قتله عامر بن الطُّفيل، وعُمْرُ عامر بن فُهيرة حين قتل أربعون سنة، وهو قديم الإسلام أسلم قبل أن يدخل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم دار الأرقم بن أبي الأرقم، وبئر معونة: سيأتي أنَّها في صفر على رأس أربعة أشهرٍ من أُحُد عند ابن إسحاق، وقد تَقَدَّم ذلك، ويقال: قتله جَبَّار بن سُلمى، وسيأتي ذلك بأطول من هذا وأتمَّ.
قوله: (مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ): (المنحة) بكسر الميم معروفةٌ، وقد تَقَدَّمت.
قوله: (فَيُرِيحُهَا): هو بضمِّ الياء، والإراحة: ردُّ الماشية بالعشيِّ.
قوله: (فِي رِسْلٍ): هو بكسر الراء، وإسكان السين المهملة، وباللَّام، وهو اللَّبن، وكذا فسَّره في الحديث نفسه.
قوله: (وَرَضِيفِهِمَا): هو بفتح الراء، وكسر الضاد المعجمة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ فاء، وهو في أصلنا مجرورٌ، وفي جرِّه نظرٌ، وينبغي أن يكون بالرَّفع؛ لأنَّ الرضيفَ اللبنُ المرضوف، وهو الذي طُرِح فيه الحجارة لتُذهِبَ وَخامته، قال الدِّمياطيُّ: هو اللَّبن يُغلى بالرَّضفة، والجمع: رُضْف، وهو الحجارة المحمَّاة، وشواءٌ مرضوفٌ: يُشْوَى على الرَّضْف، انتهى، وقال ابن قُرقُول: (الرِّسل: اللَّبن، والرَّضيف والمرضوف: اللَّبن يُحقَن في السقاء حتَّى يصير حازرًا، ثُمَّ يُصبُّ في القدح، وقد سُخِّنتْ له الرضاف، فتَكسِر من بَردِه ووخامته، وقيل: الرَّضيف: المطبوخ منه على الرَّضف)، وقال في (الاختلاف): وعند الخطابيِّ في روايةٍ: (وصريفها)؛ وهو اللبن ساعة يُحلَبُ، وفي روايةِ عبدوس والنسفيِّ: (ورضيعهما)؛ بالعين والتثنية، وليس بشيء، انتهى، و (الحازِر) في كلامه: بالحاء المهملة، وبعد الألف زاي مكسورة، ثُمَّ راء، وهو اللَّبن الحامض.
قوله: (حَتَّى يَنْعِقَ): النعيق؛ بالعين المهملة، وفتح النون: صوت الراعي بغنمه، وقد نَعَق الراعي بغنمه ينعِق _بالكسر_ نعيقًا، ونُعاقًا، ونَعاقًا؛ أي: صاح بها وزجرها، وفي الأصل الذي سمعت منه على العراقيِّ: (ينعق) بكسر العين وفتحها بالقلم، وينبغي أن يُمنَع الفتح فإنَّي لا أعرفه، والله أعلم.

(1/7199)


قوله: (وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ): قال الدِّمياطيُّ: هو عبد الله بن أريقط، انتهى، وكذا قال غيره، وهذا معروفٌ، وقد سمَّاه ابن إسحاق: عبد الله بن أرقط، وقال ابن هشامٍ: ويقال: ابن أريقط، وعبد الله هذا صحابيٌّ أسلم بعد هذه القصَّة، وقال الإمام السُّهيليُّ في حديث أمِّ معبد: والرابع: عبد الله بن أريقط اللَّيْثيُّ، ولم يكن إذ ذاك مسلمًا، ولا وجدنا من طريقٍ صحيحٍ أنَّه أسلم بعد ذلك، انتهى لفظه، وقال شيخنا فيما قرأته عليه: واسم الدليل: عبد الله فيما ذكره ابن إسحاق، وقال مالكٌ في «العُتْبِيَّة»: اسمه رقيط، انتهى، وقد تَقَدَّم كلُّ ذلك غير كلام الدِّمياطيِّ، والله أعلم.
قوله: (خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَة): (الخِرِّيْت): بكسر الخاء المعجمة، وكسر الراء المُشدَّدة، ثُمَّ مثنَّاة تحت ساكنة، ثُمَّ مثنَّاة فوق، وهو مثال: حِمِّيْر، وشِرِّيْب، وفِسِّيْق، وهو كما قال في الحديث: الماهر بالهداية، وهو الدليل الحاذق، وجمعه: خرارِت، ولفظ «النِّهاية»: الخِرِّيت: الماهر الذي يهتدي لأَخْرات المفاوز، وهي طرقها الخفيَّة ومضائقها، وقيل: أراد يهتدي لمثل خُرت الإبرة من الطريق، انتهى.
قوله: (قَدْ غَمَسَ حِلْفًا): وفي رواية: (يمين حلف)؛ أي: حالفهم، وكانت عادتُهم أن يُحضِروا طيبًا في جَفنة، أودمًا، أو رمادًا، فيدخلون فيه
[ج 2 ص 89]
أيديهم ليتمُّوا عقد تحالفِهم بذلك، وبه سُمِّي بعضهم: حِلْف المطيَّبين، وبعضهم: لَعَقَة الدم، ووقع في كتاب عُبدوس: (عَمَسَ) بعين مهملة، وهو تصحيف، انتهى كلامُ ابن قُرقُول، و (الحِلْف)؛ بكسر الحاء، وإسكان اللَّام: العهدُ يكون بين القوم.
قوله: (فِي آلِ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ): تَقَدَّم الكلام على (العاصي)، وأنَّ الصحيح فيه إثبات الياء، وأنَّه كافرٌ معروفٌ هلك على كفره بالشوكة، وأنَّه كان من المستهزئين، وأنَّه والد عمرو بن العاصي، رضي الله عن عَمرو.
قوله: (فَأَمِنَاهُ): هو بكسر الميم المُخَفَّفة.
قوله: (وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ): تنبيه: الأبعرة التي ركبوها كانت ثلاثة؛ بعيرٌ لعبد الله بن أريقط، وبعيرٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وبعيرٌ لأبي بكرٍ، وردفه عامر بن فُهيرة، هذا معنى «سيرة ابن إسحاق»، انتهى، والبعير: الذكر والأنثى، وبعير النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وكذا بعير الصِّدِّيق كانا ناقتين، وأمَّا بعير ابن أريقط، فلا أعلم ذكرًا كان أو أنثى، وقول ابن إسحاق: (وبعيرٌ لأبي بكرٍ وردفه عامر بن فُهيرة) كالصريح في أنَّ ناقة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم لنفسه خاصَّة، وليس كذلك، فإنَّ في هذا «الصحيح» كما سيأتي في (بئر معونة): أنَّهما (يُعْقِبانه)؛ يعني: النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكرٍ، وقد ذُكِر عامر بن فُهيرة في أردافه عليه السلام، ويحتمل قوله: (بعيرٌ لرسول الله)؛ يريد به: الملك لا الانفراد بالركوب، والله أعلم.

(1/7200)


قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ الزُّهريُّ، هذا معطوف على السند المذكور قبله، واحذر أن تجعله تعليقًا، وقد رواه البُخاريُّ عن يحيى ابن بُكَيْر، عن اللَّيْث، عن عُقيل، عن ابن شهابٍ، عن عبد الرحمن بن مالكٍ المُدْلِجيِّ بالسند الذي ذكره في هذا.
قوله: (وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيُّ، وَهْوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ): (عبد الرحمن) هذا: قال الذَّهبيُّ: روى عن عمِّه سُراقة، وعنه: الزُّهريُّ، وثَّقه النَّسائيُّ، انتهى، وقال في (مالكٍ) والد عبد الرحمن هذا: روى عن أخيه، وعنه: ابنه عبد الرحمن، ذكره ابن حبَّان في «ثقات التابعين»، انتهى، وما ذكره في ترجمة مالك بن مالكٍ يوافق ما هنا، وما ذكره في ترجمة عبد الرحمن لا يوافقه، ويحتمل أن يكون عبد الرحمن روى عن أبيه، وعن عمِّه سراقة، والله أعلم بالصواب، وقد قدَّمتُ ترجمة (سُراقة بن مالك بن جُعشم) واللغتين في (جُعشم) فيما مضى.
قوله: (جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ): هؤلاء لا أعرف أسماءهم.
قوله: (دِيَةً كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا): (ديةً): في أصلنا منصوبةٌ مُنَوَّنٌ مفعولٌ، و (كلَّ واحدٍ) منصوب على نزع الخافض؛ أي: في كل واحد، وفي نسخة أخرى صحيحة: (ديةَ) منصوب غير مُنَوَّن، و (كلِّ) مجرورٌ بالإضافة، والدية: مئة من الإبل، وهذا معروفٌ، وقد صرح ابن إسحاق بذلك في «سيرته»، فقال: وجعلتْ قريشٌ فيه_أي: في رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم_ حين فقدوه مئة ناقةٍ لمن رده عليهم، وذكر قريبًا من ذلك أيضًا قال: فلمَّا خرج رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مكَّة مهاجرًا إلى المدينة؛ جعلت فيه قريشٌ مئة ناقة لمن ردَّه عليهم.
قوله: (رَجُلٌ مِنْهُمْ): هذا الرجل لا أعرف اسمه.
قوله: (آنِفًا): تَقَدَّم أنَّ فيه مدَّ الهمزة وقصرها، وأنَّ معناه: الآن والساعة.
قوله: (أَسْوِدَةً) أي: أشخاصًا.
قوله: (أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ): (أُراها): بضمِّ الهمزة؛ أي: أظنُّها.
قوله: (فُلاَنًا وَفُلَانًا): هذان لا أعرفُ اسميهما، وكذا جارية سراقة لا أعرف اسمها.
قوله: (تَخْرُجَ): هو بفتح التاء، وضمِّ الراء، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (أَكَمَةٍ): تَقَدَّم ما (الأكمة)؛ وهي الرابية، وقيل غير ذلك.
قوله: (فَخَطَطْتُ): هو بالخاء المعجمة، قال ابن قُرقُول: بالحاء المهملة للقابسيِّ، والحمُّوي، والأصيليِّ؛ أي: أملتُ أسفله وخفضت أعلاه؛ لئلَّا يظهر بريقه لمن بَعُد منه، فينذر به، وينكشف أمره، وللباقين بالخاء المعجمة؛ أي: خفض أعلاه، فأمسكه بيده، وجرَّ زُجَّه على الأرض، فخطَّها به غير قاصد لخطِّها، لكن لئلَّا يظهر الرمح إن هو أمسك زُجَّه ونصبه، قاله ابن قُرقُول بمعناه.
قوله: (بِزُجِّهِ الأَرْضَ): زُجُّ الرمح؛ بضمِّ الزاي، وتشديد الجيم: الحديدةُ التي في أسفل الرمح، وجمعها: زِجَجَة وزِجاج، ولا تقل: أَزِجَّة، قاله الجوهريُّ.

(1/7201)


قوله: (فَرَفَّعْتُهَا): هو بتشديد الفاء، كذا في أصلنا، يقال: رفَّع الفرس في السَّير؛ إذا بالغ، ورفَعته_بالتخفيف_ يتعدَّى ولا يتعدَّى، وكذلك رفَّعته ترفيعًا، والله أعلم.
قوله: (تُقَرِّبُ بِي): هو بضمِّ التاء، وكسر الراء المُشدَّدة، وكذلك (تُقَرِّبُ بِي) الثانية، يقال: قرَّب الفرس يقرِّب تقريبًا؛ إذا عدا عدوًا دون الإسراع، وله تقريبان؛ أدنى وأعلى.
قوله: (إِلَى كِنَانَتِي): الكِنانة؛ بالنون بعد الكاف، ونون أخرى بعد الألف: جَعبة السهام؛ لأنَّها تكنُّ السهام؛ أي: تستُرها.
قوله: (فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ): تَقَدَّم الكلام على (الأزلام) وواحدِها.
قوله: (فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا): الاستقسام بالأزلام: هو الضرب بها؛ لإخراج ما قسم الله لهم من أمرٍ، وتمييزه بزعمهم.
قوله: (سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي): هو بالسين، وبعد الألف خاءٌ معجمةٌ، ثُمَّ تاء التأنيث الساكنة، يقال: ساخت تسوخ وتسيخ: دخلت فيها وغابت؛ مثل: ثاخت.
قوله: (غُبَار): كذا في أصلنا، وفي الهامش: (صوابه: عُثان) انتهى، والعُثَان: بضمِّ العين المهملة، ثُمَّ مثلَّثة مُخَفَّفة، وبعد الألف نون، وكذا ذكره ابن الأثير: (عثان)، ولفظه: (ولها عثان؛ أي: دخان، وجمعه: عواثن، على غير قياسٍ) انتهى، وفي «الصحاح»: (العُثان: الدخان، وكذلك: العَثَنُ، وجمعهما: عواثِنُ ودواخِنُ، ولا يُعرف لهما نظيرٌ) انتهى، ولم أر ذلك في كلام «المطالع»، والله أعلم، وكما صُوِّب ذكره ابن سيِّد الناس في «سيرته»، وقال في «الفوائد»: (العُثان؛ بضمِّ العين المهملة، والثاء المُثلَّثة: شبه الدخان، وهو مفسَّر في الحديث بذلك، وجمعه: عواثن) انتهى.
[ج 2 ص 90]
قوله: (مِثْلُ الدُّخَانِ): (الدخَان): بتخفيف الخاء، وهذا ظاهرٌ جدًّا.
قوله: (أَنْ سَيَظْهَرُ): (أَنْ): بفتح الهمزة، وسكون النون، و (سيظهرُ): بالرَّفع، وهذا معروفٌ، وهي مُخَفَّفة من الثقيلة، والله أعلم.
قوله: (قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ): تَقَدَّم أنَّها مئةٌ من الإبل.
قوله: (أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ): (الأخبار): بفتح الهمزة، جمع خبرٍ.
تنبيه: لمَّا مرُّوا بأمِّ معبد بقديدٍ، وراحوا من عندها؛ تعرَّض لهم سراقة بن مالك؛ فاعلمه، ولكن حديث أمِّ معبد ليس على شرط الصحيح، فلهذا لم يذكره البُخاريُّ، والله أعلم.
قوله: (فلم يَرْزأَاني): هو بفتح المثنَّاة تحت، ثُمَّ راء ساكنة، ثُمَّ زاي، ثُمَّ همزة مفتوحة؛ أي: لم يأخذا منِّي شيئًا، يقالُ: رزأْتُه أرزأُه، وأصله: النقصُ.
قوله: (أَخْفِ عَنَّا): (أَخْفِ): بفتح الهمزة، وكسر الفاء، أمرٌ من الرُباعيِّ، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أدم): تَقَدَّم الكلام على كُتَّابِه صلَّى الله عليه وسلَّم، وقد ذكرت منهم عامر بن فُهيرة في (كتاب الشروط).

(1/7202)


تنبيهٌ: في «سيرة ابن إسحاق» أنَّ أبا بكرٍ هو الذي كتب له بأمره عليه السلام في عظم، أو رقعة، أو في خزفة، كذا بالشكِّ، ولعلَّه لمَّا كتب عامر بن فهيرة؛ أراد سراقة أن يكتب عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أبو بكرٍ الصِّدِّيق، وذلك لأنَّ أبا بكرٍ كبيرٌ من كبار قريش معروف مشهور، وذاك مولاه، فأراد أن يكون الكتاب بخطِّ هذا الرجل الكبير المشهور، والله أعلم.
قوله: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ... ) إلى آخره: تَقَدَّم أن (ابن شهاب): هو الزُّهريُّ، وقول عروة: (أنَّ رسول الله) مرسلٌ؛ لأنَّ عروة تابعيٌّ ذَكَرَ قصَّة لم يُدركها، ولو أدركها؛ كان يكون صحابيًّا، والله أعلم.
قوله: (لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ... ) إلى أن قال: (فَكَسَا [2] [الزُّبَيْرُ] رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاض): قال ابن سيِّد الناس في «سيرته»: كذا وقع في هذا الخبر أنَّ الذي كسا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكر الزُّبَيرُ، وذكر موسى بن عقبة: أنَّه طلحة بن عبيد الله في خبرٍ ذكره، ورأيت ذَكَرَ ذلك شيخُنا، فقال في «شرحه»: قال الدِّمياطيُّ: لم يذكره الزُّبَير بن بكَّار ولا أهل السِّيَر، وإنَّما هو طلحة بن عبيد الله، قال ابن سعد: لمَّا ارتحل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الجوار في هجرته إلى المدينة؛ لقيه طلحة بن عبيد الله من الغد، جاء من الشام، فكسا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكر من ثياب الشام، وأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ مَنْ بالمدينة من المسلمين استبْطَؤُوا رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فعجَّل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، انتهى.
قوله: (إِلَى الحَرَّةِ): تَقَدَّم ما (الحرَّة).
قوله: (حَرُّ الظَّهِيرَةِ): هو مرفوعٌ فاعل (يردُّ)، و (الظهيرة): الهاجرة، وهي نصف النهار عند اشتداد الحرِّ.
قوله: (أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ): تَقَدَّم أنَّ (أوى) إذا كان لازمًا كهذا؛ كان الأفصح فيه القصر، وإن كان متعدِّيًا؛ كان الأفصح فيه المدَّ، غيرَ مرَّةٍ.
قوله: (أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ): أي: علا، واليهوديُّ لا أعرفه.
قوله: (عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ): (الأُطُم)؛ بضمِّ الهمزة، والطاء المهملة مضمومة وساكنة: بناء مرتفع، وجمعه: آطام، وهي حصون لأهل المدينة.
قوله: (فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): هو بضمِّ الصاد المهملة؛ أي: علم.
قوله: (مُبَيِّضِينَ): هو بتشديد الياء المكسورة؛ أي: لابسين ثيابًا بياضًا، يقال: هم المبيِّضة والمسوِّدة؛ بالكسر، وقد ضبطه بتشديد الياء وكسرها ابن الأثير في «نهايته»، وابن قُرقُول، والقاضي عياض، واللَّفظ لابن قُرقُول قال: وقد روي: مبيَّضًا؛ يعني: بفتح الياء المُشدَّدة، قال: وهو أوجه؛ لأنَّه قصد إلى صفته، انتهى.

(1/7203)


قوله: (يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ): (يزول)؛ أي: يتحرَّك، وكلُّ متحرِّكٍ زائلٌ، و (السراب): ما يظهر نصف النهار في الفيافي كأنَّه ماء.
قوله: (هَذَا جَدُّكُمُ): هو بفتح الجيم، وتشديد الدال المهملة، يحتمل أن يريد سعدَكم ودولتكم، وقال المحبُّ الطبريُّ: هذا حظُّكم وغناكم، من الجَدِّ: الحظِّ.
قوله: (حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ): اعلم أنَّه عليه السلام نزل في بني عمرو بن عوف على كلثوم بن الهِدْم، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة، وقال بعضُهم: نزل على كلثوم بن الهِدْم، وقيل: سعد بن خيثمة، قال ابن القَيِّم: والأوَّل أثبت؛ يعني: نزوله على كلثوم، انتهى.
وهو كلثوم بن الهِدْم بن امرئ القيس بن الحارث بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، وكان شيخًا كبيرًا، أسلم قبل وصوله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة، وتوفِّي قبل بدر بيسيرٍ، ثُمَّ أسعد بن زرارة، وقد رأيت في حاشيةٍ بخطِّ شيخنا المؤلِّف ما معناه: أنَّ كلثومًا كان مشركًا يومئذٍ؛ يعني: يوم نزوله عليه، قاله النيسابوريُّ في «شرف المصطفى»، انتهى، ورأيت عن ابن زَبَالة رواية: أنَّه يومئذٍ كان مشركًا، ولكنَّ ابن زبالة هو محمَّد بن الحسن بن زَبَالة كذَّابٌ، أخرج له أبو داود فقط؛ فاعلمه.
وسعد بن خيثمة مشهور الترجمة، وهو سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك الأوسيُّ، أبو خيثمة، وقيل: أبو عبد الله، نقيب بني عمرو بن عوف، شهد بدرًا، واستشهد بها، ولم يُعقِّب.
[ج 2 ص 91]
قوله: (وَذَلِكَ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ): كان يوم الاثنين ثاني عشر الشهر، زاد بعضهم: قدمها يوم الاثنين سابع ربيع الأوَّل، وقد قدَّمتُ في هذه المسألة خمسة أقوال: غرَّة ربيع لليلتين خلتا منه، وقيل: سابعه، وقيل: ثامنه، وقيل: ثاني عشره، وقدَّمتُ في هذا التعليق في أوائله أنَّه قيل: إنَّه قدم يوم الجمعة، وقد قدَّمتُ ما في ذلك، وقَدِمها حين اشتدَّ الضُّحاءُ وهو قريب من الزوال، وهذا هو المعروف أنَّه قَدِمها نهارًا، وفي أواخر «مسلم» و «كتاب البرقيِّ»: أنَّه قدمها ليلًا، وكذا نقله غيره كابن الجوزيِّ في «تلقيحه» وغيره، وقد رأيت عن الدِّمياطيِّ حاشيةً على «مسلم»، ولفظها: المحفوظُ عند أهل السِّيَر: أنَّهم قدموا نهارًا عند الظهيرة، انتهى.
قوله: (فَطَفِقَ): تَقَدَّم أنَّه بكسر الفاء، وأنَّه يجوز فتحها، وأنَّ معناه: جعل.
قوله: (يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ): هو من التحيَّة؛ وهي السلام.

(1/7204)


قوله: (فَلَبِثَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً): تَقَدَّم أنَّه لبث فيهم أربع عشرة ليلة، وكذا في «مسلم»، وفي بعض نسخ «البُخاريِّ»: أربعًا وعشرين ليلة، قال ابن إسحاق: وأقام رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين، ويوم الثلاثاء، ويوم الأربعاء، ويوم الخميس، وأسَّس مسجدهم، ثُمَّ أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة، وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنَّه مكث فيهم أكثر من ذلك، قال ابن سيِّد الناس في «سيرته»: والمشهور عند أهل المغازي ما ذكره ابن إسحاق، انتهى، وقد قدَّمتُ كلامًا لشيخنا العراقيِّ تعقُّبًا لإقامته أربع عشرة ليلة؛ فانظره في أوائل هذا، وفي صحَّة (أربع وعشرين) نظر، والله أعلم.
قوله: (وَأُسِّسَ الْمَسْجِدُ): (أُسِّس): مبنيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعله، و (المسجدُ): مرفوع، وفي نسخةٍ: (وأَسَّس): مبني للفاعل، و (المسجدَ): منصوبٌ، وهذان ظاهران.
قوله: (وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ): (المِرْبَد)؛ بكسر الميم، وإسكان الراء، وفتح الموحَّدة، وبالدال المهملة: الموضع الذي يوضع فيه التمر إذا جُذَّ لييبس؛ كالجرين، وأصله من الإقامة واللُّزوم، ربد بالمكان: أقام به.
قوله: (لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ): اعلم أنَّ في نسبهما اختلافًا؛ فقيل: هما ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو، من بني النجَّار، وقال الذَّهبيُّ: سهل بن رافع بن أبي عمرو بن عبيد، شهد أحُدًا، وتوفِّي في خلافة عمر، روت عنه بنته عُميرة، ولها صحبة، كذا أخرجه ابن منده، وأمَّا أبو عمر؛ فنسبه إلى بني النجَّار، وقال: له أخٌ يُسمَّى سهيلًا، وهما اليتيمان، شهد سهيل بدرًا، وخبط أبو نعيمٍ فيه، انتهى، وذَكَر سُهيلًا، وقال ما لفظه: سُهيل بن رافع بن أبي عمرو بن عابد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجَّار الأنصاريُّ النجاريُّ، بدريٌّ، أخو سهلٍ، توفِّي زمن عمر رضي الله عنه.
قوله: (في حَجْر سَعد بْنِ زُرَارَةَ): وفي نسخةٍ: (أسعد بن زرارة)، أمَّا (حَجْر): فهو بفتح الحاء وتكسر، وقد تَقَدَّم، وأمَّا (سعد بن زرارة) فقال ابن قُرقُول: (سعد بن زرارة): كذا لهم، والصوابُ: (أسعد)، وإنَّما سعدٌ أخوه، وقد جاء ذكره في «جامع الموطأ» أنَّ سعد بن زرارة اكتوى، كذا عند أكثر شيوخنا، وكان عند الباجي وأبي عمر: (أسعد)، وكذا لابن بُكَيْر، وهو الصواب، انتهى.

(1/7205)


وأسعد بن زرارة بن عُدَس، صحابيٌّ معروفٌ، وهو أحد النقباء كما قدَّمتُه، أخرج له أحمد في «المسند»،وأمَّا سعدٌ أخوه؛ بغير همزة في أوَّله؛ فقال عياض رحمه الله: (وأخوه سعد جدُّ يحيى وعمرة، أدرك الإسلام، ولم يذكره كثيرون في الصَّحابة، لأنَّه ذكر في المنافقين) انتهى، وقد ذكره ابن الجوزيِّ في «تلقيحه» في المنافقين، وقد عدَّه غير ابن الجوزيِّ صحابيًّا، والله أعلم ما كان، وقد ذكره أبو عمر في «الاستيعاب»، فقال ما لفظه: (سعد بن زرارة جدُّ عمرة بنت عبد الرحمن، قيل: إنَّه أخو أسعد بن زرارة أبي أمامة، فإن كان كذلك؛ فهو سعد بن زرارة بن عُدَس بن عُبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجَّار، وفيه نظرٌ، وأخشى ألَّا يكون أدرك الإسلام؛ لأنَّ أكثرهم لم يذكره) انتهى، وفي حاشيةٍ تجاه هذا الكلام في «الاستيعاب» بخطِّ أبي إسحاق بن الأمين لفظها: (أدرك الإسلام، وامتنع أكثرهم من ذكره؛ لما ذكر الواقديُّ أنَّ زيد بن ثابت ذكر قومًا من المنافقين في غزوة تبوك، فقال: وفي بني النجَّار من لا بارك الله فيه، فقيل: من يا أبا سعيد؟ فقال: سعد بن زُرارة، وقيس بن قهد) انتهت، وقد تَقَدَّم ذلك.
فائدةٌ هي تنبيهٌ: في «سيرة أبي الفتح اليعمريِّ»: أنَّهما كانا في حَجْر معاذ بن عفراء، وهنا ما قد رأيت: أنَّهما كانا في حَجْر أسعد بن زرارة، والجمع بينهما أنَّهما كانا في حَجْرهما، وأسعد ومعاذ ابنا عمٍّ، يجتمعان في غنم بن مالك بن النجَّار؛ فانظر نسبهما إن أردته، ورأيت في «تاريخ مدينة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم» للإمام زين الدين بن حسين المراغيِّ الشافعيِّ _وهذا الشخص رأيتُه بالقاهرة مرارًا لا أحصيها، واجتمعت به في بيته بالسوق بالمدينة المشرَّفة_: (أنَّه كان _يعني: المربد_ ليتيمين لأبي أيُّوب) انتهى، فإن صحَّ هذان؛ فلعلَّ الثلاثة كانوا يتكلَّمون في اليتيمين، فتارةً عُزِيَ الكلام فيهما لهذا، وتارةً لهذا، وتارةً لهذا، وأبو أيُّوب: تَقَدَّم مَرَّاتٍ أنَّه خالد بن زيد الأنصاريُّ رضي الله عنه، وإلَّا؛ فالقولُ قول «الصحيح».
قوله: (فَقَالَا: [لَا]؛ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ): تَقَدَّم الكلام على ذلك، وأنَّه عليه السلام [أبى]، كما جاء في بعض نسخ «البُخاريِّ»: (فأبى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقبله منهما هبةً)، وهذه الزيادة مخرَّجةٌ على هامش أصلنا، وعليها علامة راويها و (صح) في آخرها، وهي معروفةٌ عن أبي ذرٍّ، عن أبي الهيثم، عن الكشميهنيِّ، عن الفربريِّ، وقد تَقَدَّمت، وتَقَدَّم أنَّه عليه السلام أخذه بعشرة دنانير، وأمر أبا بكر أن يعطيهما من ماله، وقد قدَّمتُ عزو ذلك لمن قاله.
قوله: (وَطَفقَ): تَقَدَّم أنَّه بكسر الفاء وتفتح، وأنَّ معناها: جعل.
قوله: (اللَّبِنَ): تَقَدَّم أنَّه بفتح اللَّام، وكسر الموحَّدة، وأنَّه يجوز (اللِّبْن)؛ بكسر اللَّام، وإسكان الموحَّدة، وهو معروفٌ.

(1/7206)


قوله: (هَذَا الْحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ): (الحِمال)؛ بكسر الحاء المهملة، قال ابن قُرقُول: أي: هذا الحمل والمحمول من اللَّبِن أبرُّ عند الله وأطهر؛ أي: أبقى ذخرًا وأدوم منفعة، لا حمال خيبر من التمر والزبيب والطعام المحمول منها الذي يغتبط به حاملوه، والذي كنَّا من قبلُ نحملُه ونغتبط به، والحِمَال والحَمْل واحدٌ، وقد رواه المستملي: (هذا الجَمال لا جَمال خيبر)؛ بالجيم، وله وجهٌ، والأوَّل أظهر، انتهى، وقال ابن الأثير: الحِمال: بالكسر، من الحَمْل، والذي يحمل من خيبر التمر؛ أي: هذا في الآخرة أفضل من ذاك وأحمد عاقبةً، كأنَّه جمع حِمل أو حَمل، ويجوز أن يكون مصدر حَمَل أو حَامَل، انتهى.
وقوله: (لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ): هو بفتح اللَّام في أصلنا، وفيه نظرٌ، وإنَّما المعروف في العربيَّة: لا حمالُ؛ بضمِّ اللَّام، وقد رأيتُ عن بعض العلماء النحاة من أصحابنا المُتَأخِّرين أنَّه قال: (ونصبُ اللَّام لم أجد له معنًى موافقًا) انتهى، والله أعلم.
[ج 2 ص 92]
قوله: (رَبَّنَا): هو منصوبٌ منادى مضاف؛ أي: يا ربَّنا.
قوله: (وَأَطْهَرْ): هو بالطاء المهملة، وهذا ظاهرٌ جدًّا، قال ابن قرقول في (الطاء المهملة مع الهاء): كذا لأكثر الرواة؛ أي: أزكى عملًا، وعند بعضهم: (وأظهر)؛ بالظاء؛ يعني: المعجمة، قال ابن قرقول: والأوَّل أوجه، انتهى.
قوله: («اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَةْ…فَارْحَمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ». فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي): إنَّما يكون هذا شعرًا إذا حَذَف (أل) من (اللهمَّ)، فيبقى (لَاهُمَّ)، ويَكسِر همزة: (فإِرحم)، وإذا فُعل ذلك؛ صار رجزًا، وفي كونه شعرًا خلافٌ قدَّمتُه، والصحيح أنَّ الرجز شعرٌ، والله أعلم، وسيأتي بُعيده شيء آخر يتعلَّق بهذا.
قوله: (لَمْ يُسَمَّ لِي): قائل ذلك فيما يظهر ابن شهاب محمَّد بن مسلم القائل بعده: (ولم يبلغنا ... ) إلى آخره؛ هو من تتمَّة كلامه.
تنبيه: قال شيخنا عن الداوديِّ في قوله: (اللهمَّ لا عيش إلَّا عيش الآخرة ... )؛ البيت: إنَّما قاله ابن رواحة: (لاهمَّ)؛ بلا ألف ولا لام، فأتى به بعضُ الرواة على المعنى، انتهى، فاستفدنا من ذلك صاحبَ البيت، وأنَّه من تغيير الرواة، ونقل شيخنا أيضًا عن ابن بَطَّالٍ أيضًا أنَّه من شعر ابن رواحة، والله أعلم.
==========
[1] في هامش (ق): (بَرك الغماد: مَوضع في أقاصي هجر، والأكثر فتح الباء، ومنهم من كسر، قاله عياض).
[2] في (ق): (فكسا الزبيرُ)، (كذا وقع في هذا الخبر أنَّ الذي كسا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبا بكر الزبير، وذكر موسى بن عقبة أنَّه طلحة بن عبيد الله من «السيرة»، وكذا قاله الزبير بن بكار وأهل السير، قاله الدمياطيُّ).

(1/7207)


[حديث: صنعت سفرة للنبي وأبي بكر حين أرادا المدينة]
3907# قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ): تَقَدَّم مَرَّاتٍ أنَّ هذا هو الحافظ الكبير المصنِّف أبو بكر ابن أبي شيبة، وتَقَدَّم مِرارًا أنَّ (أَبَا أُسَامَةَ): هو حَمَّاد بن أسامة.
قوله: (عَنْ أَبِيهِ وَفَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ): (فاطمةَ)؛ بالجر، وعلامة الجر فيها الفتحة، قائل ذلك كما هنا هو هشام؛ يعني: ابن عروة، روى هذا الحديث عن والده عروة، وعن بنت عمِّه زوجتِه فاطمة بنت المنذر بن الزُّبَير، وكلاهما روياه عن أسماء بنت أبي بكر، فأسماء أمُّ عروة، وجدَّة فاطمة، وهذا ظاهرٌ عند أهله، ولا يجوز رفع (فاطمة)؛ لأنَّه يبقى أبو أسامة _وهو حَمَّاد بن أسامة_ راويًا عنها هذا الحديث، وليس كذلك، إنَّما روى عنها زوجها هشام بن عروة، والله أعلم.
قوله: (سُفْرَةً): تَقَدَّم ما هي غيرَ مرَّةٍ، وكذا تَقَدَّم الكلام على (النِّطاق).

(1/7208)


[حديث: لما أقبل النبي إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم]
3908# قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه بفتح الموحَّدة، وتشديد الشين المعجمة، وأنَّ لقبه بُنْدار، وكذا تَقَدَّم (غُنْدَرٌ) ضبطًا، وأنَّه محمَّد بن جعفر، وتَقَدَّم [من] لقَّبه بذلك، و (أبو إِسْحَاقَ): تَقَدَّم مِرارًا كثيرةً أنَّه السَّبِيعيُّ، وأنَّ اسمه عمرو بن عبد الله الهَمْدانيُّ، و (الْبَرَاء): أنَّه ابن عازب، وتَقَدَّمت ترجمتُهما مختصرةً، وأنَّ عَازبًا صحابيٌّ رضي الله عنهما، وكذا تَقَدَّم (سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ) بلُغتَي جدِّه، وكذا (فَسَاخَتْ).
قوله: (وَلاَ أَضُرُّكَ): هو بضمِّ الراء، ويجوز فتحها، وهذان معروفان.
قوله: (فَمَرَّ بِرَاعٍ): تَقَدَّم اسم هذا الراعي، وتَقَدَّم ما (الكُثْبَة) ضبطًا ومعنًى، وهنا: (فَأَخَذْتُ قَدَحًا فَحَلَبْتُ فِيهِ)، وفي رواية أخرى: (فأمرت الراعي فحلب)، وهذا جائزٌ أن ينسب إلى نفسه فعلًا أمر به غيره ففعله، ويحتمل أنَّ الاثنين تعاقبا على الحلب، والله أعلم.
قوله: (كُثْبَةً): قال ابن قُرقُول: (كثبة من لبن)، وفي أصل الأصيليِّ: (كثفة)، وكتب عليه: (كثبة)، قال: وهو الصحيح، قال القاضي _يعني: عياضًا_: والكثافة: الصفاقة، إلَّا أن تبدل الثاءُ فاءً؛ كجدث، وثوم، فإن صحت به الرواية؛ فهو ذاك، قال ابن قُرقُول: قلت: (كثفة من لبن): تصحيف لا شكَّ فيه، انتهى.

(1/7209)


[حديث أسماء: حملت بعبد الله بن الزبير فخرجت وأنا متم]
3909# قوله: (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ): تَقَدَّم مِرارًا أنَّه حَمَّاد بن أسامة، وتَقَدَّمت (أَسْمَاء): بنت أبي بكر رضي الله عنهما، وتاريخ وفاتها، وأنَّها بعد مقتل ابنها عبد الله بن الزُّبَير بيسير رضي الله عنها.
قوله: (وَأَنَا مُتِمٌّ) أي: شارفت الولادة، وهو بضمِّ الميم، وكسر التاء المثنَّاة فوق، ثُمَّ ميم مشدَّدة، وهذا ظاهرٌ.
قوله: (فَنَزَلْتُ بِقُبَاءٍ): تَقَدَّمت مع ما فيها من اللُّغات، وهي المدُّ والقصر، والصرف وعدمه، والتأنيث والتذكير، وأنَّها على ثلاثة أميال من المدينة.
قوله: (فَأَوَّلُ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ رِيقُ): (جوفَه): منصوبٌ مفعولٌ، و (أوَّلُ): مرفوع، وقال بعضهم: منصوب؛ لأنَّه خبر (كانَ)، و (ريقُ): مرفوعٌ اسمها، وهذا على رواية: (فكان أوَّلَ شيء دخل جوفه) لا على رواية: (فأوَّلُ شيء)، والله أعلم.
قوله: (فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءٍ ... ) إلى أن قالت: (وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ): تعني: بالمدينة، وإلا؛ فقد وُلد قبله لهم بالحبشة للمهاجرين أيضًا، وإلا؛ فقد وُلد قبله النعمان بن بشير للأنصار.
فائدة: وُلد عبد الله بن الزُّبَير بعد عشرين شهرًا من الهجرة، وقيل: في السنة الأولى، وأمَّا النعمان بن بَشِير؛ فإنَّه وُلد على رأس أربعة عشر شهرًا من الهجرة، وقيل في مولده غير ما ذكرت، لكنَّ الذي ذكرته هو الأصحُّ، والله أعلم.
قوله: (تَابَعَهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ ... ) إلى آخره: (خالد بن مَخْلد): شيخ البُخاريِّ، وكأنَّه أخذه عنه في حال المذاكرة، والله أعلم، وقد تَقَدَّمت ترجمة خالد بن مَخْلد، وأنَّه صدوق، فيه تشيُّع، وقال أحمد وغيره: له مناكير، والضمير في (تابعه) يعود على زكريا بن يحيى شيخ البُخاريِّ في الحديث الذي قبل المتابعة، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 93]

(1/7210)


[حديث: أول مولود ولد في الإسلام عبد الله بن الزبير]
3910# قوله: (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ): تَقَدَّم أعلاه أنَّه حَمَّاد بن أسامة.
قوله: (أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلاَمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ): تَقَدَّم الكلام عليه أعلاه، وأنَّ فيه مجازين، والله أعلم.
==========
[ج 2 ص 93]

(1/7211)


[حديث: فقف مكانك لا تتركن أحدًا يلحق بنا]
3911# قوله: (حدَّثنا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ): قال الجيَّانيُّ في «تقييده»: وقال _أي: البُخاريُّ_ في (باب هجرة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه المدينة): (حدَّثنا محمَّد: حدَّثنا عبد الصمد ... ) إلى آخره: نسبه أبو عليِّ بن السكن: محمَّد بن بَشَّار، وإلى ذلك أشار أبو نصر في كتابه، ولم ينسبه أبو زيد، ولا أبو أحمد، ولا أبو ذرٍّ عن مشايخه، ولا أبو مسعود الدِّمَشْقيُّ في كتاب «الأطراف»، انتهى، ولم أر شيخنا نسبه ولا المِزِّيَّ، بل قال المِزِّيُّ: (عن محمَّدٍ)، و (عبد الصمد): هو ابن عبد الوارث، وقد تَقَدَّما، و (عبد العزيز): هو ابن صُهيب، كما نسبه هنا، والكلُّ ظاهرٌ عند أهله.
قوله: (وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ): اعلم أنَّ أبا بكرٍ رضي الله عنه أسرع إليه الشيب قبل النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإلا؛ فالنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أسنُّ منه بمقدار خلافته، وهو سنتان وثلاثة أشهر وعشرون يومًا، وقد تَقَدَّم، وما وقع من أنَّ أبا بكر أسنُّ؛ فهو مرسلٌ، وسيأتي ما قيل فيه، وهو حديثٌ معروفٌ، والله أعلم، رواه حبيب بن الشهيد، عن ميمون بن مهران، عن يزيد بن الأصمِّ: أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأبي بكرٍ: «من أكبر أنا أو أنت؟» قال: أنت أكبر وأكرم، وخير منِّي، وأنا أسنُّ منك، ذكره ابن عبد البَرِّ في «استيعابه» في ترجمة أبي بكر الصِّدِّيق، وقال عقبه: لا يعرف إلَّا بهذا الإسناد، وأحسبه وَهمًا؛ لأنَّ جمهور أهل العلم بالأخبار والسِّيَر والآثار يقولون: إنَّ أبا بكرٍ استوفى بمدة خلافته سنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وتُوفِّي وهو ابن ثلاث وستِّين سنة، انتهى، وأيضًا هذا مرسلٌ، فيزيد تابعيٌّ، والله أعلم.
[ج 2 ص 93]
قوله: (بِفَارِسٍ قَدْ لَحِقَهُمْ): تَقَدَّم أنَّه سراقة بن مالك بن جُعْشم، وتَقَدَّم مترجمًا.
قوله: (اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ): هو بوصل الهمزة، وفتح الراء؛ لأنَّه ثلاثيُّ (صَرعه)، والله أعلم، وهذا ظاهرٌ.

(1/7212)